×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الكميت وشعره في الغدير / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحة: ١ فارغة
كتاب الكميت وشعره في الغدير للعلامة الأميني (ص ١ - ص ١٦)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

* (شعراء الغدير) *

في القرن الثاني

أبو المستهل الكميت

المولود ٦٠
المتوفى ١٢٦


نفى عن عينك الأرق الهجوعا * وهم يمتري منها الدموعا
دخيل في الفؤاد يهيج سقما * وحزنا كان من جذل (١) منوعا
وتوكاف الدموع على اكتئاب * أحل الدهر موجعه الضلوعا
ترقرق أسحما دررا وسكبا * يشبه سحها غربا هموعا (٢)
لفقدان الخضارم من قريش * وخير الشافعين معا شفيعا
لدى الرحمن يصدع بالمثاني * وكان له أبو حسن قريعا (٣)
حطوطا في مسرته ومولى * إلى مرضاة خالقه سريعا
وأصفاه النبي على اختيار * بما أعيى الرفوض له المذيعا
ويوم الدوح دوح غدير خم * أبان له الولاية لو أطيعا
ولكن الرجال تبايعوها * فلم أر مثلها خطرا مبيعا
فلم أبلغ بها لعنا ولكن * أساء بذاك أولهم صنيعا
فصار بذاك أقربهم لعدل * إلى جور وأحفظهم مضيعا
أضاعوا أمر قائدهم فضلوا * وأقومهم لدى الحدثان ريعا
تناسوا حقه وبغوا عليه * بلا ترة وكان لهم قريعا
فقل لبني أمية حيث حلوا * وإن خفت المهند والقطيعا

(١) الجذل: الفرح.

(٢) رقرقت العين: أجرت دمعها. الأسحم: السحاب. يقال: أسحمت السماء. صبت ماءها السج: الصب. الغرب: الدلو العظيم. الهموع: السيال.

(٣) القريع: السيد. الرئيس.

٢
: ألا أف لدهر كنت فيه * هدانا طائعا لكم مطيعا
أجاع الله من أشبعتموه * وأشبع من بجوركم أجيعا
ويلعن فذ أمته جهارا * إذا ساس البرية والخليعا
بمرضي السياسة هاشمي * يكون حيا لأمته ربيعا
وليثا في المشاهد غير نكس * لتقويم البرية مستطيعا
يقيم أمورها ويذب عنها * ويترك جدبها أبدا مريعا

* (ما يتبع الشعر) *

هذه من غرر قصايد الكميت (الهاشميات) المقدرة بخمسمائة وثمانية وسبعين بيتا كما نص به صاحب [الحدايق الوردية] غير أنه عاثت في طبعها يد النشر الأمينة على ودايع العلم فنقصت منها شيئا كثيرا لا يستهان به مثل ما اجترحت في طبع ديوان حسان والفرزدق وأبي نواس وغيرها كما مر ص ٤١، وقد آن ليد التنقيب أن تميط الستار عن تلكم الجنايات المخبئة، فالمطبوع منها في ليدن سنة ١٩٠٤ يتضمن ٥٣٦ بيتا. والمشروحة بقلم الأستاذ محمد شاكر الخياط ٥٦٠ بيتا. والمشروحة بقلم الأستاذ الرافعي ٤٥٨ بيتا على هذا الترتيب.

من لقلب متيم مستهام * غير ما صبوة ولا أحلام؟

ط ليدن والخياط ١٠٣ بيتا، ومشروحة الرافعي ١٠٢.

طربت وما شوقا إلى البيض أطرب * ولا لعبا مني وذو الشيب يلعب؟

ط ليدن والخياط ١٤٠، ومشروحة الرافعي ١٣٨.

أنى ومن أين آبك الطرب * من حيث لا صبوة ولا ريب؟؟!!

ط ليدن ١٣٣. مشروحة الخياط ١٣٢. مشروحة الرافعي ٦٧ بيتا.

الأهل عم في رأيه متأمل * وهل مدبر بعد الإسائة مقبل؟؟!!

ط ليدن والخياط ١١١، مشروحة الرافعي ٨٩ بيتا.

طربت وهل بك من طرب * ولم تتصاب ولم تلعب؟؟؟

ط ليدن والخياط ٣٣. مشروحة الرافعي ٢٨ بيتا.

٣
نفى عن عينك الأرق الهجوعا * وهم يمتري منها الدموعا

ط ليدن ٢٠، ومشروحة الخياط ٢١، والرافعي ١٩ بيتا.

سل الهموم لقلب غير متبول * ولا رهين لدى بيضاء عطبول (١)

ط ليدن والخياط ٧ بيتا، وذكر الرافعي منها ٥ بيتا.

أهوى عليا أمير المؤمنين ولا * أرضى بشتم أبي بكر ولا عمرا

ط ليدن والخياط ٧ بيتا، وحذف الرافعي منها بيتا.

ستة أبيات فائية وقافية ونونية ولم يذكر الرافعي البيتين النونيتين

فلما كانت العينية التي أثبتناها من (الهاشميات) نذكر أولا ما يخص بها ثم نورد ما يرجع إلى (الهاشميات) جملة واحدة، ونردفه بما ورد في بعض قصايدها غير العينية.

العينية من الهاشميات

قال شيخنا المفيد في رسالته في معنى المولى: الكميت ممن استشهد بشعره في كتاب الله، وأجمع أهل العلم على فصاحته ومعرفته باللغة ورياسته في النظم وجلالته في العرب حيث يقول:

ويوم الدوح دوح غدير خم * أبان له الولاية لو أطيعا

أوجب له الإمامة بخبر الغدير ووصفه بالرياسة من جهة المولى، وليس يجوز على الكميت مع جلالته في اللغة والعربية وضع عبارة على معنى لم توضع عليه قط في اللغة، ولا استعملها قبله أحد من أهل العربية، ولا عرفها بشئ كما وصف أحد منهم لأنه لو جاز عليه جاز على غيره ممن هو مثله وفوقه ودونه حتى تفسد اللغة بأسرها، ولا يكون لنا طريق إلى معرفة لغة العرب على الحقيقة وينغلق الباب في ذلك. ا هـ.

وروى الكراجكي في كنز الفوائد ص ١٥٤ بإسناده عن هناد (٢) بن السري

(١) تبله الحب أو الدهر فهو متبول. أسقمه. العطبول: المرأة الجميلة الفتية الطويلة العنق.

(٢) يروى عنه البخاري وجمع كثير، وثقه النسائي وغيره، وصدقه أبو حاتم ولد ١٥٢، وتوفي ٢٤٣، راجع تهذيب التهذيب ١١ ص ٧١.

٤
قال: رأيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في المنام فقال لي: يا هناد؟ قلت: لبيك يا أمير المؤمنين؟ قال أنشدني قول الكميت:

ويوم الدوح دوح غدير خم * .  .  .  .  .  .  . 

قال: فأنشدته فقال لي: خذ إليك يا هناد؟ فقلت: يا سيدي؟ فقال عليه السلام:

ولم أر مثل ذاك اليوم يوما * ولم أر مثله حقا أضيعا

وقال الشيخ أبو الفتوح في تفسيره ٢ ص ١٩٣: روي عن الكميت قال: رأيت أمير المؤمنين عليه السلام في المنام فقال: أنشدني قصيدتك العينية فأنشدته حتى انتهيت إلى قولي فيها:

ويوم الدوح دوح غدير خم * أبان له الولاية لو أطيعا

فقال صلوات الله عليه: صدقت. ثم أنشد عليه السلام.

ولم أر مثل ذاك اليوم يوما * ولم أر مثله حقا أضيعا

ورواه السيد في [الدرجات الرفيعة]، والعقيلي نقلا عن (منهاج الفاضلين) للحمويني و (مرآت الزمان) لابن الجوزي، ورواه سبط ابن الجوزي الحنفي في تذكرته ص ٢٠ عن شيخه عمرو بن صافي الموصلي عن بعض.

وقال المرزباني في " معجم الشعراء " ص ٣٤٨: مذهب الكميت في التشيع و مدح أهل البيت عليهم السلام في أيام بني أمية مشهورة ومن قوله فيهم:

فقل لبني أمية حيث حلوا * وإن خفت المهند والقطيعا
: أجاع الله من أشبعتموه * وأشبع من بجوركم أجيعا

ويروى: إن أبا جعفر محمد بن علي (الإمام الطاهر) رضي الله عنه لما أنشده الكميت هذه القصيدة دعا له. ا هـ.

وفي " الصراط المستقيم " للبياضي العاملي: إنه روى ابن الكميت: إنه رأى النبي صلى الله عليه وآله في النوم فقال: أنشدني قصيدة أبيك العينية فلما وصل إلى قوله:

ويوم الدوح دوح غدير خم * .  .  .  .  .  .  . 

بكى شديدا وقال: صدق أبوك رحمه الله، أي والله لم أر مثله حقا أضيعا.

٥

الهاشميات

ذكرها له المسعودي في " مروج الذهب " ٢ ص ١٩٤. وقال أبو الفرج (١) والسيد العباسي (٢) قصايد الكميت (الهاشميات) من جيد شعره ومختاره. وقال الآمدي (٣) وابن عمر البغدادي (٤): لكميت بن زيد في أهل البيت الأشعار المشهورة وهي أجود شعره. وقال السندوبي (٥): كان الكميت من خيرة شعراء الدولة الأموية، وكان عالما بلغات العرب وأيامهم، ومن خير شعره وأفضله (الهاشميات) وهي القصايد التي ذكر فيها آل بيت الرسول بالخير.

روى أبو الفرج في الأغاني ١٥ ص ١٢٤ بإسناده عن محمد بن علي النوفلي قال:

سمعت أبي يقول: لما قال الكميت بن زيد الشعر كان أول ما قال (الهاشميات) فسترها، ثم أتى الفرزدق بن غالب فقال له: يا أبا فراس؟ إنك شيخ مضر وشاعرها وأنا ابن أخيك الكميت بن زيد الأسدي. قال له: صدقت أنت ابن أخي، فما حاجتك؟

قال: نفث على لساني فقلت شعرا فأحببت أن أعرضه عليك فإن كان حسنا أمرتني بإذاعته، وإن كان قبيحا أمرتني بستره وكنت أولى من ستره علي. فقال له الفرزدق: أما عقلك فحسن وإني لأرجو أن يكون شعرك على قدر عقلك، فأنشدني ما قلت فأنشده:

طربت وما شوقا إلى البيض أطرب.

قال فقال لي: فيم تطرب يا ابن أخي؟! فقال:

ولا لعبا مني. وذو الشيب يلعب؟!

فقال: بلى يا بن أخي؟ فالعب فإنك في أوان اللعب. فقال:

ولم يلهني دار ولا رسم منزل * ولم يتطربني بنان مخضب

فقال: ما يطربك يا بن أخي؟! فقال:

(١) في الأغاني ٣ ص ١١٣.

(٢) في معاهد التنصيص ٢ ص ٢٦.

(٣) في المؤتلف والمختلف ص ١٧٠.

(٤) خزانة الأدب ص ٦٩.

(٥) في تعليقه على البيان والتبيين للجاحظ ١ ص ٥٤.

٦
ولا السانحات البارحات عشية * أمر سليم القرن أم مر أغضب

فقال: أجل لا تتطير. فقال:

ولكن إلى أهل الفضايل والتقى * وخير بني حواء والخير يطلب

فقال: ومن هؤلاء؟! ويحك. قال:

إلى النفر البيض الذين بحبهم * إلى الله فيما نابني أتقرب

قال: أرحني ويحك من هؤلاء؟! قال:

بني هاشم رهط النبي فإنني * بهم ولهم أرضي مرارا وأغضب
خفضت لهم مني جناحي مودة * إلى كنف عطفاه أهل ومرحب
وكنت لهم من هؤلاء وهؤلاء * محبا على أني أذم واغضب
وأرمي وأرمي بالعدواة أهلها * وإني لأوذى فيهم واؤنب

فقال له الفرزدق: يا بن أخي؟ أذع ثم أذع فأنت والله أشعر من مضى وأشعر من بقي ورواه المسعودي في مروجه ٢ ص ١٩٤، والعباسي في " المعاهد " ٢ ص ٢٦.

روى الكشي في رجاله ص ١٣٤ بإسناده عن أبي المسيح عبد الله بن مروان الجواني قال: كان عندنا رجل من عباد الله الصالحين وكان رواية شعر الكميت يعني (الهاشميات) وكان يسمع ذلك منه وكان عالما بها فتركه خمسا وعشرين سنة لا يستحل روايته و إنشاده ثم عاد فيه فقيل له: ألم تكن زهدت فيه وتركتها؟؟!! فقال: نعم ولكني رأيت رؤيا دعتني إلى العود لها. فقيل له: وما رأيت؟ قال: رأيت كأن القيامة قد قامت وكأنما أنا في المحشر فدفعت إلي مجلة قال أبو محمد: فقلت لأبي المسيح: وما المجلة؟

قال: الصحيفة. قال: نشرتها فإذا فيها. بسم الله الرحمن الرحيم. أسماء من يدخل الجنة من محبي علي بن أبي طالب قال: فنظرت في السطر الأول فإذا أسماء قوم لم أعرفهم، ونظرت في السطر الثاني فإذا هو كذلك، ونظرت في السطر الثالث والرابع فإذا فيها:

والكميت بن زيد الأسدي. قال: فذلك دعاني إلى العود فيه.

قال البغدادي في " خزانة الأدب " ١ ص ٨٧: بلغ خالد القسري خبر هذه القصيدة.

(يعني قصيدة الكميت المسماة بالمذهبة التي أولها: ألا حييت عنا يا مدينا)

٧
فقال: والله لأقتلنه ثم. اشترى ثلاثين جارية في نهاية الحسن فرواهن القصايد (الهاشميات) للكميت ودسهن مع نخاس إلى هشام بن عبد الملك فاشتراهن فأنشدته يوما القصائد المذكورة فكتب إلى خالد وكان يومئذ عامله بالعراق: أن ابعث إلي برأس الكميت. فأخذه خالد وحبسه فوجه الكميت إلى امرأته ولبس ثيابها وتركها في موضعه وهرب من الحبس، فلما علم خالد أراد أن ينكل بالمرأة فاجتمعت بنو أسد إليه وقالوا: ما سبيلك على امرأة لنا خدعت فخافهم وخلى سبيلها (١)

قال الثعالبي في " ثمار القلوب " ص ١٧١: عهدي بالخوارزمي يقول: من روى حوليات زهير. واعتذارات النابغة. وأهاجي الحطيئة. وهاشميات الكميت. ونقائض جرير. والفرزدق. وخمريات أبي نواس. وزهريات أبي العتاهية. ومراثي أبي تمام.

ومدائح البحتري. وتشبيهات ابن المعتز. وروضيات الصنوبري. ولطائف كشاجم.

وقلائد المتنبي. ولم يتخرج في الشعر فلا أشب الله تعالى قرنه.

خمس الهاشميات غير واحد من الشعراء منهم: الشيخ ملا عباس الزيوري البغدادي، والعلامة الشيخ محمد السماوي، والسيد محمد صادق آل صدر الدين الكاظمي، و شرحها الأستاذ محمد محمود الرافعي المصري وأحسن فيه وفي مقدمته وترجمة الكميت وأجاد وقال: الهاشميات هي من مختار الكلام، ومن رائق الشعر وشيقه، وجيد القول وطريفه، أحسن فيه كل الاحسان، وأجاد كل الاجادة. وشرحها الأستاذ محمد شاكر الخياط النابلسي.

الميمية من الهاشميات

من لقلب متيم مستهام * غير ما صبوة ولا أحلام؟!

قال صاعد مولى الكميت: دخلنا على أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام فأنشده الكميت قصيدته هذه فقال: أللهم؟ اغفر للكميت. أللهم؟ اغفر للكميت. " الأغاني " ١٥ ص ١٢٣.

قال نصر بن مزاحم المنقري: إنه رأى النبي صلى الله عليه وآله في النوم وبين

(١) سيأتيك عن الأغاني تفصيل القصة إنشاء الله تعالى.
٨
يديه رجل ينشده:

من لقلب متيم مستهام * .  .  .  .  .  . 

قال: فسألت عنه فقيل لي: هذا الكميت بن زيد الأسدي قال: فجعل النبي صلى الله عليه وآله يقول: جزاك الله خيرا، وأثنى عليه. " الأغاني " ١٥ ص ١٢٤، " المعاهد " ٢ ص ٢٧.

روى الكشي في رجاله ص ١٣٦ بإسناده عن زرارة قال: دخل الكميت على أبي جعفر عليه السلام وأنا عنده فأنشده:

من لقلب متيم مستهام * .  .  .  .  .  . 

فلما فرغ منها قال للكميت: لا تزال مؤيدا بروح القدس ما دمت تقول فينا.

وروى في ص ١٣٥ بإسناده عن يونس بن يعقوب قال: أنشد الكميت أبا عبد الله عليه السلام شعره:

أخلص الله في هواي فما أغر - ق نزعا وما تطيش سهامي

فقال أبو عبد الله عليه السلام: لا تقل هكذا ولكن قل: قد أغرق نزعا. ورواه ابن شهر آشوب في " المناقب " وفي لفظه: فقلت: يا مولاي؟ أنت أشعر مني بهذا المعنى.

وروى الحديثين الطبرسي في [إعلام الورى] ص ١٥٨.

قال المسعودي في " مروج الذهب " ٢ ص ١٩٥: قدم الكميت المدينة فأتى أبا جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم فأذن له ليلا وأنشده فلما بلغ الميمية قوله:

وقتيل بالطف غودر منهم * بين غوغاء أمة وطغام

بكى أبو جعفر ثم قال: يا كميت لو كان عندنا مال لأعطيناك ولكن لك ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله لحسان بن ثابت: لا زلت مؤيدا بروح القدس ما ذببت عنا أهل البيت. فخرج من عنده فأتى عبد الله بن الحسين بن علي فأنشده فقال: يا أبا المستهل إن لي ضيعة أعطيت فيها أربعة آلاف دينار وهذا كتابها وقد أشهدت لك بذلك شهودا.

وناوله إياه، فقال: بأبي أنت وأمي إني كنت أقول الشعر في غيركم أريد بذلك الدنيا ولا والله ما قلت فيكم إلا لله، وما كنت لآخذ على شيئ جعلته لله مالا ولا ثمنا. فألح عبد الله عليه وأبى من إعفائه، فأخذ الكميت الكتاب ومضى، فمكث أياما ثم جاء إلى عبد الله

٩
فقال: بأبي أنت وأمي يا بن رسول الله؟ إن لي حاجة قال: وما هي؟ وكل حاجة لك مقضية. قال: وكائنة ما كانت؟ قال: نعم. قال: هذا الكتاب تقبله وترتجع الضيعة.

ووضع الكتاب بين يديه فقبله عبد الله، ونهض عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فأخذ ثوبا جلدا فدفعه إلى أربعة من غلمانه، ثم جعل يدخل دور بني هاشم و يقول: يا بني هاشم؟ هذا الكميت قال فيكم الشعر حين صمت الناس عن فضلكم، وعرض دمه لبني أمية فأثيبوه بما قدرتم. فيطرح الرجل في الثوب ما قدر عليه من دنانير و دراهم. وأعلم النساء بذلك فكانت المرأة تبعث ما أمكنها حتى أنها لتخلع الحلي عن جسدها، فاجتمع من الدنانير والدراهم ما قيمته مائة ألف درهم، فجاء بها إلى الكميت فقال: يا أبا المستهل أتيناك بجهد المقل ونحن في دولة عدونا وقد جمعنا هذا المال و فيه حلي النساء كما ترى، فاستعن به على دهرك فقال: بأبي أنت وأمي قد أكثرتم و أطيبتم وما أردت بمدحي إياكم إلا الله ورسوله ولم أك لآخذ لكم ثمنا من الدنيا فاردده إلى أهله. فجهد به عبد الله أن يقبله بكل حيلة فأبى فقال: إن أبيت أن تقبل فإني رأيت أن تقول شيئا تغضب به بين الناس لعل فتنة تحدث فيخرج من بين أصابعها بعض ما يجب. فابتدأ الكميت وقال قصيدته التي يذكر فيها مناقب قومه من مضر بن نزار بن معد وربيعة بن نزار وأياد وأنمار إبني نزار ويكثر فيها من تفضيلهم ويطنب في وصفهم وانهم أفضل من قحطان فغضب بها بين اليمانية والنزارية فيما ذكرناه وهي قصيدته التي أولها.

ألا حييت عنا يا مدينا * وهل ناس تقول مسلمينا؟

قال ابن شهر آشوب في " المناقب " ٥ ص ١٢: بلغنا أن الكميت أنشد الباقر عليه السلام

من لقلب متيم مستهام * .  .  .  .  .  .  .   

فتوجه الباقر عليه السلام إلى الكعبة فقال: أللهم؟ ارحم الكميت واغفر له. ثلاث مرات. ثم قال: يا كميت هذه مائة ألف قد جمعتها لك من أهل بيتي. فقال الكميت: لا والله لا يعلم أحد أني آخذ منها حتى يكون الله عز وجل الذي يكافيني ولكن تكرمني بقميص من قمصك فأعطاه. وذكره العباسي في " المعاهد " ٢ ص ٢٧ وفيه: فأمر له (أبو جعفر) بمال وثياب فقال الكميت: والله ما أحببتكم للدنيا ولو أردت الدنيا لأتيت

١٠
من هي في يديه، ولكنني أحببتكم للآخرة، فأما الثياب التي أصابت أجسامكم فأنا أقبلها لبركاتها وأما المال فلا أقبله فرده وقبل الثياب.

قال البغدادي في (خزانة الأدب) ١ ص ٦٩: حكى صاعد مولى الكميت قال: دخلت مع الكميت على علي بن الحسين رضي الله عنه فقال: إني قد مدحتك بما أرجو أن يكون لي وسيلة عند رسول الله صلى الله عليه وآله ثم أنشده قصيدته التي أولها:

من لقلب متيم مستهام * غير ما صبوة ولا أحلام؟!

فلما أتى على آخرها قال له: ثوابك نعجز عنه ولكن ما عجزنا عنه فإن الله لا يعجز عن مكافأتك. أللهم؟ اغفر للكميت. ثم قسط له على نفسه وعلى أهله أربعمائة ألف درهم وقال له: خذ يا أبا المستهل؟ فقال له: لو وصلتني بدانق لكان شرفا لي ولكن إن أحببت أن تحسن إلي فادفع إلي بعض ثيابك التي تلي جسدك أتبرك بها. فقام فنزع ثيابه ودفعها إليه كلها ثم قال: أللهم؟ إن الكميت جاد في آل رسولك وذرية نبيك بنفسه حين ضن الناس، وأظهر ما كتمه غيره من الحق، فأحيه سعيدا، وأمته شهيدا، وأره الجزاء عاجلا، وأجزل له جزيل المثوبة آجلا، فإنا قد عجزنا عن مكافاته. قال الكميت: ما زلت أعرف بركة دعائه.

قال محمد بن كناسة: لما انشد هشام بن عبد الملك قول الكميت:

فبهم صرت للبعيد ابن عم * واتهمت القريب أي اتهام (١)
مبديا صفحتي على الموقف المعلم * بالله قوتي واعتصامي (٢)

قال: استقتل المرائي. " الأغاني " ١٥ ص ١٢٧.

البائية من الهاشميات

طربت وما شوقا إلى البيض أطرب * ولا لعبا مني، وذو الشيب يلعب؟

روى أبو الفرج في " الأغاني " ١٥ ص ١٢٤ بإسناده عن إبراهيم بن سعد الأسدي قال: سمعت أبي يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله في المنام فقال: من أي الناس أنت؟ قلت:

(١) هو البيت الثمانون من القصيدة.

(٢) هو البيت الخامس والثمانون من القصيدة.

١١
من العرب. قال: أعلم فمن أي العرب؟ قلت: من بني أسد. قال: من أسد بن خزيمة. قلت: نعم. قال: أهلالي أنت؟ قلت: نعم. قال: أتعرف الكميت بن زيد؟ قلت: يا رسول الله عمي ومن قبيلتي. قال: أتحفظ من شعره؟ قلت: نعم. قال أنشدني.

طربت وما شوقا إلى البيض أطرب * .  .  .  .  .  .  .  .  .  . 

قال: فأنشده، حتى بلغت إلى قوله:

فمالي إلا آل أحمد شيعة * وما لي إلا مشعب الحق مشعب

فقال لي: إذا أصبحت فاقرأ عليه السلام وقل له. قد غفر الله لك بهذه القصيدة.

وذكره العباسي في [معاهد التنصيص] ٢ ص ٢٧ وغيره.

وفي " الأغاني " ١٥ ص ١٢٤: عن دعبل بن علي الخزاعي قال: رأيت النبي صلى الله عليه وآله في النوم فقال لي: مالك وللكميت بن زيد؟ فقلت: يا رسول الله؟ ما بيني وبينه إلا كما بين الشعراء. فقال: لا تفعل، أليس هو القائل؟

فلا زلت فيهم حيث يتهمونني * ولا زلت في أشياعكم أتقلب

فإن الله قد غفر له بهذا البيت قال. فانتهيت عن الكميت بعدها.

* (هذا البيت) *

من أبيات حرفتها يد النشر المصرية عن القصيدة بعد قوله:

وقالوا ترابي هواه ورأيه * بذلك أدعى فيهم وألقب

قال السيوطي في [شرح شواهد المغني] ص ١٣: أخرج ابن عساكر بإسناده عن محمد بن عقير (١) كانت بنو أسد تقول: فينا فضيلة ليست في العالم، ليس منزل منا إلا وفيه بركة وراثة الكميت لأنه رأى النبي صلى الله عليه وآله في النوم فقال له: أنشدني:

طربت وما شوقا إلى البيض أطرب * .  .  .  .  .  .  .  .  .  . 

فأنشده فقال له: بوركت وبورك قومك.

وفي " شرح الشواهد " أيضا ص ١٤: أخرج ابن عساكر عن أبي عكرمة الضبي عن أبيه قال: أدركت الناس بالكوفة من لم يرو.

طربت وما شوقا إلى البيض أطرب * ولا لعبا مني وذو الشيب يلعب؟

فليس بهاشمي. ورواه السيد في [الدرجات الرفيعة] وفيها: فليس بشيعي.

(١) في غير شرح الشواهد: عقبة.
١٢
وقال السيوطي في " الشرح " ص ١٤: أخرج ابن عساكر عن محمد بن سهل قال قال الكميت: رأيت في النوم وأنا مختف رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: مم خوفك؟ قلت: يا رسول الله؟ من بني أمية وأنشدته:

ألم ترني من حب آل محمد * أروح وأغدو خائفا أترقب (١)

فقال: أظهر فإن الله قد أمنك في الدنيا والآخرة.

وقال في ص ١٤: أخرج ابن عساكر عن الجاحظ قال: ما فتح للشيعة الحجاج إلا الكميت بقول:

فإن هي لم تصلح لحي سواهم * فإن ذوي القربى أحق وأوجب
يقولون: لم يورث. ولولا تراثه * لقد شركت فيها بكيل وأرحب

وذكر كلام الجاحظ الشيخ المفيد كما في " الفصول المختارة " ٢ ص ٨٤، و لعل الجاحظ لم يقف على مواقف احتجاج الشيعة بنفس هذه الحجة وغيرها المتكثرة منذ عهدهم المتقادم المتصل بالعهد النبوي. أو إنه يرمي بكلمته إلى إنكار سلف الشيعة في الصدر الأول، لكن فضحه تاريخهم المجيد والمأثورات في فضلهم عن صاحب الرسالة وهلم جرا، وإنك تجد الاحتجاج بما ذكر وغيره في كثير من شعر الصحابة والتابعين لهم بإحسان وفي كلماتهم المنثورة قبل أن تنعقد نطفة الكميت كخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين. وعبد الله بن عباس، والفضل بن عباس، وعمار بن ياسر، وأبي ذر الغفاري وقيس بن سعد الأنصاري، وربيعة بن الحرث بن عبد المطلب، وعبد الله بن أبي سفيان ابن الحرث بن عبد المطلب، وزفر بن زيد بن حذيفة، والنجاشي بن الحرث بن كعب، وجرير بن عبد الله البجلي، وعبد الرحمن بن حنبل حليف بني جمع، وآخرين كثيرين.

وقد فتح لهم هذا الباب بمصراعيه أمير المؤمنين علي صلوات الله عليه في كتبه وخطبه الطافحة بذلك، المبثوثة في طيات الكتب ومعاجم الخطب والرسائل، قال شيخنا المفيد كما في " الفصول " ٢ ص ٨٥: إنما نظم الكميت معنى كلام أمير المؤمنين عليه السلام في منثور كلامه في الحجة على معاوية، فلم يزل آل محمد عليهم السلام بعد أمير المؤمنين يحتجون بذلك ومتكلموا الشيعة قبل الكميت وفى زمانه وبعده وذلك موجود

(١) هو البيت الخامس والسبعين من القصيدة.
١٣
في الأخبار المأثورة والروايات المشهورة، ومن بلغ إلى الحد الذي بلغه الجاحظ في البهت سقط كلامه.

اللامية من الهاشميات

الأهل عم في رأيه متأمل * وهل مدبر بعد الإسائة مقبل؟؟!!

روى أبو الفرج في " الأغاني " ١٥ ص ١٢٦ بالإسناد عن أبي بكر الحضرمي قال:

إستأذنت للكميت على أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام في أيام التشريق بمنى فأذن له فقال له الكميت: جعلت فداك إني قلت فيكم شعرا أحب أن أنشدكه فقال: يا كميت؟ أذكر الله في هذه الأيام المعلومات وفي هذه الأيام المعدودات. فأعاد عليه الكميت القول فرق له أبو جعفر عليه السلام فقال: هات. فأنشده قصيدته حتى بلغ

يصيب به الرامون عن قوس غيرهم * فيا آخر أسدى له. الغي أول

فرفع أبو جعفر عليه السلام يديه إلى السماء وقال. أللهم اغفر للكميت.

وعن محمد بن سهل صاحب الكميت قال: دخلت مع الكميت على أبي عبد الله الصادق جعفر بن محمد عليه السلام فقال له: جعلت فداك ألا أنشدك؟ قال: إنها أيام عظام.

قال: إنها فيكم. قال: هات. وبعث أبو عبد الله عليه السلام إلى بعض أهله فقرب فأنشده فكثر البكاء حتى أتى على هذا البيت.

يصيب به الرامون عن قوس غيرهم * فيا آخر أسدى له الغي أول

فرفع أبو عبد الله عليه السلام يديه فقال: أللهم اغفر للكميت ما قدم وما أخر، وما أسر وما أعلن، واعطه حتى يرضى. " الأغاني " ١٥ ص ١٢٣ " المعاهد " ٢ ص ٢٧.

ورواه البغدادي في " خزانة الأدب " ١ ص ٧٠ وفيه بعد قوله: فكثر البكاء: و ارتفعت الأصوات. فلما مر على قوله في الحسين رضي الله عنه:

كأن حسينا والبهاليل حوله * لأسيافهم ما يختلى المتبتل
وغاب نبي الله عنهم وفقده * على الناس رزء ما هناك مجلل
فلم أر مخذولا لأجل مصيبة * وأوجب منه نصرة حين يخذل

١٤
فرفع جعفر الصادق رضي الله عنه يديه وقال: أللهم اغفر للكميت ما قدم وأخر، وما أسر وأعلن، واعطه حتى يرضى. ثم أعطاه ألف دينار وكسوة، فقال له الكميت: والله ما أحببتكم للدنيا ولو أردتها لأتيت من هو في يديه، ولكنني أحببتكم للآخرة فأما الثياب التي أصابت أجسادكم فإني أقبلها لبركتها، وأما المال فلا أقبله.

روى أبو الفرج في " الأغاني " ١٥ ص ١١٩ عن علي بن محمد بن سليمان عن أبيه قال: كان هشام بن عبد الملك قد اتهم خالد بن عبد الله وكان يقال: إنه يريد خلعك فوجد بباب هشام يوما رقعة فيها شعر فدخل بها على هشام فقرئت عليه وهي:

تألق برق عندنا وتقابلت * أثاف لقدر الحرب أخشى اقتبالها
فدونك قدر الحرب وهي مقرة * لكفيك واجعل دون قدر جعالها
ولن تنتهي أو يبلغ الأمر حده * فنلها برسل قبل أن لا تنالها
فتجشم منها ما جشمت من التي * بسور أهرت نحو حالك حالها
تلاف أمور الناس قبل تفاقم * بعقدة حزم لا يخاف انحلالها
فما أبرم الأقوام يوما لحيلة * من الأمر إلا قلدوك احتيالها
وقد تخبر الحرب العوان بسرها * وإن لم يبح من لا يريد سؤالها

فأمر هشام أن يجتمع له من بحضرته من الرواة فجمعوا فأمر بالأبيات فقرأت عليهم فقال: شعر من تشبه هذه الأبيات؟ فأجمعوا جميعا من ساعتهم أنه كلام الكميت بن زيد الأسدي. فقال هشام: نعم: هذا الكميت ينذرني بخالد بن عبد الله. ثم كتب إلى خالد يخبره وكتب إليه بالأبيات، وخالد يومئذ بواسط فكتب خالد إلى واليه بالكوفة يأمره بأخذ الكميت وحبسه، وقال لأصحابه: إن هذا يمدح بني هاشم ويهجو بني أمية فأتوني من شعر هذا بشئ فأتي بقصيدته اللامية التي أولها.

ألا هل عم في رأيه متأمل * وهل مدبر بعد الإسائة مقبل؟؟!!

فكتبها وأدرجها في كتاب إلى هشام يقول: هذا شعر الكميت فإن كان قد صدق في هذا فقد صدق في ذاك. فلما قرأت على هشام اغتاظ فلما سمع قوله:

فيا ساسة هاتوا لنا من جوابكم * ففيكم لعمري ذو أفانين مقول

١٥
اشتد غيظه فكتب إلى خالد يأمره أن يقطع يدي الكميت ورجليه ويضرب عنقه ويهدم داره ويصلبه على ترابها. فلما قرأ خالد الكتاب كره أن يستفسد عشيرته و أعلن الأمر رجاء أن يتخلص الكميت فقال. كتب إلي أمير المؤمنين وإني لأكره أن أستفسد عشيرته. وسماه فعرف عبد الرحمن بن عنبسة بن سعيد ما أراد فأخرج غلاما له مولدا ظريفا فأعطاه بغلة له شقراء فارهة من بغال الخليفة وقال: إن أنت وردت الكوفة فأنذرت الكميت لعله أن يتخلص من الحبس فأنت حر لوجه الله والبغلة لك ولك علي بعد ذلك إكرامك والاحسان إليك. فركب البغلة فسار بقية يومه وليلته من واسط إلى الكوفة فصبحها فدخل الحبس متنكرا فخبر الكميت بالقصة، فأرسل إلى امرأته وهي ابنة عمه يأمرها: أن تجيئه ومعها ثياب من لباسها وخفان. ففعلت فقال: ألبسيني لبسة النساء. ففعلت، ثم قالت له: أقبل فأقبل وأدبر فأدبر فقالت: ما أدري إلا يبسا في منكبيك إذهب في حفظ الله. فمر بالسجان فظن أنه المرأة فلم يعرض له فنجا وأنشأ يقول:

خرجت خروج القدح قدح ابن مقبل * على الرغم من تلك النوايح والمشلي
علي ثياب الغانيات وتحتها * عزيمة أمر أشبهت سلة النصل

وورد كتاب خالد إلى والي الكوفة يأمره فيه بما كتب به إليه هشام، فأرسل إلى الكميت ليؤتى به من الحبس فينفذ فيه أمر خالد، فدنا من باب البيت فكلمتهم المرأة وخبرتهم: أنها في البيت، وإن الكميت قد خرج. فكتب بذلك إلى خالد فأجابه:

حرة كريمة أفدت ابن عمها بنفسها. وأمر بتخليتها فبلغ الخبر الأعور الكلبي بالشام فقال قصيدته التي يرمي فيها امرأة الكميت بأهل الحبس ويقول:

أسودينا واحمرينا * .  .  .  .  . 

فهاج الكميت ذلك حتى قال:

ألا حييت عنا يا مدينا   (وهي ثلاثمائة بيت)

وقال في ص ١١٤: إن خالد بن عبد الله القسري روى جارية حسناء قصايد الكميت (الهاشميات) وأعدها ليهديها إلى هشام وكتب إليه بأخبار الكميت وهجائه بني أمية وأنفذ إليه قصيدته التي يقول فيها:

١٦
كتاب الكميت وشعره في الغدير للعلامة الأميني (ص ١٧ - ص ٣٣)
١٧
الاسلاميين قال: الفرزدق، وجرير، والأخطل، والراعي. قال فقيل له: يا أبا محمد؟ ما رأيناك ذكرت الكميت فيمن ذكرت؟ قال: ذاك أشعر الأولين والآخرين (١).

وقد مر ص ١٦٨ قول الفرزدق له. أنت والله أشعر من مضى وأشعر من بقي.

وكان مبلغ شعره حين مات خمسة آلاف ومأتين وتسعة وثمانين بيتا على ما في الأغاني، و المعاهد ٢ ص ٣١. أو أكثر من خمسة آلاف قصيدة كما في كشف الظنون نقلا عن عيون الأخبار لابن شاكر ١ ص ٣٩٧. وقد جمع شعره الأصمعي وزاد فيه ابن السكيت، ورواه جماعة عن أبي محمد عبد الله بن يحيى المعروف بابن كناسة الأسدي المتوفى ٢٠٧، ورواه ابن كناسة عن الجزي، وأبي الموصل، وأبي صدقة الأسديين، وألف كتابا أسماه (سرقات الكميت من القرآن وغيره) (٢).

ورواه ابن السكيت عن أستاذه نصران وقال نصران: قرأت شعر الكميت على أبي حفص عمر ابن بكير. وعمل شعره السكري أبو سعيد الحسن بن الحسين المتوفى ٢٧٥، كما في فهرست ابن النديم ص ١٠٧ و ٢٢٥. وصاحب شعره محمد بن أنس كما في تاريخ ابن عساكر ٤ ص ٤٢٩.

وحكى ياقوت في معجم الأدباء ١ ص ٤١٠ عن ابن نجار عن أبي عبد الله أحمد بن الحسن الكوفي النسابة أنه قال: قال ابن عبدة النساب: ما عرف النساب أنساب العرب على حقيقة حتى قال الكميت (النزاريات) فأظهر بها علما كثيرا، ولقد نظرت في شعره فما رأيت أحدا أعلم منه بالعرب وأيامها، فلما سمعت هذا أجمعت شعره فكان عوني على التصنيف لأيام العرب.

وقال بعضهم: كان في الكميت عشر خصال لم تكن في شاعر: كان خطيب أسد، فقيه الشيعة، حافظ القرآن العظيم، ثبت الجنان، كاتبا حسن الخط، نسابة جدلا، وهو أول من ناظر (٣) في التشيع، راميا لم يكن في أسد أرمى منه، فارسا

(١) الأغاني ١٥ ص ١١٥ و ١٢٧.

(٢) التعبير بالسرقة لا يخلو من مسامحة فإنها ليست إلا أخذا بالمعنى أو تضمينا لكلم من القرآن، وحسب الكميت (وأي شاعر) أن يقتص أثر الكتاب الكريم.

(٣) مر فساد هذه النسبة إلى المترجم له ص ١٩١.

١٨
شجاعا، سخيا دينا. خزانة الأدب ٢ ص ٦٩، شرح الشواهد ص ١٣.

ولم تزل عصبيته للعدنانية ومهاجاته شعراء اليمن متصلة، والمناقضة بينه و بينهم شايعة في حياته، وفي إثرها ناقض دعبل وابن عيينة قصيدته المذهبة بعد وفاته وأجابهما أبو الزلفاء البصري مولى بني هاشم، وكان بينه وبين حكيم الأعور الكلبي مفاخرة ومناظرة تامة.

* (فائدة) *

حكيم الأعور المذكور أحد الشعراء المنقطعين إلى بني أمية بدمشق، ثم انتقل إلى الكوفة، جاء رجل إلى عبد الله بن جعفر فقال له: يا بن رسول الله؟ هذا حكيم الأعور ينشد الناس هجاكم بالكوفة. فقال: هل حفظت شيئا؟ قال:

نعم وأنشد.

صلبنا لكم زيدا على جذع نخلة * ولم نر مهديا على الجزع يصلب
وقستم بعثمان عليا سفاهة * وعثمان خير من علي وأطيب

فرفع عبد الله يديه إلى السماء وهما تنتفضان رعدة فقال: أللهم إن كان كاذبا فسلط عليه كلبا. فخرج حكيم من الكوفة فأدلج (١) فافترسه الأسد.

معجم الأدباء ٤ ص ١٣٢.

* (الكميت وحياته المذهبية) *

يجد الباحث في خلال السير وزبر الحديث شواهد واضحة على أن الرجل لم يتخذ شاعريته وما كان يتظاهر به من التهالك في ولاء أهل البيت عليهم السلام، وسيلة لما يقتضيه النهمة، وموجبات الشره من التلمظ بما يستفيده من الصلات و الجوائز، أو تحري مسانحات وجرايات، أو الحصول على رتبة أو راتب، أنى؟ و آل رسول الله كما يقول عنهم دعبل الخزاعي:

أرى فيئهم في غيرهم متقسما * وأيديهم من فيئهم صفرات

وهم سلام الله عليهم فضلا عن شيعتهم.

مشردون نفوا عن عقر دارهم * كأنهم قد جنوا ما ليس يغتفر

(١) أدلج القوم: ساروا الليل كله أو في آخره.

١٩
وقد انهالت الدنيا قضها بقضيضها على أضدادهم يوم ذلك من طغمة الأمويين ولو كان المتطلب يطلب شيئا من حطام الدنيا، أو حصولا على مرتبة، أو زلفة تربى به لطلبها من أولئك المتغلبين على عرش الخلافة الإسلامية، فرجل يلوي بوجهه عنهم إلى أناس مضطهدين مقهورين، ويقاسي من جراء ذلك الخوف والاختفاء تتقاذف به المفاوز والحزون، مفترعا ربوة طورا، ومسفا إلى الأحضة تارة، وورائه الطلب الحثيث، وبمطلع الأكمة النطح والسيف، ليس من الممكن أن يكون ما يتحراه إلا خاصة فيمن يتولاهم، لا توجد عند غيرهم، وهذا هو شأن الكميث مع أئمة الدين عليهم السلام فقد كان يعتقد فيهم أنهم وسائله إلى المولى سبحانه، وواسطة نجاحه في عقباه، وإن مؤدتهم أجر الرسالة الكبرى.

روى الشيخ الأكبر الصفار في " بصاير الدرجات " بإسناده عن جابر قال: دخلت على الباقر عليه السلام فشكوت إليه الحاجة فقال: ما عندنا درهم. فدخل الكميت فقال: جعلت فداك أنشدك؟ فقال: انشد فأنشده قصيدة فقال: يا غلام؟ اخرج من ذلك البيت بدرة فادفعها إلى الكميت. فقال: جعلت فداك أنشدك أخرى؟ فأنشده فقال: يا غلام؟ اخرج بدرة فادفعها إليه. فقال: جعلت فداك أنشدك أخرى؟ فأنشده فقال: يا غلام؟ اخرج بدرة فادفعها إليه. فقال: جعلت فداك والله ما أحبكم لعرض الدنيا وما أردت بذلك إلا صلة رسول الله وما أوجب الله علي من الحق. فدعا له الباقر عليه السلام فقال: يا غلام ردها إلى مكانها. فقلت: جعلت فداك قلت لي: ليس عندي درهم وأمرت الكميت بثلاثين ألفا (١) فقال: ادخل ذلك البيت. فدخلت فلم أجد شيئا، فقال: ما سترنا عنكم أكثر مما أظهرنا. الحديث.

قال صاعد: دخلنا مع الكميت على فاطمة بنت الحسين عليه السلام فقالت: هذا شاعرنا أهل البيت وجاءت بقدح فيه سويق فحركته بيدها وسقت الكميت فشربه ثم أمرت له بثلاثين دينارا ومركب، فهملت عيناه وقال: لا والله لا أقبلها إني لم أحبكم للدنيا. " الأغاني " ١٥ ص ١٢٣.

وللكميت في رده الصلات الطايلة على سروات المجد من بني هاشم مكرمة

(١) في مناقب ابن شهر آشوب ٥ ص ٧: خمسين ألف درهم.
٢٠