×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

قيس الأنصاري وشعره في الغدير / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحة: ١ فارغة
كتاب قيس الأنصاري وشعره في الغدير للعلامة الأميني (ص ١ - ص ١٥)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

قيس الأنصاري

قلت لما بغى العدو علينا * حسبنا ربنا ونعم الوكيل
حسبنا ربنا الذي فتح البصرة * بالأمس والحديث طويل

ويقول فيها:

وعلي إمامنا وإمام * لسوانا أتى به التنزيل
يوم قال النبي: من كنت مولاه * فهذا مولاه خطب جليل
إنما قاله النبي على الأمة * حتم ما فيه قال وقيل

* (ما يتبع الشعر) *

هذه الأبيات أنشدها الصحابي العظيم، سيد الخزرج، قيس بن سعد بن عبادة بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام بصفين، رواها شيخنا المفيد، معلم الأمة المتوفى ٤١٣ في " الفصول المختارة " ٢ ص ٨٧ وقال بعد ذكرها: إن هذه الأشعار مع تضمنها الاعتراف بإمامة أمير المؤمنين، فهي دلائل على ثبوت سلف الشيعة وإبطال عناد المعتزلة في إنكارهم ذلك.

وذكرها في رسالته في معنى المولى وقال فيها: قصيدة قيس التي لا يشك أحد من أهل النقل فيها، والعلم بها من قبوله كالعلم بنصرته لأمير المؤمنين وحربه أهل البصرة وصفين معه، وهي التي أولها:

قلت لما بغى العدو علينا * حسبنا ربنا ونعم الوكيل

فشهد هكذا شهادة قطعية بإمامة أمير المؤمنين عليه السلام من جهة خبر يوم الغدير، صرح بأن القول فيه يوجب رياسته على الكل وإمامته عليهم.

ورواها سيدنا الشريف الرضي المتوفى ٤٠٦ في خصايص الأئمة، وقال: إتفق حملة الأخبار على نقل شعر قيس وهو ينشده بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام بعد

٢
رجوعهم من البصرة في قصيدته التي أولها:

قلت لما بغى العدو علينا *: حسبنا ربنا ونعم الوكيل

وهذان الشاعران [قيس وحسان] صحابيان شهدا بالإمامة لأمير المؤمنين شهادة من حضر المشهد وعرف المصدر والمورد.

وأخرجها العلم الحجة الشيخ عبيد الله السدابادي في المقنع - الموجود عندنا - فقال: قالوا: ومن الدليل على أن أمير المؤمنين هو الإمام المنصوص عليه قول قيس بن سعد بن عبادة، وهذا من خيار الصحابة يشهد له بالإمامة، وإنه منصوص عليه، وإنه خولف، وقال الكميت بن زيد يصدق قول قيس بن سعد وحسان بن ثابت.

ورواها العلامة الكراجكي المتوفى ٤٤٩ في كنز الفوائد ص ٢٣٤ فقال: إنه مما حفظ عن قيس بن سعد بن عبادة وإنه كان يقوله بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام بصفين ومعه الراية.

وأخرجها أبو المظفر سبط ابن الجوزي الحنفي المتوفى ٦٥٤ في " التذكرة " ص ٢٠ فقال: إن قيس أنشدها بين يدي علي بصفين.

ورواها سيدنا هبة الدين الراوندي في " المجموع الرائق " - الموجود عندنا - و المفسر الكبير الشيخ أبو الفتوح الرازي في تفسيره ٢ ص ١٩٣، وشيخ السروي الآتي شيخنا الشهيد الفتال في " روضة الواعظين " ص ٩٠، وسيدنا القاضي نور الله المرعشي الشهيد ١٠١٩ في " مجالس المؤمنين " ص ١٠١، والعلامة المجلسي المتوفى ١١١١ في " البحار " ٩ ص ٢٤٥، والسيد علي خان المتوفى ١١٢٠ في " الدرجات الرفيعة " - الموجود عندنا - في ذكر غزوة صفين، وشيخنا صاحب " الحدايق " البحراني المتوفى ١١٨٦ في كشكوله ٢ ص ١٨. وجمع آخر من متأخري أعلام الطايفة.

* (الشاعر) *

أبو القاسم وقيل: أبو الفضل (٨) قيس بن سعد بن عبادة بن دليم (٢) بن حارثة ابن

(١) وقيل: أبو عبد الله. وقيل: أبو عبد الملك.

(٢) في تهذيب التهذيب: دليهم.

٣
أبي حزيمة [بالحاء المهملة المفتوحة] (١) ابن ثعلبة بن ظريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأكبر (٢) بن حارثة بن ثعلبة. إلى آخر النسب المذكور ص ٥٦.

أمه فكيهة بنت عبيد بن دليم بن حارثة.

هو ذلك الصحابي العظيم، كان يعد من أشراف العرب، وأمرائها، ودهاتها، وفرسانها، وأجوادها، وخطباؤها، وزهادها، وفضلائها، ومن عمد الدين وأركان المذهب.

* (أما شرفه) *

فكان هو سيد الخزرج وابن سادتها، وقد حاز بيته الشرف والمجد جاهلية وإسلاما، قال سليم بن قيس الهلالي في كتابه: إن قيس بن سعد كان سيد الأنصار وابن سيدها. وفي كامل المبرد ١ ص ٣٠٩: كان شجاعا جوادا سيدا. وقال أبو عمرو الكشي في رجاله ص ٧٣: لم يزل قيس سيدا في الجاهلية والاسلام وأبوه و جده وجد جده لم يزل فيهم الشرف، وكان سعد يجير فيجار وذلك له لسؤدده، ولم يزل هو وأبوه أصحاب إطعام في الجاهلية والاسلام، وقيس ابنه بعده على مثل ذلك. وفي الاستيعاب ٢ ص ٥٣٨: كان قيس شريف قومه غير مدافع هو وأبوه وجده. وفي أسد الغابة ٤ ص ٢١٥: كان شريف قومه غير مدافع ومن بيت سيادتهم.

وقال ابن كثير في تاريخه ٨ ص ٩٩: كان سيدا مطاعا كريما ممدوحا شجاعا. وقال المترجم له في أبيات له:

وإني من القوم اليمانين سيد * وما الناس إلا سيد ومسود
وبز جميع الناس أصلي ومنصبي * وجسم به أعلو الرجال مديد

وكان والده أحد النقباء الاثنى عشر الذين ضمنوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم إسلام قومهم والنقيب: الضمين. راجع تاريخ ابن عساكر ١ ص ٨٦.

* (وأما إمارته) *

ففي العهد النبوي كان من النبي صلى الله عليه وآله بمنزلة صاحب الشرطة

(١) وقيل: حارثة بن خزيم بن أبي خزيمة بالمعجمة المضمومة، تاريخ الخطيب ١ ص ١٧٧.

(٢) هنا يتحد المترجم مع حسان في النسب.

٤
من الأمير يلي ما يلي من أموره (١) وكان حامل راية الأنصار مع رسول الله صلى الله عليه وآله في بعض الغزوات، واستعمله على الصدقة، وكان من ذوي الرأي من الناس(٢) وبعده ولاه أمير المؤمنين عليه السلام مصر وكان أميرها الطاهر.

كان قيس من شيعة علي عليه السلام ومناصحيه بعثه علي أميرا على مصر في صفر سنة ٣٦، وقال له: سر إلى مصر فقد وليتكها، واخرج إلى ظاهر المدينة، واجمع إليك ثقاتك ومن أحببت أن يصحبك حتى تأتي مصر ومعك جند، فإن ذلك أرعب لعدوك وأعز لوليك، فإذا أنت قدمتها إنشاء الله فأحسن إلى المحسن، واشدد على المريب، و أرفق بالعامة والخاصة فإن الرفق يمن.

فقال قيس: رحمك الله يا أمير المؤمنين؟ قد فهمت ما ذكرت، فأما الجند فإني أدعه لك، فإذا احتجت إليهم كانوا قريبا منك، وإن أردت بعثتهم إلى وجه من وجوهك كان لك عدة، ولكني أسير إلى مصر بنفسي وأهل بيتي، وأما ما أوصيتني به من الرفق والاحسان فالله تعالى هو المستعان على ذلك.

فخرج قيس في سبعة نفر من أهله حتى دخل مصر مستهل ربيع الأول فصعد المنبر فجلس عليه خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وقال: الحمد لله الذي جاء بالحق. وأمات الباطل، وكبت الظالمين، أيها الناس؟ إنا بايعنا خير من نعلم بعد نبينا محمد " صلى الله عليه وآله " فقوموا فبايعوا على كتاب الله وسنة رسوله، فإن نحن لم نعلم لكم بذلك فلا بيعة لنا عليكم.

فقام الناس فبايعوا واستقامت مصر وأعمالها لقيس وبعث عليها عماله إلا أن قرية منها يقال لها: خربتا (٣) قد أعظم أهلها قتل عثمان وبها رجل من بني كنانة يقال له: يزيد ابن الحارث فبعث إلى قيس إنا لا نأتيك فابعث عمالك فالأرض أرضك ولكن أقرنا على

(١) صحيح الترمذي ٢ ص ٣١٧، سنن البيهقي ٨ ص ١٥٥، مصابيح البغوي ٢ ص ٥١، الاستيعاب ٢ ص ٥٣٨، أسد الغابة ٤ ص ٢١٥، الإصابة ٥ ص ٣٥٤، تهذيب التهذيب ٦ ص ٣٩٤؟؟، مجمع الروايد ٩ ص ٣٤٥.

(٢) تاريخ ابن عساكر، تاريخ ابن كثير ٨ ص ٩٩.

(٣) بفتح الخاء وكسرها وكسر الراء المهملة ثم الموحدة الساكنة.

٥
حالنا حتى ننظر إلى ما يصير أمر الناس، ووثب محمد بن مسلمة بن مخلد بن صامت الأنصاري فنعى عثمان ودعا إلى الطلب بدمه. فأرسل إليه قيس: ويحك أعلي تثب؟ والله ما أحب أن لي ملك الشام ومصر وإني قتلتك فأحقن دمك. فأرسل إليه مسلمة: إني كاف عنك ما دمت أنت والي مصر، وكان قيس له حزم ورأي (١).

خرج أمير المؤمنين عليه السلام إلى الجمل وقيس على مصر، ورجع من البصرة إلى الكوفة وهو بمكانه ووليها أربعة أشهر وخمسة أيام، دخلها كما مر في مستهل ربيع الأول وصرف منها لخمس خلون من رجب كما في الخطط للمقريزي، فما في الاستيعاب وغيره: إنه شهد الجمل الواقع في جمادى الآخرة سنة ٣٦ في غير محله، نعم يظهر من التاريخ شهوده في مقدمات الجمل.

وولاه على أمير المؤمنين آذربيجان كما في تاريخ اليعقوبي ٢ ص ١٧٨ وكتب إليه وهو عليها: أما بعد: فأقبل على خراجك بالحق، وأحسن إلى جندك بالإنصاف، وعلم من قبلك مما علمك الله، ثم إن عبد الله بن شبيل الأحمسي سألني الكتاب إليك فيه بوصايتك به خيرا، فقد رأيته وادعا متواضعا، فألن حجابك، وافتح بابك، واعمد إلى الحق، فإن من وافق الحق ما يحبو أسره، ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله، إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب.

قال غياث: ولما أجمع علي على القتال لمعاوية كتب أيضا إلى قيس: أما بعد:

فاستعمل عبد الله بن شبيل الأحمسي خليفة لك وأقبل إلي، فإن المسلمين قد أجمع ملأهم وانقادت جماعتهم، فعجل الاقبال فأنا سأحضرن إلى المحلين عند غرة الهلال إنشاء الله، وما تأخري إلا لك، قضى الله لنا ولك بالاحسان في أمرنا كله.

وروى الطبري في تاريخه ٦ ص ٩١، وابن كثير في تاريخه ٨ ص ١٤ عن الزهري : أنه قال: جعل علي عليه السلام قيس بن سعد على مقدمة من أهل العراق إلى قبل آذربيجان وعلى أرضها وشرطة الخميس التي ابتدعتها العرب وكانوا أربعين ألفا بايعوا عليه السلام على الموت، ولم يزل قيس يداري ذلك البعث حتى قتل علي عليه السلام واستخلف

(١) تاريخ الطبري ٥ ص ٢٢٧، كامل ابن الأثير ٣ ص ١٠٦، شرح ابن أبي الحديد ٢؟

ص ٢٣ نقلا عن كتاب الغارات لإبراهيم بن محمد الثقفي.

٦
أهل العراق الحسن بن علي عليها السلام على الخلافة.

* (حديث دهاءه) *

يجد القارئ شواهد قوية على ذلك من مواقفه العظيمة في المغازي، ونظراته العميقة في الحروب، وآرائه المتبعة في مهمات القضايا، وأفكاره العالية في إمارته، وإعظام الإمام أمير المؤمنين محله من الدهاء، وإكباره رأيه في حكومته، فإنه لما قدم قيس من ولاية مصر على علي، وأخبره الخبر الجاري بينه وبين رجال مصر ومعاوية علم أنه كان يقاسي أمورا عظاما من المكايدة، فعظم محل قيس عنده، وأطاعه في الأمر كله (تاريخ الطبري ٥ ص ٢٣١).

فعندها تجد سيد الخزرج (قيس) في الطبقة العليا من أصحاب الرأي ومن مقدمي رجالات النهى والحجا، وتشاهد هناك آيات عقله المطبوع والمكتسب، وتعده أعظم دهاة العرب حين ثارت الفتن، وسعرت نار الحرب، إن لم نقل: أعظم دهاة العالم، ونرى له التقدم في الفضيلة على الخمسة (١) الذين عدوه منهم، وأولاهم بالعقلية الناضجة، وتجد دون محله الشامخ ما في الاستيعاب ٢ ص ٥٣٨ وغيره (٢) من:

إنه أحد الفضلاء الجلة من دهاة العرب من أهل الرأي والمكيدة في الحرب، مع النجدة والسخاء والشجاعة. قال الحلبي في سيرته. من وقف على ما وقع بينه وبين معاوية لرأى العجب من وفور عقله. وقال ابن كثير في البداية ٨ ص ٩٩: ولاه علي نيابة مصر وكان يقاوم بدهائه وخديعته وسياسته لمعاوية وعمرو بن العاص.

وكان الإمام السبط الحسن يوصي أمير عسكره عبد الله بن العباس وهو أمير اثنى عشر ألفا من فرسان العرب، وقراء مصر بمشاورة قيس بن سعد والمراجعة إليه في مهام الحرب مع معاوية والأخذ برأيه في سياسة الجيش، كما يأتي حديثه.

وكان ثقيلا جدا على معاوية وأصحابه، ولما قدم قيس إلى المدينة من مصر

(١) هم: معاوية. عمرو بن العاص. قيس بن سعد. المغيرة بن شعبة. عبد الله بن بديل:

راجع تاريخ الطبري ٦ ص ٩٤، كامل ابن الأثير ٣ ص ١٤٣، أسد الغابة ٤ ص ٢١٥.

(٢) أسد الغابة ٤ ص ٢١٥، الإصابة ٣ ص ٢٤٩، تهذيب التهذيب ٨ ص ٣٩٥، السيرة الحلبية ٣ ص ٩٣.

٧
أخافه مروان والأسود بن أبي البختري فظهر قيس إلى علي عليه السلام فكتب معاوية إلى مروان والأسود يتغيظ عليهما ويقول: أمددتما عليا بقيس بن سعد ورأيه و مكايدته، فوالله لو أنكما أمددتماه بمأة ألف مقاتل ما كان ذلك بأغيظ إلي من إخراجكما قيس بن سعد إلى علي (تاريخ الطبري ٦ ص ٥٣) وعالج معاوية قلوب أصحابه وأمنهم من ناحية قيس بافتعال كتاب عليه وقرائته على أهل الشام كما يأتي تفصيله.

وكان قيس يرى نفسه في المكيدة والدهاء فوق الكل وأولى الجميع ويقول:

لولا أني سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: المكر والخديعة في النار. لكنت من أمكر هذه الأمة (١) ويقول: لولا الاسلام لمكرت مكرا لا تطيقه العرب (٢) فشهرته بالدهاء مع تقيد المعروف بالدين، وكلاءته حمى الشريعة، والتزامه البالغ في إعمال الرأي بما يوافق رضى مولاه سبحانه، وكفه نفسه عما يخالف ربه، تثبت له الأولوية والتقدم والبروز بين دهاة العرب، ولا يعادله من الدهاة الخمسة الشهيرة أحد إلا عبد الله بن بديل وذلك لاشتراكهما في المبدء، والتزامهما بالدين الحنيف، والكف عن الهوى، والوقوف عند مضلات الفتن.

وكلامه لمالك الأشتر (مالك وما مالك؟) ينم عن غزارة عقله، وحسن تدبيره، واستقامة رأيه، وقوة إيمانه، وهو من غرر الكلم، ودرر الحكم، رواه شيخ الطايفة في أماليه ص ٨٦ في حديث طويل فقال: قال الأشتر لعلي عليه السلام: دعني يا أمير المؤمنين؟ أوقع بهؤلاء الذين يتخلفون عنك. فقال له: كف عني. فانصرف الأشتر وهو مغضب، ثم إن قيس بن سعد لقي مالكا في نفر من المهاجرين والأنصار فقال: يا مالك؟ كلما ضاق صدرك بشئ أخرجته، وكلما استبطأت أمرا استعجلته، إن أدب الصبر: التسليم، وأدب العجلة: الأناة، وإن شر القول: ما ضاهى العيب، وشر الرأي: ما ضاهى التهمة، فإذا ابتليت فاسأل، وإذا أمرت فأطع، ولا تسأل قبل البلاء، ولا تكلف قبل أن ينزل الأمر، فإن في أنفسنا ما في نفسك، فلا تشق على صاحبك.

(١) أسد الغابة ٤ ص ٢١٥، تاريخ ابن كثير ٨ ص ١٠١.

(٢) الدرجات الرفيعة، الإصابة ٣ ص ٢٤٩.

٨
ولما بويع أمير المؤمنين بلغه: أن معاوية قد وقف من إظهار البيعة له وقال:

إن أقرني على الشام وأعمالي التي ولانيها عثمان بايعته. فجاء المغيرة إلى أمير المؤمنين فقال له: يا أمير المؤمنين؟ إن معاوية من قد عرفت وقد ولاه الشام من كان قبلك فوله أنت كيما تتسق عرى الأمور ثم اعزله إن بدا لك فقال أمير المؤمنين: أتضمن لي عمري يا مغيرة فيما بين توليته إلى خلعه؟ قال: لا. قال: لا يسألني الله عز وجل عن توليته على رجلين من المسلمين ليلة سوداء أبدا، وما كنت متخذ المضلين عضدا، لكن أبعث إليه وادعوه إلى ما في يدي من الحق، فإن أجاب فرجل من المسلمين، له ما لهم، و عليه ما عليهم، وإن أبى حاكمته إلى الله، فولى المغيرة وهو يقول: فحاكمه إذا، فحاكمه إذا، فأنشأ يقول:

نصحت عليا في ابن حرب نصيحة * فرد فما مني له الدهر ثانيه
ولم يقبل النصح الذي جئته به * وكانت له تلك النصيحة كافيه
وقالوا له: ما أخلص النصح كله * فقلت له: إن النصيحة غاليه

فقام قيس بن سعد فقال: يا أمير المؤمنين؟ إن المغيرة أشار عليك بأمر لم يرد الله به، فقدم فيه رجلا وأخر فيه أخرى، فإن كان لك الغلبة يقرب إليك بالنصيحة، و إن كانت لمعاوية يقرب إليه بالمشورة. ثم أنشأ يقول:

يكاد ومن أرسى بثيرا مكانه (١) * مغيرة أن يقوى عليك معاويه
وكنت بحمد الله فينا موفقا * وتلك التي أرءاكها غير كافيه
فسبحان من علا السماء مكانها * وأرضا دحاها فاستقرت كما هيه

فكان هو صاحب الرأي الوحيد بعين الإمام الطاهر تجاه تلك الآراء التعسة الفارغة عن النزعات الروحية في كل منحسة ومتعسة بين حاذف وقاذف (٢)

* (فروسيته) *

إن الباحث لا يقف على أي معجم يذكر فيه قيس إلا ويجد في طيه جمل الثناء

الواو: للقسم. بثير مصغرا. جبل معروف بمنى.

(٢) مثل يضرب لمن هو بين شرين: الحاذف بالعصا، القاذف بالحصا.

٩
متواصلة على حماسته وشجاعته، ويقرأ له دروسا وافية حول فروسيته، وبأسه في الحروب وشدته في المواقف الهائلة، فما عساني أن أكتب عن فارس سجل له التأريخ: إنه كان سياف النبي الأعظم، وأشد الناس في زمانه بعد أمير المؤمنين؟ (١) وما عساني أن أقول في باسل كان أثقل خلق الله على معاوية؟ جبن أصحابه الشجاع والجبان، وكان أشد عليه من جيش عرام، وكتائب تحشد مائة ألف مقاتل، وكان يوم صفين يقول والله إن قيسا يريد أن يفنينا غدا إن لم يحبسه عنا حابس القيل. (٢) تعرب عن هذه الناحية مواقفه في العهدين: النبوي والعلوي. أما مواقفه على العهد النبوي فتجد نبأها العظيم في صحايف بدر وفتح وحنين واحد وخيبر ونضير وأحزاب، وهو يعد مواقفه هذه كلها في شعره ويقول:

إننا إننا الذين إذا الفتح * شهدنا وخيبرا وحنينا
بعد بدر وتلك قاصمة الظهر * واحد وبالنضير ثنينا

وقال سيدنا صاحب " الدرجات الرفيعة ": إنه شهد مع النبي المشاهد كلها، وكان حامل راية الأنصار مع رسول الله، أخذ النبي صلى الله عليه وآله يوم الفتح الراية من أبيه - سعد - و دفعها إليه. وقال الخطيب في تاريخه ١ ص ١٧٧: إنه حمل لواء رسول الله في بعض مغازيه.

وفي تاريخي الطبري وابن الأثير ٣ ص ١٠٦: إنه كان صاحب راية الأنصار مع رسول الله صلى الله عليه وآله وكان من ذوي الرأي والبأس. وفي الاستيعاب (٣): إنه كان حامل راية النبي في فتح مكة إذا نزعها من أبيه، وأرسل عليا رضي الله عنه أن ينزع اللواء منه ويدفعه لابنه قيس ففعل.

وأما مواقفه على العهد العلوي فكان يحض أمير المؤمنين على قتال معاوية ويحثه على محاربة مناوئيه ويقول: يا أمير المؤمنين؟ ما على الأرض أحد أحب إلينا أن يقيم فينا منك. لأنك نجمنا الذي نهتدي به، ومفزعنا الذي نصير إليه، وإن فقدناك لتظلمن أرضنا وسماؤنا، ولكن والله لو خليت معاوية للمكر ليرومن مصر، وليفسدن اليمن، وليطعمن في العراق، ومعه قوم يمانيون قد اشربوا قتل عثمان، وقد اكتفوا بالظن

(١) إرشاد القلوب للديلمي ٢ ص ٢٠١.

(٢) يأتي ذكر مصادر هذه كلها إنشاء الله تعالى.

(٣) ٢ ص ٥٣٧، والسيرة الحلبية ٣ ص ٩٣، وهامشها سيرة زيني دحلان ٢ ص ٢٦٥.

١٠
عن العلم، وبالشك عن اليقين، وبالهوى عن الخير، فسر بأهل الحجاز وأهل العراق ثم ارمه بأمر يضيق فيه خناقه، ويقصر له من نفسه. فقال: أحسنت والله يا قيس؟

وأجملت (١) ز فأرسله علي عليه السلام مع ولده الحسن الزكي وعمار بن ياسر إلى الكوفة ودعوة أهلها إلى نصرته فخطب الحسن عليه السلام هناك وعمار وبعدهما قام قيس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس؟ إن هذا الأمر لو استقبلنا به الشورى، لكان علي أحق الناس به في سابقته وهجرته وعلمه وكان قتل من أبى ذلك حلالا وكيف؟ والحجة قامت على طلحة والزبير وقد بايعاه خلعاه حسدا. فقام خطباؤهم وأسرعوا إلى الرد بالإجابة فقال النجاشي:

رضينا بقسم الله إذ كان قسمنا * عليا وأبناء النبي محمد
وقلنا له: أهلا وسهلا ومرحبا * نقبل يديه من هوى وتودد
فمرنا بما ترضى نجبك إلى الرضا * بصم العوالي والصفيح المهند (٢)
وتسويد من سودت غير مدافع * وإن كان من سودت غير مسود
فإن نلت ما تهوى فذاك نريده * وإن تخط ما تهوى فغير تعمد

وقال قيس بن سعد حين أجاب أهل الكوفة:

جزى الله أهل الكوفة اليوم نصرة * أجابوا ولم يأبوا بخذلان من خذل
وقالوا: علي خير حاف وناعل * رضينا به من ناقضي العهد من بدل
هما أبرزا زوج النبي تعمدا * يسوق بها الحادي المنيخ على جمل
فما هكذا كانت وصاة نبيكم * وما هكذا الانصاف أعظم بذا المثل
فهل بعد هذا من مقال لقائل؟ * ألا قبح الله الأماني والعلل

هذا لفظ شيخ الطائفة في أمالي ولده ص ٨٧ و ٩٤، ورواه شيخنا المفيد في - النصرة

(١) أمالي شيخ الطايفة ص ٨٥.

(٢) صم الرجل بحجر: ضربه به. السيف المصمم: الماضي. العوالي إلى ج العالية:

ما يلي السنان من القناة. ويطلق على الرمح. الصفيح ج الصفيحة: السيف العريض. هند السيف: أحد.

١١
لسيد العترة - ونسب الأبيات الدالية إلى قيس بن سعد بتغيير وزيادة وهذا لفظه: فلما قدم الحسن عليه السلام وعمار وقيس الكوفة مستنفرين لأهلها (إلى أن قال): ثم قام قيس بن سعد رحمه الله فقال: أيها الناس إن هذا الأمر لو استقبلناه فيه شورى لكان أمير المؤمنين أحق الناس به لمكانه من رسول الله، وكان قتال من أبى ذلك حلالا، فكيف في الحجة على طلحة والزبير؟ وقد بايعاه طوعا ثم خلعاه حسدا وبغيا، وقد جاءكم علي في المهاجرين والأنصار، ثم أنشأ يقول:

رضينا بقسم الله إذ كان قسمنا * عليا وأبناء الرسول محمد
وقلنا لهم: أهلا وسهلا ومرحبا * نمد يدينا من هوى وتودد
فما للزبير الناقض العهد حرمة * ولا لأخيه طلحة اليوم من يد
أتاكم سليل المصطفى ووصيه * وأنتم بحمد الله عار من الهد (١)
فمن قائم يرجى بخيل إلى الوغا * وصم العوالي والصفيح المهند
يسود من أدناه غير مدافع * وإن كان ما نقضيه غير مسود
فإن يأتي ما نهوى فذاك نريده * وإن نخط ما نهوى فغير تعمد

وكان يسير في تلك المواقف بكل عظمة وجلال بهيئة فخمة، ترهب القلوب، وترعب الفوارس، وترعد الفرائص، قال المنذر بن الجارود يصف مواكب المجاهدين مع أمير المؤمنين وقد رآهم في الزاوية (٢): ثم مر بنا فارس على فرس أشقر عليه ثياب بيض، وقلنسوة بيضاء، وعمامة صفراء، متنكب قوسا، متقلد سيفا، تخط رجلاه في الأرض، في ألف من الناس، الغالب على تيجانهم الصفرة والبياض، معه راية صفراء، قلت:

من هذا؟ قيل: هذا قيس بن سعد بن عبادة في الأنصار وأبناءهم وغيرهم من قحطان.

" مروج الذهب ٢ ص ٨ ".

ولما أراد أمير المؤمنين المسير إلى أهل الشام دعا إليه من كان معه من المهاجرين والأنصار فحمد الله وأثنى عليه وقال: أما بعد: فإنكم ميامين الرأي، مراجيح الحلم، مقاويل بالحق، مباركوا الفعل والأمر، وقد أردنا المسير إلى عدونا وعدوكم فأشيروا علينا برأيكم.

(١) الهد: الضعيف والجبان.

(٢) موضع قرب البصرة، وقرية بين واسط والبصرة على شاطئ دجلة.

١٢
فقام قيس بن سعد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أمير المؤمنين؟ انكمش (١) بنا إلى عدونا، ولا تعرج (٢) فوالله لجهادهم أحب إلي من جهاد الترك والروم لإدهانهم في دين الله، واستذلالهم أولياء الله من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله من المهاجرين و الأنصار، والتابعين بالاحسان، إذا غضبوا على رجل حبسوه أو ضربوه أو حرموه أو سيروه، وفيأنا لهم في أنفسهم حلال، ونحن لهم فيما يزعمون قطين. قال: يعني رقيق.

" كتاب صفين ص ٥٠ " قال صعصعة بن صوحان: لما عقد علي بن أبي طالب الألوية لأجل حرب صفين أخرج لواء رسول الله صلى الله عليه وآله ولم ير ذلك اللواء منذ قبض رسول الله، فعقده علي ودعا قيس بن سعد بن عبادة فدفع إليه واجتمعت الأنصار وأهل بد فلما نظروا إلى لواء رسول الله صلى الله عليه وآله بكوا فأنشأ قيس بن سعد يقول:

هذا اللواء الذي كنا نحف به * مع النبي وجبريل لنا مدد
ما ضر من كانت الأنصار عيبته * أن لا يكون له من غيرهم أحد
قوم إذا حاربوا طالت أكفهم * بالمشرفية حتى يفتح البلد

ابن عساكر في تاريخه ٣ ص ٢٤٥، وابن عبد البر في " الاستيعاب ٢ ص ٥٣٩، وابن الأثير في " أسد الغابة " ٤ ص ٢١٦، والخوارزمي في " المناقب " ص ١٢٢ (٣).

ولما تعاظمت الأمور على معاوية دعا عمر بن العاص، وبسر بن أرطاة، و عبيد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، فقال لهم: إنه قد غمني رجال من أصحاب علي منهم: سعيد بن قيس في همدان، والأشتر في قومه، والمرقال (هاشم بن عتبة)، وعدي بن حاتم، وقيس بن سعد في الأنصار، وقد وقتكم يمانيكم بأنفسها حتى لقد إستحييت لكم وأنتم عددتم من قريش، وقد أردت أن يعلم الناس أنكم أهل غنا، وقد عبأت لكل رجل منهم رجلا منكم فاجعلوا ذلك إلي. فقالوا:

ذلك إليك. قال: فأنا أكفيكم سعيد بن قيس وقومه غدا. وأنت يا عمرو؟ لأعور بني

(١) انكمش الرجل: أسرع.

(٢) من عرج: وقف ولبث.

(٣) ذكر الأبيات له شيخنا المفيد في يوم الجمل وهو في غير محله.

١٣
زهرة: المرقال. وأنت يا بسر؟ لقيس بن سعد. وأنت يا عبيد الله؟ للأشتر النخعي.

وأنت يا عبد الرحمن بن خالد؟ لأعور طي يعني: عدي بن حاتم. ثم ليرد كل رجل منكم عن حماة الخيل فجعلها نوايب في خمسة أيام لكل رجل منهم يوما.

وإن بسر بن أرطاة غدا في اليوم الثالث في حماة الخيل فلقي قيس بن سعد في كماة الأنصار فاشتدت الحرب بينهما وبرز قيس كأنه فنيق (١) مقرم (٢) وهو يقول:

أنا ابن سعد زانه عباده * والخزرجيون رجال ساده
ليس فراري بالوغا بعاده * إن الفرار للفتى قلاده
يا رب أنت لقني الشهادة(٣) * والقتل خير من عناق غاده
حتى متى تثنى لي الوسادة

فطعن خيل بسر وبرز له بعد ملي وهو يقول:

أنا ابن أرطاة عظيم القدر * مراود في غالب بن فهر
ليس الفرار من طباع بسر * إن يرجع اليوم بغير وتر
وقد قضيت في عدوي نذري * يا ليت شعري ما بقي من عمري

وجعل يطعن بسر قيسا فيضربه قيس بالسيف فيرده على عقبيه، ورجع القوم جميعا ولقيس الفضل (كتاب صفين ص ٢٢٦).

وروى نصر في كتابه ص ٢٢٧ - ٢٤٠: إن معاوية دعا النعمان بن بشر بن سعد الأنصاري، ومسلمة بن مخلد الأنصاري ولم يكن معه من الأنصار غيرهما فقال: يا هاذان؟ لقد غمني ما لقيت من الأوس والخزرج، صاروا واضعي سيوفهم على عواتقهم يدعون إلى النزال حتى والله جبنوا أصحابي الشجاع والجبان، وحتى والله ما أسأل عن فارس من أهل الشام إلا قالوا: قتله الأنصار، أما والله لألقينهم بحدي وحديدي، ولأعيبن لكل فارس منهم فارسا ينشب (٤) في حلقه، ثم لأرمينهم بأعدادهم من قريش

(١) فنيق كشريف: الفحل المكرم لا يؤذى ولا يركب لكرامته.

(٢) أقرم الفحل: ترك عن الركوب والعمل للفحلة.

(٣) في مناقب ابن شهر آشوب: يا ذا الجلال لقني الشهادة.

(٤) نشب الشيئ في الشيئ: علق فيه.

١٤
رجالا لم يغذهم التمر والطفيشل (١) يقولون: نحن الأنصار قد والله آووا ونصروا ولكن أفسدوا حقهم بباطلهم.

فغضب النعمان فقال: يا معاوية؟ لا تلومن الأنصار بسرعتهم في الحرب فإنهم كذلك كانوا في الجاهلية، فأما دعاؤهم إلى النزال فقد رأيتهم مع رسول الله صلى الله عليه وآله، وأما لقاؤك إياهم في أعدادهم من قريش فقد علمت ما لقيت قريش منهم فإن أحببت أن ترى فيهم مثل ذلك آنفا؟ فافعل، وأما التمر والطفيشل فإن التمر كان لنا فلما أن ذقتموه شاركتمونا فيه، وأما الطفيشل فكان لليهود فلما أكلناه غلبنا هم عليه كما غلب قريش على سخينة (٢) ثم تكلم مسلمة بن مخلد (إلى أن قال):

وانتهى الكلام إلى الأنصار فجمع قيس بن سعد الأنصاري الأنصار ثم قام خطيبا فيهم فقال: إن معاوية قد قال ما بلغكم وأجاب عنكم صاحبكم، فلعمري لئن غظتم معاوية اليوم لقد غظتموه بالأمس، وإن وترتموه في الاسلام لقد وترتموه في الشرك، وما لكم إليه من ذنب أعظم من نصر هذا الدين الذي أنتم عليه، فجدوا اليوم جدا تنسونه به ما كان أمس، وجدوا غدا جدا تنسونه به ما كان اليوم، وأنتم مع هذا اللواء الذي كان يقاتل عن يمينه جبرئيل وعن يساره ميكائيل، والقوم مع لواء أبي جهل والأحزاب، وأما التمر فإنا لم نغرسه ولكن غلبنا عليه من غرسه، وأما الطفيشل فلو كان طعامنا لسمينا به كما سميت: قريش السخينة. ثم قال قيس بن سعد في ذلك:

يا بن هند: دع التوثب في الحرب * إذا نحن في البلاد نأينا (٣)
نحن من قد رأيت فادن إذا * شئت بمن شئت في العجاج إلينا
إن برزنا بالجمع نلقك في الجمع * وإن شئت محضة أسرينا
فالقنا في اللفيف نلقك في الخزرج * تدعو في حربنا أبوينا
أي هذين ما أردت فخذه؟ * ليس منا وليس منك الهوينا

(١) كسميدع: نوع من المرق.

(٢) طعام يتخذ من دقيق وسمن كانت قريش تكثر من أكلها فعيرت بها وسميت: قريش السخينة.

(٣) ذكر ابن أبي الحديد في شرحه ٢ ص ٢٩٧ ستة من هذه الأبيات مع اختلاف فيها.

١٥
كتاب قيس الأنصاري وشعره في الغدير للعلامة الأميني (ص ١٦ - ص ٣٠)
١٦

ثم إن معاوية سأل النعمان أن يخرج إلى قيس فيعاتبه ويسأله السلم، فخرج النعمان حتى وقف بين الصفين فقال يا قيس؟ أنا النعمان بن بشير. فقال قيس: هيه يا ابن بشير؟ فما حاجتك؟ فقال النعمان: يا قيس؟ إنه قد أنصفكم من دعاكم إلى ما رضي لنفسه، ألستم معشر الأنصار تعلمون أنكم أخطأتم في خذل عثمان يوم الدار؟ وقتلتم أنصاره يوم الجمل؟ وأقحمتم خيولكم على أهل الشام بصفين؟ فلو كنتم إذ خذلتم عثمان خذلتم عليا لكان واحدة بواحدة، ولكنكم خذلتم حقا ونصرتم باطلا، ثم لم ترضوا أن تكونوا كالناس حتى أعلمتم في الحرب، ودعوتم إلى البراز، ثم لم ينزل بعلي أمر (١) قط إلا هونتم عليه المصيبة، ووعدتموه الظفر، وقد أخذت الحرب منا وعنكم ما قد رأيتم فاتقوا الله في البقية.

فضحك قيس ثم قال: ما كنت أراك يا نعمان؟ تجتري على هذه المقالة، إنه لا ينصح أخاه من غش نفسه، وأنت والله الغاش الضال المضل. أما ذكرك عثمان فإن كانت الأخبار تكفيك فخذ مني واحدة: قتل عثمان من لست خيرا منه، وخذله من هو خير منك، أما أصحاب الجمل فقاتلناهم على النكث. وأما معاوية فوالله لو اجتمعت عليه العرب لقاتلته الأنصار. وأما قولك: إنا لسنا كالناس فنحن في هذا الحرب كما كنا مع رسول الله نتقي السيوف بوجوهنا، والرماح بنحورنا، حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون، ولكن انظر يا نعمان؟ هل ترى مع معاوية إلا طليقا أو أعرابيا أو يمانيا مستدرجا بغرور؟ انظر أين المهاجرون والأنصار والتابعون لهم بإحسان الذين رضي الله عنهم، ثم انظر هل ترى مع معاوية غيرك وصويحبك؟ ولستما والله ببدريين ولا أحديين ولا لكما سابقة في الاسلام، ولا آية في القرآن (٢) و لعمري لئن شغبت علينا لقد شغب علينا أبوك. ثم قال قيس في ذلك:

والراقصات بكل أشعث أغبر * خوص العيون تحثها الركبان
ما ابن المخلد ناسيا أسيافنا * عمن نحاربه ولا النعمان

(١) في شرح النهج: خطب.

(٢) وإلى هنا رواه ابن قتيبة أيضا في الإمامة والسياسية ١ ص ٩٤.

١٧
تركا العيان وفي العيان كفاية * لو كان ينفع صاحبيه عيان

ثم إن عليا عليه السلام دعا قيس بن سعد فأثنى عليه خيرا وسوده على الأنصار (١) وخرج قيس في نهروان إلى الخوارج فقال لهم: عباد الله؟ أخرجوا إلينا طلبتنا منكم وادخلوا في هذا الأمر الذي خرجتم منه، وعودوا بنا إلى قتال عدونا وعدوكم فإنكم ركبتم عظيما من الأمر، تشهدون علينا بالشرك، والشرك ظلم عظيم، تسفكون دماء المسلمين، وتعدونهم مشركين. فقال له عبد الله بن شجرة السلمي: إن الحق قد أضاء لنا فلسنا متابعيكم أو تأتونا بمثل عمر. فقال قيس: ما نعلمه فينا غير صاحبنا فهل تعلمونه فيكم؟ قالوا: لا. قال: نشدتكم الله في أنفسكم أن تهلكوها فإني لا أرى الفتنة إلا وقد غلبت عليكم (٢)

أما موقفه بعد العهدين فكان مع الإمام السبط المجتبى سلام الله عليه ولما وجه عسكره إلى قتال أهل الشام دعا عليه السلام عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب فقال له: يا بن عم؟ إني باعث إليك اثنى عشر ألفا من فرسان العرب، وقراء مضر، الرجل منهم يريد الكتيبة، فسر بهم، وألن لهم جانبك، وأبسط لهم وجهك، وأفرش لهم جناحك، وادنهم في مجلسك، فإنهم بقية ثقات أمير المؤمنين، وسر بهم على شط الفرات حتى تقطع بهم الفرات حتى تسير بمسكن (٣) ثم امض حتى تستقبل بهم معاوية، فإن أنت لقيته فاحبسه حتى آتيك فإني على أثرك وشيكا، وليكن خبرك عندي كل يوم، وشاور هذين يعني: قيس بن سعد وسعيد بن قيس، وإذا لقيت معاوية فلا تقاتله حتى يقاتلك فإن فعل فقاتله، وإن أصبت فقيس بن سعد، وإن أصيب قيس بن سعد فسعيد بن قيس على الناس. فسار عبيد الله...

فأما معاوية فإنه وافى حتى نزل قرية يقال لها: الحيوضة. (بمسكن) وأقبل

(١) إلى هنا تنتهى رواية نصر بن مزاحم في كتاب صفين.

(٢) تاريخ الطبري ٦ ص ٤٧، كامل ابن الأثير ٣ ص ١٣٧.

(٣) بفتح الميم ثم السكون ثم الكسر: موضع قريب من أوانا ناحية دجيل بينه وبين بغداد عدة فراسخ من جهة تكريت.

١٨
عبيد الله بن عباس حتى نزل بإزاءه فلما كان من غد وجه معاوية بخيل إلى عبيد الله فيمن معه فضربهم حتى ردهم إلى معسكرهم، فلما كان الليل أرسل معاوية إلى عبيد الله بن عباس أن الحسن قد أرسلني في الصلح، وهو مسلم الأمر إلي فإن دخلت في طاعتي الآن كنت متبوعا، وإلا دخلت وأنت تابع، ولك إن أجبتني الآن أن أعطيك ألف ألف درهم، اعجل لك في هذا الوقت نصفها، وإذا دخلت الكوفة النصف الآخر، فأقبل عبيد الله إليه ليلا فدخل عسكر معاوية، فوفى له بما وعده، وأصبح الناس ينتظرون عبيد الله أن يخرج حتى أصبحوا فطلبوه فلم يجدوه، فصلى بهم قيس بن سعد بن عبادة، ثم خطبهم فثبتهم وذكر عبيد الله فنال منه، ثم أمرهم بالصبر والنهوض إلى العدو فأجابوه بالطاعة وقالوا له: انهض بنا إلى عدونا على اسم الله. فنزل فنهض بهم وخرج إليه بسر بن أرطاة فصاح إلى أهل العراق:

ويحكم هذا أميركم عندنا قد بايع، وإمامكم الحسن قد صالح، فعلام تقتلون أنفسكم؟

فقال لهم قيس بن سعد: اختاروا إحدى اثنتين: إما القتال مع غير إمام، وإما أن تبايعوا بيعة ضلال. فقالوا: بل نقاتل بلا إمام فخرجوا فضربوا أهل الشام حتى ردوهم إلى مصافهم، فكتب معاوية إلى قيس بن سعد يدعوه ويمنيه فكتب إليه قيس: لا والله لا تلقاني أبدا إلا بيني وبينك الرمح (شرح ابن أبي الحديد ٤ ص ١٤)

قال اليعقوبي في تاريخه ٢ ص ١٩١: إنه وجه الحسن عليه السلام بعبيد الله بن العباس في اثنى عشر ألفا لقتال معاوية ومعه قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري، وأمر عبيد الله أن يعمل بأمر قيس ورأيه فسار إلى ناحية الجزيرة وأقبل معاوية لما انتهى إليه الخبر بقتل علي فسار إلى الموصل بعد قتل علي بثمانية عشر يوما، والتقى العسكران فوجه معاوية إلى قيس بن سعد: يبذل له ألف ألف درهم على أن يصير معه أو ينصرف عنه، فأرسل إليه بالمال وقال: تخدعني عن ديني؟

فيقال: إنه أرسل إلى عبيد الله بن عباس وجعل له ألف ألف درهم فصار إليه في ثمانية آلاف من أصحابه، وأقام قيس على محاربته، وكان معاوية يدس إلى عسكر الحسن من يتحدث: أن قيس بن سعد قد صالح معاوية وصار معه، ووجه إلى عسكر قيس من يتحدث : أن الحسن قد صالح معاوية وأجابه.

١٩
وفي الاستيعاب ٢ ص ٢٢٥ عن عروة قال: كان قيس مع الحسن بن علي على مقدمته ومعه خمسة آلاف قد حلقوا رؤسهم بعد ما مات علي وتبايعوا على الموت، فلما دخل الحسن في بيعة معاوية أبى قيس أن يدخل وقال لأصحابه: ما شئتم؟ إن شئتم جادلت بكم حتى يموت الأعجل منا، وإن شئتم أخذت لكم أمانا؟؟! فقالوا:

خذ لنا أمانا، فأخذ لهم إن لهم كذا وكذا، وأن لا يعاقبوا بشئ وأنه رجل منهم، ولم يأخذ لنفسه خاصة شيئا. (ثم ارتحل نحو المدينة ومضى بأصحابه).

* (حديث جوده) *

لا يسعنا بسط المقال في أخبار (قيس) من هذه الناحية لكثرتها، غير أنا نورد لك شيئا من ذلك الكثير الطيب، وحسبك من القلادة ما أحاط بالعنق (١) وكانت هذه الخلة من هذا البيت على عنق الدهر " أي قديما " وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يقول:

الجود من شيمة أهل ذلك البيت (٢).

باع قيس مالا من معاوية بتسعين ألفا فأمر مناديا فنادى في المدينة: من أراد القرض فليأت منزل سعد فأقرض أربعين أو خمسين وأجاز الباقي، وكتب على من أقر له صكا، فمرض مرضا قل عواده فقال لزوجته قريبة بنت أبي قحافة أخت أبي بكر: يا قريبة؟

لم ترين قل عوادي؟ قالت للذي لك عليهم من الدين. فأرسل إلى كل رجل بصكه المكتوب عليه فوهبه ماله عليهم (٣).

قال جابر: خرجنا في بعث كان عليهم قيس بن سعد ونحر لهم تسع ركائب فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وآله ذكروا له من أمر قيس فقال: إن الجود من شيمة أهل ذلك البيت، ولما ارتحل من العراق نحو المدينة ومضى بأصحابه جعل ينحر لهم كل يوم جزورا حتى بلغ (٤)

(١) مثل يضرب: أي حسبك بالقليل من الكثير.

(٢) الإصابة ٥ ص ٢٥٤.

(٣) تاريخ الخطيب البغدادي ١ ص ١٧٧، تاريخ ابن كثير ٨ ص ٦٩.

(٤) الاستيعاب ٢ ص ٥٢٥، تهذيب التهذيب ٨ ص ٣٩٤.

٢٠