×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

فقهيات بين السنة والشيعة / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٥ فارغة
كتاب فقهيات بين السنة والشيعة لـ عاطف سلام (ص ١ - ص ٢٨)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

كلمة المركز

في الوقت الذي توحد فيه الأصول الاعتقادية بين المسلمين جميعهم تتيح للعلماء المجتهدين منهم الاجتهاد في استنباط الأحكام الشرعية استنادا إلى هذه الأصول الأمر الذي أدى إلى ظهور المذاهب الفقهية وتعدد وجهات النظر.

وإن يكن الاجتهاد هذا يفضي إلى اختلاف في وجهات النظر إلى أمور ليست من الأصول الاعتقادية فينبغي ألا يؤثر هذا الاختلاف على وحدة الأمة الإسلامية فهذه الوحدة يجب أن تبقى مصانة من تأثير أي عامل قد يؤدي إلى الخصومة والتفرق.

فالشريعة الإسلامية إذ تبيح التعدد فإنما تريده أن يكون اجتهادا يحقق مصلحة المسلمين العليا في إطار الوحدة الأمر الذي يمكنهم إن تحقق من مواجهة مختلف التحديات في كل زمان ومكان.

يدرك المؤلف هذه الحقيقة التي تنص عليها غير آية قرآنية وينطلق من هذا الإدراك في تأليف كتابه هذا فيبحث في مسائل فقهية خلافية كانت ولا تزال مثار جدل ونقاش بين الفقهاء السنة والشيعة وهي: الجمع بين الصلاتين، المسح على الأرجل في الوضوء، المسح على الخفين السجود على الأرض الأذان، زواج المتعة. ويسعى إلى أن يكون في بحثه موضوعيا متجردا فيعرض المسألة والآراء المتعددة التي قيلت في شأنها ويتقصى الأدلة التي قدمها كل طرف بغية الوصول مع القارئ إلى رأي يزيل سوء الفهم القائم.

والمؤلف في هذا الكتاب يواصل صنيعا في سبيل الوحدة كان قد بدأه عندما أصدر كتابه: " الوحدة العقائدية عند الشيعة والسنة ".

٦
وإننا إذ نسعى إلى تحقيق الهدف نفسه وهو الإسهام في توحيد المسلمين في زمن هم أحوج فيه إلى الوحدة نرجو أن يوفقنا الله تعالى إلى ما يحب ويرضى والله الموفق في كل حال.

مركز الغدير للدراسات الإسلامية
بيروت             

٧

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء وأشرف المرسلين وعلى آله الأطهار الطيبين وصحابته المنتجبين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد

إن هذه الشرعة الغراء مثالية في غزارة عطائها وتواصل نمائها ولها من السعة والمرونة ما يجعلها صالحة - على نحو الضرورة - في جميع العصور وفي شتى البقاع.

وقد نشأ عن تلك المرونة والثراء في العطاء أن تعددت وجهات النظر وتفاوتت الأفهام في استنباط الأحكام الشرعية منها. ومن هنا ظهرت المذاهب والاجتهادات الفقهية لكنها لا تختلف في ما بينها حول الأصول الاعتقادية التي تشملهم جميعا، أمة واحدة متميزة منضوية تحت لواء الإسلام العظيم.

وينبغي أن نشير إلى أن الاجتهاد وتعدد النظر أمران لا غضاضة فيهما البتة من حيث المبدأ بيد أنه لا بد أن يكونا في إطارهما الصحيح حتى يؤديا دورهما البناء ولا يخرجا عن جادة الصواب وهذا الإطار تتلخص عناصره في ثلاث نقاط:

اولا: أن يكون مستندا إلى الدليل المنطقي المستنبط من مصادر التشريع المعتمدة.

ثانيا: أن لا يكون عن هوى أو تعصب أو تقليد أعمى بلا بينة واضحة.

٨
ثالثا: أن يكون هادئا منصفا مقدرا لغيره من الاجتهادات وإن كانت مخالفة بحيث لا يوجب ذلك شقاقا أو تفرقا أو خصومة في الدين أو يورث شحناء أو بغضاء في النفوس الأمر الذي قد يشكل خطرا كبيرا على الدين ذاته ويفضي إلى ضعفه وزعزعة كيانه. هذا هو الإطار العام الذي يجب أن يسير الاجتهاد على ضوئه حتى يكون منطويا على مصداقية تعبر عن حقيقته وواقعه. أما إذا انحرف عن ذلك الإطار فإنه يتحول - حينئذ - إلى تخبط وعشوائية لا دخل لهما بواقع الاجتهاد وأبعاده الحقيقية.

ولذلك يجب أن نجعل هذا الإطار نصب أعيننا باعتباره أرضية مناسبة لقيام صرح الوحدة الإسلامية الكبرى بين جميع المذاهب على تعدد آرائها ووجهات نظرها.

ولا نعني بالوحدة الإسلامية أن يتخلى كل ذي مذهب عن فكره واجتهاده الذي يطمئن إليه بل نقصد من وراء ذلك إلى الوحدة في الموقف والتلاحم بين الصفوف والتنسيق في العمل وبذل الجهود في مواجهة التحديات التاريخية والحضارية التي تواجه الأمة وتكتنف مسيرتها وتحيط بها من كل جانب.

ويلزم التمهيد لذلك بعاملين:

الأول: استساغة تعدد النظر وتباين الآراء باعتبارهما أمرين فطريين ناشئين عن تفاوت الأفهام بين البشر ومحاولة إيجاد صيغة للالتقاء بينها.

الثاني: جعل المصلحة العليا للإسلام الهدف الأسمى من وراء كل تحرك ونشاط.

ومن هذا المنطق أردنا أن نسلك هذا الدرب الرسالي في إرساء دعائم التلاحم والتقارب بين المذهبين العريقين والأخوة المتحابين من الشيعة والسنة حتى تسير الأمة في إطارها الوحدوي المرسوم لها من قبل الله عز وجل.

(إن هذه امتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) [ الأنبياء / ٩٢ ].

(وإن هذه امتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون) [ المؤمنون / ٥٢ ].

٩
وقد سار في هذه السبيل الراشدة - وبخاصة في المجال الفقهي - بعض السادة الفضلاء والأساتذة الأجلاء الذين آثروا بكتاباتهم القيمة الفكر الإسلامي وأخذوا على عاتقهم تبعة توحيد صفوف الأمة ونظم عقد اجتماعها وتقريب وجهات النظر في ما بينها فهذا الأستاذ الأكبر الشيخ محمود شلتوت (رحمه الله) عندما كان شيخا للأزهر يقول في فتواه التاريخية التي أصدرها:

قيل لفضيلته: إن بعض الناس يرى أنه يجب على المسلم لكي تقع عباداته ومعاملاته على وجه صحيح أن يقلد أحد المذاهب الأربعة المعروفة وليس من بينها مذهب الشيعة الإمامية ولا الشيعة الزيدية فهل توافقون - فضيلتكم - على هذا الرأي على إطلاقه فتمنعون تقليد مذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية مثلا؟

فأجاب فضيلته:

١ - إن الإسلام لا يوجب على أحد من اتباع مذهب معين بل نقول: إن لكم مسلم الحق في أن يقلد بادئ ذي بدء أي مذهب من المذاهب المنقولة نقلا صحيحا والمدونة أحكامها في كتبها الخاصة. ولمن قلد مذهبا من هذه المذاهب أن ينتقل إلى غيره - أي مذهب كان - ولا حرج عليه في شئ من ذلك.

٢ - إن مذهب الجعفرية المعروف بمذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية مذهب يجوز التعبد به شرعا كسائر مذاهب أهل السنة.

فينبغي للمسلمين أن يعرفوا ذلك وأن يتخلصوا من العصبية بغير حق لمذاهب معينة فما كان دين الله وما كانت شريعته بتابعة لمذهب أو مقصورة على مذهب فالجميع مجتهدون مقبولون عند الله تعالى يجوز لمن ليس أهلا للنظر والاجتهاد تقليدهم والعمل بما يقررونه في فقههم، ولا فرق في ذلك بين العبادات والمعاملات.

١٠
ولا شك أن هذه الفتوى التاريخية كان لها صدى واسع ودور بالغ في إصلاح ذات البين وفتح باب التقارب والتجاوب بين المسلمين.

ويقول الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه (الإمام الصادق ص ١٦): " وأن المسائل التي يتخلف فيها الفقه الإمامي نجد من بينها - حتما - ما يتفق مع رأي الجمهور ونجد ما لا يوافق الجمهور وليس فيه معارضة لكتاب أو سنة نجد له وجهة معقولة يقبلها الدارس الفاحص كقولهم بجواز إنهاء الوقف وتقسيمه بين المستحقين إذا طلبه بعضهم ولو كان الوقف مرتب الطبقات وقد ذكرنا في بعض بحوثنا أن القانون (رقم ١٨٠ لسنة ١٩٥٢)) الذي أنهى الوقف الأهلي يتلاقى مع ذلك الرأي الذي نص عليه في فقه الإمامية وأن الأقوال التي نرى أنها تخالف إجماع جماهير المسلمين ليست كثيرة ولهذا نقرر أن الفقه الاثني عشريا ليس بعيدا كل البعد عن فقه أئمة الأمصار ".

ويقول - أيضا - عند حديثه عن البلاد التي ينتشر فيها التشيع (ص ٥٦٧): " إن أكثر البلاد الإسلامية وخصوصا النائية عن البلاد العربية فيها تشيع بفئات كبيرة أو أعداد صغيرة ولكنه في مجموعه لا يكون كثرة إسلامية ولا عددا قريبا من الكثرة المطلقة وإن كان عددا كبيرا في جملته فالكثرة الكبيرة سنية بلا ريب وإننا نأمل أن يندمج الجميع في وحدة شاملة لا تكون فيها كثرة وقلة طائفية بل يكون فيها جمع موحد. وإن كانت فيه مذاهب مختلفة وتفسيرات للشريعة في دائرة المقررات الشرعية متعددة فتعدد التفسيرات في دائرة المقررات الإسلامية دليل على الحيوية الفكرية والانقسام إلى طوائف دليل على التفرق والانقسام، والفرق بين الأمرين عظيم ".

ويقول الأستاذ المستشار عبد الحليم الجندي في كتابه (الإمام الصادق ص ٣): " فقد تأكد في كتابنا (توحيد الأمة العربية) أن " الوحدة القانونية " هي الطريقة المثلى لربط المسلمين في شتى أقطارهم بتشريع إسلامي شامل تضال دونه التشريعات المعاصرة في الغرب أو في الشرق. والفقه " الشيعي " واحد من النهرين اللذين تسقى منهما حضارة أهل الإسلام وإليه لجأ الشارع

١١
المصري في هذا القرن لإجراء إصلاحات ذات بال في نظم الأسرة المصرية.

والإمام جعفر الصادق يقف شامخا في قمة فقه أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو في الفقه إمام وحياته للمسلمين إمام. والمسلمون - اليوم - يلتمسون في كنوزهم الذاتية مصادر أصلية للنهضة مسلمة غير مخلطة ولا مستوردة ".

ويقول في (ص ٦): " فالكتاب الحالي يبلغ غرضه إذا كان صوتا يدعو للوحدة والمسلمون تجمعهم أصول فكرية واحدة وإن اختلفت الفروع أو تعددت الآراء، وفي تعدد الآراء ثراء ".

هذا الاتجاه البناء الهادف إلى تقريب وجهات النظر بين المذاهب الفقهية المتعددة إن دل على شئ فإنما هو دليل على سعة الأفق وارتقاء درجة الوعي والفهم الحقيقي لطبيعة هذا الدين.

وخلال هذا البحث نود فحص بعض الأمور الفقهية البارزة التي كانت مثارا للجدال والنقاش لفترات عديدة حتى يومنا هذا وكانت تمثل موضع خلاف لا يرجي له نهاية. مع إننا إذا نظرنا إلى هذه المسائل بتجرد وموضوعية لوجدناها تستند إلى دلائل لا غبار عليها مستنبطة من مصادر التشريع المعتمدة لا سيما من كتب أهل السنة أنفسهم لكن الفجوة القائمة وانغلاق باب الحوار والعزلة الفكرية التي سادت بين الطرفين ردحا طويلا من الزمن أدت إلى طمس معالم هذه الدلائل وجعلتها خافية عن الأذهان.

وهذه المسائل قد تناولتها كثير من الرسائل والمصنفات ومن أهمها أبحاث سماحة الإمام العلامة السيد شرف الدين العاملي (قدس سره) وقد استقينا هذا البحث من عدة مصادر عند إخواننا الشيعة ذكرناها في آخره ولم نخصص موضعا لذكر المصادر السنية نظرا لإدراجها في ثنايا المواضيع مع تعيين كل منها.

وقد توخينا في هذا البحث أن نعرض وجهة نظر إخواننا كاملة وأدلتهم التي ساقوها واستندوا إليها بحذافيرها الواردة في كتب أهل السنة

١٢
المعتبرة وحرصنا على أن ننقلها كما هي من دون أن نمسها بشئ ولا يعدو دورنا في هذا المقام أن يكون بمثابة داعية خير قام بإزالة سوء الفهم القائم بين أخوين مسلمين أراد المغرضون أن يغرسوا بذور الشقاق والفرقة بينهما، بحيث يحول ذلك دون التقائهما.

ونلفت نطر القارئ الكريم إلى أننا قمنا قبل ذلك بتصنيف كتاب آخر بعنوان: (الوحدة العقائدية عند الشيعة والسنة) من أجل خدمة هذا الغرض النبيل نفسه، وهو وحدة المسلمين واجتماع كلمتهم. فلا يفوتن الباحثين وكلاب الحقيقة مطالعته بالإضافة إلى مطالعة هذا البحث الذي بين يدي القارئ فإن في الإطلاع عليهما بغية الطالب ومنية الراغب في هذا المجال الحيوي، وهو توحيد صفوف المسلمين وطمس معالم الفرقة والتشتت التي دأب المستكبرون وأذنابهم على إشاعتها بينهم.

ونرجو أن نكون قد وفقنا في عرض رأي إخواننا وبيان نظرتهم بلا تزيد أو انتقاص حرصا على الأمانة العلمية التي أناطها الله بأعناق الدعاة إلى سبيله ورعاية لحقوق الأخوة التي أوجبها الله على المسلمين كافة.

والله تعالى من وراء القصد (وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب).

المؤلف

١٣

[ ١ ]
الجمع بين الصلاتين

إن الصلاة هي الركن الأعظم من الدين وعموده المتين وتحتل منه موقعا متميزا لم تشاركها فيه فريضة أخرى. وقد أوجب الله تعالى أداءها بانتظام والمحافظة عليها حتى في أوقات الشدة والخوف مثل الحرب والجهاد قال تعالى: (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة اخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم..) [ النساء / ١٠٢ ].

وجاء في الحديث الشريف عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة " (١).

وبالرغم من هذا التشدد في أمر الصلاة والتأكيد على عدم التهاون في شأنها إلا أن الإسلام لم يزل دين اليسر والسهولة وما برح ينأى بأتباعه عن العنت والمشقة بل إنه يأبى التضييق في العبادة، لأن ذلك قد يفضي إلى تعسر أدائها ثم إلى تركها نهائيا.

ولذلك أدخل الإسلام تيسيرات كثيرة في الصلاة من أجل تسهيل القيام بها والمواظبة عليها تستوعب طبيعة أدائها وعدد ركعاتها وأوقاتها.

فأما ما يتعلق بطريقة الأداء فإن الإسلام قد أجاز لمن لا يستطيع أداءها قائما أن يؤديها قاعدا ومن لا يستطيع أن يؤديها قاعدا فلا حرج عليه أن يؤديها مضطجعا.

(١) رواه مسلم وأحمد.
١٤
كذلك يمكن للجندي أثناء السير إلى الجهاد أن يؤديها وهو بداخل دبابته أو مصفحته على الوجه الذي يلائمه... وهكذا.

أما في ما يتعلق بعدد ركعاتها فإن الإسلام قد أجاز قصر الصلوات الرباعية بحيث يؤديها المسافر ثنائية وفق الشرائط المقررة لذلك وهذا - أيضا - من باب التيسير والتخفيف أثناء السفر.

أما في ما يخص أوقاتها فإن الإسلام قد أجاز الجمع بين الصلوات سواء كان جمع تقديم أو جمع تأخير تيسيرا لأدائها على المؤمنين ورفعا للضيق والحرج عنهم ولا خلاف بين أهل القبلة من المذاهب الإسلامية كلها في جواز الجمع أثناء الوقوف بعرفة بين صلاتي الظهر والعصر جمع تقديم:

أي أداء العصر في وقت الظهر بعد أداء الأخيرة مباشرة كما لا خلاف بينهم في جواز الجمع في المزدلفة بين صلاتي المغرب والعشاء جمع تأخير: أي أداء صلاة المغرب في وقت العشاء بدءا بصلاة المغرب ثم العشاء على الترتيب وهذا من المستحبات القطعية والسنن النبوية المؤكدة لكن الخلاف قد وقع في جواز الجمع في ما عدا هذين الموطنين.

فأما الحنفية فقد منعوا الجمع بين الصلاتين مطلقا في ما عدا الجمع في عرفة والمزدلفة بالرغم من توفر الأحاديث الصحيحة وتضافرها في جواز الجمع ولا سيما في السفر لكنهم تأولوها على صراحتها في ذلك وحملوها على محامل أخرى مثل الجمع الصوري، الذي هو عبارة عن تأخير الداء الصلاة إلى آخر وقتها ثم أدائها مع الصلاة التي تليها في أول وقتها.

وأما الشافعية والمالكية والحنبلية فقد أجازوا الجمع في السفر لكنهم اختلفوا في جوازه في عدة أعذار أخرى قد تبيحه مثل المطر والطين والمرض والمرأة المرضع أو المستحاضة وكذلك في شروط السفر المبيح له.

أما بالنسبة لأئمة أهل البيت عليهم السلام فإنهم قالوا بجواز الجمع بين الصلاتين مطلقا وتبعهم في ذلك شيعتهم الآخذون بمذهبهم والعاملون

١٥
بفقههم فهم يجمعون غالبا بين صلاتي الظهر والعصر وبين صلاتي المغرب والعشاء ولا فرق في ذلك إذا كان الجمع في سفر أو في حضر بعذر أو بغير عذر وكذلك الجمع عندهم جائز سواء كان جمع تقديم أو جمع تأخير بلا فرق. وكان هذا موضع خلاف بينهم وبين الجمهور. وقد احتجوا لذلك بالصحاح المتواترة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام غير أنهم احتجوا - أيضا - ببعض الصحاح المعتمدة عند أهل السنة التي تعضد رأيهم وتؤيدهم في ما ذهبوا إليه ونذكر هنا بعضا منها:

أخرج البخاري (في باب: تأخير الظهر إلى العصر من كتاب مواقيت الصلاة) بسنده عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى بالمدينة سبعا وثمانيا الظهر والعصر والمغرب والعشاء. فقال أيوب: لعله في ليلة مطيرة. قال: عسى " (١).

وأخرج أيضا (في باب: وقت المغرب) عن جابر بن يزيد عن ابن عباس قال: " صلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم سبعا جميعا وثمانيا جميعا " (٢).

وأخرج الترمذي (في باب: الجمع بين الصلاتين في الحضر) بسنده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: " جمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر قال: فقيل لابن عباس: ما أراد بذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته " (٣).

وأخرج مسلم في صحيحه (باب: الجمع بين الصلاتين):

- بسنده عن أبي زبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: " صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الظهر والعصر جميعا بالمدينة في غير خوف ولا سفر قال أبو الزبير: فسألت سعيدا لم فعل ذلك؟

(١) صحيح البخاري: ج ١ ص ١٤٤.

(٢) المصدر نفسه وأخرجه - أيضا - مالك في الموطأ من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ص ١٢٥.

(٣) صحيح الترمذي: ج ١ ص ٣٥٥.

١٦
فقال: سألت ابن عباس كما سألتني فقال: أراد أن لا يحرج أحدا من أمته ".

- بسنده عن حبيب بن ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:

" جمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر. في حديث وكيع قال: قلت لابن عباس: لم فعل ذلك؟

قال: كي لا يحرج أمته. وفي حديث أبي معاوية قيل لابن عباس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته ".

- بسنده عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: " صليت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثمانيا جميعا وسبعا جميعا قلت: يا أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء. قال: وأنا أظن ذلك ".

- بسنده عن عبد الله بن شقيق قال: " خطبنا ابن عباس يوما بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم وجعل الناس يقولون: الصلاة.. الصلاة قال: فجاء رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني: الصلاة... الصلاة فقال ابن عباس: أتعلمني بالسنة لا أم لك؟! ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء. قال عبد الله بم شقيق: فحاك في صدري من ذلك شئ فأتيت أبا هريرة فصدق مقالته ".

- بسنده - أيضا - عن عبد الله بن شقيق العقيلي قال: " قال رجل لابن عباس: الصلاة فسكت ثم قال: الصلاة فسكت ثم قال: الصلاة فسكت ثم قال: لا أم لك أتعلمنا بالصلاة وكنا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟! ".

قال النووي في شرحه على (صحيح مسلم): " هذه الروايات الثابتة في مسلم كما تراها وللعلماء فيها تأويلات ومذاهب... " ثم قال: " منهم من تأوله على أنه جمع بعذر المطر وهذا مشهور عن جماعة من الكبار المتقدمين وهو ضعيف بالرواية الأخرى: " من غير خوف ولا مطر ". ومنهم

١٧
من تأوله على أنه كان في غيم فصلى الظهر ثم انكشف الغيم وبان أن وقت العصر دخل فصلاها وهذا أيضا باطل لأنه وإن كان فيه أدنى احتمال في الظهر والعصر لا احتمال فيه في المغرب والعشاء. ومنهم من تأوله على تأخير الأولى إلى آخر وقتها فصلاهما فيه فلما فرغ دخلت الثانية فصلاهما فصارت صلاته صورة جمع وهذا أيضا ضعيف أو باطل لأنه مخالف للظاهر مخالفة لا تحتمل وفعل ابن عباس الذي ذكرناه حين خطب واستدلاله بالحديث لتصويب فعله وتصديق أبي هريرة له وعدم إنكاره صريح في رد هذا التأويل. ومنهم من قال: هو محمول على الجمع بعذر المرض أو نحوه مما هو في معناه من الأعذار وهذا قول أحمد بن حنبل والقاضي حسين من أصحابنا واختاره الخطابي والمتولي والروياني من أصحابنا وهو المختار في تأويله لظاهر الحديث ولفعل ابن عباس وموافقة أبي هريرة ولأن المشقة فيه أشد من المطر " (١).

قلنا: إن هذا التأويل الأخير مردود من وجوه:

أولا: إن الأحاديث الواردة في الجمع مطلقة وليست مقيدة بمرض أو غيره.

ثانيا: إن الأحاديث جاءت بألفاظ متقاربة منها: " في غير خوف ولا مطر " والخوف يندرج تحته جميع الأسباب التي تدعو إليه من مرض وتعب وإرهاق وإرضاع وانشغال بأمر هام... إلى غير ذلك من الأعذار التي قد تسبب مشقة لصاحبها.

ثالثا: إنه لو فرض أن الجمع كان بعذر المرض ونحوه لكان قد جمع مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من يتوفر له العذر نفسه أما الباقون فلا يسوغ لهم الجمع.

وهذا يعارض ظاهر الأحاديث الواردة على إطلاقها.

رابعا: إن ابن عباس لم يكن يخطب في مستشفى بحيث يجبر غيره على الجمع بدليل أنه عنف الرجل الذي كان يلح في الصلاة قائلا له: " أتعلمني

(١) مسلم بشرح النووي: ج ٥ ص ٢١٨.
١٨
بالسنة لا أم لك..؟ " ثم قال: " رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء ".

وهذا يدل بوضوح على أن ابن عباس قد أصاب السنة بعينها بدليل أن أبا هريرة - أيضا - أيده في فعله ولم يذكر عذرا واحدا لتقييد هذا الجمع وبالتالي تنتفي كافة الأعذار التي يمكن أن يتعذر بها المعارضون للجمع على إطلاقه.

ثم قال النووي في تكملة شرحه للأحاديث: " وذهب جماعة من الأئمة إلى جواز الجمع في الحضر للحاجة لمن لا يتخذه عادة وهو قول ابن سيرين واشهب من أصحاب مالك وحكاه الخطابي عن القفال والشاشي الكبير من أصحاب الشافعي عن أبي إسحاق المروزي عن جماعة من أصحاب الحديث واختاره ابن المنذر ويؤيده ظاهر قول ابن عباس: " أراد أن لا يحرج أمته " فلم يعلله بمرض ولا غيره. والله أعلم ".

قلنا: بالرغم من أن هذا القول يشبه إلى حد كبير ما عليه مذهب أهل البيت عليهم السلام إلا أننا لا ندري ما المقصود بقولهم: " للحاجة لمن لا يتخذه عادة " وبأي دليل جاؤوا بتلك العبارة: " لمن لا يتخذه عادة " وهل كان ابن عباس متكاسلا عن قولها حتى يفسح المجال لغيره كيما يقولها من بعده نيابة عنه؟!

وقال الحافظ في (الفتح) في شرح الحديث الوارد في (صحيح البخاري) عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى بالمدينة سبعا وثمانيا الظهر والعصر والمغرب والعشاء.

قال: " وقد ذهب جماعة من الأئمة إلى الأخذ بظاهر هذا الحديث فجوزوا الجمع في الحضر للحاجة مطلقا لكن بشرط أن لا يتخذ ذلك عادة.

وممن قال به: ابن سيرين وربيعة واشهب وابن المنذر والقفال الكبير وحكاه الخطابي عن جماعة من أصحاب الحديث واستدل لهم بما وقع عند مسلم في هذا الحديث من طريق سعيد بن جبير قال: فقلت لابن عباس: لم فعل ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج من أمته ". وللنسائي من طريق عمر وبن هرم عن أبي الشعثاء أن ابن عباس صلى بالبصرة الأولى والعصر ليس بينهما

١٩
شئ والمغرب والعشاء ليس بينهما شئ فعل ذلك من شغل وفيه رفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفي رواية لمسلم من طريق عبد الله بن شقيق أن شغل ابن عباس المذكور كان بالخطبة وأنه خطب بعد صلاة العصر إلى أن بدت النجوم ثم جمع بين المغرب والعشاء وفيه تصديق أبي هريرة لابن عباس في رفعه وما ذكره ابن عباس التعليل بنفي الحرج ظاهر في مطلق الجمع وقد جاء مثله عن ابن مسعود مرفوعا أخرجه الطبراني ولفظه: " جمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء فقيل له في ذلك فقال: صنعت هذا لئلا تحرج أمتي وإرادة نفي الحرج يقدح في حمله على الجمع الصوري لأن القصد إليه لا يخلو عن حرج " (١).

مما تقدم يتبين لنا أن الجمع بين الصلاتين جائز على إطلاقه وأن الهدف من وراء ذلك هو رفع الحرج عن أفراد الأمة وإدخال اليسر والتوسعة عليهم بحيث يصبح في مقدور كل إنسان أن يؤدي الصلوات بانتظام من دون أدنى عسر أو مشقة.

قال تعالى: (هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم..) [ الحج / ٧٨ ].

ولا ريب أن هذا التيسير يساعد على المواظبة على أداء الصلوات والمحافظة عليها كما أن التشدد في وجوب التفريق على خمسة أوقات منفصلة قد أدى إلى تضييق نطاقها والتكاسل عن أدائها جملة لا سيما عند أهل المشاغل والمصالح وما أكثرهم.

ومما يدل - أيضا - على جواز الجمع مطلقا كتاب الله المجيد إذ يبين أن أوقات الصلوات المفروضة هي ثلاثة أوقات فحسب وهي وقت لفريضتي الظهر والعصر مشتركا بينهما ووقت لفريضتي المغرب والعشاء مشتركا بينهما ووقت ثالث لفريضة الصبح خاصة.

(١) فتح الباري: ج ٢ ص ٢٠.
٢٠