×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

فلسفة الميثاق والولاية / الصفحات: ٤١ - ٦٠

مقامـه:


وفي حديثِ كربلا والكعبةلكربلا بانَ علـوّ الرتبة(١)

وكذا حديث أنـس، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): " ما من مؤمن إلاّ وله باب يصعـد منه عملـه وباب ينزل منه رزقـه، فإذا مات بكيـا عليـه "(٢) ; انـتـهى.

١- الدرّة النجفية: ١٠٠.

٢- سنن الترمذي ٥ / ٣٥٤ ح ٣٢٥٥، الجامع الصغير ٢ / ٤٩٤ ح ٨٠٩١، زاد المسير ٧ / ١٥٤، الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور ٧ / ٤١١ في تفسير قوله تعالى: (فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظَرين) سورة الدخان ٤٤: ٢٩، كنز العمّال ٢ / ٤١ ح ٣٠٤١ و ج ١٥ / ٦٨١ ح ٤٢٧١٨.

وانظر: الأمالي ـ للسيّد المرتضى ـ ١ / ٣٩ ـ ٤٠، كنز الفوائد ٢ / ٢٠٠، مجمع البـيان ٩ / ٩٦.

وقد ذُكرت في المصادر الثلاثة هذه عدّة وجوه في تفسـير الآية المذكورة آنفاً نافعة في هذا المقام جديرة بالمراجعة والتأمّـل!

٤١
وقـوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث آخر: " إذا مات المؤمن ناحت عليه البقاع التي كان يشغلها بعبادة الله تعالى "(١)..

.. إلى كـثير من أمثال هذه السـنن، جاءت على نمـط كلام العـرب في التمثيل والتصوير، وكم لها في كلامهم من نظيـر!

قال أُميّـة بن أبي الصلت(٢):

١- انظر: الدرّ المنثور ٧ / ٤١٢.

٢- هو: أُميّة بن أبي الصلت عبـد الله بن أبي ربيعة بن عوف الثقفي، شاعر جاهلي من أهل الطائف، كان قد قرأ الكتب المتقدّمة، وكان ممّن ذكر إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام) والحنيفية، فرغب عن عبادة الأوثان، وحرّم الخمر.

ذكر في شعره كـثيراً من معاني التوحيـد والإيمان، كقوله:


كلُّ دِين يومَ القيامةِ عندَ اللّــهِ إلاّ دِينَ الحَنيفةِ زُورُ

وكان يخبر بأنّ نبيّـاً يُبعث قد أظلّ زمانُـه، وكان يرجو أن يكون هـو ذلك النبيّ، فلمّا بلغه خروج النبيّ محمّـد (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يؤمن به حسـداً له وعصبيـة!

قدم على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في مكّة وسمع منه آيات من القرآن، وانصرف عنه، فتبعته قريـش تسأله عن رأيه فيه؟ فقال: أشهد أنّه على الحقّ! قالوا: فهل تتّبعه؟ فقال: حتّى أنظر في أمره!

فخرج إلى الشام وورد دمشق، ثمّ حدثت وقعة بدر، وعاد أُميّة من الشام يريد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال له قائل: يا أبا الصلت! ما تريد؟ قال: أُريد محمّـداً ; قال: وما تصنع؟ قال: أؤمن به وأُلقي إليه مقاليد هذا الأمر ; قال: تدري من في القليب؟ قال: لا ; قال: فيه عُتبة بن ربيعة وشـيبة بن ربيعة، وهما ابنا خالك.

فامتنع عن الإسلام ورثى قتلى قريـش من المشركين، ورجع إلى مكّة، ثمّ رحل إلى الطائف وأقام بها إلى أن مات سـنة ٥ هـ، وقيل: سـنة ٩ هـ.

انظر: طبقات فحول الشعراء ١ / ٢٦٢ ـ ٢٦٧ رقم ٣٦٠ ـ ٣٦٦، الأغاني ٤ / ١٢٧ ـ ١٤٠، الشعر والشعراء ١ / ٤٥٩ رقم ٨٣، تاريخ دمشق ٩ / ٢٥٥ ـ ٢٨٨ رقم ٨١١، خزانة الأدب ١ / ٢٤٤ ـ ٢٤٩.

٤٢
كتاب فلسفة الميثاق والولاية للسيّد عبـد الحسـين شرف الدين (ص ٤٣ - ص ٥٦)

٤٣
فإنّ الجُودِيَّ والجُمُدَ جبلان(١)، والمراد أنّهما يسـبّحان الله بلسان تكوينهما، راسخين شامخين، يدلاّن على الصانع الحكيم وعلى قدرته وعظمتـه.

١- الجوديُّ ـ ياؤُه مشدّدة ـ: هو جبل مطلٌّ على جزيرة ابن عمر في الجانب الشـرقي من دجلة من أعمال الموصل، عليه اسـتوت سـفينة نوح (عليه السلام) لمّا نضب الماء، وقال الزجّاج: هو جبل بآمد، وقيل: جبل بالجزيرة استوت عليه سفينة نوح، وفي التنزيل العزيز: (وغِيض الماء وقُضي الأمر واسـتوت على الجوديّ) سورة هود ١١: ٤٤.

والجُمُدُ ـ بضمّتين ـ: هو جبل لبني نصر بنجد ; وقيل: جبل على ليلة من المدينة مرّ عليه الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: " هذا جُمدان سَـبق الـمُـفَـرِّدون ".

انظر: معجم البلدان ٢ / ١٨٧ رقم ٣٢٢٤ و ص ٢٠٨ رقم ٣٣١٥، لسان العرب ٢ / ٣٤٩ مادّة " جمد " و ص ٤١٣ مادّة " جود "، تاج العروس ٤ / ٤٠٠ ـ ٤٠١ مادّة " جمد " و ص ٤٠٥ مادّة " جود ".

٤٤
فكأنّهما ينزّهان الله عزّ وجلّ عمّا لا يجوز عليه، على حدّ قولـه تعـالى: { تسبّح له السموات السبع والأرض ومَن فيـهـنّ }(١).

وهـذا النـوع مـن التسـبيح في القـرآن العظيـم كـثير كمـا لا يخفى(٢).

وقال قيـس بن الملـوّح(٣):


وأجهشـتُ للتَّـوْباذِ(٤) حين رأيتُـهوكـبّر للرحمن حين رآني

١- سورة الإسراء ١٧: ٤٤.

٢- انظر ما تقـدّم في الهامش رقم ١ في الصفحـة ٣٥.

٣- هو: قيـس بن الملـوّح بن مزاحم العامري، توفّي سنة ٦٨ هـ، شاعر غزل، من المتـيّمين، من أهل نجد، لم يكن مجنوناً وإنّما لقّب بذلك لهيامه في حبّ ليلى بنت سعد.

قيل في قصّته: نشأ معها إلى أن كبرت وحجبها أبوها، فهام على وجهه ينشد الأشعار ويأنس بالوحوش، فيُرى حيناً في الشام وحيناً في نجد وحيناً في الحجاز، إلى أن وُجد ملقىً بين أحجار وهو ميّت فحُمل إلى أهله.

انظر ترجمته مفصّـلا في: الأغاني ٢ / ٣ ـ ٨٨.

٤- الـتَـوْباذ: جبل بنجـد.

انظر: معجم البلدان ٢ / ٦٤ رقم ٢٦٦٩.

٤٥

وأذريتُ دمعَ العين لمّا أتيتُـهونادى بأعلى صوته فدعاني
فقلتُ له: أين الّذين رأيتُـهمبجنبِك في خفض وطِيبِ زمانِ؟!
فقال: مضوا واستودعوني بلادهمومَن ذا الذي يبقى على الحدثانِ؟!(١)

ضـرورة أنّـه لا سـؤال هـنـا، ولا جـواب، ولا تكبيـر، ولا نداء، ولا دعاء، وإنّما هي مجازات على سـبيل التمثيل والتصـوير.

ومثله قول بعضهم(٢):

١- ديوان مجنون ليلى: ١٩٢، وروايته في الديوان:


وأجهشتُ للتَـوْباد حين رأيتُهوهلَّلَ للرحمن حين رآني
وأذريتُ دمعَ العين لمّا رأيتُهونادى بأعلى صوته ودعاني
فقلتُ له: أين الّذين عهدتُهُمْحواليك في خِصب وطِيبِ زمانِ؟
فقال: مضوا واستودعوني بلادهمومن ذا الذي يبقى مع الحدثانِ؟!

٢- المسائل العكبرية: ١١٤، لسان العرب ١١ / ٣٥٠ مادّة " قول "، تاج العروس ١٥ / ٦٣٨ مادّة " قول " ; ولم ينسـبوا البيت لأحـد.

٤٦

وقالت له العينان: سمعاً وطاعةًوحدّرتا كالدرّ لمّا يثـقّبِ

وقال مزاحم الـعُقيلي(١):


بكت دارُهم من أجلهم فتهلّلتدموعي فأيّ الجازعين ألومُ؟!(٢)

١- هو مزاحم بن الحارث، أو: مزاحم بن عمرو بن مرّة بن الحارث، من بني عُـقَـيْـل بن كعب بن عامر بن صعصعة.

شاعر غزل بدوي من الشجعان، كان معاصراً لجرير والفرزدق، وسُئل كلٌّ منهما: أتعرف أحداً أشعر منك؟ فقال الفرزدق: لا، إلاّ أنّ غلاماً من بني عقيل يركب أعجاز الإبل وينعت الفلوات فيجيد.

وأجاب جرير بما يشـبه ذلك.

وقيل لذي الرمّة: أنت أشعر الناس! فقال: لا، ولكـنْ غلامٌ من بني عقيل يقال له: مزاحم، يسكن الروضات، يقول وحشـياً من الشعر لا يقدر أحد أن يقول مثله.

حُبـس طويلا لشجار وقع بينه وبين رجل من جعدة، فتشاتما وتضاربا بعصيّهما، فشجّه مزاحم شجّة أصابت أُمّ دماغه، ثمّ هرب من سجنه فمكث في قومه مدّة.

انظر: الأغاني ١٩ / ١٠٤ ـ ١١٢، خزانة الأدب ٦ / ٢٥٦ ـ ٢٥٧، الأعلام ٧ / ٢١١.

٢- نَسـب أبو الفرج الأصفهاني ـ في الأغاني ١٩ / ١٠٥ ـ البيتَ إلى مزاحم الـعُـقَـيْـلي، فقال:

أخبـرني محمّـد بن مزيـد بـن أبي الأزهـر، قـال: أنشـدني حمّـاد، عـن أبيـه لمـزاحم الـعُـقَـيْـلي، قال ـ وكان يسـتجيدُها ويسـتحسـنُـها ـ:


لصفراء في قَلبِي من الحُبِّ شُعبةحِمىً لم تُبِحْه الغانياتُ صَمِيمُ

ثمّ قال:


بكت دارُهم من نأيهم فتهلّلتدموعي فأيّ الجازعين ألومُ؟!

إلى أن قال:


كحَرّان صاد ذِيْـدَ عن بَرْدِ مَشْربِوعن بَلَلاتِ الرِّيقِ فَهُو يَحُومُ

كما نُسـب البيت ـ مـرّةً ـ إلى مجنـون ليلى (قيـس بن الملـوّح)، ـ كمـا في ديوانـه: ١٦٧ ـ ١٦٨ ـ، ضمن قصيـدة من ١٢ بيتـاً، مطلعهـا:


لصفراء في قَلبِي من الحُبِّ شُعبةهوىً لم تَرُمْه الغانياتُ صَمِيمُ

ثمّ قال:


بكت دارُهم من فقدهم وتهلّلتدموعي فأيّ الجازعين ألومُ؟!

إلى أن قال:


دَعُوني فَما عَنْ رأيكُمْ كان حُبُّهاولكِنَّهُ حَظٌّ لها وَقَسيمُ

ونُسـب ـ أُخرى ـ إلى قيـس لُبنى (قيـس بن ذريـح)، ـ كما فـي ديوانـه: ١١١ ـ ١١٢ ـ، ضمـن قـصيـدة مـن ٩ أبـيـات، مـطـلعـهـا:


إلى الله أشكو فقد لبنى كما شكاإلى الله فقدَ الوالِدَينِ يَتيمُ

ثمّ قال:


بكت دارُهم من نأيهم فتهلّلتدموعي فأيّ الجازعين ألومُ؟!

إلى أن قال:


أَفِي الحَقِّ هذا أنّ قَلْبَكِ فارغٌصَحيحٌ وَقَلْبي في هَواكِ سَقيمُ

٤٧
٤٨
وكانوا إذا أَخبَروا عن عظم المصاب بموت الواحد من عظمائهم يقولون: بكته السماء والأرض، وأظلمت لفقده الشمس والقمر..

قال جرير(١) يرثي عمر بن عبـد العزيز:


الشمسُ طالعةٌ ليسـت بكاسفةتبكي عليك نجومَ الليلِ والقمرا(٢)

١- هو: جريـر بن عطية بن حذيفة بن بدر الخطفي الكلبي اليـربوعي، من تميم (٢٨ ـ ١١٠ هـ)، أشعر أهل عصره، وُلد ومات في اليمامة، وعاش عمره كلّه يناضل شعراء زمنه ويساجلهم، وكان هجّاءً مرّاً، فلم يثبت أمامه غير الفرزدق والأخطل، وهو من أغزل الناس شعراً.

انظر: وفيات الأعيان ١ / ٣٢١ رقم ١٣٠، الأعلام ٢ / ١١٩.

٢- ديوان جرير: ٢٣٥، وروايته في الديوان:


فالشمـس كاسفة ليسـت بطالعةتبكي عليك نجوم الليل والقمرا

٤٩
أي إنّها مع طلوعها باكية ليسـت بكاسفة نجوم الليل والقمر ; لأنّ عظم مصيبتها بك قد سلبها نورها.

وبالجمـلة: فإنّ باب المجاز على سبيل التمثيل من أوسع أبواب البلاغة في لسان العرب، كانوا يرصّعون به خطبهم وأشعارهم وحِكمهم وأمثالهم..

فمن أمثالهم السائرة:


قال الجدار للوتد: لِمَ تشـقّـني؟!قال الوتد: سَـلِ الذي يدقّـني!(١)

.. إلى كـثير من أمثـال هذا.

والقرآن إنّما نزل على لغتهم وفي أساليبهم، وما تحدّى العرب إلاّ على طرائقهم وفي مجازاتهم وحقائقهم، فبخعوا لآياته، وعجزوا عن أن يأتوا بسورة من مثله(٢).

فآية الميثاق والإشهاد على أنفسهم إنّما جاءت من هذا الباب، كما جاء غيرها من آيات الفرقان وصحاح السُـنّة وسائر

١- انظر: تفسير الفخر الرازي ١٥ / ٥٣.

٢- إشارة إلى قوله عزّ وجلّ: (وإنْ كنتم في ريب ممّا نزّلنا على عبدنا فأْتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين)سورة البقرة ٢: ٢٣.

٥٠
كلام العـرب.

والحمد لله الذي دلع لسان الصباح بنطق تبلّجه، وسرّح قطع الليل المظلم بغيـاهب تلجلجه، ودلّ على ذاته بذاته، وتـنـزّه عن مجانسـة مخلوقاتـه(١).


*  *  *

١- هذا المقطع مقتبس من دعاء الصباح للإمام أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) ; انظر: بحار الأنوار ٩٤ / ٢٤٣ رقم ١٠.

٥١

المقام الثاني
في الاسـتـشـهاد بالآيـة الكريمة على
نبــوّة نبيّـنا (صلى الله عليه وآله وسلم) وإمامة أئـمّـتنا (عليهم السلام)


وهذا شيء لم يكن مدلولا عليه بظاهر الآية لولا ما رويناه في تفسيرها عن الإمام الصادق (عليه السلام) إذ قال: " كان الميثاق مأخوذاً عليهم لله بالربوبية، ولرسوله بالنبوّة، ولأمير المؤمنين والأئمّة بالإمامة، فقال: { ألست بربّكم } ومحمّـد نبيّكم وعليٌّ إمامكم والأئمّة الهادون أئمّتكم { قالوا بلى } ".. الحـديث(١).

وقول الصـادق (عليه السلام) حـقٌّ لا يأتيـه الباطل من بين يديـه ولا من خلفه ; لوجوب عصـمته عقلا ونقلا، وهو إمام العترة الطاهرة في عصره، لا يضلّ من تمسّك به، ولا يهتدي إلى الله من ضلّ عنه، أنزله النصُّ منزلةَ الكتاب، وجعله قدوته لأُولي الألباب، وهذا أمر مفروغ عنه عندنا، والحمّد لله ربّ العالميـن(٢).

١- تفسير القمّي ١ / ٢٤٨، ونحوه في: تهذيب الأحكام ٣ / ١٤٦ ح ٣١٧ باب صلاة الغـدير.

٢- نعم، إنّ مسألة عصمة الأئمّة (عليهم السلام) عندنا مفروغ منها، وذلك بدلالة آيات الكتاب العزيز والأحاديث النبوية الشريفة المتواترة، والتي تُظهِر هذا الأمر جليّـاً واضحاً ; لذا فما على المنصف إلاّ أن يراجع هذه الآيات والأحاديث لكي يزيل عن عينيه الغشاوة التي حجبت عنه رؤية الحـقّ وأهله.

فمن الآيات القرآنية التي تدلّ على إمامتهم وعصمتهم (عليهم السلام):

١ ـ آية التطهير: (إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطـهّركم تطهيراً) سورة الأحزاب ٣٣: ٣٣.

والمراد بأهل البيت في هذه الآية: عليٌّ وفاطمـة والحسـن والحسـين (عليهم السلام) وفق ما جاء به الحديث الشريف.

انـظـر: صحيـح مسلم ٧ / ١٣٠، سـنن الترمذي ٥ / ٣٢٨ ح ٣٢٠٥ و ٣٢٠٦، المستدرك على الصحيحين ٢ / ٤٥١ ح ٣٥٥٨ و ٣٥٥٩، المعجم الكبير ٣ / ٥٣ ح ٢٦٦٤، الدرّ المنثور ٦ / ٦٠٣ ـ ٦٠٥، سير أعلام النبلاء ١٠ / ٣٤٦.

٢ ـ آية المودّة: (قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القربى ومن يقترف حسنةً نزد له فيها حسناً إنّ الله غفور رحيم) سورة الشورى ٤٢: ٢٣.

فقد عيّن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) المقصودين بـ " القربى " في هذه الآية، وهم: عليٌّ وفاطمـة الزهراء وولداهما الحسـن والحسـين (عليهم السلام)، ولو لم يكونوا طاهرين مطهّرين معصومين لَما أمر الله تعالى بمودّتهم، ولَـكان أمره عبثاً، تعالى عن ذلك علـوّاً كبيراً.

انظر: مسند أحمد ١ / ٢٢٩، المعجم الكبير ٣ / ٤٧ ح ٢٦٤١ و ج ١١ / ٣٥١ ح ١٢٢٥٩، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٨٨ ح ٤٨٠٢، تفسـير الطبري ٢٥ / ١٦ ـ ١٧.

٣ ـ آية المباهلة: (فمن حاجّك فيه من بعدما جاءك من العلم فقل تعالوا ندعُ أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفُسَنا وأنفسكم ثمّ نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) سورة آل عمران ٣: ٦١.

وهذه الآية من الآيات الدالّة على إمامة أئمّتنا الأطهار (عليهم السلام)، وعلى أنّهم بمرتبة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل ساوتهم به، إذ جمعت أنفسهم مع نفسه، فقال تعالى: (وأنفسنا وأنفسكم)، وقصّة هذه الآية معروفة حين خرج النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى مباهلة نصارى نجران بعليّ وفاطمة والحسـن والحسـين (عليهم السلام)، وقد تواترت الأخبار في نقلها.

انظر: مسند أحمد ١ / ١٨٥، صحيح مسلم ٧ / ١٢٠، سنن الترمذي ٥ / ٥٩٦ ح ٣٧٢٤، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٦٣ ح ٤٧١٩، فتح الباري في شرح صحيح البخاري ٧ / ٦٠.

أمّا بالنسـبة للأحاديث النبوية الشريفة فهي كـثيرة جدّاً، ولكـنّنا ـ روماً للاختصار ـ سـنورد أشهر حديثين، وهما:

١ ـ حديث السفينة: " مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها هلك ".

وهو حديث زاد عن حدّ الاسـتفاضة، وفيه دلاله واضحة على إمامـة أئمّتنا وعصمتهم بالمعنى الذي يقوله علماؤنا، أي أنّ الذي يريد أن ينجو من الهلاك عليه التمسّـك بهؤلاء ; لأنّهم سـفن النجـاة.

انظر: فضائل الصحابة ـ لأحمد ـ ٢ / ٩٨٧ ح ١٤٠٢، مسند البزّار ٩ / ٣٤٣ ح ٣٩٠٠، المعجم الكبير ٣ / ٣٧ ح ٢٦٣٦، المعجم الصغير ١ / ١٣٩، المستدرك على الصحيحين ٢ / ٣٧٣ ح ٣٣١٢، البدء والتاريخ ١ / ٢٢٠، حلية الأولياء ٤ / ٣٠٦، تاريخ بغداد ١٢ / ٩١ رقم ٦٥٠٧، مجمع الزوائد ٩ / ١٦٨، الصواعق المحرقة: ٣٥٢.

٢ ـ حديث الـثِّـقْـلَـيْن: " إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر ; كـتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرّقا حتّى يَرِدا علَيَّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما! ".

وهو من الأحاديث المتواترة، وقد رواه أكثر من ثلاثين صحابيّاً، ويُعدُّ من الأحاديث الدالّة دلالة قاطعة لا تقبل الشكّ والترديد على عصمة أئمّتنا الأطهار (عليهم السلام) ; إذ قرن النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) القرآن بالعترة، وأخبر أنّهما لن يفـترقا حتّى يرِدا عليه الحوض.

انظر: صحيح مسلم ٧ / ١٢٢، مسند أحمد ٥ / ١٨١ ـ ١٨٢، سنن الترمذي ٥ / ٦٢٢ ح ٣٧٨٨، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٦٠ ح ٤٧١١ و ج ٣ / ٦١٣ ح ٦٢٧٢، المعجم الكبير ٥ / ١٦٦ ح ٤٩٦٩ و ج ٥ / ١٨٢ ح ٥٠٢٥ و ٥٠٢٦ و ج ٥ / ١٨٣ ح ٥٠٢٨، الدرّ المنثور ٢ / ٦٠.

٥٢
٥٣
٥٤
أمّا أخذ الميثاق هنا لرسول الله بالنبوّة، ولأوصيائه الاثني عشر بالإمامة، فإنّمـا هو على حدّ ما ذكرناه من أخذ الميثاق لله عـزّ وجـلّ بالربوبيّـة(١).

فإنّه ـ وله الحمد والمجد ـ أقام على نبوّة نبـيّنا، وإمامة أئمّتنا من الأدلّة القاطعة، والبراهين الساطعة، والآيات،

١- إنّ أوّل ما أخذ الله الميثاق له بالربوبية كان من الأنبياء (عليهم السلام) حين قال تعالى: (وإذ أخذنا من النبيّين ميثاقهم) سورة الأحزاب ٣٣: ٧، فذكر جملة من الأنبياء، ثمّ أبرز أفضلهم بالأسامي فقال: (ومنك) يا محمّـد، فقدّم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لأنّه أفضلهم، ثمّ أخذ بعد ذلك ميثاق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على الأنبياء بالإيمان له، وعلى أن ينصروا أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال في سورة آل عمران ٣: ٨١: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيّين لَما آتيتكم من كتاب وحكمة ثمّ جاءكم رسول مصدّق لِما معكم) يعني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (لتؤمننّ به ولتنصرنّه) يعني أمير المؤمنين (عليه السلام)، وأخبروا أُممكم بخبره وخبر وليّه من الأئمّة (عليهم السلام).

انظر: تفسـير القمّي ١ / ٢٤٨.

٥٥
والبيّـنات، والحـجـج البالغـة المتظاهرة ما لا يتسـنّى جحوده، ولا تتأتّى المكابرة فيه(١)، { ولاتَ حينَ مَـناص }(٢).

فلو فُرض أنّ الله عزّ سلطانه سأل بني آدم ـ بعد تناصر تلك البيّنات ـ وأشهدهم على نبوّة نبيّنا وإمامة أوصيائه، لَما وسعهم إلاّ الإقرار لهم والشهادة بالحقّ طوعاً وكرهاً.

ألا ترى البرّ والفاجر، والمسلم والكافر، والمؤمن والمنافق، والناصب والمارق، قد بخعوا لفضلهم، وطَـأْطَـأُوا لشـرفهم، فسـطروا الأساطير في مناقبـهم، ومَـلأَُوا الطواميـر(٣)من خصائصهم، وتلك صحاح أعدائهم تشهد لهم بالحقّ الذي هم أهله ومعدنـه، ومأواه ومنـتهاه(٤).

١- راجع في تفصيـل ما أشار إليه المصنّـف (قدس سره) من البراهين والبيّـنات: ج ٣ ـ ٦ من " دلائل الصـدق "، ففيها شفاء لِما في الصـدور.

٢- سورة ص ٣٨: ٣، ومعنى قوله تعالى: (ولات حين مَـنَاص)أي: لا حين مَـطْـلَب ولا حين مُغاث، وليـس الوقـت حيـن منجـىً ولا فوت، وهو مصدر ناصَ يَـنُـوص، وهو الملجـأ.

انظر: كتاب العين ٧ / ٨٨ مادّة " نص "، مجمع البيـان ٨ / ٣٠٤.

٣- الطَّـوامِـير: الصُّحُـف، وهي جمـع الطامـور والطُّومار ; انظر: مادّة " طمر " في: لسان العرب ٨ / ٢٠٠، تاج العروس ٧ / ١٤٦.

٤- انـظر مثـلا: صحيـح مسـلم ٧ / ١١٩ ـ ١٢٤، مسـند أحمـد ١ / ٧٧ و ٩٩ و ١١٥ و ١١٨ و ٣٦٨ و ٣٣١، فضائل الصحابة ـ لأحمد بن حنبل ـ ٢ / ٦٨٥ ـ ٩٠٧ ح ٩٣٢ ـ ١٢٤٧، سنن ابن ماجة ١ / ٤٢ ـ ٤٥ ح ١١٤ ـ ١٢١، سـنن الترمذي ٥ / ٥٩٠ ـ ٦٠١ ح ٣٧١٢ ـ ٣٧٣٧.

٥٦
كتاب فلسفة الميثاق والولاية للسيّد عبـد الحسـين شرف الدين (ص ٥٧ - ص ٧٥)

٥٧

[ الإمامـة والولايـة ]


وسألتني عن قوله تعالى: { حُرّمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أُهلّ لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردّية والنطيحة وما أكل السـبُع إلاّ ما ذكّيتم وما ذُبح على النصب وأن تسـتقسموا بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئـس الّذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشونِ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينـاً فمن اضطُـرّ في مخمصة غير متجانف لإثم فإنّ الله غفور رحيـم }(١)..

فقلتَ: هذه آية واحدة مسوقة من أوّلها إلى آخرها لبيان الحكم الشرعي، أعني تحريم هذه الخبائث إلاّ على من اضطرّ في مخمصة غير متجانف لإثم، فإنّ الضرورات تبيح المحظـورات.

وإذا كانت مسوقة لبـيان الأحكام، فأيّ ربط لها بتعيين الإمـام؟!

ولِمَ لا يكون المراد من قوله فيها عزّ من قائل: { اليوم

١- سورة المائـدة ٥: ٣.

٥٨
أكملت لكم دينكم } إكمال الأحكام، من حلال وحرام، على ما يقتضيه سـياق الكـلام؟!

فالجـواب:

إنّ من نظر في هذه الآية نظراً سطحياً وجدها في بادئ بدء لا تأبى الحمل على ما ذكرتموه، لكن مَن أنعم(١) النظر فيها، فأعطى التأمّل حقّه، علم أنّ المأثور في تفسيرها عن أئمّة الهدى من آل محمّـد (صلى الله عليه وآله وسلم) أليـق بسـياقها الأخيـر.

فإنّها لم تبقَ على السـياق الأوّل ; لأنّ الله عزّ سلطانه بعد أن حرّم فيها تلك الخبائث، وأكّد تحريمها بقوله عزّ من قائل: { ذلكم فسق }، قال على سبيل الاعتراض: { اليوم يئس الّذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشونِ }..

فربط بهذا على قلوبهم، وثـبّت أقدامهم، وأنهضهم إلى الأخذ بأحكام الدين، وشحَذَ عزائمهم على إقامة شرائع الإسلام، ونفخ فيهم من روح الطمأنينة والسكينة ما لا يأبهون معه بالكـفّار.

وكان بعض المسـلمين قد رهقهم الخوف من مخالفـة

١- أَنْـعَـمَ النظرَ في الشيء: إذا أطال الفكرة فيه ; انظر: لسان العرب ١٤ / ٢١٣ مادّة " نعم ".

٥٩
الأُمم بمـا تعـبّـدهم الله به من حلاله وحرامه وسائر شرائعـه وأحكامه، وربّما خافوا من الكـفّار أن يلغوا تلك الشرائع بعـد رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان الكفّار يطمعون في ذلك، فأراد الله تبارك وتعالى تأمين المسلمين على دينهم، فبشّرهم بقوله وهو أصدق القائلين: { اليوم يئـس الّـذين كفروا من دينكم }..

أي بما أنعمت به عليكم من السطوة القاهرة، والدولة المتّـسقة، فأصبح الكـفّار بها أذلاّء خاسـئين، ويئـسوا بسـببها من تغلّبهم على دينكم، فلن يطمعوا بعد هذا في الاسـتيلاء عليكم أبـداً..

وحيث بلغتم هذه المثابة من العزّ والمنعة فلا تخشوهم، أي لا تخافوا من مخالفتكم إيّاهم في هذه الشرائع وإن نقموها عليكم، واخشوني في ما أمرتكم به ونهيتكم عنه، فخذوا بما أمرتكم به، وذروا ما نهيتكم عنه ولو كره المشركون.

وفي هذا السياق نفسه جاء قوله تعالى: { اليوم أكملت لكم دينكم }، أي بتعيين من يهيمن على الدين بعد خاتم النبيّين والمرسلين، فيقوم مقامه في حفظ بيضته، ونشر دعوته، وقطع دابر من يبتغي السـوء بـه..

{ وأتممتُ عليكم نعمتي } باختيار عليّ لهذه المهمّة، فإنّه القوي الأمين، الذي لا تأخذه في حفظ الدين وأهله لومةُ

٦٠