×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

كشف الحقائق رد على هذه نصيحتي إلى كل شيعي / الصفحات: ٤١ - ٦٠

والإنجيل، بل كتب الضلال كلها لنقضها أو للاحتجاج بها على من يعتقد بها.

وعليه، فلعل اقتناء أهل البيت عليهم السلام لهـذه الكتب كان لأجل هذه الغاية، فلا يستخرجون شيئاً منها إلا وقت الحاجة إليه ، كما صنع الإمام عليه السلام مع بُريه.

وقد ورد ما يشهد لذلك في كتبهم، فقد قال الشيخ محمد بن علي الصبان: إن المهدي يستخرج تابوت السكينة من غار أنطاكية، وأسفار التوراة من جبل بالشام، يحاج بها اليهود، فيسلم كثير منهم(١) .

ومما ينبغي بيانه ههنا أن الكتب السماوية التي في أيدي الناس لا ريب في كونها من كتب الضلال، بسبب ما دخلها من التحريف، وأما ما عند أهل البيت عليهم السلام من كتب الأنبياء السابقين فهي وإن كانت منسوخة قد انتهى أمد العمل بها، إلا أنها لا تشتمل على ضلال، لأن الله سبحانه لا يقول إلا الحق، ولا يُنْزل إلى الناس باطلاً .

قال صاحب الجواهر أعلى الله مقامه: ليس من كتب الضلال كتب الأنبياء السابقين، ما لم يكن فيها تحريف، إذ النسخ لا يُصيُرها ضلالاً، ولذا كان بعضها عند أئمتنا عليهم السلام، وربما أخرجوها لبعض أصحابهم، بل ما كان منها مثل الزبور ونحوه من أحسن كتب الرشاد، لأنها ليست إلا مواعظ ونحوها على حسب ما رأينا، والله أعلم(٢) .

ولهذا قال الإمام عليه السلام في حديث الكافي الذي نحن بصدد الكلام فيه:

(١) إسعاف الراغبين ص١٥٠، وأخرج السيوطي في كتابه «العرف الوردي في أخبار المهدي» المطبوع ضمن الحاوي للفتاوي ٢/٨١ نقلا عن أبي عمرو الداني في سننه، عن ابن شورب قال: إنما سمي المهدي لأنه يهدى إلى جبل من جبال الشام، يستخرج منه أسفار التوراة، يحاج بها اليهود فيسلم على يديه جماعة من اليهود.

(٢) جواهر الكلام ٢٢/٦٠.

٤١

«نقرؤها كما قرأوها، ونقولها كما قالوا»: أي أن ما نقـرؤه منها هو عين ما كان يقرؤه الأنبياء عليهم السلام من هذه الكتب ، لا تحريف فيه ولا تغيير، وأن ما نقوله للناس في تفسيرها وتأويلها هو عين ما يقولونه عليهم السلام من التفسير والتأويل.

وبهذا يتضح مما تقدم أن أئمة أهل البيت عليهم السلام وإن كانت كتب الأنبياء السابقين عندهم، إلا أن ما يخصُّون شيعتهم به من العلوم الإلهية والمعارف الدينية هو مما أنزله الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وآله، فعلَّمه لباب مدينة العلم، الأُذُن الواعية لعلمه، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، الذي أفاض علومه على مَن جاء بعده من أئمة العترة النبوية الطاهرة، ثم أفاض كل إمام ما عنده من العلوم على الإمام الذي يأتي من بعده.

وما أحسن قول الشاعر:

إذا شئتَ أن تبغــي لنفسـك مذهبــاً وتعلـمَ أن النـاس في نقـل أخبــارِ
فدَعْ عنــك قــولَ الشافعـي ومالكٍوأحمـدَ والمروي عن كعـب أحبــارِ
ووالِ أنــاســاً قولُهـم وحديثـهـمروى جـدُّنا عـن جبرئيلَ عن الباري

وأما الحديث الثاني:

فهو لا يدل أيضاً على ما قاله، بل إن أقصى ما يدل عليه الحديث أن أبا عبد الله عليه السلام كان يدعو بدعاء النبي إلياس عليه السلام.

أما أن هذا الدعاء كان مذكوراً في أحد الكتب السماوية، أو مما رواه الصادق عليه السلام عن آبائه الطاهرين عن النبي صلى الله عليه وآله أو غير ذلك، فهذا لم يتضح من الحديث.

وعلى كل الاحتمالات فلا دلالة في ذلك على الاستغناء عن كتاب الله العزيز، فإن مجرد الدعاء بمثل ما دعا به أحد الأنبياء عليهم السلام لا يدل على

٤٢

الرغبة عما جاء به النبي صلى الله عليه وآله كما هو واضح.

ولو سلمنا أن ما دعا به أبو عبد الله عليه السلام كان قد أخذه من أحد الكتب السماوية، فإن التحديث عن تلك الكتب التي لم تصل إليها يد التحريف ولا سيما في الدعاء وما شابهه جائز، وهو أولى من التحديث عن اليهود والنصارى الذي جوّزه علماء أهل السنَّة .

فقد أخـرج البخاري والترمذي وأحمد بن حنبل ـ واللفظ لهم ـ وأبو داود وغيرهم عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وآله قال: بلّغوا عني ولو آية، وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار(١) .

قال ابن حجر العسقلاني في شرح الحديث: أي لا ضيق عليكم في الحديث عنهم، لأنه كان قد تقدم منه صلى الله عليه وآله الزجر عن الأخذ عنهم والنظر في كتبهم، ثم حصل التوسع في ذلك. وكأن النهي قد وقع قبل استقرار الأحكام الإسلامية والقواعد الدينية خشية الفتنة، ثم لما زال المحذور وقع الإذن في ذلك، لما في سماع الأخبار التي كانت في زمانهم من الاعتبار.

وقال الشافعي: من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وآله لا يجيز التحدث بالكذب، فالمعنى حدِّثوا عن بني اسرائيل بما لا تعلمون كذبه، وأما ما تجوِّزونه فلا حرج عليكم في التحدث به عنهم(٢) .

وقال المناوي: «حدِّثوا عن بني إسرائيل» أي بلِّغوا عنهم قصصهم

(١) صحيح البخاري ٤/٢٠٧ كتاب الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل. سنن أبي داود ٣/٣٢٢. مسند أحمد بن حنبل ٢/١٥٩، ٢٠٢، ٤٧٤، ٥٠٢، ٣/٤٦. سنن الدارمي ١/١٣٦. سنن الترمذي ٥/٤٠. صحيح سنن أبي داود ٢/٦٩٧. صحيح الجامع الصغير ٢/٦٠٠. الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ٨/٥٠ ـ ٥١. الجامع الصغير ١/٥٧٠.

(٢) فتح الباري ٦/٣٨٨.

٤٣

ومواعظهم ونحو ذلك مما اتَّضح معناه، فإن في ذلك عبرة لأولي الأبصار، «ولا حرج» عليكم في التحديث عنهم ولو بغير سند، لتعذِّره بطول الأمد ، فيكفي غلبة الظن بأنه عنهم، إنما الحرج فيما لم يتَّضح معناه(١) .

وقول الجزائري:

وكيف تجوز قراءة تلك الكتب المنسوخة المحرَّفة والرسول صلى الله عليه وآله يرى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وفي يده ورقة من التوراة فينتهره قائلاً: ألم آتيكم بها بيضاء نقية ؟!

جوابه: أن ما عند أئمة أهل البيت عليهم السلام من كتب الأنبياء السابقين لم تصل إليها يد التحريف كما مر، وحينئذ يجوز التحديث عنها وإن كانت منسوخة، ولا سيما فيما يتعلق بالدعاء والمواعظ ونحوهما.

وأما نهر النبي صلى الله عليه وآله لعمر فلعله كان في بداية الدعوة، ثم رُفع المنع منه لما استقرت الأحكام كما تقدم في كلام ابن حجر.

أو لعل النبي صلى الله عليه وآله علم أن عمر أراد أن يأخذ بما حوَتْه تلـك الورقـة من عقـائد فاسدة وأحكام باطلة أو منسوخة لا يجوز العمل بها، لا مثل الدعاء والمواعظ التي لا بأس بالنظر فيها.

أو أن النبي صلى الله عليه وآله خشي أن يُعنى المسلمون بما يجدونه بأيدي أهل الكتاب من التوراة والإنجيل، فيأخـذون ما لا يصح، ويعملون بما لا يجوز، فنهى عمرَ عن ذلك سدًّا لهذا الباب الذي يأتي منه الفساد.

وقوله: إن اعتقاد امرئ الاستغناء عن القرآن أو عن بعضه بأي حال من الأحوال هو ردة عن الإسلام ومروق منه.

جوابه: أنه لا نزاع بيننا في أنه لا يجوز لمسلم أن يهجر كتاب الله العزيز أو يعتقد الاستغناء عنه بغيره، وإنما الكلام في أن الشيعة الإمامية هل يعتقدون جواز الاستغناء عن القرآن بالتوراة والإنجيل كما زعم الجزائري أم لا ؟

(١) فيض القدير ٣/٣٧٧.

٤٤

والذي أقوله:

إن عقيدة الشيعة الإمامية في كتاب الله العزيز أشهر من أن نتكلف بيانها، أو نتجشَّم إيضاحها، إلا أنا نذكر شيئاً مما قاله بعض علمائنا الأعلام في بيان عقيدة الإمامية في القرآن، قطعاً لشغب المشاغبين، وتشويش المشوِّشين، فنقول:

١ـ قال أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه المعروف بالصدوق (ت ٣٨١هـ): اعتقادنا في القرآن أنه كلام الله ووحيه وتنزيله وقوله وكتابه، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم عليم، وأنه القصص الحق، وأنه لقول فصل وما هو بالهزل، وأن الله تبارك وتعالى محدِثه ومنزله وربّه وحافظه والمتكلم به(١) .

٢ـ وقال الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء قدس سره: يعتقد الشيعة الإمامية... أن الكتاب الموجود في أيدي المسلمين هو الكتاب الذي أنزله الله إليه ـ يعني النبي صلى الله عليه وآله ـ للإعجاز والتحدّي ولتعليم الأحكام وتمييز الحلال من الحرام، وأنه لا نقص فيه ولا تحريف ولا زيادة، وعلى هذا إجماعهم(٢) .

٣ـ وقال الشيخ محمد رضا المظفر قدس سره: نعتقد أن القرآن هو الوحي الإلهي المنزل من الله تعالى على لسان نبيه الأكرم، فيه تبيان لكل شيء، وهو معجزته الخالدة التي أعجزت البشر عن مجاراتها في البلاغة والفصاحة وفيما حوى من حقائق ومعارف عالية، لا يعتريه التبديل والتغيير والتحريف، وهذا الذي بين أيدينا نتلوه هو نفس القرآن المنزل على النبي، ومن ادّعى فيه غير ذلك فهو مخترق أو مغالط أو مشتبه، وكلهم على غير هدى، فإنه كلام الله الذي (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من

(١) عقائد الصدوق، ص٣٠.

(٢) أصل الشيعة وأصولها، ص١٣٢.

٤٥

خلفه)(١) .

ومن الغريب أن الجزائري قد اختار هذين الحديثين، وزعم أنهما يدلان على أن أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم قد استغنوا عن القرآن الكريم بالتوراة والإنجيل المحرَّفين، ليصل إلى النتيجة التي يريدها، وهي أن كل من اعتقد الاستغناء عن كتاب الله فهو كافر، والشيعة يعتقدون ذلك، فهم كفار مارقون من الدين، مرتدون عن الإسلام.

فأقدم على تكفير الشيعة بهذين الحديثين الضعيفين، اللذين حمَّلهما من المعاني ما لا يحتملانه، وأعرض عن الأحاديث الكثيرة الصحيحة التي أخرجها الكليني في «الكافي» في فضل القرآن، وفضل قراءته والعمل به.

ومن راجع كتاب الكافي يجد أن الكليني رحمه الله جعل للقرآن

كتاباً كاملاً، أسماه «كتاب فضل القرآن»، وذكر فيه ١٢٤ حديثاً، رتَّبها في أبواب مختلفة، منها:

ـ باب فضل حامل القرآن.

ـ باب من يتعلم القرآن بمشقة.

ـ باب من حفظ القرآن ثم نسيه.

ـ باب في قراءته.

ـ باب البيوت التي يقرأ فيها القرآن.

ـ باب ثواب قراءة القرآن.

ـ باب قراءة القرآن في المصحف.

ـ باب ترتيل القرآن بالصوت الحسن.

ـ باب فيمن يظهر الغشية عند قراءة القرآن.

(١) عقائد الإمامية، ص٩٥.

٤٦

ـ باب في كم يُقرأ القرآن ويُختم.

ـ باب في أن القرآن يُرفع كما أُنزل.

ـ باب فضل القرآن(١) .

فمما ورد في فضل العامل بالقرآن الحافظ له ما رواه الفضيل بن يسار في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: الحافظ للقرآن العامل به مع السفَرة الكرام البررة(٢) .

ومما ورد في الحث على قراءته ما رواه حريز في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: القرآن عهد الله إلى خلقه، فقد ينبغي للمرء المسلم أن ينظر في عهده، وأن يقرأ منه في كل يوم خمسين آية(٣) .

ومما ورد في ثواب قراءته ما رواه الفضيل بن يسار في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: ما يمنع التاجر منكم المشغول في سوقه إذا رجع إلى منزله أن لا ينام حتى يقرأ سورة من القرآن، فتُكتب له مكان كل آية يقرؤها عشر حسنات، ويمحى عنه عشر سيئات(٤) .

هذا مع أن الكليني رحمه الله قد روى في «الكافي» في باب الرد إلى الكتاب والسنة ما يدل على أنه ليس شيء من الحلال والحرام وما يحتاج إليه الناس إلا وقد جاء في كتاب الله أو سنة نبيه صلى الله عليه وآله.

ومن ذلك صحيحة حمَّاد عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سمعته يقول : ما من شيء إلا وفيه كتاب أو سنة(٥) .

(١) راجع الجزء الثاني من أصول الكافي من ص٥٩٦ إلى ص٦٣٤.

(٢) أصول الكافي ٢/٦٠٣.

(٣) المصدر السابق ٢/٦٠٩.

(٤) المصدر السابق ٢/٦١١.

(٥) المصدر السابق ١/٥٩.

٤٧

وفي موثَّقة سماعة، عن أبي الحسن موسى عليه السلام، قال: أّكُلُّ شيء في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله ؟ أو تقولون فيه ؟ قـال: بل كل شيء في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله(١) .

وروى رحمه الله أيضاً في باب الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب ما يدل على لزوم الأخذ بما وافق الكتاب من الأحاديث المروية، وطرح ما خالفه.

ومن ذلك صحيحة أيوب بن الحر، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كـل شيء مـردود إلى الكتاب والسنة، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف(٢) .

وخبر هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: خطب النبي صلى الله عليه وآله بمنى، فقال: أيها الناس، ما جاءكم عني يوافـق كتـاب الله فـأنا قلـته، وما جـاءكم يخـالف كتاب الله فلم أقله(٣) .

وهذا كله يدل على أن مَن يعتقد ذلك في كتاب الله العزيز لا يتّجه منه اعتقاد الاستغناء عن القرآن الكريم بغيره من كتب الأنبياء السابقين عليهم السلام وإن كانت غير محرفة.

والحاصل أن تمسُّك العترة النبوية الطاهرة وشيعتهم بكتاب الله المجيد واحتجاجهم به وتعويلهم عليه مما لا يخفى على أحد، وإنكار ذلك مكابرة ظاهرة وسفسطة واضحة.

(١) المصدر السابق ١/٦٢.

(٢) المصدر السابق ١/٦٩.

(٣) المصدر السابق ١/٦٩.

٤٨
٤٩
٥١

قال الجزائري:

الحقيقة الثانية

اعتقاد أن القرآن الكريم لم يجمعه ولم يحفظه أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله إلا علي والأئمة من آل البيت

هذا الاعتقاد أثبتَه صاحب كتاب «الكافي» جازماً به مستدلاً عليه بقوله: عن جابر قال: سمعتُ أبا جعفر عليه السلام يقول: ما ادّعى أحد من الناس أنه جَمَع القرآن كله إلا كذاب، وما جمعه وحفظه كما نُزِّل إلا علي بن أبي طالب والأئمة من بعده.

وأقول:

أخرج الكليني رحمه الله

طائفة من الأحاديث في باب «أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة عليهم السلام، وأنهم يعلمون علمه كله»(١) ، ومنها الحديث الذي ذكره الجزائري في حقيقته هذه، وفي سنده عمرو بن أبي المقدام، وهو مختلف في وثاقته.

قال المولى المجلسي قدس سره: الحديث الأول [ في سنده ] مختلف فيه(٢) .

(١) أصول الكافي ١/٢٢٨.

(٢) مرآة العقول ٣/٣٠.

٥٢

والذي يظهر من كلمات الأعلام أن الأكثر ذهب إلى تضعيفه(١) .

وكيف كان فالرجل لم تثبت وثاقته بدليل معتمد، ولا سيما مع اضطراب كلام العلماء فيه، فإن ابن الغضائري وثَّقه في أحد قوليه، وضعَّفه في قوله الآخر، وذكره العلاّمة قدس سـره مرة في القسم الأول من خلاصته في الثقات، وذكره مرة ثانية في القسم الثاني منها في الضعفاء(٢) ، وكذلك صنع ابن داود في رجاله(٣) . وعليه فالرجل لا يُعتمد حديثه لجهالته.

وأما الحديث الثاني فقد رواه الكليني عن محمد بن الحسين، عن محمد بن الحسن، عن محمد بـن سنان، عن عمار بن مروان، عن المنخَّل، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: ما يستطيع أحد أن يدّعي أن عنده جميع القرآن كله ظاهره وباطنه غير الأصياء.

وهذا الحديث ضعيف السند أيضاً، وحسبك أن من جملة رواته محمد بن سنان والمنخَّل.

أما محمد بن سنان فقد مرَّ بيان حاله، وأما المنخَّل فهو المنخل بن جميل الأسدي، وهو ضعيف جداً.

قال فيه النجاشي: ضعيف فاسد الرواية(٤) .

وقال ابن الغضائري: ضعيف، في مذهبه غلو(٥) .

وقال العلاّمة: كان كوفياً ضعيفاً، وفي مذهبه غلو وارتفاع. قال محمد بن مسعود: سألت علي بن الحسين عن المنخل بن جميل، فقال : هو

(١) راجع تنقيح المقال ٢/٣٢٤، رجال العلامة، ص٢٤١.

(٢) رجال العلامة، ص١٢٠، ٢٤١.

(٣) راجع تنقيح المقال ٢/٣٢٤.

(٤) رجال النجاشي ٢/٣٧٢.

(٥) راجع تنقيح المقال ٣/٢٤٧.

٥٣

لا شيء، متَّهم(١) .

وقال المامقاني: كأن الكل متفقون على ضعفه(٢) .

وأما باقي أحاديث الباب فكلها

تدل على أن الأئمة عليهم السلام عندهم علم الكتاب كله.

ومنها:

رواية سلمة بن محرز، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إن مِن علْم ما أُوتينا تفسير القرآن وأحكامه، وعلم تغيير الزمان وحدثانه... ثم قال: ولو وجدنا أوعية أو مستراحاً لقلنا(٣) ، والله المستعان.

ومنها:

رواية عبد الأعلى مولى آل سام، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: والله إني لأعلم كتاب الله من أوله إلى آخره كأنه في كفّي، فيه خبر السماء وخبر الأرض، وخبر ما كان وخبر ما هو كائن، قال الله عز وجل ( فيه تبيان كل شيء ) .

ومنها:

رواية عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: وعندنا والله علم الكتاب كله.

ومنها:

حسنة أو صحيحة بريد بن معاوية، قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: ( قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ) قال: إيانا عنى، وعليٌّ أوَّلنا وأفضلنا وخيرنا بعد النبي صلى الله عليه وآله.

ومعرفة الأئمة عليهم السلام بعلم الكتاب لا كلام لنا فيه الآن، فإن الجزائري لم يذكره، فلنكتفِ بمناقشته فيما عَنْوَن به حقيقته، ومناقشته في دلالة

(١) رجال العلامة، ص٢٦١.

(٢) تنقيح المقال ٣/٢٤٧.

(٣) قال المجلسي في مرآة العقول ٣/٣٢ ـ ٣٣: «الأوعية» جمع وعاء... أي قلوبا كاتمة للأسرار حافظة لها، «أو مستراحاً» أي من لم يكن قابلاً لفهم الأسرار وحفظها كما ينبغي، لكن لا يفشيها ولا يذيعها، ولا يترتب ضرر على اطلاعه عليها فتستريح النفس بذلك.

٥٤

الحديثين الأولين اللذين استخلص منهما حقيقته هذه، فنقول:

مناقشة الجزائري في دلالة الحديثين

قال: إن اعتقاداً كهذا ـ وهو عدم وجود مَن جمع القرآن وحفظه من المسلمين إلا الأئمة من آل البيت ـ اعتقاد فاسد وباطل، القصد منه عند واضعه هو تكفير المسلمين من غير آل البيت وشيعتهم، وكفى بذلك فساداً وباطلاً [ كذا ] وشراً.

أقول:

ليس المراد بجمع القرآن وحفظه من الحديثين هو جمع سوره وآياته في مصحف كما ظن الجزائري، بل المراد بجمعه أحد معنيين:

المعنى الاول:

هو العلم بتفسيره ومعرفة ما فيه من أحكام ومعارف.

ويدل على ذلك قوله عليه السلام في الحديث الثاني: « ما يستطيع أحد أن يدّعي أن عنده جميع القرآن كله ظاهره وباطنه غير الأوصياء».

فإنه ظاهر فيما قلناه، وإلا لو كان المراد بجمع القرآن في الحديث جمع ألفاظه في مصحف لكان أكثر هذه الأمّة يدّعون أن عندهم جميع القرآن كلّه . أما ادّعاء العلم بالقرآن وفهم آياته ومعانيه الظاهرة والباطنة كما أنزلها الله سبحانه فهذا لم يقع من أحد من هذه الأمة إلا من أهل بيت النبوة عليهم السلام.

وقوله: «ظاهره وباطنه» يرشد إلى ذلك، فإن ظاهر القرآن وباطنه مرتبطان بمعانيه لا بألفاظه(١) ، وجمع الظاهر والباطن يعني الإحاطة بمعاني آيات الكتاب العزيز كلها، أو أن الظاهر هو لفظه، والباطن معناه، فيكون المعنى أنه لا يستطيع أحد أن يدَّعي أن عنده علماً بألفاظ القرآن

(١) الظاهر: ما ظهر معناه، والباطن: ما خفي تأويله.

٥٥

ومعانيه كاملة إلا الأوصياء عليهم السلام.

ولو كان المراد بجمع القرآن جمع ألفاظه كاملة في مصحف لما صحَّ لنا أن نقول: «إن غير علي عليه السلام من أئمة أهل البيت عليهم السلام قد جَمَعه »، لأنه إذا كان علي علي السلام قد جمعه قبلهم، فكيف يتأتى لهم أن يجمعوا ما كان مجموعاً ؟!

هذا مضافاً إلى أن الظاهر من أحاديث الباب أنها جاءت تؤكد حقيقة واحدة، هي أن أئمة أهل البيت عليهم السلام علموا تفسير القرآن وفهموا معانيه كلها، وعرفوا أحكامه كما أرادها الله سبحانه، وأن أحداً من هذه الأمة لا يستطيع أن يدّعي أنه يعلم ذلك إلا هُم. وأما مسألة جمع القرآن بالمعنى الذي ذكره الجزائري فلم يكن مراداً بالحديثين الأولين، ولم تحـمْ حوله باقي الأحـاديث الأُخـر المذكورة في هذا الباب.

المعنى الثاني:

أن المراد بجمع القرآن كما أُنزل هو جمعه في مصحف رُتِّب فيه المنسوخ قبل الناسخ، والمكّي قبل المدني، والسابق نزولاً قبل اللاحق، وهكذا.

وجمع القرآن بهذا النحو لم يتأتَّ لأحد من هذه الأمّة إلا لعليٍّ بن أبي طالب علي السلام.

فقد أخرج ابن سعد وابن أبي داود وغيرهما عن محمد بن سيرين، قال: لمَّا توفي النبي صلى الله عليه وآله أبطأ عـلي عن بيعة أبي بكر، فلقيه أبو بكر فقال: أكرهت إمارتي ؟ فقال: لا، ولكن آليت أن لا أرتدي بردائي إلا إلى الصلاة حتى أجمع القرآن. فزعموا أنه كتبه على تنزيله. فقال محمد: لو أصيب ذلك الكتاب كان فيه العلم(١) .

(١) الطبقات الكبرى ٢/٢٣٨، المصاحف ص١٦، وراجع تاريخ الخلفاء، ص١٧٣، الإتقان في علوم القرآن ١/١٢٧، كنز العمال ٢/٥٥٨، حلية الأولياء ١/٦٧، الفهرست لابن النديم، ص٤١.

٥٦

و قال السيوطي: وأخرجه ابن أشته في المصاحف من وجه آخر عن ابن سيرين، وفيه أنه ـ يعني عليًّا عليه السلام ـ كتَب في مصحفه الناسخ والمنسوخ، وأن ابن سيرين قال: تطلَّبتُ ذلك الكتاب، وكتبتُ فيه إلى المدينة فلم أقدر عليه(١) .

* * * * *

وقول الجزائري:

«والقصد منه عند واضعه هو تكفير المسلمين من غير آل البيت وشيعتهم».

يردّه أن القول بأن أهل البيت عليهم السلام جمعوا القرآن كله ظاهره وباطنه ـ أي علموا تفسيره وفهموا معانيه وأحكامه كما أرادها الله سبحانه، وأن غيرهم ليس كذلك ـ لا يلزم منه تكفير أحد من أهل القبلة، بل إن ذلك من تمام نعم الله على هذه الأمة أن جعل فيهم أئمة يهدون إلى الحق وبه يعدلون.

بل حتى لو قلنا: إن المراد بجمع القرآن هنا هو جمع ألفاظه كما ظن الجزائري، فإن ذلك لا يستلزم تكفير أحد من المسلمين الذين تلقَّوا القرآن من غيرهم ناقصاً قد سقطت بعض آياته أو كلماته، لأنه يحتمل أن يكون الناقص مما لا يجب الاعتقاد به، ولا يضر جهله بجاهله، إذ ليس كل ما في القرآن يجب على كافة المسلمين أن يعرفوه ويعتقدوا به، وإلا كان واجباً على كل مسلم أن يكون جامعاً لعلوم القرآن وأحكامه، وعارفاً بمعانيه، ومعتقداً بمضامينه، وهذا لا يقول به أحد.

* * * * *
ثم إن الجزائري قد ذكر ما يستلزمه اعتقاد أن أهل البيت عليهم السلام هم

(١) الإتقان في علوم القرآن ١/١٢٧.

٥٧

الذين جمعوا ألفاظ القرآن كله دون غيرهم، وحيث إنَّا قد أوضحنا أن ما فهمه من معنى جمع القرآن غير صحيح، فإن اللوازم التي ذكرها لا نحتاج إلى تكلّف ردّها، إلا أنا سنذكرها مع ذلك لبيان فسادها في نفسها، فنقول:

قال: [ يلزم من ذلك ] تكذيب كل من ادّعى حفظ كتاب الله وجمعه في صدره أو في مصحفه كعثمان وأُبي بن كعب وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود وغيرهم من مئات أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله.

والجواب:

لقد نص الحديث على كذب كل من ادَّعى العلم بأحكام القرآن وفهم معانيه الظاهرة والباطنة كما أرادها الله تعالى من غير أئمة أهل البيت عليهم السلام.

أما تكذيب من ادّعى حفظه عن ظهر قلب أو في مصحف فغير مراد بالحديث كما أوضحنا، بل إن حفظه بهذا المعنى لا يتَّجه إنكاره البتة، بسبب وقوعه من كثير من الناس حتى الصِّبْية الذين لم يبلغوا الحلم.

اللهم إلا إذا قلنا: إن مَن جمعه في مصحف أو حفظه لم يجمعه كما أُنـزل، أي مـرتباً على حسب النزول، بأنْ جَمَع المنسوخ منه قبل الناسخ، والمكي قبل المدني، والسابق نزولاً قبل اللاحق، فحينئذ يصح لنا أن نكذّب كل مَن ادّعى جمعه أو حفظه بهذا النحو.

ومن الواضح أن معرفة تفسير القرآن وفهم معانيه كما أرادها الله سبحانه لم تُدّعَ لأحد من علماء الصحابة وغيرهم إلا لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.

فقد أخرج أبو نعيم الأصفهاني وابن عساكر وغيرهما عن عبد الله بن مسعود، أنه قال: إن القرآن أُنزل على سبعة أحرف، ما منها حرف إلا له

٥٨

ظهر وبطن، وإن علي بن أبي طالب عنده علم الظاهر والباطن(١) .

وكان أمير المؤمنين عليه السلام يخبر بذلك مراراً، كما أخرج ابن سعد وأبو نعيم وغيرهما عن علي عليه السلام أنه قال: والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيم نزلت، وأين نزلت، وعلى من نزلت، إن ربي وهب لي قلباً عقولاً، ولساناً صادقاً ناطقاً(٢) .

وأخرج ابن سعد وغيره عن علي عليه السلام، قال: سلوني عن كتاب الله، فإنه ليس من آية إلا وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار، في سهل أم في جبل(٣) .

* * * * *

قال الجزائري: [ ويلزم ] ضلال عامة المسلمين ما عدا شيعة آل البيت، وذلك أن من عمل ببعض القرآن دون البعض لا شك في كفره وضلاله، إذ من المحتمل أن يكون بعض القرآن الذي لم يحصل عليه المسلمون مشتملاً على العقائد والعبادات والآداب والأحكام.

وأقول:

لقد أوضحنا المراد بالحديث، ومعنى الحديث لا يستلزم ما ذكره من ضلال أو كفر عامة المسلمين، بل حتى لو كان معنى الحديث ما زعمه هو فلا يجوز تكفير أحد من أهل القبلة تلقّى القرآن ناقصاً كما مرَّ آنفاً.

وقوله: «إن من عمل ببعض القرآن دون البعض لا شك في كفره وضلاله» غير صحيح، لأن مَن تلقى القرآن ناقصاً وعمل بما عنده من كتاب الله لا يجوز تكفيره ما لم ينكر شيئاً عُلِم بالضرورة أنه من الدين . وقوله: «لأنه لم يعبد الله تعالى بكل ما شرع» غير صحيح، لأن ما

(١) حلية الأولياء ١/٦٥، ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق ٣/٣٢.

(٢) حلية الأولياء ١/٦٨، الطبقات الكبرى ٢/٣٣٨.

(٣) الطبقات الكبرى ٢/٣٣٨.

٥٩

يُفترض أنه سقط من القرآن يُحتمل أن لا يكون من الواجبات العبادية، وعلى فرض كونه منها فقد يكون موضَّحاً في السنّة النبوية الشريفة، ثم إن مَن لم يأتِ ببعض التكاليف لعذر كالجهل ونحوه لا يوصف بالكفر أو الضلال.

وقال: إذ من المحتمل أن يكون بعض القرآن الذي لم يحصل عليه المسلمون مشتملاً على العقائد والعبادات والآداب والأحكام.

وجوابه: أن احتمال ذلك لا يرفع احتمال عدمه، فلعل ما يُفترض أنه ساقط من القرآن هو من الآداب والسُنن، لا من الأصول التي يجب اعتقادها.

ولو سلّمنا بأن ما يفترض سقوطه من كتاب الله هو من العقائد التي يجب اعتقادها، فلا يلزم من ذلك الحكم بكفر أحد، إذ يُحتمَل أن تلك المعتقدات كانت موضّحة أيضاً في سنة النبي صلى الله عليه وآله المتواترة التي أخذ بها المسلمون وحفظوها.

* * * * *
قال: هذا الاعتقاد لازمه تكذيب الله في قوله (إنا نحن نزَّلنا الذكر وإنَّا له لحافظون ) وتكذيب الله تعالى كفر، وأي كفر.

وأقول:

إن الاعتقاد بأن الله سبحانه قد اختص أهل البيت عليهم السلام بفهم معاني القرآن الظاهرة والباطنة، ومعرفة أحكامه كلها، لا يستلزم تكذيباً لله تعالى ولا لنبيه صلى الله عليه وآله كما هو واضح.

بل حتى لو قلنا: إن القرآن الكريم لم يجمعه أحد من هذه الأمة كما أُنزل إلا أئمة أهل البيت عليهم السلام، فإن هذا القول لا ينافي الآية المباركة، لأن المحصَّل حينئذ أن الله سبحانه حفظ الذِّكْر بأئمة الحق عليهم السلام.

٦٠