×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

فاطمة الزهراء (عليها السلام) سرّ الوجود / الصفحات: ٦١ - ٨٠

رمضان، فلا يمكن تعريفها وأنّ الخلق فطموا عن معرفتها. ولا زيارة خاصّة لها، ربما لأنّ أهل المدينة بعيدون عن ولايتها ويجهلون قبرها فكيف تزار، أو يقال: لا يمكن للزهراء أن تعرّف في قوالب الألفاظ، فإنّ الشخص تارةً يعرف بأنّه عالم ورع، واُخرى يقال: فلان لا يمكن وصفه ومعرفته، فالزهراء (عليها السلام) إمام على ما جاء في زيارة الجامعة الكبيرة.

كما أنّه ورد في توقيعات صاحب الأمر (عليه السلام) أنّ اُسوته ومقتداه اُمّه فاطمة الزهراء (عليها السلام)، فالجامعة زيارة الإمام، ولكن اُسوة الأئمة وحجّة الله عليهم هي فاطمة الزهراء، فلا يمكن وصفها وبيان قدرها.

ومن خصائصها: كما أنّ لها مبان خاصّة في الفقه والعقائد والمعارف السامية، إلاّ أنّه من خصائصها أنّ حبّها ينفع في مئة موطن، وحبّ الأئمة الأطهار (عليهم السلام) ينفع في سبع مواطن للنجاة من أهوال يوم القيامة.

ومنها: أنّها في خلقتها النورية تساوي النبيّ، فهي كما قال النبيّ: روحه التي بين جنبيه، وربما الجنبين إشارة إلى جنب العلم وجنب العمل، فهي واجدة روح النبيّ بعلمه وعمله وكلّ كمالاته إلاّ النبوّة فهي الأحمد الثاني، فهي علم الرسول وتقواه وروحه.

ويحتمل أن تكون إشارة الجنبين إلى النبوّة المطلقة والولاية، فقد ورد في الخبر النبوي الشريف: «ظاهري النبوّة وباطني الولاية» التكوينية والتشريعية على كلّ العوالم، كما ورد: «ظاهري النبوّة وباطني غيب لا يدرك»، وأنفسنا في آية المباهلة تجلّيها وظهورها ومصداقها هو أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام)، فالزهراء يعني رسول الله وأمير المؤمنين، فهي مظهر النبوّة والولاية، وهي مجمع النورين: النور المحمّدي والنور العلوي، وكما ورد في تمثيل نور الله في سورة النور

٦١

وآيتها: {اللهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ}(١) بأنّه كالمشكاة، وورد في تفسيره وتأويله أنّ المشكاة فاطمة الزهراء وفي هذه المشكاة نور رسول الله وأمير المؤمنين ثمّ بعد ذلك الأئمة الأطهار (عليهم السلام) يهدي الله لنوره من يشاء.

فالنبوّة والإمامة في وجودها، وهذا من معاني (والسرّ المستودع فيها) فهي تحمل أسرار النبوّة والولاية، تحمل أسرار الكون وما فيه، تحمل أسرار الأئمة وعلومهم، تحمل أسرار الخلقة وفلسفة الحياة.

ولا فرق بين الأحد والأحمد إلاّ ميم الممكنات الغارقة فيها، والاُمّ تحمل جنينها وولدها، وفاطمة الزهراء (عليها السلام) اُمّ أبيها، فهي تحمل النبيّ في أسرار نبوّته وودائعها، كما تحمل كلّ الممكنات في جواهرها وأعراضها، فخلاصة النبوّة تحملها فاطمة فهي اُمّ أبيها.

ومن خصائصها: أنّها تساوي النبيّ والوليّ في قالبها الطيني والصوري في عرش الله، كما في الروايات فيما يلتفت آدم إلى العرش ويرى الأشباح الخمسة النورانية في العرش.

ومن خصائصها: أنّ خلقتها العنصري ليس كخلقة آدم (عليه السلام)، فإنّه خلق من طين وبواسطة الملائكة، ولكنّ خلق فاطمة إنّما كان بيد الله، بيد القدرة ومن شجرة الجنّة ومن عنصر ملكوتي في صورة إنسان، فهي حوراء إنسية كما ورد في الأخبار، وإنّ النبيّ كان يقبّلها ويشمّها ويقول: أشمّ رائحة الجنّة من فاطمة، ففاطمة الزهراء خير أهل الأرض عنصراً وشرفاً وكرماً.

ومن خصائصها: أنّ الله خلق السماوات والأرض من نورها الأنور،

١- النور: ٣٥.

٦٢

وازدهرت الدنيا بنورها بعدما اظلمّت كما في خبر ابن مسعود، وهذا معنى اشتقاق فاطمة من الفاطر بمعنى الخالق الذي فطر السماوات والأرض، ففطر الخلائق بفاطمة الزهراء (عليها السلام) ونورها الأزهر.

ولمثل هذه الخصائص الإلهيّة كان النبيّ يقول: فداها أبوها، وأنّها اُمّ أبيها، وكان يقوم أمامها إجلالا لها وتكريماً ويجلسها مجلسه، ويقبّل يديها وصدرها قائلا: أشمّ رائحة الجنّة من صدرها، ذلك الصدر الذي كان مخزن العلوم ومصداق السرّ المستودع فيها. وقد كسر الظالمون ضلعها وعصروها بين الباب والجدار وأسقطوا ما في أحشائها محسناً (عليه السلام):


ولست أدري خبر المسمارِسل صدرها خزانة الأسرارِ

٦٣

ليلة القدر فاطمة الزهراء (عليها السلام)


في تفسير نور الثقلين والبرهان وكتاب بحار الأنوار(١) عن تفسير فرات الكوفي مسنداً عن الإمام الباقر (عليه السلام) في تفسير سورة القدر، قال: إنّ فاطمة هي ليلة القدر، من عرف فاطمة حقّ معرفتها فقد أدرك ليلة القدر، وإنّما سمّيت فاطمة لأنّ الخلق فطموا عن معرفتها، ما تكاملت النبوّة لنبيّ حتّى أقرّ بفضلها ومحبّتها وهي الصدّيقة الكبرى، وعلى معرفتها دارت القرون الاُولى.

وعن أبي عبد الله الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: {إنَّا أنزَلْـنَاهُ فِي لَـيْلَةِ القَدْرِ}(٢)، الليلة فاطمة الزهراء والقدر الله، فمن عرف فاطمة حقّ معرفتها فقد أدرك ليلة القدر، وإنّما سمّيت فاطمة لأنّ الخلق فطموا عن معرفتها.

عن زرارة عن حمران قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عمّا يفرق في ليلة القدر، هل هو ما يقدّر الله فيها؟ قال: لا توصف قدرة الله إلاّ أنّها قال: {فِيهَا يُـفْرَقُ كُلُّ أمْر حَكِيم}(٣)، فكيف يكون حكيماً إلاّ ما فرق، ولا توصف قدرة الله سبحانه لأنّه

١- بحار الأنوار ٤٢: ١٠٥.

٢- القدر: ١.

٣- الدخان: ٤.

٦٤
يحدث ما يشاء، وأمّا قوله: {لَيْلَةُ القَدْرِ خَـيْرٌ مِنْ ألْفِ شَهْر}(١)، يعنيفاطمة (عليها السلام)، وقوله: {تَـنَزَّلُ المَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِـيهَا}(٢) والملائكة في هذا الموضع المؤمنون الذين يملكون علم آل محمّد (عليهم السلام)، «والروح روح القدس وهو في فاطمة (عليها السلام)» {مِنْ كُلِّ أمْر * سَلامٌ}(٣) يقول من كلّ أمر مسلّمة {حَـتَّى مَطْـلَعِ الفَجْرِ}(٤) يعني حتّى يقوم القائم (عليه السلام)(٥).

قال العلاّمة المجلسي في بيان الخبر: وأمّا تأويله (عليه السلام) ليلة القدر بفاطمة (عليها السلام) فهذا بطن من بطون الآية، وتشبيهها بالليلة إمّا لسترها وعفافها، أو لما يغشاها من ظلمات الظلم والجور، وتأويل الفجر بقيام القائم بالثاني أنسب، فإنّه عند ذلك يسفر الحقّ، وتنجلي عنهم ظلمات الجور والظلم، وعن أبصار الناس أغشية الشبه فيهم، ويحتمل أن يكون طلوع الفجر إشارة إلى طلوع الفجر من جهة المغرب الذي هو من علامات ظهوره، والمراد بالمؤمنين هم الأئمة (عليهم السلام)وبين أنّهم إنّما سمّوا ملائكة لأنّهم يملكون علم آل محمّد (عليهم السلام) ويحفظوها ونزولهم فيها كناية عن حصولهم منها موافقاً لما ورد في تأويل آية سورة الدخان أنّ الكتاب المبين أمير المؤمنين (عليه السلام) والليلة المباركة فاطمة (عليها السلام) {فِيهَا يُـفْرَقُ كُلُّ أمْر حَكِيم}(٦) أي حكيم بعد حكيم وإمام بعد إمام.

١- القدر: ٣.

٢- القدر: ٤.

٣- القدر: ٤ ـ ٥.

٤- القدر: ٥.

٥- البحار ٢٥: ٩٧.

٦- الدخان: ٤.

٦٥
وقوله: {مِنْ كُلِّ أمْر * سَلامٌ هِيَ}(١) على هذا التأويل هي مبتدأ، وسلامخبره، أي ذات سلامة، ومن كلّ أمر متعلّق بسلام، أي لا يضرّها وأولادها ظلم الظالمين، ولا ينقص من درجاتهم المعنوية شيئاً، أو العصمة محفوظة فيهم فهم معصومون من الذنوب والخطأ والزلل إلى أن تظهر دولتهم ويتبيّن لجميع الناس فضلهم(٢).

هذا وقد ذكرت في رسالة (فاطمة الزهراء (عليها السلام) ليلة القدر) أربعة عشر وجه شبه بين فاطمة الزهراء سيّدة النساء (عليها السلام) وبين ليلة القدر، وإجمالها كما يلي:

١ ـ ليلة القدر وعاء زماني للقرآن الكريم وفاطمة الزهراء وعاء مكاني.

٢ ـ ليلة القدر يفرق فيها كلّ أمر حكيم، كذلك الزهراء (عليها السلام) فهي الفاروق بين الحقّ والباطل.

٣ ـ ليلة القدر معراج الأنبياء لكسب العلوم والفيوضات الإلهيّة، كذلك فاطمة الزهراء فهي مرقاة النبوّة ومعرفتها معراج الأنبياء.

٤ ـ ليلة القدر هي خير من ألف شهر، كذلك تسبيح فاطمة الزهراء تجعل كلّ صلاة بألف صلاة وبمحبّتها تضاعف الأعمال كليلة القدر.

٥ ـ ليلة القدر ليلة مباركة، ومن أسماء فاطمة الزهراء (المباركة) (عليها السلام).

٦ ـ علوّ شأن ليلة القدر ومقامها الشامخ بين الليالي، كذلك الزهراء، وأنّه لولاها لما خلق الله محمّد وعليّ (عليهما السلام) كما ورد في الخبر الشريف.

٧ ـ العبادات في ليلة القدر تضاعف كرامةً لها، كذلك حبّ الزهراء (عليها السلام)

١- القدر: ٤ ـ ٥.

٢- المصدر: ٩٩.

٦٦

يوجب تضاعف الأعمال، وإذا كانت ليلة القدر منشأ الفيوضات الإلهيّة، فكذلك الزهراء والتوسّل بها.

٨ ـ القرآن هو النور ونزل في ليلة القدر ليلة النور، وفاطمة هي النور فهي ليلة القدر كما في تفسير آية النور: {اللهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ}(١).

٩ ـ ليلة القدر ليلة السعادة، وفاطمة سرّ السعادة.

١٠ ـ تقدّست ليلة القدر وما قبلها من الأيام والليالي وما بعدها كرامةً لها وتعظيماً لمقامها، كذلك الزهراء يحترم ذرّيتها ويقدّسون عند الاُمّة كرامةً لها وحبّاً بها ولغير ذلك.

١١ ـ ليلة القدر ليلة الخلاص من النار والعتق من جهنّم، كذلك فاطمة تفطم شيعتها من النار وتلتقطهم من المحشر كما تلتقط الدجاجة حبّات القمح.

١٢ ـ ليلة القدر سرّ من أسرار الله، وكذلك الزهراء (عليها السلام) فهي من سرّ الأسرار.

١٣ ـ ليلة القدر سيّدة الليالي، وفاطمة الزهراء (عليها السلام) سيّدة النساء.

١٤ ـ لقد جهل قدر ليلة القدر، وكذلك فاطمة الزهراء بنت الرسول (عليها السلام) فقد جهل الناس ولا زالوا قدرها، كما أنّها مجهولة القبر إلى ظهور ولدها القائم من آل محمّد (عليهم السلام).

١- النور: ٣٥.

٦٧

فاطمة الزهراء (عليها السلام) في معراج النبيّ


إنّ من الحقائق الثابتة في حياة النبيّ وسيرته هو معراجه الشريف من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى المبارك، ومن ثمّ عرج إلى ربّه قاب قوسين أو أدنى، وقد وردت قصّة المعراج في سورة الإسراء كما وردت في سورة النجم، ويقال: إنّ الغرض في سورة النجم هو تذكير الناس بالاُصول الثلاثة: وحدانية الله في ربوبيّته أي المبدأ، ثمّ المعاد، ثمّ النبوّة بينهما. فتبدأ السورة بالنبوّة فتصدّق الوحي إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله) وتذكر بعض أوصافه المباركة في قصّة المعراج، ثمّ تتعرّض لوحدانية الله وتنفي الأوثان والشركاء، ثمّ تصف انتهاء الخلق والتدبير إليه تعالى من الإحياء والإماتة وغيرهما، وتختم الكلام بالإشارة إلى المعاد والأمر بالسجدة والعبادة، التي هي الطريق لسعادة الدارين، ومن فلسفة الحياة والخلقة.

ثمّ المقصود من الوحي في الآيات الاُولى كما في الروايات هو وحي المشافهة الذي أوحاه الله إلى نبيّه ليلة المعراج، وأصل القصّة في سورة الإسراء، إلاّ أنّه في سورة النجم يشار إلى بعض معالمها، فيقسم ويحلف سبحانه بالنجم إذا هوى ـ بمطلق الجرم السماوي عند سقوطه للغروب أو القرآن لنزوله نجوماً، أو الثريا أو الشعرى أو الشهاب الذي يرمى به شياطين الجنّ ـ.

٦٨
{مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ}(١) النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) عن الطريق الموصل إلى اللهولا أخطأ في الغاية، فأصاب الواقع في رشده {وَمَا غَوَى}.

{وَمَا يَـنْطِقُ عَنِ الهَوَى}(٢) هوى النفس ورأيها في مطلق نطقه أو ما ينطق به من القرآن الكريم.

{إنْ هُوَ إلاَّ وَحْيٌ يُوحَى}(٣) من الله سبحانه بالمشافهة أو بواسطة جبرئيل (عليه السلام).

{عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَى}(٤) علّم النبيّ القرآن جبرئيل أو الله الذي هو شديد القوى.

{ذُو مِرَّة فَاسْتَوَى}(٥) ذو شدّة أو حصافة العقل والرأي أو نوع من المرور من جبرئيل فاستوى على صورته الأصلية واستولى بقوّته على ما جعله له من الأمر، أو ذو مرّة أي النبيّ ذو شدّة في جنب الله فاستوى واستقام واستقرّ.

{وَهُوَ بِالاُ فُقِ الأعْلَى}(٦) بالاُفق والناحية العليا من السماء، فهو جبرئيل أو النبيّ بالاُفق الأعلى حال استوائه.

{ثُمَّ دَنَا فَـتَدَلَّى}(٧) أي قرب بل واقترب أكثر فأكثر، فقرب جبرئيل من

١- النجم: ٢.

٢- النجم: ٣.

٣- النجم: ٤.

٤- النجم: ٥.

٥- النجم: ٦.

٦- النجم: ٧.

٧- النجم: ٨.

٦٩
النبيّ ليعرج به إلى السماوات، أو قرب النبيّ من الله سبحانه وزاد في القرب كماهو الظاهر.

{فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنَى}(١) قاب أي مقدار قوسين أو ذراعين كناية عن شدّة القرب، فكان البعد قدر قوسين أو ذراعين بل وأقرب من ذلك.

{فَأوْحَى إلَى عَـبْدِهِ مَا أوْحَى}(٢) فأوحى جبرئيل إلى عبد الله ما أوحى أو أوحى الله بواسطة جبرئيل إلى عبده محمّد (صلى الله عليه وآله) ما أوحى، كما هو الظاهر.

{مَا كَذَبَ الفُؤَادُ مَا رَأى}(٣) فما كذب فؤاد النبيّ فيما رأى وأراه الله، فشهد النبيّ بفؤاده ما أراده الله وكان صدقاً وحقّاً، فالرؤية هنا لله سبحانه رؤية قلبيّة ولغيره إدراكية قلبية أو حسّية، والفؤاد القلب أو النفس أو الوجود، فما كذب أو كذّب وجود النبيّ ونفسه وفؤاده ما رأى من آيات الله الكبرى، وما قال فؤاده ـ ما رآه ببصره ـ لم أعرفك وكذّبه، ففؤاده صدّق بصره فيما رأى، فما كان يقوله النبيّ ويخبر به الناس كان بما يشاهده عياناً لا عن فكر وتعقّل، فلا مجال لمجادلة المشركين ومماراتهم إيّاه فيما يشاهده عياناً.

{أفَـتُـمَارُونَهُ عَلَى مَا يَـرَى}(٤) وهذا توبيخ للمشركين في مجادلتهم النبيّ، فإنّ المجادلة تتمّ في الآراء النظرية والاعتقادات الفكرية لا بما يشاهد بالعيان، فلا تصرّوا على مجادلته.

١- النجم: ٩.

٢- النجم: ١٠.

٣- النجم: ١١.

٤- النجم: ١٢.

٧٠

{وَلَـقَدْ رَآهُ نَزْلَةً اُخْرَى}(١) النزلة بمعنى النزول الواحد والمرّة، فرأىجبرئيل النبيّ في نزلة اُخرى أو رأى النبيّ جبرئيل في نزلة اُخرى، فبعد القوس الصعودي في معراجه رأى ما رأى كما سنذكر ثمّ رجع ونزل مرّة اُخرى فرأى جبرئيل بصورته الأصلية عند سدرة المنتهى، أو المعنى أنّ النبيّ رأى الله برؤية قلبية أثناء معراجه عند سدرة المنتهى كما رآه في النزلة الاُولى.

{عِنْدَ سِدْرَةِ المُـنْـتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ المَأوَى * إذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى}(٢) السدرة شجرة معروفة وهو اسم مكان ولعلّه منتهى السماوات فإنّ الجنّة المأوى عندها والجنّة في السماء، وفي الروايات أنّها شجرة فوق السماء السابعة إليها تنتهي أعمال بني آدم، عندها جنّة المأوى التي يأوي إليها المؤمنون وهي من جنان الآخرة، بعد جنّة اللقاء والأسماء التي هي جنّة الله سبحانه. إذ يغشى السدرة أي يحيط بالسدرة ما يحيط بها.

{مَا زَاغَ الـبَصَرُ وَمَا طَغَى}(٣) فلم يمل عن الاستقامة ولم يتجاوز الحدّ في العمل فما زاغ بصر النبيّ أنّه يرى على غير ما هو عليه، وما طغى في إدراكه ما لا حقيقة له، والمراد بالإبصار رؤيته بقلبه لا بحاسّة بصره، فما رآه النبيّ في النزلة الاُولى الذي ما كذّب الفؤاد ما رأى وفي النزلة الاُخرى عند سدرة المنتهى رأى من آيات الله الكبرى التي تدلّ على الله سبحانه.

{لَـقَدْ رَأى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الكُـبْرَى}(٤) فشاهد الله برؤية قلبية من خلال

١- النجم: ١٣.

٢- النجم: ١٤ ـ ١٦.

٣- النجم: ١٧.

٤- النجم: ١٨.

٧١

بعض آياته الكبرى(١).

أجل، النبيّ الأعظم محمّد (صلى الله عليه وآله) رأى ما رأى في ليلة معراجه ـ وما أكثر الروايات في هذا الباب بأنّه رأى الجنان والنيران وصلّى خلفه جميع الأنبياء ـ وجاز سرادقات الجمال والجلال والكبرياء فرأى وما كذّب الفؤاد ما رأى، ثمّ ثمرة هذا الفؤاد النبويّ المبارك هو فاطمة الزهراء (عليها السلام). فهي سيّدة النساء (عليها السلام) ; وهي سرّ الوجود وعصارته، فإنّ النبيّ الأعظم محمّد (صلى الله عليه وآله) شجرة الوجود كما قال: «أنا وعليّ من شجرة واحدة، وباقي الناس من شجر شتّى».

وقال (صلى الله عليه وآله): «فاطمة ثمرة فؤادي وقرّة عيني ومهجة قلبي».

ومن خصائص الثمرة أنّها:

١ ـ عصارة الشجرة وخلاصتها.

٢ ـ قيمة الشجرة بثمرتها.

٣ ـ جمال الشجرة بالثمرة.

٤ ـ تعرف الشجرة بثمرتها كما يقال: هذه شجرة التفّاح.

٥ ـ غاية وجود الشجرة هي الثمرة.

٦ ـ لذّة الشجرة بالثمرة.

٧ ـ حلاوة الشجرة بثمرتها.

٨ ـ مقصود الفلاّح من الأشجار أثمارها.

وخصائص كثيرة اُخرى.

وإنّ فاطمة الزهراء لهي ثمرة فؤاد النبيّ (صلى الله عليه وآله)، فيعلم ويعرف عظمة النبيّ

١- تفسير الميزان: سورة النجم.

٧٢
٧٣

العصمة الفاطميّة


أشهد أنّ فاطمة عصمة الله

إنّ الله سبحانه وتعالى هو الحكيم العليم المختار، وقد اختار من خلقه صفوةً ليحملوا رسالاته السماوية، ويبلّغونها ويهدون الناس سواء السبيل وإلى الصراط المستقيم، فإنّه كتب على نفسه الرحمة، فهو اللطيف الخبير، ومن لطفه اختار الأنبياء والرسل للهداية وليقوموا الناس بالقسط، ثمّ اختار الأوصياء خلفاء، ثمّ وفّق العلماء ورثة الأنبياء.

وقد اشترط على الأنبياء الزهد في هذه الدنيا، فإنّ اختيار الله بالاختبار والامتحان والاصطفاء عن حكمة، من دون الوصول إلى حدّ الإلجاء، وإنّ لله الحجّة البالغة، فلا بدّ من اختبار لمن يقع عليه الاختيار ولغيره حتّى لا تكون فتنة، ويكون الدين كلّه لله.

فاختبر الأنبياء والأوصياء في عوالم تسبق هذا العالم الناسوتي، فشرط الله سبحانه عليهم الزهد، وعلم منهم الوفاء فقبلهم وقرّبهم وقدّم لهم الذكر العلي والثناء الجلي، كما جاء ذلك في دعاء الندبة(١).

١- راجع آخر مفاتيح الجنان دعاء الندبة الذي يستحبّ قراءته في كلّ عيد وفي يوم الجمعة.

٧٤

وإنّما اشترط عليهم الزهد، لأنّ حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة، والنبيّ والوصيّ لا بدّ أن يكون معصوماً بقاعدة اللطف وغيره من الأدلّة العقلية والنقلية.

فلا بدّ أن يزهد في دنياه، ويُعصم من الذنوب ومن كلّ ما يشينه مطلقاً، حتّى تطمئنّ النفس إليه، ويؤخذ بقوله وفعله وتقريره مطلقاً، فيكون الاُسوة والقدوة على الإطلاق.

وهذا الزهد من شؤون القيادة بصورة عامة المتمثّلة بالنبوّة والإمامة، ومن يحذو حذوهم ويسلك مسالكهم ومناهجهم من العلماء الصالحين.

فيشترط على العالم الرباني الزهد في هذه الدنيا أيضاً، حتّى يؤخذ بقوله ويتّبع أمره، وإذا رأيتم العالم زاهداً فادنوا منه فإنّه يلقى عليه الحكمة وإنّها تتفجّر من ينابيع قلبه، وإنّ الله يرفده ويضيّفه على موائد علمه وحكمته، وإذا رأيتم العالم مقبلا على دنياه، يخلط الحرام بالحلال، فاتّهموه في دينه، فإنّه لا يؤخذ منه العلم، فلينظر الإنسان إلى علمه ممّن يأخذه، فإنّه من أصغى إلى ناطق فقد عبده، فإن تكلّم عن الله فقد عبد الله وإلاّ فلا، فمن ينطق عن الشيطان فقد عبد الشيطان، وإنّ الشياطين ليوحون إلى أوليائهم.

فمن أوّليات شؤون الإمامة والقيادة الروحية على الصعيدين الفردي والاجتماعي إنّما هو الزهد في درجات هذه الدنيا الدنيّة وزخرفها وزبرجها.

فعصمة الأنبياء الذاتية المطلقة تبتنى على العلم اللدني أوّلا ـ كما هو ثابت في محلّه ـ وعلى الزهد ثانياً.

وأمّا عصمة فاطمة الزهراء (عليها السلام):

فقد اختار الله من خلقه واختصّها لذاته واصطفاها لنفسه ليتجلّى فيها أسماؤه وصفاته، وتكون مظهراً لجماله، فإنّه لو كان الحُسن شخصاً لكان فاطمة

٧٥

بل هي أعظم، فقدّم لها الذكر العليّ والثناء الجليّ، بعد أن اختبرها وامتحنها أيضاً. إلاّ أنّها امتحنها بالصبر، والصبر كما ذكرنا تكراراً هو اُمّ الأخلاق وأساسه، فإنّها بمراحلها الثلاثة ـ التخلية والتحلية والتجلية ـ مدعومة بالصبر، كما أنّه أساس الكمال.

وإنّما وقفنا على امتحانها بالصبر باعتبار ما ورد في زيارتها في يوم الأحد من كلّ اُسبوع، كما في مفاتيح الجنان للشيخ عباس القمّي (قدس سره): «السلام عليكِ يا ممتحنة قد امتحنكِ الله قبل أن يخلقكِ بالصبر فوجدكِ لما امتحنكِ صابرة».

فتجلّت العصمة الإلهية في جمال فاطمة الزهراء إذ جمعت بين نوري النبوّة والإمامة، فعصمتها من العصمة بالمعنى الأخصّ، المختصّة بالأربعة عشر معصوم (عليهم السلام).

وممّا يدلّ على عصمتها:

١ ـ آية التطهير في قوله تعالى: {إنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَـيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}(١)، فالله الطاهر طهّر بإرادة تكوينية أهل البيت (عليهم السلام)ومنهم فاطمة (عليها السلام) وعصمهم بعصمة ذاتية ومطلقة واجبة عقلا ونقلا.

٢ ـ إنّها عدل القرآن الكريم لحديث الثقلين المتّفق عليه عند الفريقين ـ السنّة والشيعة ـ ولمّا كان القرآن معصوماً فكذلك عدله أهل البيت عترة الرسول المصطفى (عليهم السلام).

٣ ـ إنّها كفؤ عليّ ولولاه لما كان لها كفؤ آدم وما دونه، ولا يتزوّج المعصومة إلاّ المعصوم، فإنّ الرجال قوّامون على النساء، فلفاطمة ما لعليّ (عليهما السلام) إلاّ الإمامة.

١- الأحزاب: ٣٣.

٧٦

فكلّ ما ثبت لعليّ (عليه السلام) بالمطابقة ثبت للزهراء (عليها السلام) بالالتزام، وكلّ شيء ثبت لفاطمة بالمطابقة ثبت بالدلالة الالتزاميّة لأمير المؤمنين عليّ (عليه السلام).

٤ ـ إنّها حوريّة بصورة إنسية، والملائكة معصومون فكذلك فاطمة الحوريّة.

٥ ـ وحدة الإرادة الإلهيّة والفاطميّة، فإنّ الله يرضى لرضاها ويغضب لغضبها، وإنّه لم يغضب ليونس صاحب الحوت، بل يغضب لغضبها، فوحدة الإرادة دليل على العصمة.

٦ ـ إنّها سيّدة النساء في الدنيا والآخرة، وكيف تكون سيّدة الأوّلين والآخرين وهي غير معصومة.

٧ ـ آية المباهلة، وقدّم النساء على الأنفس، ربما إشارة إلى أنّ النفوس فداها، «فداكِ أبوكِ» «فداها أبوها».

٨ ـ إنّها العالم العلوي والعالم السفلي في قوسي الصعودي والنزولي.

٩ ـ إنّها صدر النبيّ (صلى الله عليه وآله) وإنّ صدره يحمل القرآن دفعة واحدة وفي ليلة القدر، في ليلة القدر وهي فاطمة الزهراء (عليها السلام).

١٠ ـ لا يعرف قدرها إلاّ من قدّرها، ولا يعرف أسرارها إلاّ من خلقها، ومن أذن له الرحمن.

١١ ـ إنّها مفروض الطاعة على الخلق مطلقاً، وكيف تكون مفروض الطاعة على الإطلاق وهي غير معصومة.

١٢ ـ هي حجّة الحجج واُسوتهم ـ كما ورد في الأخبار الشريفة ـ.

١٣ ـ مجمع النورين بحديث الأفلاك، فتحمل أسرار النبوّة والإمامة، وإنّها اُمّ أبيها.

٧٧

١٤ ـ حبل الله الممدود، فلا بدّ أن يكون معصوماً، وإلاّ كيف يتمسّك على الإطلاق بما لم يكن معصوماً، «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): فاطمة بهجة قلبي وحبله الممدود بينه وبين خلقه، من اعتصم به نجا، ومن تخلّف عنه هوى»(١).

١٥ ـ امتحانها بالصبر وهو أساس الكمال والأخلاق الذي منها الزهد.

١٦ ـ علمها اللدنّي.

١٧ ـ الإجماع القطعي الدالّ على عصمتها، كما عند المشايخ الصدوق والمفيد والطوسي وغيرهم.

١٨ ـ الآيات والروايات الكثيرة الدالّة على فضلها وعظمتها، وتعلّقها بعالم الغيب.

١٩ ـ سيرتها وحياتها يفوح منها عطر العصمة الإلهيّة.

ووجوه اُخرى يقف عليها المحقّق والمتتبّع، ويعلم بيقين وقطع أنّه لا ريب ولا شكّ أنّ فاطمة الزهراء (عليها السلام) عصمة الله الكبرى.

١- فرائد السمطين ٢: ٦٦.

٧٨

الشرافة العنصريّة


الحوراء الإنسيّة

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «لو كان الحسن شخصاً لكان فاطمة، بل هي أعظم، فإنّ فاطمة ابنتي خير أهل الأرض عنصراً وشرفاً وكرماً»(١).

فقوله: «لو كان الحسن شخصاً لكان فاطمة» يعني أنّها جمال الله وحسنه.

ثمّ خلق الله سبحانه آدم أبا البشر من ماء وتراب بيد ملائكته، فهو في خلقته العنصريّة من العناصر الأربعة المادّية، ولكن خلق فاطمة الزهراء (عليها السلام) في خلقتها العنصرية إنّما كان من شجرة طوبى في الجنّة التي غرسها الله بيده يد القدرة المطلقة، فهي من عنصر ملكوتي في صورة إنسان ناسوتي، فهي الحوراء الإنسيّة.

عن العيون وأمالي الشيخ بسندهما، قال النبيّ (صلى الله عليه وآله): لما عرج بي إلى السماء أخذ بيدي جبرئيل فأدخلني الجنّة، فناولني من رطبها، فأكلت فتحوّل ذلك نطفة في صلبي، فلمّا هبطت إلى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة حوراء إنسيّة، فكلّما اشتقت إلى رائحة الجنّة شممت رائحة ابنتي فاطمة(٢).

١- فرائد السمطين ٢: ٦٨.

٢- البحار ٨: ١١٩.

٧٩
كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يكثر تقبيل فاطمة عليها وعلى أبيها وبعلها وأولادها ألف ألف تحيّة وسلام، فأنكرت عائشة ذلك فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا عائشة، إنّي لمّا اُسري بي إلى السماء دخلت الجنّة فأدناني جبرئيل من شجرة طوبى وناولني من ثمارها فأكلته فحوّل الله ذلك ماءً في ظهري، فلمّا هبطت إلى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة، فما قبّلتها قطّ إلاّ وجدت رائحة شجرة طوبى منها(١).

عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: شجرة طوبى شجرة يخرج من جنّة عدن غرسها ربّها بيده(٢).

عن حارثة بن قُدامة قال: حدّثني سلمان قال: حدّثني عمّار وقال: اُخبرك عجباً؟ قلت: حدّثني يا عمّار؟ قال: نعم شهدت عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) وقد ولج على فاطمة (عليه السلام) فلمّا أبصرت به نادت: اُدن لاُحدّثك بما كان وبما هو كائن وبما يكن إلى يوم القيامة حين تقوم الساعة. قال عمّار: فرأيت أمير المؤمنين (عليه السلام)يرجع القهقرى، فرجعت برجوعه إذ دخل على النبيّ (صلى الله عليه وآله) فقال له: اُدن يا أبا الحسن، فدنا فلمّا اطمأنّ به المجلس قال له: تحدّثني أم اُحدّثك؟ قال: الحديث منك يا رسول الله، فقال: كأنّي بك قد دخلت على فاطمة وقالت لك كيت وكيت فرجعت، فقال عليّ (عليه السلام): نور فاطمة من نورنا؟ فقال (عليه السلام): أوَ لا تعلم؟ فسجد عليّ شكراً لله تعالى. قال عمّار: فخرج أمير المؤمنين (عليه السلام) وخرجت بخروجه، فولج على فاطمة (عليها السلام) وولجت معه، فقالت: كأنّك رجعت إلى أبي (صلى الله عليه وآله)فأخبرته بما قلته لك؟ قال: كان كذلك يا فاطمة، فقالت: اعلم يا أبا الحسن إنّ الله

١- المصدر: ١٢٠.

٢- المصدر: ١٤٣، عن العيّاشي.

٨٠