×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

غاية المرام وحجة الخصام في تعيين الإمام (ج 6) / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٥ فارغة
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

الباب الحادي والستون

في قول أمير المؤمنين (عليه السلام): أنا أولى بالأمر من أبي بكر وعمر وعثمان
واحتجاجه عليهم وقوله (عليه السلام): إن لنا حقا إن نعطه نأخذه
وإن الإمامة والخلافة له (عليه السلام) دونهم، ولم يبايع حتى راموا قتله (عليه السلام)

من طرق العامة وفيه ثمانية أحاديث


الأول: موفق بن أحمد من أعيان علماء العامة في كتاب فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: أخبرناالشيخ الإمام شهاب الدين أفضل الحفاظ أبو النجيب سعد بن عبد الله بن الحسن الهمدانيالمعروف بالمروزي فيما كتب إلي من همدان، أخبرنا الحافظ أبو علي بن الحسن بن أحمد بنالحسن الحداد بأصبهان فيما أذن في الرواية عنه، أخبرني الشيخ الأديب أبو يعلى عبد الرزاق بنعمر بن إبراهيم الطهراني سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة، أخبرني الإمام الحافظ طراز المحدثين أبوبكر أحمد بن موسى بن مردويه الأصبهاني، حدثنا الإمام شهاب الدين أبو النجيب سعد بنعبيد الله الهمداني، وأخبرني بهذا الحديث عاليا الإمام الحافظ سليمان بن إبراهيم الأصفهاني فيكتابه إلي من أصبهان سنة ثمان وثمانين وأربعمائة عن أبي بكر أحمد بن موسى بن مردويه، حدثناسليمان بن أحمد بن علي بن سعيد الرازي حدثنا محمد بن حميد حدثنا زافر بن سليمان بنالحارث بن محمد عن أبي الطفيل عامر بن واثلة قال: كنت على الباب يوم الشورى فارتفعتالأصوات بينهم فسمعت عليا (عليه السلام) يقول: بايع الناس أبا بكر وأنا والله أولى بالأمر منه وأحق به منه،فسمعت وأطعت مخافة أن يرجع الناس كفارا يضرب بعضهم رقاب بعض بالسيف، ثم بايع أبوبكر لعمر وأنا والله أولى بالأمر منه، فسمعت وأطعت مخافة أن يرجع الناس كفارا، ثم أنتمتريدون أن تبايعوا عثمان إذ لا أسمع ولا أطيع، إن عمر جعلني في خمسة نفر أنا سادسهم لايعرف لي فضلا في الصلاح ولا يعرفونه لي كما نحن فيه شرع سواء، وأيم الله لو أشاء أن أتكلمبأشياء لا يستطيع عربهم لا عجمهم ولا المعاهد منهم ولا المشرك أن يرد خصلة منها ثم قال:

٦

أنشدكم الله أيها الخمسة أمنكم أخو رسول الله غيري؟

قالوا: لا، قال: أمنكم أحد له عم مثل عمي حمزة أسد الله وأسد رسوله (صلى الله عليه وآله) غيري؟ قالوا: لا،قال: أمنكم أحد له ابن عم مثل ابن عمي رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟

قالوا: لا، قال: أمنكم أحد له أخ مثل أخي المزين بالجناحين يطير مع الملائكة في الجنة؟

قالوا: لا، قال: أمنكم أحد له زوجة مثل زوجتي فاطمة بنت محمد سيدة نساء هذه الأمة؟ قالوا:

لا، قال: أمنكم أحد له سبطان مثل الحسن والحسين سبطا هذه الأمة ابنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) غيري؟

قالوا: لا، قال: أمنكم أحد قتل مشركي قريش غيري؟ قالوا: لا، قال: أمنكم أحد وحد الله قبلي؟

قالوا: لا، قال: أمنكم أحد صلى القبلتين غيري؟ قالوا: لا، قال: أمنكم أحد أمر الله سبحانه وتعالىبمودته غيري؟ قالوا: لا، قال: أمنكم أحد غسل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) غيري؟ قالوا: لا، قال: أمنكم أحدردت عليه الشمس بعد غروبها حتى صلى صلاة العصر غيري؟ قالوا: لا، قال: أمنكم أحد قالرسول الله (صلى الله عليه وآله) حين قرب إليه الطير ليأكله فقال: اللهم ايتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذاالطير، فجئت وأنا لا أعلم ما كان من قوله فدخلت قال: وإلي يا رب وإلي يا رب، غيري؟ قالوا: لا،قال: أفيكم أحد كان قتل المشركين عند كل شدة تنزل برسول الله (صلى الله عليه وآله) مني؟ قالوا: لا، قال: أفيكمأحد كان أعظم عناء عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى اضطجعت على فراشه ووقيته بنفسي وبذلت لهمهجتي غيري؟

قالوا: لا، قال: أفيكم أحد كان يأخذ الخمس غيري وغير فاطمة؟ قالوا: لا، قال: أفيكم أحد كانله سهم في الخاص وسهم في العام غيري؟ قالوا: لا، قال: أفيكم أحد يطهره كتاب الله غيري حتىسد النبي (صلى الله عليه وآله) أبواب المهاجرين جميعا وفتح بابي إليه حتى قام إليه عماه حمزة والعباس وقالا: يارسول الله سددت أبوابنا وفتحت باب علي فقال النبي (صلى الله عليه وآله): ما فتحت بابه ولا سددت أبوابكم، بلالله فتح بابه وسد أبوابكم. قالوا: لا، قال: أفيكم أحد أتم الله نوره حين قال: *(وآت ذا القربى حقه)*؟

قالوا: اللهم لا، قال: أفيكم أحد ناجى رسول الله ست عشرة مرة غيري حين نزل: *(يا أيها الذينآمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة)* غيري؟ قالوا: اللهم لا، قال: أفيكم أحد وليغمض عيني رسول الله (صلى الله عليه وآله) غيري؟ قالوا: اللهم لا، قال: أفيكم أحد آخر عهده برسول الله (صلى الله عليه وآله) حينوضعه في حفرته غيري؟ قالوا: اللهم لا(١).

الثاني: ابن أبي الحديد من علماء السنة في شرح نهج البلاغة قال: روى أبو جعفر ما قاله

(١) المناقب: ٣١٣ / ح ٣١٤.

٧

علي (عليه السلام) في يوم الشورى وهو: الحمد لله الذي اختار محمدا منا نبيا وابتعثه إلينا رسولا فنحن أهلبيت النبوة ومعدن الحكمة، أمان لأهل الأرض ونجاة لمن طلب، إن لنا حقا إن نعطه نأخذ وإننمنعه نركب أعجاز الإبل وإن طال السرى، لو عهد إلينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأنفذنا عهده ولو قال لناقولا لجالدنا عليه حتى نموت، لن يسرع أحد قبلي إلى دعوة حق وصلة رحم ولا حول ولا قوة إلابالله، اسمعوا كلامي وعوا منطقي، عسى أن تروا هذا الأمر بعد الجمع تنتضي فيه السيوف وتخانفيه العهود حتى لا تكون لكم جماعة وحتى يكون بعضكم أئمة لأهل الضلالة وشيعة لأهلالجهالة(١).

الثالث: ابن أبي الحديد قال عوانة: حدثني يزيد بن جرير عن الشعبي عن شقيق بن مسلمة أنعلي ابن أبي طالب (عليه السلام) لما انصرف إلى رحله يعني في قصة الشورى قال لبني هاشم: يا بني عبدالمطلب إن قومكم عادوكم بعد وفاة النبي كعداوتهم النبي في حياته، إن يطمع قومكم لا تؤمرواأبدا، والله لا يثبت هؤلاء إلى الحق إلا بالسيف، قال عبد الله بن عمر بن الخطاب كان داخلا عليهمقد سمع الكلام كله فدخل فقال: يا أبا الحسن أريد أن يضرب بعضهم بعضا فقال: اسكت ويحكفوالله لولا أبوك وما ركب مني قديما وحديثا، ما نازعني ابن عفان ولا ابن عوف فقام عبد اللهفخرج(٢).

الرابع: ابن أبي الحديد قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): واعجبا أن تكون الخلافة بالصحابة ولاتكون بالصحابة والقرابة قال الرضي (رحمه الله): وقد روى له شعر قريب من هذا المعنى وهو:


فإن كنت بالشورى ملكت أمورهمفكيف بهذا والمشيرون غيب
وإن كنت بالقربى حججت خصيمهمفغيرك أولى بالنبي وأقرب

وقال ابن أبي الحديد في الشرح: حديثه (عليه السلام) في النثر والنظم المذكورين مع أبي بكر وعمر، أماالنثر فإلى عمر توجيهه لأن أبا بكر لما قال لعمر: امدد يدك قال له عمر: أنت صاحب رسول الله فيالمواطن كلها شدتها ورخاؤها فامدد أنت يدك، فقال علي (عليه السلام): إذا احتججت لاستحقاقه الأمربصحبته إياه في المواطن كلها، فهلا سلمت الأمر إلى من قد شركه في ذلك وزاد عليه بالقرابة، وأماالنظم فموجه إلى أبي بكر لأن أبا بكر حاج الأنصار في السقيفة فقال: نحن عترة رسول الله (صلى الله عليه وآله)وبيضته التي تفقأت عنه، فلما بويع احتج على الناس بالبيعة وإنما صدرت عن أهل الحل والعقدفقال علي: أما احتجاجك على الأنصار بأنك من بيضة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومن قومه فغيرك أقرب نسبا

(١) شرح نهج البلاغة: ١ / ١٩٥.

(٢) شرح نهج البلاغة: ٩ / ٥٤.

٨

منك إليه وأما احتجاجك بالاختيار ورضا الجماعة بك فقد كان قوم من جلة الصحابة غائبين لميحضروا العهد فكيف ثبت(١)؟.

الخامس: ابن أبي الحديد قال: قال (عليه السلام): ما زلت مدفوعا منذ قبض الله نبيه حتى يوم الناسهذا(٢).

السادس: ابن أبي الحديد قال: قال (عليه السلام): ما زلت مظلوما منذ قبض الله نبيه حتى يوم الناس هذا،ولقد كنت أظلم من قبل ظهور الإسلام، لقد كان يجئ أخي عقيل بذنب أخي جعفر فيضربني(٣).

السابع: ابن أبي الحديد في الشرح قال: نحن نذكر ما استفاض من الروايات من مناشدتهأصحاب الشورى وتعديده فضائله وخصائصه التي بان بها منهم ومن غيرهم، قد روى الناس ذلكفأكثروا، والذي صح عندي أنه لم يكن الأمر كلما روي من تلك التعديدات الطويلة ولكنه قال لهمبعد أن بايع عبد الرحمن والحاضرون عثمان وتلكأ هو (عليه السلام) عن البيعة قال: إن لنا حقا أن نعطه نأخذهوإن نمنعه نركب أعجاز الإبل وإن طال السرى، في كلام قد ذكره أهل السيرة وقد أوردنا بعضه فيماتقدم ثم قال لهم: أنشدكم الله أفيكم أحد آخى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بينه وبين نفسه حيث وأخي بين بعضالمسلمين وبعض غيري؟ فقالوا: لا، قال: أفيكم أحد قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): من كنت مولاه فهذامولاه غيري؟ فقالوا: لا، فقال: أفيكم أحد قال له رسول الله: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي غيري؟ قالوا: لا، قال: أفيكم من اؤتمن على سورة براءة وقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنهلا يؤدي عني إلا أنا أو رجل مني، غيري؟ قالوا: لا، قال: ألا تعلمون أن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فرواعنه في مواطن الحرب في غير موطن وما فررت قط؟ قالوا: بلى، قال: ألا تعلمون أني أول الناسإسلاما؟ قالوا: لي، قال: فأينا أقرب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) نسبا؟ قالوا: أنت، فقطع عليه عبد الرحمن بنعوف كلامه وقال: يا علي قد أبى الناس إلا على عثمان فلا تجعلن على نفسك سبيلا ثم قال: يا أباطلحة ما الذي أمرك به عمر قال: إن أقتل من شق عصا الجماعة، فقال عبد الرحمن لعلي: بايع إذاوإلا كنت متبعا عن سبيل المؤمنين وأنفدنا فيك ما أمرنا به فقال: لقد علمتم أني أحق بها من غيريوالله لأسلمن الفضل إلى غيره، ثم مد يده فبايع(٤).

الثامن: البلاذري وهو من أعيان العامة وثقاتهم في كتابه عن الكلبي عن أبيه عن أبي مخنف فيإسناده له أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: لما بايع عبد الرحمن عثمان كان قائما فقعد فقال له عبد

(١) شرح نهج البلاغة: ١٨ / ٤١٦.

(٢) شرح نهج البلاغة: ١ / ٢٢٣.

(٣) شرح نهج البلاغة: ٢٠ / ٢٨٣.

(٤) شرح نهج البلاغة: ٦ / ١٦٧.

٩

الرحمن: بايع وإلا ضربت عنقك، ولم يكن مع أحد يومئذ سيف غيره فيقال: إن عليا (عليه السلام) خرجمغضبا فلحقه أصحاب الشورى فقالوا: بايع وإلا جاهدناك، فأقبل معهم يمشي حتى بايع عثمان(١).

قال السيد المرتضى عقيب ذكره هذا الحديث في الشافي فأي رضا هاهناء وأي إجماع؟ وكيفيكون مختارا من يهدد بالقتل والجهاد؟ وهذا المعنى - يعني حديث التهديد بضرب العنق - لوروته الشيعة لتضاحك المخالفون منه ولتغامزوا وقالوا: هذا من جملة ما يدعونه من المحالويروونه من الأحاديث، وقد أنطق الله به رواتهم وأجراه على أفواه ثقاتهم. إلى ههنا كلام السيدالمرتضى(٢).

أقول: إنه قد صح في أخبار العامة وأهل السنة والجماعة من الأخبار المتقدمة في البابالسادس والخمسين وفي هذا الباب أن أمير المؤمنين (عليه السلام) إنما بايع وصالح المتقدمين عليه الذينأخذوا الإمامة والخلافة منه أبو بكر وعمر وعثمان ما وقع الصلح منه (عليه السلام) لهم إلا بعد أن هدد (عليه السلام)بالقرآن لم يبايعهم، فإذا كان الأمر على ذلك فمما صالحهم إلا لخوف القتل منهم له (عليه السلام)، وبيعته (عليه السلام)وقعت منه على سبيل التقية والخوف، فلا تكون بيعته (عليه السلام) حجة للعامة كما هو واضح بين، لأن منهدد بالقتل وأكره على أمر ففعله لا يكون فعله له باختيار منه، وما وقع على غير اختيار لا يكونصاحبه ينسب إليه الفعل الاختياري ويكون حجة عليه وعلى أوليائه الموافقين له في أمره، منذلك يعلم أن مذهب العامة على شفا جرف هار فأنهار به في نار جهنم ألا ذلك هو الخسران المبين.

(١) نقله عنه ابن أبي الحديد في شرح النهج: ١٢ / ٢٦٥.

(٢) شرح نهج البلاغة: ١٢ / ٢٦٥.

١٠

الباب الثاني والستون

في قول أمير المؤمنين (عليه السلام): أنا أولى بالأمر ممن تقدم علي
واحتجاجه (عليه السلام) عليهم، وأن الخلافة والإمامة له (عليه السلام) دونهم

من طريق الخاصة وفيه خمسة أحاديث


الأول: الشيخ الطوسي في أماليه قال: حدثنا محمد بن محمد يعني المفيد قال: أخبرني أبوالحسن علي بن محمد الكاتب قال: حدثنا الحسن بن علي الزعفراني قال: حدثنا أبو إسحاقإبراهيم بن محمد الثقفي قال: حدثنا المسعودي قال: حدثنا محمد بن كثير عن يحيى بن حمادالقطان قال: حدثنا أبو محمد الحضرمي عن [ أبي ] علي الهمداني أن عبد الرحمن بن أبي ليلى قامإلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين إني سائلك لآخذ عنك، وقد انتظرنا أن تقول من أمركشيئا فلم تقله، ألا تحدثنا عن أمرك هذا كان بعهد من رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو شئ رأيته فإنا قد أكثرنا فيكالأقاويل، وأوثقه عندنا ما نقلناه عنك وسمعناه من فيك؟ إنا كنا نقول: لو رجعت إليكم بعد رسولالله (صلى الله عليه وآله) لم ينازعكم فيها أحد، والله ما أدري إذا سئلت ما أقول، أأزعم أن القوم كانوا أولى بما كانوافيه منك؟ فإن قلت ذلك فعلام نصبك رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد حجة الوداع فقال: أيها الناس من كنتمولاه فعلي مولاه، وإن كنت أولى منهم لما كانوا فيه فعلام نتولاهم؟

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): يا أبا عبد الرحمن إن الله تعالى قبض نبيه (عليه السلام) وأنا يوم قبضه أولى الناسمني بقميصي هذا، وقد كان من نبي الله إلي عهد لوخزتموني بأنفي لأقررت سمعا لله وطاعة، وإنأول ما انتقصنا بعده إبطال حقنا في الخمس، فلما دق أمرنا طمعت رعيان قريش فينا، وقد كان ليعلى الناس حق لو ردوه إلي عفوا قبلته وقمت به، وكان إلى أجل معلوم وكنت كرجل له على الناسحق إلى أجل فإن عجلوا ماله أخذه وحمدهم عليه وإن أخروه أخذه غير محمودين، وكنت كرجليأخذ السهولة وهو عند الناس محزون، وإنما يعرف الهدى بقلة من يأخذه من الناس، فإذا سكتفاعفوني فإنه لو جاء أمر تحتاجون فيه إلى الجواب أجبتكم، فكفوا عني ما كففت عنكم فقال عبدالرحمن: يا أمير المؤمنين فأنت لعمرك كما قال الأول:

١١


لعمري لقد أيقظت من كان نائماوأسمعت من كانت له أذنان(١)

الثاني: الشيخ في أماليه قال: أخبرنا محمد بن محمد قال: أخبرني أبو الحسن علي بن محمدالكاتب قال: أخبرنا الحسن بن علي بن عبد الكريم قال: حدثنا إبراهيم بن محمد الثقفي قال:

أخبرني أبو نعيم الفضل بن دكين قال: حدثنا أبو عاصم عن قيس بن مسلم قال: سمعت طارق بنشهاب يقول: لما نزل علي بالربذة سألت عن قدومه إليها فقيل: خالف عليه طلحة والزبير وعائشةوصاروا إلى البصرة، فخرج يريدهم فصرت إليه فجلست حتى صلى الظهر والعصر، فلما فرغ منصلاته قام إليه ابنه الحسن بن علي (عليهما السلام) فجلس بين يديه ثم بكى وقال: يا أمير المؤمنين إني لاأستطيع أن أكلمك، وبكى فقال له أمير المؤمنين: لا تبك يا بني وتكلم ولا تحن حنين الجارية.

فقال: يا أمير المؤمنين إن القوم حصروا عثمان يطلبونه بما يطلبونه إما ظالمون أو مظلومون،فسألتك أن تعتزل الناس وتلحق بمكة حتى تؤوب العرب وتعود إليها أحلامها ويأتيك وفودها،فوالله لو كنت في جحر ضب لضربت إليك العرب آباط الإبل حتى تستخرجك منه ثم خالفكطلحة والزبير فسألتك ألا تتبعهما وتدعهما، فإن اجتمعت الأمة فذاك وإن اختلفت رضيت بما قسمالله، وأنا اليوم أسألك ألا تقدم العراق وأذكرك بالله أن لا تقتل بمضيعة، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): أماقولك: إن عثمان حصر فما ذاك؟ وما علي منه؟ وكنت بمعزل عن حصره، وأما قولك إئت مكةفوالله ما كنت لأكون الرجل الذي تستحل به مكة، وأما قولك اعتزل العراق ودع طلحة والزبير،فوالله ما كنت لأكون كالضبع ينتظر حتى يدخل عليها طالبها فيضع الحبل في رجلها حتى يقطععرقوبها فيمزقها إربا إربا، ولكن أباك يضرب بالمقبل إلى الحق المدبر عنه، وبالسامع المطيعالعاصي المخالف أبدا حتى يأتي علي يومي، فوالله ما زال أبوك مدفوعا عن حقه مستأثرا عليه منذقبض الله نبيه (عليه السلام) حتى يوم الناس هذا، فكان طارق بن شهاب - أي وقت حدث بهذا الحديثيبكي(٢).

الثالث: ابن بابويه قال: حدثنا أحمد بن الحسن القطان قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمدالحسني قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن حفص الخثعمي قال: حدثنا الحسن بن عبد الواحد قال:

حدثني أحمد التعلبي قال: حدثني أحمد بن عبد الحميد قال: حدثني حفص بن منصور العطارقال: حدثنا أبو سعيد الوراق عن أبيه عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده (عليهم السلام) قال: لما كان من أمرأبي بكر وبيعة الناس له وفعلهم بعلي بن أبي طالب (عليه السلام) ما كان، لم يزل أبو بكر يظهر له الانبساط

(١) أمالي الطوسي: ٩ / مجلس ١ / ح ٩.

(٢) أمالي الطوسي: ٥٢ / مجلس ٢ / ح ٣٧.

١٢

ويرى منه انقباضا، فكبر ذلك على أبي بكر فأحب لقاه واستخراج ما عنده والمعذرة إليه لمااجتمع الناس عليه وتقليدهم إياه أمر الأمة وقلة رغبته في ذلك وزهده فيه، أتاه في وقت غفلةوطلب منه الخلوة وقال له: والله يا أبا الحسن ما كان هذا الأمر مواطأة مني ولا رغبة فيما وقعت فيهولا حرصا عليه ولا ثقة بنفسي فيما يحتاج إليه الأمة ولا قوة لي بمال ولا كثرة العشيرة ولا ابتزاز لهدون غيري، فما لك تضمر علي ما لم استحقه منك، وتظهر لي الكراهة فيما صرت إليه، وتنظر إليبعين السامة مني؟ قال: فقال له علي (عليه السلام): فما حملك عليه إذا لم ترغب فيه ولا حرصت عليه ولاوثقت بنفسك في القيام به وبما يحتاج منك فيه؟

فقال أبو بكر: حديث سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن الله لا يجمع أمتي على ضلال، ولما رأيتاجتماعهم اتبعت حديث النبي (صلى الله عليه وآله) وأحلت أن يكون اجتماعهم على خلاف الهدى وأعطيتهم قودالإجابة، ولو علمت أن أحدا يتخلف لامتنعت، قال: فقال (عليه السلام): أما ما ذكرت من حديث النبي (صلى الله عليه وآله) أنالله لا يجمع أمتي على ضلال، أفكنت من الأمة أو لم أكن؟ قال: بلى، وكذلك العصابة الممتنعةعليك من سلمان وعمار والمقداد وأبي ذر وابن عبادة ومن معه من الأنصار؟ قال: كل من الأمةفقال علي (عليه السلام): فكيف تحتج بحديث النبي (صلى الله عليه وآله) وأمثال هؤلاء قد تخلفوا عنك وليس للأمة فيهمطعن ولا صحبة الرسول ونصيحته منهم تقصير؟ قال: ما علمت بتخلفهم إلا من بعد إبرام هذا الأمروخفت إن دفعت عني الأمر أن يتفاقم إلى أن يرجع الناس مرتدين من الدين وكان ممارستكم إلىأن أجبتهم أهون مؤونة على الدين وأبقى لهم. وفي نسخة بقي له من ضرب الناس بعضهم ببعضفيرجعوا كفارا، وعلمت أنك لست بدوني في الإبقاء عليهم وعلى أديانهم.

فقال علي (عليه السلام): أجل ولكن أخبرني عن هذا الذي يستحق هذا الأمر بما يستحقه؟

فقال أبو بكر: بالنصيحة والوفاء ورفع المداهنة والمحاباة وحسن السيرة وإظهار العدل والعلمبالكتاب والسنة وفصل الخطاب، مع الزهد في الدنيا وقلة الرغبة فيها وإنصاف المظلوم من الظالمالقريب والبعيد، ثم سكت فقال علي عليه السلام: أنشدتك بالله يا أبا بكر أفي نفسك تجد هذهالخصال أو في؟

قال: بل فيك يا أبا الحسن، فقال: أنشدتك بالله أنا المجيب لرسول الله قبل ذكران المسلمين أمأنت؟

قال: بل أنت، قال: أنشدك بالله أنا الأذان لأهل الموسم وجميع الأمة بسورة براءة أم أنت؟ قال:

بل أنت، قال: أنشدك بالله أنا وقيت رسول الله بنفسي يوم الغار أم أنت؟ قال: بل أنت، قال: فأنشدك

١٣

بالله ألي الولاية من الله مع ولاية رسول الله في آية زكاة الخاتم أم لك؟ قال: بل لك، قال: فأنشدكبالله أنا المولى لك ولكل مسلم بحديث النبي (صلى الله عليه وآله) يوم الغدير أم أنت؟ قال: بل أنت، قال: فأنشدكبالله ألي الوزارة من رسول الله والمثل هارون من موسى أم لك؟ قال: بل لك، قال: فأنشدك بالله أبيبرز رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبأهل بيتي وولدي في مباهلة المشركين من النصارى أم بك وبأهلك وولدك؟

قال: بل بكم.

قال: فأنشدك بالله ألي ولأهلي وولدي آية التطهير من الرجس أم لك ولأهل بيتك؟ قال: بل لكولأهل بيتك، قال: فأنشدك بالله أنا صاحب دعوة رسول الله وأهلي وولدي يوم الكساء: اللهم هؤلاءأهلي إليك لا إلى النار أم أنت؟ قال: بل أنت وأهلك وولدك، قال: فأنشدك بالله أنا صاحب الآية*(يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا)* أم أنت؟ قال: بل أنت، قال: فأنشدك بالله أنتالفتى الذي نودي من السماء: لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي أم أنا؟ قال: بل أنت، قال:

فأنشدك بالله أنت الذي ردت له الشمس لوقت صلاته وصلاها ثم توارت أم أنت؟ قال: بل أنت،قال: فأنشدك بالله أنت الذي حباك رسول الله برايته يوم خيبر ففتح الله له أم أنا؟ قال: بل أنت، قال:

فأنشدك بالله أنت الذي نفس(١) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كربته وعن المسلمين بقتل عمرو بن عبد ود أمأنا؟ قال: بل أنت قال: فأنشدك بالله أنت الذي ائتمنك رسول الله (صلى الله عليه وآله) على رسالته إلى الجن فأجابتأم أنا؟ قال: بل أنت، قال: فأنشدك بالله أنت الذي طهرك رسول الله (صلى الله عليه وآله) من السفاح من أبيك آدم إلىأبيك بقوله: أنا وأنت من نكاح لا من سفاح من آدم إلى عبد المطلب، أم أنا؟ قال: بل أنت، قال:

فأنشدك بالله أنا الذي اختار لي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وزوجني ابنته فاطمة وقال (صلى الله عليه وآله)، الله زوجك، أم أنت؟

قال: أنت، قال: فأنشدك بالله أنا والد الحسن والحسين ريحانتيه اللذين يقول فيهما: هذان سيداشباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما أم أنت؟ قال: بل أنت، قال: فأنشدك بالله أخوك الذيبجناحين في الجنة يطير بهما مع الملائكة أم أخي؟ قال: بل أخوك، قال: فأنشدك بالله أنا ضمنتدين رسول الله وناديت في الموسم بإنجاز موعده أم أنت؟ قال: بل أنت، قال: فأنشدك بالله أنا الذيدعاه رسول الله (صلى الله عليه وآله) والطير(٢) عنده يريد أكله، فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك بعدي، أمأنت؟ قال: بل أنت.

قال: فأنشدك بالله أنا الذي بشرني رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين علىتأويل القرآن أم أنت؟ قال: بل أنت، قال: فأنشدك بالله أنا الذي شهدت آخر كلام رسول لله (صلى الله عليه وآله)

(١) في المصدر: نفست.

(٢) في المصدر: لطير.

١٤

ووليت غسله ودفنه أم أنت؟ قال: بل أنت، قال: فأنشدك بالله أنا الذي دل عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله)بعلم القضاء بقوله: علي أقضاكم أم أنت؟ قال: بل أنت، قال: فأنشدك بالله أنا الذي أمر رسوللله (صلى الله عليه وآله) أصحابه بالسلام عليه بالإمرة في حياته أم أنت؟ قال: فأنشدك بالله أنت الذي سبقت لهالقرابة من رسول الله (صلى الله عليه وآله) أم أنا؟ قال: بل أنت، قال: فأنشدك بالله أنت الذي حباك الله عز وجلبدينار عند حاجته وباعك جبرائيل وأضفت محمدا (صلى الله عليه وآله) وأطعمت ولده أم أنا؟

قال: فبكى أبو بكر وقال: بل أنت، قال: فأنشدك بالله أنت الذي حملك رسول الله (صلى الله عليه وآله) على كتفيهفي طرح صنم الكعبة وكسره حتى لو شاء أن ينال أفق السماء لنالها أم أنا؟ قال: بل أنت، قال:

فأنشدك بالله أنت الذي، قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنت صاحب لوائي في الدنيا والآخرة أم أنا؟ قال:

بل أنت، قال: فأنشدك بالله أنت الذي أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بفتح بابه في مسجده حين أمر بسد جميعأبواب أصحابه وأهل بيته وأحل له فيه ما أحل الله له أم أنا؟ قال: بل أنت، قال: فأنشدك بالله أنتالذي قدم بين يدي نجوى لرسول الله (صلى الله عليه وآله) صدقة فناجاه أم أنا إذ عاتب الله عز وجل قوما فقال:

*(أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات)* الآية؟ قال: بل أنت، قال: فأنشدك بالله أنت الذيقال فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) لفاطمة عليها السلام: زوجتك أول الناس إيمانا وأرجحهم إسلاما في كلام لهأم أنا؟ قال: بل أنت.

قال: فلم يزل (عليه السلام) يعد عليه مناقبه التي جعل الله عز وجل له دونه ودون غيره ويقول له أبو بكر:

بل أنت. قال: بهذا وشبهه يستحق القيام بأمور أمة محمد، فقال له علي: فما الذي غرك عن الله وعنرسوله وعن دينه وأنت خلو مما يحتاج إليه أهل دينه، قال: فبكى أبو بكر فقال: صدقت يا أباالحسن أنظرني يومي هذا فأدبر ما أنا فيه وما سمعت منك، قال: فقال له علي: لك ذلك يا أبا بكرفرجع من عنده وخلى بنفسه يومه ولم يأذن لأحد إلى الليل، وعمر يتردد في الناس لما بلغه منخلوته بعلي (عليه السلام) فبات في ليلته فرأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في منامه متمثلا له في مجلسه، فقام إليه أبوبكر ليسلم [ عليه ] فولى وجهه، فقال أبو بكر: يا رسول الله هل أمرت بأمر فلم أفعل، فقال [ رسولالله (صلى الله عليه وآله) ]: أرد السلام عليك وقد عاديت من ولاه الله ورسوله(١)؟ رد الحق إلى أهله، فقلت: من أهله؟

قال: من عاتبك عليه وهو علي.

قال: فقد رددت عليه يا رسول الله بأمرك، قال: فأصبح وبكى وقال لعلي (عليه السلام): أبسط يدك فبايعهوسلم إليه الأمر وقال له: أخرج إلى مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأخبر الناس بما رأيت في ليلتي وما جرى

(١) في المصدر: عاديت الله ورسوله وعاديت من وإلى الله ورسوله.

١٥

بيني وبينك فاخرج نفسي من هذا الأمر وأسلم عليك بالإمرة، قال: فقال علي: نعم فخرج منعنده متغيرا لونه، فصادفه عمر وهو في طلبه فقال ما: حالك يا خليفة رسول الله؟ فأخبره بما كانمنه وما رأى وما جرى بينه وبين علي (عليه السلام) فقال: أنشدك بالله يا خليفة رسول الله أن تغتر بسحر بنيهاشم، فليس هذا بأول سحر منهم، فما زال به حتى رده عن رأيه وصرفه عن عزمه ورغبه فيما هوفيه وأمره بالثبات عليه والقيام به، قال: فأتى علي (عليه السلام) المسجد للميعاد فلم ير فيه [ منهم ] أحدافأحس بالشر منهم فقعد إلى منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فمر عمر فقال له: يا علي دون ما تروم خرط القتاد،فعلم بالأمر وقام ورجع إلى بيته(١).

الرابع: الشيخ في أماليه قال: أخبرنا جماعة عن أبي الفضل قال: حدثنا أبو جعفر محمد بنالحسن بن حفص الخثعمي الأسناني قال: حدثنا عباد بن يعقوب السدي قال: أخبرنا علي بنهاشم بن البريد عن أبيه عن عبد الله بن مخارق عن هاشم بن مساحق عن أبيه أنه شهد يومالجمل، وإن الناس لما انهزموا اجتمع هو ونفر من قريش فيهم مروان فقال بعضهم لبعض: والله لقدظلمنا هذا الرجل ونكثنا بيعته على غير حدث كان منه، ثم لقد ظهر علينا فما رأينا رجلا قط كانأكرم سيرة ولا أحسن عفوا بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) منه فتعالوا فلندخل عليه ولنعتذر مما صنعنا، قال:

فدخلنا عليه فلما ذهب متكلمنا يتكلم قال: انصتوا أكفكم إنما أنا رجل منكم، فإن قلت حقافصدقوني وإن قلت غير ذلك فردوه علي، أنشدكم بالله أتعلمون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبض وأنا أولىبرسول الله (صلى الله عليه وآله) وبالناس؟ قالوا: اللهم نعم قال: فبايعتم أبا بكر وعدلتم عني فبايعت أبا بكر كمابايعتموه وكرهت أن أشق عصا المسلمين وأن أفرق بين جماعتهم، ثم إن أبا بكر جعلها لعمر منبعده وأنتم تعلمون أني أولى الناس برسول الله (صلى الله عليه وآله) وبالناس من بعده فبايعت عمر كما بايعتموهفوفيت له ببيعته حتى لما قتل جعلني سادس ستة فدخلت حيث أدخلني، فكرهت أن أفرقجماعة المسلمين وأشق عصاهم فبايعتم عثمان فبايعته ثم طغيتم على عثمان فقتلتموه وأنا جالسفي بيتي، ثم أتيتموني غير داع لكم ولا مستكره لأحد منكم فبايعتموني كما بايعتم أبا بكر وعمروعثمان، فما جعلكم أحق أن تفوا لأبي بكر وعمر وعثمان ببيعتهم منكم ببيعتي؟ قالوا له: يا أميرالمؤمنين كن كما قال العبد الصالح: *(لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين)*(٢)،فقال: كذلك أقول: *(يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين)* مع أن فيكم رجلا لو بايعني بيده لنكث

(١) الخصال: ٥٤٨ ج / ٣٠، والاحتجاج: ١ / ١٦٣.

(٢) يوسف: ٩٢.

١٦
١٧

الباب الثالث والستون

في سبب تركه (عليه السلام) جهاد من تقدم عليه في الإمامة من خوفه الردة على الأمة
حيث لم يجد أعوانا، وأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالجلوس في بيته
وقوله (صلى الله عليه وآله): " علي مثل الكعبة " وغير ذلك، وتظلمه (عليه السلام) منهم

من طريق العامة وفيه اثنا عشر حديثا


الأول: ابن أبي الحديد وهو من أفاضل علماء العامة المعتزلة في شرح نهج البلاغة قال: رويعن علي (عليه السلام) أن فاطمة (عليها السلام) حرضته على النهوض والوثوب فسمع صوت المؤذن: أشهد أن محمدارسول الله فقال لها: أيسرك زوال هذا النداء من الأرض، قالت: لا، قال: فإنه ما أقول(١).

قال: ابن أبي الحديد عقيب ذلك: وهذا المذهب هو أقصد المذاهب وأصحها وإليه يذهبأصحابنا المتأخرون وبه نقول، واعلم أن حال علي في هذا المعنى أشهر من أن يحتاج في الدلالةعليها إلى الإسهاب والإطناب، فقد رأيت انتقاض العرب عليه من أقطارها حين بويع بالخلافة بعدوفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) بخمس وعشرين سنة، وفي دون هذه المدة تنسى الأحقاد وتموت التراتوتبرد الأكباد الحامية وتسلو القلوب الواجدة ويعدم قرن من الناس ويوجد قرن ولا يبقى من أربابتلك الشحناء والبغضاء إلا الأقل فكانت حاله بعد هذه المدة الطويلة مع قريش كأنها حاله لو أفضتالخلافة إليه يوم وفاة ابن عمه (عليه السلام) من إظهار ما في النفوس وهيجان ما في القلوب حتى إن الاخلافمن قريش والأحداث والفتيان الذين لم يشهدوا وقائعه وفتكاته في أسلافهم وآبائهم فعلوا به ما لوكانت الأسلاف أحياء لقصرت عن فعله وتقاعست عن بلوغ شأوه، فكيف كانت تكون حاله لوجلس على منبر الخلافة وسيفه بعد يقطر دما من مهج العرب، لا سيما قريش الذين بهم كان ينبغيلو دهمه خطب أن يعتضد بهم، وعليهم كان يجب أن يعتمد؟

إذن كانت تدرس أعلام الملة وتعفى رسوم الشريعة وتعود الجاهلية الجهلاء إلى حالها ويفسدما أصلحه رسول الله (صلى الله عليه وآله) في ثلاث وعشرين سنة في شهر واحد، فكان من عناية الله تعالى بهذاالدين أن ألهم الصحابة ما فعلوه والله متم نوره ولو كره المشركون. إلى هنا كلام ابن أبي الحديد(٢).

أقول: هذا السبب القوي والحال الأضلعي والعذر الواضح في أن أمير المؤمنين (عليه السلام) لو طلب

(١) شرح نهج البلاغة: ١١ / ١١٣.

(٢) شرح نهج البلاغة: ١١ / ١١٤.

١٨

حقه الذي جعله الله تعالى له على لسان رسول الله (صلى الله عليه وآله) رجعت الملة المحمدية إلى الجاهليةالجهلاء فلذلك ترك أمير المؤمنين (عليه السلام) جهادهم ولم يحمل على عاتقه السيف لما يؤول إلى فسادالدين وإطفاء الحق المستبين، فالعذر له ولا عذر للرعية، إذ الواجب عليهم تسليم الأمة والخلافةله (عليه السلام) عفوا لما نص عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالإمامة والخلافة، كما هو معلوم عند العام والخاصفعذره (عليه السلام) واضح وما فعلته الجماعة من بيعة أبي بكر وعمر وعثمان فعلهم واضح حيث انقلبواعلى أعقابهم كما قال: الله تعالى *(وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتلانقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين)*(١).

الثاني: ابن أبي الحديد قال: قال أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحدثنا أحمد قال: حدثنا ابنعفير قال: حدثنا أبو عون عبد الله بن عبد الرحمن عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام أنعليا حمل فاطمة على حمار وسار بها ليلا إلى بيوت الأنصار يسألهم النصرة وتسألهم فاطمةالانتصار له وكانوا يقولون: يا ابنة رسول الله قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، لو كان ابن عمك سبق إليناأبا بكر ما عدلنا به، فقال علي (عليه السلام): أكنت أترك رسول الله (صلى الله عليه وآله) ميتا في بيته لا أجهزه وأخرج إلىالناس أنازعهم في سلطانه؟

وقالت فاطمة (عليها السلام): ما صنع أبو حسن إلا ما كان ينبغي له وصنعوا هم ما كان الله حسيبهم عليه(٢).

الثالث: ابن أبي الحديد قال: في كتاب معاوية المشهور إلى علي (عليه السلام): وعهدك أمس تحملقعيدة بيتك ليلا على حمار ويداك في يدي ابنيك حسن وحسين يوم بويع أبو بكر الصديق، فلمتدع أحدا من أهل بدر والسوابق إلا دعوتهم إلى نفسك ومشيت إليهم بامرأتك وأدليت عليهمبابنيك واستنصرتهم على صاحب رسول الله فلم يجبك منهم إلا أربعة أو خمسة، ولعمري لو كنتمحقا لأجابوك ولكنك ادعيت باطلا وقلت ما لا تعرف ورمت ما لم يدرك، ومهما نسيت فلا أنسىقولك لأبي سفيان لما حركك وهيجك: لو وجدت أربعين ذوي عزم منهم لناهضت القوم، فما يومالمسلمين منك بواحد ولا بغيك على الخلفاء بظريف ولا مستبدع(٣).

الرابع: ابن أبي الحديد قال: وروى أبو جعفر الطبري عن الشعبي يقال: إن عليا (عليه السلام) لما استنجدبالمسلمين عقيب يوم السقيفة وما جرى فيه وكان يحمل فاطمة (عليها السلام) ليلا على حمار وابناها بينيدي الحمار وعلي (عليه السلام) يسوقه فيطرق بيوت الأنصار وغيرهم ويسألهم النصرة والمعونة أجابه

(١) آل عمران: ١٤٤.

(٢) شرح نهج البلاغة: ٦ / ١٣.

(٣) شرح نهج البلاغة: ٢ / ٤٧.

١٩

أربعون رجلا، فبايعهم على الموت وأمرهم أن يصبحوا بكرة محلقي رؤوسهم ومعهم سلاحهمفأصبح لم يوافه (عليه السلام) منهم إلا أربعة الزبير والمقدار وأبو ذر وسلمان، ثم أتاهم من الليل فناشدهمفقالوا نصبحك غدوة فما جاء منهم إلا أربعة، وكذلك في الليلة الثالثة وكان الزبير أشدهم له نصرةوأنفذهم في طاعته بصيرة، حلق رأسه وجاءه مرارا وفي عنقه سيفه، وكذلك الثلاثة الباقون إلا أنالزبير هو كان الرأس فيهم، وقد نقل الناس خبر الزبير لما هجم عليه ببيت فاطمة (عليها السلام) وكسر سيفه فيصخرة ضربت به، ونقلوا اختصاصه بعلي (عليه السلام) وخلاوته به(١).

الخامس: ابن أبي الحديد وقد روى كثير من المحدثين أن عليا عقيب يوم السقيفة تظلم وتألمواستنجد واستصرخ حيث ساموه إلى الحضور والبيعة وأنه قال وهو يشير إلى القبر: " يا بن أم إنالقوم استضعفوني وكادوا يقتلونني " وأنه قال: وا جعفراه ولا جعفر لي اليوم، وا حمزتاه ولا حمزةلي اليوم(٢).

السادس: ابن أبي الحديد قال: روى كثير من المحدثين عن علي (عليه السلام) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال له:

إن الله قد كتب عليك جهاد المفتونين كما كتب علي جهاد المشركين قال: قلت: يا رسول الله ماهذه الفتنة التي كتب علي فيها الجهاد؟ قال: قوم يشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وهممخالفون للسنة فقلت: يا رسول الله فعلام أقاتلهم وهم يشهدون كما أشهد؟ قال: على الإحداثفي الدين ومخالفة الأمر فقلت: يا رسول الله إنك كنت وعدتني الشهادة فاسأل الله أن يعجلها إليبين يديك قال: فمن يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، أما إني وعدتك الشهادة وستستشهد،تضرب على هذه فتخضب هذه، فكيف صبرك إذا؟ فقلت: يا رسول الله ليس ذا بموطن صبر، هذاموطن شكر، قال: أجل، أصبت فأعد للخصومة فإنك مخاصم، فقلت: يا رسول الله لو بينت ليقليلا، فقال: إن أمتي ستفتتن من بعدي فتتناول القرآن وتعمل بالرأي وتستحل الخمر بالنبيذوالسحت بالهدية والربا بالبيع، وتحرف الكتاب عن مواضعه وتغلب كلمة الضلال، فكن جليسبيتك حتى تقلدها، فإذا قلدتها جاشت عليك الصدور وقلبت لك الأمور، تقاتل حينئذ علىتأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله، فليست حالهم الثانية بدون حالهم الأولى، فقلت: يا رسولالله فبأي المنازل أنزل هؤلاء المفتونين من بعدك أبمنزلة فتنة أم بمنزلة ردة؟ فقال: بمنزلة فتنةيعمهون فيها إلى أن يدركهم العدل، فقلت: يا رسول الله أيدركهم العدل منا أم من غيرنا؟ قال: بلمنا، بنا فتح الله وبنا يختم وبنا ألف الله بين القلوب بعد الشرك، وبنا يؤلف القلوب بعد الفتنة،

(١) شرح نهج البلاغة: ١١ / ١٤.

(٢) شرح نهج البلاغة: ١١ / ١١١.

٢٠