×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

المجالس العاشوريّة في المآتم الحسينيّة / الصفحات: ٤١ - ٦٠

كأنَّ كلَّ مكان كربلاءُ لدى عيني وكلَّ زمان يومُ عاشورا
لهفي لظام على شاطي الفراتِ قَضَى ظمآنَ يرنو لِعَذْبِ الماءِ مقرورا
وَجسمَهُ نسجت هُوجُ الرياحِ له ثوباً بقاني دمِ الأوداج مزرورا
إن يبقَ ملقىً بلا دفن فإن له قبراً بأحشاءِ مَنْ والاه محفورا
ياليتَ عَيْنَ رسولِ اللهِ ناظرةٌ رأسَ الحسينِ على على العسَّال مشهورا(١)

قال السيد ابن طاووس الحسني عليه الرحمة : رأيت في كتاب المصابيح بإسناده إلى جعفر بن محمد(عليه السلام) قال : قال لي أبي محمد بن علي : سألت أبي علي بن الحسين عن حمل يزيد له فقال : حملني على بعير يظلع بغير وطاء ، ورأس الحسين(عليه السلام) على علم ، ونسوتنا خلفي على بغال فأكف(٢) ، والفارطة خلفنا وحولنا بالرماح ، إن دمعت من أحدنا عين قرع رأسه بالرمح ، حتى إذا دخلنا دمشق صاح صائح : يا أهل الشام هؤلاء سبايا أهل البيت(٣) .

وفي رواية قال الباقر(عليه السلام) : سألت أبي علي بن الحسين(عليه السلام) عن كيفية دخولهم على يزيد لعنه الله ، فقال : أوقفونا أولا على باب من أبواب القصر ثلاث ساعات في طلب الإذن من يزيد ، ثم أدخلونا عليه ونحن مربَّطون بحبل واحد مثل الأغنام ، وكان الحبل في عنقي وعنق عمتي زينب وأم كلثوم وباقي النساء والبُنيّات ، وكلَّما قصرنا عن المشي ضربونا حتى أدخلونا على يزيد لعنه الله(٤) ولله درّ ابن العرندس عليه الرحمة إذ يقول :

ولهفي لزينِ العابدين وقد سرى أسيراً عليلا لا يُفَكُّ له أَسْرُ

١- الدر النضيد ، السيد الأميني : ١٧٥ .

٢- قال العلامة المجلسي عليه الرحمه في بحار الأنوار ٤٥/١٥٤ : "قوله : فأكف أي أميل وأشرف على السقوط ، والأظهر " واكفة " أي كانت البغال بإكاف أي برذعة من غير سرج" .

٣- إقبال الأعمال . السيد ابن طاووس الحسني : ٣/٨٩ .

٤- وفيات الأئمة (عليهم السلام) ، مجموعة من علماء البحرين والقطيف : ١٦٦ .

٤١
وآلُ رسولِ اللهِ تُسبى نساؤهم وَمِنْ حَوْلِهنَّ السترُ يُهْتَكُ والخدرُ
سبايا بأكوارِ المطايا حواسراً يلاحظُهنَّ العبدُ في الناسِ والحرُّ
ورملةُ في ظلِّ القصورِ مصونةٌ يُناطُ على أقراطِها الدرُّ والتبرُ(١)

وقال آخر :

فقل لسرايا شيبةِ الحمدِ مالكم قعدتم وقد ساروا بنسوتِكم حسرى
وأعظمُ ما يشجي الغيورَ دخولُها إلى مجلس ما بارح اللَّهْوَ والخمرا
أقيمت لديه آهِ وَاذلَّةَ الهدى وكلٌّ عن النُظَّارِ تنضمُّ بالأخرى

المجلس الخامس ، من اليوم الأول

دخول دعبل الخزاعي على الإمام علي بن

موسى الرضا(عليه السلام) في أيام عاشوراء


روي عن عبدالسلام بن صالح الهروي قال : دخل دعبل بن علي الخزاعي على علي بن موسى الرضا(عليهما السلام) بمرو فقال له : يا بن رسول الله(صلى الله عليه وآله) إني قد قلت فيك قصيدة ، وآليت على نفسي أن لا أنشدها أحداً قبلك ، فقال(عليه السلام) : هاتها فأنشده :

مدارسُ آيات خلت من تلاوة ومنزلُ وحي مُقْفِرُ العرصاتِ

فلمَّا بلغ إلى قوله :

أرى فَيْئَهُمْ في غيرِهم متقسِّماً وأيديَهُمْ من فَيْئِهِمْ صَفِرَاتِ

بكى أبو الحسن الرضا(عليه السلام) وقال له : صدقت يا خزاعي ، فلمّا بلغ إلى قوله :

إذَا وُتِرُوا مَدُّوا إلى وَاتِرِيهِمُ أكّفاً عن الأوتارِ مُنْقَبِضَاتِ

١- الغدير ، الأميني : ٧/١٦ ـ ١٧ .

٤٢

جعل أبو الحسن(عليه السلام) يقلِّب كفيه ويقول : أجل والله منقبضات ، فلمّا بلغ إلى قوله :

لقد خِفْتُ في الدنيا وأيَّامِ سَعْيِها وإني لأَرْجُوا الأَمْنَ بَعْدَ وَفَاتي

قال الرضا(عليه السلام) : آمنك الله يوم الفزع الأكبر ، فلمَّا انتهى إلى قوله :

وقبرٌ ببغداد لنفس زكيَّة تضمَّنها الرحمنُ في الغُرُفَاتِ

قال له الرضا(عليه السلام) : أفلا ألحق لك بهذا الموضع بيتين بهما تمامُ قصيدتك؟ فقال : بلى يابن رسول الله ، فقال(عليه السلام) :

وقبرٌ بطوس يا لها من مصيبة تُوقِّدُ في الأحشاءِ بالحرِقاتِ
إلى الحشرِ حتى يبعثَ اللهُ قائماً يفرِّجُ عنّا الهمَّ والكُرُباتِ

فقال دعبل : يا ابن رسول الله ، هذا القبر الذي بطوس قبر من هو؟

فقال الرضا(عليه السلام) : قبري ، ولا تنقضي الأيام والليالي حتى تصير طوس مختلف شيعتي وزوّاري ، ألا فمن زارني في غربتي بطوس كان معي في درجتي يوم القيامة مغفوراً له .

ثمَّ نهض الرضا(عليه السلام) بعد فراغ دعبل من إنشاد القصيدة ، وأمره أن لا يبرح من موضعه ، فدخل الدار فلمَّا كان بعد ساعة خرج الخادم إليه بمائة دينار رضوية فقال له : يقول لك مولاي : اجعلها في نفقتك ، فقال دعبل : والله ما لهذا جئت ، ولا قلت هذه القصيدة طمعاً في شيء يصل إليَّ ، وردَّ الصرَّة وسأل ثوباً من ثياب الرضا(عليه السلام) ليتبرَّك ويتشرَّف به ، فأنفذ إليه الرضا(عليه السلام) جبَّة خزّ مع الصرّة ، وقال للخادم : قل له : خذ هذه الصرّة فإنك ستحتاج إليها ، ولا تراجعني فيها ، فأخذ دعبل الصرّة والجبّة وانصرف ، وسار من مرو في قافلة ، فلمَّا بلغ ميان قوهان وقع عليهم اللصوص ، فأخذوا القافلة بأسرها وكتّفوا أهلها ، وكان دعبل فيمن كتِّف ، وملك اللصوص القافلة ، وجعلوا يقسمونها بينهم ، فقال رجل من القوم متمثِّلا

٤٣

بقول دعبل في قصيدته :

أرى فيئهم في غيرهم متقسماً وأيديهم من فيئهم صَفراتِ

فسمعه دعبل فقال له : لمن هذا البيت؟ فقال : لرجل من خزاعة يقال له : دعبل بن علي ، قال : فأنا دعبل قائل هذه القصيدة التي منها هذا البيت ، فوثب الرجل إلى رئيسهم وكان يصلّي على رأس تل ، وكان من الشيعة ، فأخبره فجاء بنفسه حتى وقف على دعبل ، وقال له : أنت دعبل؟ فقال : نعم ، فقال له : أنشدني القصيدة ، فأنشدها ، فحلَّ كتافه وكتاف جميع أهل القافلة ، وردَّ إليهم جميع ما أخذ منهم لكرامة دعبل ، وسار دعبل حتى وصل إلى قم فسأله أهل قم أن ينشدهم القصيدة ، فأمرهم أن يجتمعوا في المسجد الجامع ، فلمّا اجتمعوا صعد المنبر فأنشدهم القصيدة ، فوصله الناس من المال والخُلع بشيء كثير ، واتّصل بهم خبر الجبّة فسألوه أن يبيعها بألف دينار ، فامتنع من ذلك ، فقالوا له : فبعنا شيئاً منها بألف دينار ، فأبى عليهم وسار عن قم ، فلمَّا خرج من رستاق البلد لحق به قوم من أحداث العرب وأخذوا الجبّة منه .

فرجع دعبل إلى قم وسألهم ردَّ الجبّة ، فامتنع الأحداث من ذلك وعصوا المشايخ في أمرها ، فقالوا لدعبل : لا سبيل لك إلى الجبَّة فخذ ثمنها ألف دينار ، فأبى عليهم ، فلمّا يئس من ردِّهم الجبَّة سألهم أن يدفعوا إليه شيئاً منها ، فأجابوه إلى ذلك وأعطوه بعضها ودفعوا إليه ثمن باقيها ألف دينار .

وانصرف دعبل إلى وطنه فوجد اللصوص قد أخذوا جميع ما كان في منزله ، فباع المائة الدينار التي كان الرضا(عليه السلام) وصله بها ، فباع من الشيعة كل دينار بمائة درهم ، فحصل في يده عشرة آلاف درهم ، فذكر قول الرضا(عليه السلام) : إنك ستحتاج إلى الدنانير ، وكانت له جارية لها من قلبه محل ، فرمدت عينها رمداً عظيماً ، فأدخل أهل الطب عليها ، فنظروا إليها فقالوا : أمّا العين اليمنى فليس لنا فيها حيلة

٤٤

وقد ذهبت ، وأمّا اليسرى فنحن نعالجها ونجتهد ونرجو أن تسلم .

فاغتمَّ لذلك دعبل غماً شديداً وجزع عليها جزعاً عظيماً ، ثمَّ إنه ذكر ما كان معه من وصلة الجبّة ، فمسحها على عيني الجارية وعصَّبها بعصابة منها أول الليل ، فأصبحت وعيناها أصحّ مما كانتا قبل ، ببركة أبي الحسن الرضا(عليه السلام)(١) .

وفي رواية عن عبدالسلام بن صالح الهروي قال : سمعت دعبل بن علي الخزاعي يقول : لما أنشدت مولاي الرضا(عليه السلام) قصيدتي التي أولها :

مدارسُ آيات خلت من تلاوة ومنزلُ وحي مُقْفِرُ العَرَصَاتِ

فلمَّا انتهيت إلى قولي :

خروجُ إمام لا محالةَ خارجٌ يقومُ على اسمِ اللهِ والبركاتِ
يُميِّزُ فينا كلَّ حقٍّ وباطل ويجزي على النعماء والنَّقِمَاتِ

بكى الرضا(عليه السلام) بكاء شديداً ، ثم رفع رأسه إليَّ فقال لي : يا خزاعي ،نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين ، فهل تدري من هذا الإمام؟ ومتى يقوم؟ فقلت : لا يا سيدي ، إلاَّ إني سمعت بخروج إمام منكم يُطهِّر الأرض من الفساد ويملأها عدلا ، فقال : يا دعبل ، الإمام بعدي محمد ابني ، وبعد محمد ابنه علي ، وبعد علي ابنه الحسن ، وبعد الحسن ابنه الحجّة القائم ، المنتظر في غيبته ، المطاع في ظهوره ، لو لم يبق من الدنيا إلاَّ يوم واحد لطوَّل الله ذلك اليوم حتى يخرج فيملأها عدلا كما ملئت جوراً وظلماً ، وأما متى فإخبار عن الوقت ، ولقد حدَّثني أبي ، عن أبيه ، عن آبائه ، عن علي(عليه السلام) أن النبي(صلى الله عليه وآله) قيل له : يا رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، متى يخرج القائم من ذريّتك؟ فقال : مثله مثل الساعة {لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالاَْرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً}(٢) .

١- عيون أخبار الرضا(عليه السلام) ، الشيخ الصدوق : ١/٢٩٤ .

٢- عيون أخبار الرضا(عليه السلام) ، الشيخ الصدوق : ١/٢٩٦ .

٤٥
كتاب المجالس العاشوريّة الشيخ عبدالله ابن الحاج حسن آل درويش (ص ٤٦ - ص ٦٥)
٤٦
وعدّوا عليّاً ذا المناقبِ والعُلاَ وفاطمةَ الزهراءَ خيرَ بناتِ
وحمزةَ والعباسَ ذاالدينِ والتقى وجعفَرها الطيَّارَ في الحجباتِ
أولئك مشؤمون هنداً وحزبَها سميَّةَ من نَوكَى ومن قَذِرَاتِ
هُمُ منعوا الآباءَ من أَخْذِ حقِّهم وهم تركوا الأبناءَ رَهْنَ شَتَاتِ
سأبكيهم ما حجَّ للهِ راكبٌ وما ناح قَمْريٌّ على الشجراتِ
فيا عينُ بكِّيهم وجودي بعبرة فقد آنَ للتَّسْكَابِ والهَمَلاتِ
وآلُ زياد في الحُصُونِ منيعةٌ وآلُ رسولِ اللهِ في الفَلَواتِ
ديارُ رسولِ اللهِ أصبحنَ بلقعاً وآلُ زياد تسكُنُ الحُجُراتِ
وآلُ رسولِ اللهِ نُحْفٌ جسومُهُمْ وآلُ زياد غُلَّظُ القصراتِ
وآلُ رسولِ اللهِ تُدمى نحورُهُمْ وآلُ زياد ربَّهُ الحجلاتِ
وآلُ رسولِ اللهِ تُسبى حريمُهُمْ وآلُ زياد آمِنُوا السَّرَبَاتِ
إذا وُتِروا مدّوا إلى واتريهِمُ أكفّاً عن الأوتارِ منقبضاتِ
سأبكيهم ما ذَرَّ في الأرضِ شارقٌ ونادى منادي الخيرِ للصلواتِ
وما طلعت شمسٌ وَحَانَ غُرُوبُها وبالليلِ أبكيهم وبالغَدَواتِ(١)

المجلس الأول ، من اليوم الثاني

الإمام الحسين(عليه السلام) في مجلس الوليد


جاء في الزيارة الناحية الشريفة مخاطبا لسيد الشهداء (عليه السلام) : كُنتَ للرسولِ (صلى الله عليه وآله) ولداً ، وللقرآن مُنقِذاً ، وللأُمّةِ عَضُداً ، وفي الطاعةِ مجتهداً ، حافظاً للعهدِ والميثاقِ ، ناكباً عن سُبُل الفُسَّاقِ ، باذلاً للمجهودِ ، طويلَ الركوعِ والسجودِ ،

١- بحار الأنوار ، المجلسي : ٤٥/٢٥٧ .

٤٧

زاهداً في الدنيا زُهدَ الراحِلِ عنها ، ناظراً إليها بعينِ المستوحشين منها ، آمالُك عنها مكفوفةٌ ، وهِمَّتُك عن زينتِها مصروفةٌ ، وألحاظُكَ عن بَهجَتِها مطروفةٌ ، ورغبتُكَ في الآخرةِ معروفةٌ ، حتى إذا الجور مَدَّ بَاعَهُ ، وأسفر الظُّلْمُ قِنَاعَهُ ، وَدَعا الغيُّ أَتباعَهُ ، وأنت في حَرَم جَدِّك قاطنٌ ، وللظالمين مُبَاينٌ ، جليسُ البيتِ والمحرابِ ، معتزلٌ عن اللذاتِ والشهواتِ ، تُنكِرُ المنكرَ بِقَلْبِك ولِسَانِك ، على قَدْرِ طَاقَتِكَ وإمكانِك .

ثم اقتضاك العلمُ للإنكارِ ، ولَزِمَك أن تُجاهدَ الفجَّارَ ، فَسِرْتَ في أولادِك وأهاليك ، وشيعتِك ومَوَاليك ، وصَدَعْتَ بالحقِّ والبيَّنةِ ، ودعوتَ إلى اللهِ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ ، وأمرتَ بإقامةِ الحدودِ ، والطاعةِ للمعبودِ ، ونهيتَ عن الخبائثِ والطُّغْيَانِ ، وواجهوك بالظُّلم والعُدوان .(١)

روي عن الإمام الرضا(عليه السلام) قال : إن المحرم شهر كان أهلُ الجاهلية يُحرِّمون فيه القتال ، فاستحلّت فيه دماؤنا ، وهُتكت فيه حُرمتنا ، وسُبي فيه ذرارينا ونساؤنا ، وأُضرمت النيران في مضاربنا ، وانتُهب ما فيها من ثقلنا ، ولم ترع لرسول الله (صلى الله عليه وآله) حرمة في أمرنا ، إن يوم الحسين أقرح جفوننا ، وأسبل دموعنا ، وأذلّ عزيزنا بأرض كرب وبلاء ، أورثتنا الكرب والبلاء إلى يوم الانقضاء ، فعلى مثل الحسين فليبك الباكون ، فإن البكاء عليه يحطّ الذنوب العظام(٢) .

قال الشيخ المفيد عليه الرحمة في الإرشاد : روى الكلبي والمدائني وغيرهما من أصحاب السيرة ، قالوا : لما مات الحسن(عليه السلام) تحرَّكت الشيعة بالعراق ، وكتبوا إلى الحسين(عليه السلام) في خلع معاوية والبيعة له ، فامتنع عليهم ، وذكر أن بينه وبين معاوية عهداً وعقداً لا يجوز له نقضه ، حتى تمضي المدة ، فإذا مات معاوية نظر في

١- المزار ، المشهدي : ٥٠٢ ـ ٥٠٣ .

٢- الأمالي ، الصدوق : ١٩٠ ـ ١٩١ ح ٢ .

٤٨

ذلك .

فلما مات معاوية ـ وذلك للنصف من شهر رجب سنة ستين من الهجرة ـ كتب يزيد إلى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ـ وكان على المدينة من قبل معاوية ـ أن يأخذ الحسين(عليه السلام) بالبيعة له ، ولا يرخِّص له في التأخير عن ذلك ، فأنفذ الوليد إلى الحسين في الليل فاستدعاه ، فعرف الحسين(عليه السلام) الذي أراد ، فدعا جماعة من مواليه وأمرهم بحمل السلاح ، وقال لهم : إن الوليد قد استدعاني في هذا الوقت ، ولست آمن أن يكلِّفني فيه أمراً لا أجيبه إليه ، وهو غير مأمون ، فكونوا معي ، فإذا دخلت إليه فاجلسوا على الباب ، فإن سمعتم صوتي قد علا فادخلوا عليه لتمنعوه عني .

فصار الحسين(عليه السلام) إلى الوليد بن عتبة فوجد عنده مروان بن الحكم ، فنعى إليه الوليد معاوية ، فاسترجع الحسين ، ثمَّ قرأ عليه كتاب يزيد وما أمره فيه من أخذ البيعة منه له ، فقال الحسين(عليه السلام) : إني لا أراك تقنع ببيعتي ليزيد سرّاً حتى أبايعه جهراً فيعرف ذلك الناس ، فقال له الوليد : أجل ، فقال الحسين : فتصبح وترى رأيك في ذلك ، فقال له الوليد : انصرف على اسم الله تعالى حتى تأتينا مع جماعة الناس .

فقال له مروان : والله لئن فارقك الحسين الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبداً حتى تكثر القتلى بينكم وبينه ، احبس الرجل ولا يخرج من عندك حتى يبايع أو تضرب عنقه ، فوثب الحسين(عليه السلام) عند ذلك وقال : أنت يا ابن الزرقاء تقتلني أم هو؟ كذبت والله وأثمت ، وخرج يمشي ومعه مواليه حتى أتى منزله(١) .

وفي رواية السيد ابن طاووس عليه الرحمة قال : كتب يزيد إلى الوليد يأمره بأخذ البيعة على أهلها وخاصة على الحسين(عليه السلام) ويقول : إن أبى عليك فاضرب عنقه ، وابعث إليَّ برأسه ، فأحضر الوليد مروان واستشاره في أمر الحسين (عليه السلام) ،

١- الإرشاد ، المفيد : ٢/٣٢ ـ ٣٣ ، بحار الأنوار ، المجلسي : ٤٤/٣٢٤ ح ٢ .

٤٩

فقال : إنه لا يقبل ، ولو كنت مكانك ضربت عنقه ، فقال الوليد : ليتني لم أك شيئاً مذكوراً .

ثم بعث إلى الحسين(عليه السلام) فجاءه في ثلاثين من أهل بيته ومواليه ـ وساق الكلام إلى أن قال ـ : فغضب الحسين(عليه السلام) ثم قال : ويلي عليك يا ابن الزرقاء ، أنت تأمر بضرب عنقي؟ كذبت والله وأثمت .

ثم أقبل على الوليد فقال : أيها الأمير! إنّا أهل بيت النبوة ، ومعدن الرسالة ، ومختلف الملائكة ، وبنا فتح الله ، وبنا ختم الله ، ويزيد رجل فاسق شارب الخمر ، قاتل النفس المحرَّمة ، معلن بالفسق ، ومثلي لا يبايع مثله ، ولكن نصبح وتصبحون ، وننظر وتنظرون ، أيّنا أحق بالبيعة والخلافة ، ثم خرج(عليه السلام) فقال مروان للوليد : عصيّتني ! فقال : ويحك إنك أشرت إليَّ بذهاب ديني ودنياي والله ما أظن أحداً يلقى الله بدم الحسين (عليه السلام) إلا وهو خفيف الميزان لا ينظر الله إليه ولا يزكيه وله عذابٌ أليم(١) .

وفي رواية ابن شهر آشوب عليه الرحمة لما امتنع الإمام الحسين (عليه السلام) من البيعة ، قال : فأغلظ الوليد في كلامه وارتفعت الأصوات فهجم تسعة عشر رجلاً قد انتضوا خناجرهم وأخرجو الحسين (عليه السلام) إلى منزله قهراً(٢) .

ولله درّ الحجة الشيخ علي الجشي عليه الرحمة إذ يقول :

وافى الوليدَ بفتية كلٌّ حَلاَ مُرُّ المنونِ لديه دون هَوَانِهِ
فأقامهم بالبابِ لكنْ مُذْ عَلاَ صوتُ العميدِ عَدَتْ على عُدْوَانِهِ
وبه أحاطت كالأسودِ وأرغمت أَنْفَ العدوِّ وعاد في سلطانِهِ
يا ليتها في الطفِّ لمَّا صُرِّعت من دونِهِ وثوت على كُثْبَانِهِ
وغدا وحيداً والعدى أَمُّوه مِنْ رام إليه وطاعن بسنانِهِ
وقد استغاث ولا مجيبَ له سوى صوت شَجَاه من بُكَا نِسْوَانِهِ
قاموا لنصرتِهِ وكلٌّ قائلٌ لبَّيك داعي ربِّنا بلسانِهِ

١- اللهوف ، ابن طاووس : ١٦ ـ ١٧ .

٢- مناقب آل أبي طالب ، ابن شهر آشوب : ٣/٢٤٠ .

٥٠
يتسابقون إلى الكفاحِ ودونه وقفت تلقَّى النبلَ عن جُثْمانِهِ(١)

وقال ابن شهر آشوب عليه الرحمة : كتب ـ يزيد ـ إلى الوليد بأخذ البيعة من الحسين(عليه السلام)وعبدالله بن عمر ، وعبدالله بن الزبير ، وعبدالرحمان بن أبي بكر أخذاً عنيفاً ليست فيه رخصة ، فمن يأبَ عليك منهم فاضرب عنقه ، وابعث إليَّ برأسه ، فشاور في ذلك مروان فقال : الرأي أن تحضرهم وتأخذ منهم البيعة قبل أن يعلموا .

فوجَّه في طلبهم وكانوا عند التربة ، فقال عبدالرحمن وعبدالله : ندخل دورنا ونغلق أبوابنا ، وقال ابن الزبير : والله ما أبايع يزيد أبداً ، وقال الحسين (عليه السلام) : أنا لابد لي من الدخول على الوليد ، وذكر قريباً مما مرَّ(٢) .

قال الشيخ المفيد عليه الرحمة : فقال مروان للوليد : عصيتني ، لا والله لا يمكنك مثلها من نفسه أبداً ، فقال الوليد : ويح غيرك يا مروان ، إنك اخترت لي التي فيها هلاك ديني ودنياي ، والله ما أحبُّ أن لي ما طلعت عليه الشمس وغربت عنه من مال الدنيا وملكها وأني قتلت حسيناً ، سبحان الله! أقتل حسيناً أن قال لا أبايع ، والله إني لأظنّ أن امرءاً يحاسب بدم الحسين خفيف الميزان عند الله يوم القيامة .

فقال له مروان : فإذا كان هذا رأيك فقد أصبت فيما صنعت ، يقول هذا وهو غير الحامد له على رأيه(٣) .

وقال محمد بن أبي طالب الموسوي رحمه الله تعالى : لما ورد الكتاب على الوليد بقتل الحسين(عليه السلام) عظم ذلك عليه ، ثمَّ قال : والله لا يراني الله أقتل ابن نبيه ولو جعل يزيد لي الدنيا بما فيها(٤) .

١- الشواهد المنبرية ، الشيخ علي الجشي : ٤١ ـ ٤٢ .

٢- مناقب آل أبي طالب ، ابن شهر آشوب : ٤/٨٨ .

٣- الإرشاد ، المفيد : ٢/٣٣ ، بحار الأنوار ، المجلسي : ٤٤/٣٢٤ ح ٢ .

٤- بحار الأنوار ، المجلسي : ٤٤/٣٢٧ .

٥١

قال السيد عليه الرحمة : فلمَّا أصبح الحسين(عليه السلام) خرج من منزله يستمع الأخبار فلقيه مروان بن الحكم فقال له : يا أبا عبدالله ، إني لك ناصح ، فأطعني ترشد ، فقال الحسين(عليه السلام) : وما ذاك؟ قل حتى أسمع ، فقال مروان : إني آمرك ببيعة يزيد أمير المؤمنين ، فإنه خير لك في دينك ودنياك ، فقال الحسين(عليه السلام) : إنا لله وإنا إليه راجعون ، وعلى الإسلام السلام ، إذ قد بليت الأمة براع مثل يزيد ، ولقد سمعت جدّي رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول : الخلافة محرَّمة على آل أبي سفيان ، وطال الحديث بينه وبين مروان حتى انصرف مروان وهو غضبان .

فلما كان الغداة توجَّه الحسين(عليه السلام) إلى مكة لثلاث مضين من شعبان سنة ستين ، فأقام بها باقي شعبان وشهر رمضان وشوالا وذا القعدة(١) .

قال الشيخ المفيد عليه الرحمة : فأقام الحسين (عليه السلام) في منزله تلك الليلة ، وهي ليلة السبت لثلاث بقين من رجب سنة ستين من الهجرة ، واشتغل الوليد بن عتبة بمراسلة ابن الزبير في البيعة ليزيد ، وامتناعه عليهم ، وخرج ابن الزبير من ليلته عن المدينة متوجِّهاً إلى مكة ، فلمَّا أصبح الوليد سرَّح في أثره الرجال فبعث راكباً من موالي بني أمية في ثمانين راكباً فطلبوه فلم يدركوه ، فرجعوا .

فلما كان آخر نهار السبت بعث الرجال إلى الحسين(عليه السلام) ليحضر فيبايع الوليد ليزيد بن معاوية ، فقال لهم الحسين (عليه السلام) : أصبحوا ثم ترون ونرى ، فكفوا تلك الليلة عنه ، ولم يلحّوا عليه ، فخرج(عليه السلام) من تحت ليلته ـ وهي ليلة الأحد ليومين بقيا من رجب ـ متوجّهاً نحو مكه ، ومعه بنوه وإخوته وبنو أخيه ، وجلُّ أهل بيته إلاّ محمد بن الحنفيّة رحمه الله ، فإنه لما علم عزمه على الخروج عن المدينة لم يدر أين يتوجَّه ، فقال له : يا أخي ، أنت أحبُّ الناس إليَّ وأعزُّهم عليَّ ، ولست أدّخر النصيحة لأحد من الخلق إلاّ لك ، وأنت أحقُّ بها ، تنحَّ ببيعتك عن يزيد بن

١- اللهوف ، ابن طاووس : ١٨ و ٢١ ، بحار الأنوار ، المجلسي : ٤٤/٣٢٦ .

٥٢

معاوية ، وعن الأمصار ما استطعت ، ثم ابعث رسلك إلى الناس ، ثم ادعهم إلى نفسك ، فإن تابعك الناس وبايعوا لك حمدت الله على ذلك ، وإن اجتمع الناس على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك ولا عقلك ، ولا تذهب به مروءتك ولا فضلك ، إني أخاف عليك أن تدخل مصراً من هذه الأمصار فيختلف الناس بينهم ، فمنهم طائفة معك وأخرى عليك ، فيقتتلون فتكون أنت لأوَّل الأسنَّة غرضاً ، فإذا خيرُ هذه الأمة كلها نفساً وأباً وأماً أضيعها دماً وأذلّها أهلا .

فقال له الحسين(عليه السلام) : فأين أنزل يا أخي؟ قال : انزل مكة ، فإن اطمأنَّت بك الدار بها فسبيل ذلك ، وإن نبتْ بك لحقت بالرمال وشعف الجبال ، وخرجت من بلد إلى بلد حتى تنظر إلى ما يصير أمر الناس ، فإنك أصوب ما تكون رأياً حين تستقبل الأمر استقبالا ، فقال(عليه السلام) : يا أخي ، قد نصحت وأشفقت ، وأرجو أن يكون رأيك سديداً موفَّقاً(١) .

وعن حمزة بن حمران ، عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال : ذكرنا خروج الحسين(عليه السلام)وتخلّف ابن الحنفية ، فقال أبو عبدالله(عليه السلام) : يا حمزة ، إني سأخبرك بحديث لا تسأل عنه بعد مجلسك هذا ، إن الحسين(عليه السلام) لما فصل متوجّهاً ، دعا بقرطاس وكتب فيه : بسم الله الرحمن الرحيم ، من الحسين بن علي بن أبي طالب إلى بني هاشم ، أما بعد ، فإن من لحق بي منكم استشهد ، ومن تخلّف لم يبلغ مبلغ الفتح والسلام(٢) .

وروى السيد ابن طاووس عليه الرحمة من كتاب الشافي في النسب بإسناده إلى جده محمد بن عمر قال : سمعت أبي عمر بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) يحدث أخوالي آل عقيل قال : لما امتنع أخي الحسين (عليه السلام) عن البيعة ليزيد بالمدينة ، دخلت عليه فوجدته خاليا فقلت له : جُعلت فداك يا أبا عبدالله ، حدثني أخوك

١- الإرشاد ، المفيد : ٢/٣٤ ـ ٣٥ .

٢- بحار الأنوار ، المجلسي : ٤٤/٣٣٠ .

٥٣

أبو محمد الحسن عن أبيه (عليهما السلام) ثم سبقتني الدمعة وعلا شهيقي فضمني إليه وقال : حدثك أني مقتول ؟ فقلت : حوشيت يابن رسول الله ، فقال : سألتك بحق أبيك ، بقتلي خبرك ؟ فقلت : نعم ، فلو لا تأولت وبايعت ؟ فقال : حدثني أبي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخبره بقتله وقتلي ، وأن تربتي تكون بقرب تربته ، فتظن إنك علمت ما لم أعلمه ، وإنه لا أعطي الدنية عن نفسي أبدا ، ولتلقين فاطمة أباها شاكية ما لقيت ذريتها من أمته ، ولا يدخل الجنة أحدٌ آذاها في ذريتها(١) .

وروى ابن قولويه عليه الرحمة ، عن جابر ، عن محمد بن علي(عليهما السلام) ، قال : لما همَّ الحسين(عليه السلام) بالشخوص عن المدينة أقبلت نساء بني عبدالمطلب فاجتمعن للنياحة حتى مشى فيهنَّ الحسين(عليه السلام) ، فقال : أنشدكنَّ الله أن تبدين هذا الأمر معصية لله ولرسوله (صلى الله عليه وآله) ، فقالت له نساء بني عبد المطلب : فلمن نستبقي النياحة والبكاء ، فهو عندنا كيوم مات فيه رسول الله(صلى الله عليه وآله) وعلي وفاطمة ورقية وزينب وأم كلثوم ، فننشدك الله ، جعلنا الله فداك من الموت يا حبيب الأبرار من أهل القبور ، وأقلبت بعض عمَّاته تبكي وتقول : أشهد يا حسين لقد سمعت الجن ناحت بنوحك ، وهم يقولون :

فإن قتيلَ الطفِّ من آلِ هاشم أذلَّ رقاباً من قريش فذلَّتِ
حبيبُ رسولِ اللهِ لم يكُ فاحشاً أبانت مصيبتُك الأنوفَ وجلَّتِ

وقلن أيضاً :

أبكي حُسيناً سيداً ولقتلِهِ شاب الشَّعَرْ
ولقتلِهِ زُلزلتمُ ولقتلِهِ انكسف القَمَرْ
واحمَّرت آفاقُ السما ءِ من العشيَّةِ والسَّحَرْ
وتغيَّرت شَمْسُ البلا د بهم وأظلمت الكورْ

١- اللهوف في قتلى الطفوف ، السيد ابن طاووس : ١٩ ـ ٢٠ .

٥٤
ذاك ابن فاطمة المصـ ـاب به الخلائقُ والبَشَرْ
أورثتنا ذلا به جدع الأنوف مَعَ الغرر(١)

وجاء في معالي السبطين للحائري عليه الرحمة قال : ثم إن نساء بني هاشم أقبلن إلى أم هاني عمَّة الحسين(عليه السلام) وقلن لها : يا أمَّ هاني ، أنت جالسة والحسين(عليه السلام)مع عياله عازم على الخروج؟ فأقبلت أم هاني ، فلمَّا رآها الحسين(عليه السلام) قال : أما هذه عمتي أم هاني؟ قيل : نعم ، فقال : يا عمّة ، ما الذي جاء بك وأنت على هذه الحالة؟ فقالت : وكيف لا آتي وقد بلغني أن كفيل الأرامل ذاهب عني؟ ثم إنها انتحبت باكيةً ، وتمثَّلت بأبيات أبيها أبي طالب(عليه السلام) :

وأبيضَ يستسقى الغمامُ بوجهِهِ ثِمالُ اليتامى عصمةٌ للأراملِ
تطوفُ به الهلاَّكُ من آلِ هاشم فهم عنده في نعمة وفَوَاضِلِ

ثم قالت : سيدي ، وأنا متطيِّرة عليك من هذا المسير لهاتف سمعت البارحة يقول :

وإنَّ قتيلَ الطفِّ من آلِ هاشم أذلَّ رقاباً من قريش فذلَّتِ
حبيبُ رسولِ اللهِ لم يك فاحشاً أبانت مصيبتُهُ الأنوفَ وجلَّتِ

فقال لها الحسين(عليه السلام) : يا عمَّة ، لا تقولي : من قريش ، ولكن قولي : (أذلَّ رقاب المسلمين فذلَّت) ، ثم قال : يا عمَّة ، كل الذي مقدَّر فهو كائن لا محالة ، وقال(عليه السلام) :

وما هم بقوم يغلبون ابنَ غالب ولكن بعلمِ الغيبِ قد قُدِّرَ الأمرُ

فخرجت أم هاني من عنده باكية وهي تقول :

وما أمُّ هاني وحدَها سَاءَ حالَها خروجُ حسين عن مدينةِ جدِّهِ
ولكنَّما القبرُ الشريفُ وَمَنْ به ومنبرُهُ يبكون من أجلِ فَقْدِهِ

١- كامل الزيارات ، ابن قولويه : ١٩٥ ـ ١٩٦ ح ٨ .

٥٥

أقول : ليت شعري ما حال أم هاني وبنات عبدالمطلب يوم ورد الناعي بقتل الحسين(عليه السلام) ، قال الرواي : ولما ورد نعي الحسين(عليه السلام) المدينة فلم أسمع والله واعية مثل واعية نساء بني هاشم في دورهن على الحسين(عليه السلام)(١) .

وخرجت أسماء ـ وفي رواية أم لقمان بنت عقيل بن أبي طالب ـ في جماعة من نساء بني هاشم وهي حاسرة تلوي بثوبها حتى انتهت إلى قبر رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، فلاذت به وشهقت عنده ، ثم التفتت إلى المهاجرين والأنصار وهي تقول :

ماذا تقولون إن قال النبيُّ لكم ماذا فعلتم وأنتم آخرُ الأُمَمِ
بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي منهم أسارى ومنهم ضرِّجوا بدمِ(٢)

قال بعض الرواة : وتهيَّأ الحسين بن علي(عليهما السلام) وعزم على الخروج من المدينة ، ومضى في جوف الليل إلى قبر أمه فصلَّى عند قبرها وودَّعها ، ثم قام عن قبرها وصار إلى قبر أخيه الحسن ففعل مثل ذلك ، ثم رجع إلى منزله(٣) .

ولله درّ الحجة الشيخ علي الجشي عليه الرحمة إذ يقول :

بأبي حُسيناً حين أزعجه العدى من أرضِ طيبةَ للأحبَّةِ ودَّعا
قد ودَّعَ الأطهارَ من أهلِ العَبَا بقبورِهم إذ بالترحُّلِ أزمعا
ولدى الترحُّلِ ودَّعته وابتغت بَدَلَ الزيارةِ للزيارةِ موضعا
حتى إذا أمسى لقىً في كربلا زارته في حال إليها أفجعا
وَجَدَتْهُ مقطوعَ الكريمِ موزَّعَ الـ أشلا وبجدلُ منه حزَّ الإصبعا(٤)

روى الشيخ المفيد عليه الرحمة بإسناده عن إبراهيم بن داحة قال : أول شعر

١- معالي السبطين ، الحائري : ١/٢١٤ ـ ٢١٥ .

٢- روضة الواعظين ، الفتال النيسابوري : ١٩٢ ـ ١٩٣ ، تاريخ الطبري : ٤/٣٥٧ ، معالي السبطين ، الحائري : ١/٢١٥ .

٣- كتاب الفتوح ، ابن أعثم الكوفي : ٥/٢١ ، مقتل الحسين(عليه السلام) ، الخوارزمي : ١/١٨٧ .

٤- الشواهد المنبرية ، الشيخ علي الجشي : ٤٣ .

٥٦

رثي به الحسين بن علي(عليهما السلام) قول عقبة بن عمرو السهمي من بني سهم بن عوف بن غالب :

إذا العينُ قرَّتْ في الحياةِ وأنتُمُ تخافون في الدنيا فأظلمَ نورُها
مررتُ على قبرِ الحسينِ بكربلا ففاض عليه من دموعي غزيرُها
فما زلتُ أرثيه وأبكي لشجوِهِ ويُسْعِدُ عيني دمعُها وزفيرُها
وبكَّيتُ من بعد الحسين عصائباً أطافت به من جانبيها قبورُها
سلامٌ على أهلِ القبورِ بكربلا وقلَّ لها مني سلامٌ يزورُها
سلامٌ بآصالِ العشيِّ وبالضحى تؤدِّيه نكباءُ الرياحِ ومُورُها
ولا بَرِحَ الوفَّادُ زوَّارُ قبرِهِ يفوحُ عليهم مِسْكُها وعبيرُها(١)

وقال شاعر آخر :

تبيتُ النشاوى من أميَّةَ نُوَّماً وبالطفِّ قتلى ما ينامُ حميمُها
وما قتلَ الإسلامَ إلاَّ عصابةٌ تأمَّرَ نَوْكَاها ونام زعيمُها
فأضحت قناةُ الدينِ في كفِّ ظالم إذا اعوجَّ منها جانبٌ لا يقيمُها(٢)

المجلس الثاني ، من اليوم الثاني

خروج الإمام الحسين(عليه السلام) من المدينة


جاء في زيارات أئمة أهل البيت(عليهم السلام) : يا مواليَّ ، فلو عاينكم المصطفى ، وسهام الأئمة معرقة في أكبادكم ، ورماحهم مشرعة في نحوركم ، وسيوفها مولغة في دمائكم ، يشفي أبناء العواهر غليل الفسق من ورعكم ، وغيظ الكفر من إيمانكم ،

١- الأمالى ، الشيخ المفيد : ٣٢٤ .

٢- مناقب آل أبي طالب ، ابن شهر آشوب : ٣/٢٦٨ .

٥٧

وأنتم بين صريع في المحراب قد فَلق السيفُ هامتَه ، وشهيد فوق الجنازة قد شُكَّت بالسهام أكفانُه ، وقتيل بالعراء قد رُفع فوق القناة رأسُه ، ومكبَّل في السجن رُضَّت بالحديد أعضاؤه ، ومسموم قد قُطِّعت بجُرع السمِّ أمعاؤه(١) ، فإنّا لله إنّا إليه راجعون ، ولا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله العلي العظيم ، ولله درّ السيد صالح القزويني عليه الرحمة إذ يقول :

فلهفي عليهم ما قضى حَتْفَ أنفِهِ كريمٌ لهم إلاَّ بسمٍّ وَصَارِمِ
تجنَّت عليهم آلُ حرب تجرُّماً وجالت عليهم باحتباءِ الجرائمِ
فكم جَزَروا بالطفِّ منهم أماجداً على ظمأ بالبيضِ جَزْرَ السوائمِ
فَيَالِرؤس في الرماحِ وأضلع تحطِّمُها خيلُ العدى بالمناسمِ
ويالِلُحُوم غسَّلتها دماؤُها وكفَّنها نَسْجُ الرياحِ النواسمِ
ولهفي على سبطِ النبيِّ تذودُهُ عن الماءِ أرجاسُ الأعادي الغواشمِ(٢)

روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حديث له عما يجري على أهل بيته (عليهم السلام) من المحن والمصائب ، وقد سُئل عن سبب بكائه لما رأى الحسين (عليه السلام) قال : وإني لما رأيته تذكرت ما يُصنع به بعدي ، كأني به وقد استجار بحرمي وقبري فلا يُجار ، فأضمه في منامه إلى صدري ، وآمره بالرحلة عن دار هجرتي ، وأُبشره بالشهادة ، فيرتحل عنها إلى أرض مقتله ، وموضع مصرعه ، أرض كرب وبلا ، وقتل وفناء ، تنصره عصابة من المسلمين ، أولئك من سادة شهداء أمتي يوم القيامة ..(٣)

وقال ابن عباس في كتابه إلى يزيد بن معاوية لعنه الله تعالى : وما أنسى من الأشياء ، فلستُ بناس إطرادك الحسين بن علي (عليه السلام) من حَرم رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى

١- المزار ، محمد بن المشهدي : ٢٩٨ .

٢- مثير الأحزان ، الجواهري : ١٥٥ .

٣- الأمالي ، الصدوق : ١٧٧ ح٢ .

٥٨

حَرم الله ، ودسك إليه الرجال تغتاله ، فأشخصته من حرم الله إلى الكوفة ، فخرج منها خائفاً يترقب ، وقد كان أعزَّ أهلِ البطحاء بالبطحاء قديماً ، وأعزَّ أهلها بها حديثاً ، وأطوعَ أهل الحرمين بالحرمين لو تبوأ بها مقاماً ، واستحل بها قتالاً ، ولكن كَره أن يكون هو الذي يستحل حرمة البيت ، وحرمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأكبر من ذلك ما لم تكبر حيث دسست إليه الرجال فيها ليقاتل في الحرم ، وما لم يكبر ابن الزبير حيث ألحد بالبيت الحرام وعرضه للعائر وأراقل العالم ، وأنت ؟ لأنت المستحل فيما أُظن بل لا شك فيه أنك للمحرف العريف ، فإنك حلف نسوة ، صاحب ملاه ، فلما رأى سوء رأيك شخص إلى العراق ، ولم يبتغك ضراباً ، وكان أمر الله قدرا مقدورا(١) .

قال الراوي : وخرج الحسين(عليه السلام) من منزله ذات ليلة ، وأقبل إلى قبر جدّه(صلى الله عليه وآله) فقال : السلام عليك يا رسول الله ، أنا الحسين بن فاطمة ، فرخك وابن فرختك ، وسبطك الذي خلَّفتني في أمتك ، فاشهد عليهم يا نبي الله أنهم قد خذلوني ، وضيَّعوني ، ولم يحفظوني ، وهذه شكواي إليك حتى ألقاك ، قال : ثم قام فصفَّ قدميه فلم يزل راكعاً ساجداً .

قال : وأرسل الوليد إلى منزل الحسين(عليه السلام) لينظر أخرج من المدينة أم لا؟ فلم يصبه في منزله ، فقال : الحمد لله الذي خرج ولم يبتلني بدمه ، قال : ورجع الحسين (عليه السلام) إلى منزله عند الصبح فلمَّا كانت الليلة الثانية خرج إلى القبر أيضاً وصلَّى ركعات ، فلمَّا فرغ من صلاته جعل يقول : اللهم هذا قبر نبيك محمد ، وأنا ابن بنت نبيك ، وقد حضرني من الأمر ما قد علمت ، اللهم إني أحبُّ المعروف ، وأنكر المنكر ، وأنا أسألك يا ذا الجلال والإكرام بحق القبر ومن فيه إلاَّ اخترت لي ما هو لك رضى ، ولرسولك رضى .

١- تأريخ اليعقوبي : ٢/٢٤٩ .

٥٩

قال : ثم جعل يبكي عند القبر حتى إذا كان قريباً من الصبح وضع رأسه على القبر فأغفى ، فإذا هو برسول الله (صلى الله عليه وآله) قد أقبل في كتيبة من الملائكة عن يمينه وعن شماله وبين يديه حتى ضمَّ الحسين إلى صدره ، وقبَّل بين عينيه وقال : حبيبي يا حسين ، كأني أراك عن قريب مرمَّلا بدمائك ، مذبوحاً بأرض كرب وبلاء ، بين عصابة من أمتي ، وأنت مع ذلك عطشان لا تسقى ، وظمآن لا تروى ، وهم مع ذلك يرجون شفاعتي ، لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة ، حبيبي يا حسين ، إن أباك وأمَّك وأخاك قدموا عليَّ وهم مشتاقون إليك ، وإن لك في الجنان لدرجات لن تنالها إلاَّ بالشهادة .

قال : فجعل الحسين(عليه السلام) في منامه ينظر إلى جدِّه ويقول : يا جدَّاه ، لا حاجة لي في الرجوع إلى الدنيا ، فخذني إليك وأدخلني معك في قبرك ، فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله) : لابدَّ لك من الرجوع إلى الدنيا حتى ترزق الشهادة ، وما قد كتب الله لك فيها من الثواب العظيم ، فإنك وأباك وأخاك وعمَّك وعمَّ أبيك تحشرون يوم القيامة في زمرة واحدة ، حتى تدخلوا الجنة .

ولله درّ المرحوم الشيخ عبدالمنعم الفرطوسي عليه الرحمة إذ يقول :

أفدي حسيناً حين خفَّ مودِّعاً قبراً به ثقلُ النبوةِ أودعا
وافى إلى توديعِهِ وفؤادُهُ بمُدَى الفراقِ يكادُ أن يتقطَّعا
وغدا يبثُّ له زفيرَ شجونِهِ بشكاتِهِ والطرفُ يذري الأدمعا
يا جدُّ حسبي ما أُكابدُ من عناً في هذه الدنيا يقضُّ المضجعا
فأجابه صبراً بُنيَّ على الأذى حتى تنالَ بذا المقامَ الأرفعا
ولقد حباك اللهُ أمراً لم يكن بسوى الشهادةِ ظهرُهُ لك طيِّعا
وكأنني بك يا بنيُّ بكربلا تمسي ذبيحاً بالسيوف مبضَّعا
ولقد رآه بمشهد من زينب هو والوصيُّ وأمُّه الزهرا معا
٦٠