×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

محاضرات عقائدية / الصفحات: ٢١ - ٤٠

الأسبق ـ حيث أفتى جواباً على سؤال ورد إليه: "إنّ مذهب الجعفرية المعروف بمذهب الشيعة الإمامية الإثنا عشرية، مذهب يجوز التعبّد به شرعاً".

ومن يومها بدأت رحلتي في التعبّد بمذهب الإمامية، مؤملا أن يزيدني الله إطلاعاً واستبصاراً على كتب أخرى.

[القرآن الكريم وأهل البيت(عليهم السلام)]

وهيأ الله لي أن أعكف على القرآن الكريم الذي حفظت الكثير منه صغيراً، أتنسم في آياته البيّنات معالم أهل البيت، وبدأت أرجع إلى التفاسير المعتمدة عند العامة، فهالني ماوجدت من مواقف قرآنية قطعية تبيّن أنّ هذا القرآن الذي أنزله الله بين محكم ومتشابه لابدّ لفهمه من أن يكون هناك دليل هاد يقود العقل بين آياته قيادة مبرّأة من الجهل والهوى، وأن هذه القيادة التي يقتضيها المنطق القرآني ومنهجه قد تمت الدلالة عليها في وقائع الحياة اليومية لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فها هو المنهج الإسلامي يتنزّل به الوحي على أمة أمية مضى عليها حين من الدهر تعبد اللات والعزى ومناة، ووصفها الله عزّ وجلّ بأنّها أمة كانت في ضلال مبين، وحينما فتحت المدرسة المحمدية كان أول من وفد على ساحتها بفطرة نقية صبي مجتبى تربى في

٢١
حجر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وشرب كل مشاربه، علي بن أبي طالب (عليه السلام)، أقبل على هذه المدرسة وهو غير محمّل بأية آثار أو أوزار أو شبهات من العهد الوثني، فكرّم الله وجهه عن السجود لصنم، وقد اتفقت الأمة السنية على اختصاصه بهذا الوصف من بين كل أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

فقد تعلّمنا في المدارس منذ الصغر أن يوصف علي وحده بأنّه كرّم الله وجهه، وهذا التكريم كان بداية الإعداد لولاية أمير المؤمنين علي (عليه السلام)ولمنصبه الإلهي في البيان بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، بحيث يكون بيانه مطابقاً لمراد الله تعالى تماماً كبيان رسول الله، واستبان لي البرهان في هذه القضية ـ قضية بيان أمير المؤمنين وأنّه عين بيان رسول ربّ العالمين، بيان علي(عليه السلام) كبيان محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ بدلالة ما وقع عند نزول سورة براءة، وفي شرح سورة براءة وما حدث قبل وبعد نزولها!

[تبليغ سورة براءة]

لقد استفاضت كتب التفسير عند السنة(١) أنّه في العام التاسع

١ - أنظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ٢ / ٣٤٦، التفسير الكبير للفخر الرازي: ١٥ / ٥٢٣ ـ ٥٢٤، تفسير روح المعاني للآلوسي: ٥ / ٢٤٠، الدر المنثور للسيوطي: ٣ / ٢٠٩.

٢٢
للهجرة الشريفة وبعد فتح مكّة بعام واحد ندب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الناس للحج، فبدأوا يتهيّأون له، ولا يرون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يتهيّأ مثل تهيّوئهم إذ أنّ البيت يحج به المشرك ويطوف به العريان والكاسي، وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يحج حتى يتطهّر البيت من طواف المشرك والعريان، وأمّر على الحجيج أبا بكر بن أبي قحافة.

ونزلت الآيات العشر من سورة براءة مستهلة بقوله عز شأنه: (بَرَاءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إلى اللَّذِينَ عَاهَدتُمْ مِنَ المُشرِكينَ * فَسِيحُوا في الأرْضِ أربَعَةَ أشهُر وَاعلَمُوا أنّكُمْ غَيرُ مُعْجِزي اللهِ وَأنَّ اللهَ مُخزي الكافِرينَ * وَأذانٌ منَ اللهِ وَرَسولِهِ إلى النَّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ أنَّ اللهَ بريءٌ مِنَ المُشرِكينَ وَرَسُولُهُ...)(١).

فسورة براءة تعني أن هذا العام الذي يحجّ فيه أبو بكر بن أبي قحافة أميراً على الحجيج هو آخر عام يحجّ فيه الناس بين مشرك ومسلم، وأنّه لا يجوز للمشركين، (إنَّمَا المُشرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْربُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا)(٢).

فلمّا نزلت الآيات أرسل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) علياً (عليه السلام)ليبلّغ هذه السورة، ورجع أبو بكر إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: يا رسول الله أنزل فيّ شيء؟ فقال: لا ولكن جبريل جاءني فقال: لن يؤدّي عنك إلاّ أنت

١ - التوبة: ١ ـ ٣.

٢ - التوبة: ٢٨.

٢٣
أو رجل منك.

فهذا الأمر الإلهي كشف عن أن عليّاً (عليه السلام) من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو الذي عبّر عنه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث صحيح بقوله: " إنّ عليّاً منّي وأنا منه "(١).

وذهب علي يتلو على الناس سورة براءة نائباً عن رسول الله نيابة النفس عن النفس ونيابة الجزء عن الكلّ.

هذا الحادث دليل قطعي على منصب إلهي، اجتبى الله فيه عليّاً (عليه السلام)، ومن قبله أحداث ومن بعده أحداث، فمن قبله فتح خيبر وما أدراك ما فتح خيبر؟!

[حديث الراية]

والمروي في كتب السنة وفيما يعدّ عندهم من الصحاح في المسميات ـ البخاري ومسلم ـ أنّه في يوم فتح خيبر واللفظ لمسلم:

" عن أبي هريرة، أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال يوم خيبر: لأعطينّ هذه الراية رجلا يحب الله ورسوله يفتح الله على يديه".

قال عمر بن الخطاب: ما أحببت الإمارة إلاّ يومئذ.

١ - الخصائص للنسائي: ٨٧ و ٩٨، مستدرك الحاكم: ٣ / ١١١، كما أخرجه البخاري بلفظ آخر: ٣ / ١٦٨.

٢٤
قال: فتساورت لها رجاء أن أدعى لها.

قال: فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) علي بن أبي طالب فأعطاه إيّاها، وقال: إمش ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك.. "(١).

ومضى أمير المؤمنين بالراية مشهوداً له بأنّه يحبّ الله ورسوله، مثنياً عليه بأنّ الله ورسوله يحبّانه ; قائماً بعمل نكص عنه غيره، وكم من أعمال جسام نكص عنها غيره فأدّاها؟!

أي دليل أبلغ من هذا على اختصاصه بالمنزلة الرفيعة؟

[حديث المنزلة]

وختمت مشاهد الغزوات النبويّة بغزوة تبوك في عام العُسرة، والتي ندب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيها الناس للغزو، فلمّا همّ علي بالخروج مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أمره رسول الله بالبقاء في المدينة، فقال: يا رسول الله تخلفني في النساء والصبيان؟! ـ خاتمة العُسرة والحاجة ماسّة لبطولة علي (عليه السلام)، إذ يأمره الرسول بالبقاء في المدينة ـ فجاء التفسير النبوي: " إنّ المدينة لا تصلح إلاّ بي أو بك "(٢).

فاستبقاه في المدينة، لأنّ بقاءه فيها كبقاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

١ - صحيح مسلم: ٧ / ١٢١، كما ذكر هذه الحادثة بألفاظ وأسانيد أُخرى.

٢ - أنظر: المناقب لابن المغازلي الشافعي: ٣٣.

٢٥

[سرية أُسامة]

وختمت المشاهد قبيل وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بسرية أُسامة، لمّا ثقل المرض على رسول الله وأمر بإنفاذ سرية أُسامة بن زيد، أمر بخروج جيش أمّر عليه أُسامة ـ وهو أصغر من في سريته سناً ـ وألحق بسريته شيوخ الصحابة وعلى رأسهم أبي بكر وعمر ولم يستبق معه في المدينة إلاّ عليّاً.

فإذا بمن أمرهم الله تعالى بالنفير يتقاعسون ويقعدون! وفي أسماعهم وعيد الله (إلاّ تَنْفِرُوا يُعذِّبكُمْ عَذَاباً ألِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيرَكُمْ)(١) وأبوا أن يستجيبوا للخروج ببعث أسامة حتى لحق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بربّه فاهتبلوها فرصة، ليكون منهم يوم السقيفة للنكث والإنقلاب وتبديل ما أمر الله به وتغيير ما عاهدوا عليه رسول الله يوم الغدير بولاية أمير المؤمنين علي.

[واطمأن القلب]

لمّا وقعت على هذه الحقائق واطمأن قلبي إليها من مصادر السنّة قبل مصادر الشيعة، لاح الحقّ معها جليّاً، فاستعنت بالله عزّ وجلّ مستبصراً وطالباً المزيد من البيان والأدلّة والمزيد من الإطلاع

١ - التوبة: ٣٩.

٢٦
على فقه أهل البيت (عليهم السلام).

[الحصول على كتب الشيعة في السعودية]

فمنّ الله عليّ وأكرمني بأن أعارتني وزارة العدل المصرية عام ١٩٦٩م كمستشار قانوني لوزارة الداخلية السعودية، ويسّر الله لي بأسباب هي أقرب إلى الكرامة ـ بحمد الله ـ أن أطّلع على عدد من كتب المذهب الشيعي ـ كانت محمولة مع الحجاج الإيرانيين القادمين عن طريق البر إلى السعودية ـ وكانت قد تمّت مصادرة هذه الكتب وأصبحت في حوزة وزارة الداخلية.

وحتى لا أطيل عليكم، فقد تمّ اطلاعي عليها، فوجدتها تشرق بكلّ ما في كتاب الله من دلالات، أيّ أنّ منطلقي إلى الاستبصار والتشيّع كان من كتاب الله أوّلا، ومن مصنّفات الشيعة التي وجدتها لا تعدوا كتاب الله ولا تصادمه ثانياً.

[مسألة تحريف القرآن]

وفي هذه الخصوصية، خصوصية الموقف من كتاب الله بين السنة والشيعة، أذهلني ما يفتريه جهلاء أهل السنة ـ لا أعمم ففيهم العقلاء ـ على الشيعة من الزعم بأنّ الشيعة لا يدينون بالقرآن الذي بين أيدي المسلمين، وأنّ لهم قرآناً آخر، فإذا باطلاعي على كتاب

٢٧
البيان للعلاّمة الخوئي (رحمه الله)، أجد أن الحديث واضحاً وقطعيّاً ومسنداً وجليّاً على أن الشيعة هم أوّل من يسلّم بأنّ القرآن الذي بين دفتي المصحف المتداول في عالمنا اليوم هو كتاب الله عزّ وجلّ بغير زيادة ولا نقصان، وأنّه ليس عندهم شيء من تحاريف أو تخاريف بعض جهلاء أهل السنة:

مثل قول عائشة فيما ترويه كتب السنة: كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مائتي آية، فلمّا كتب عثمان المصاحف لم نقدر منها إلاّ ما هو الآن(١).

ومثل قول عمر: فكان ممّا أنزل الله آية الرجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها(٢)، وبقي حكمها، وهي على زعمه آية: " الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة "(٣).

فكل هذه الدعاوي عند أهل السنة التي تخدش العصمة للكتاب الكريم وتوهم بوقوع التحريف فيه، يرفضها الشيعة جملةً وتفصيلا، ويصونون الكتاب الكريم بأحداق عيونهم وأفئدتهم وبحسن تطبيقهم لأحكامه.

١ - الإتقان في علوم القرآن: ٢ / ٤٠، الدر المنثور: ٥ / ١٨٠، وانظر: تفسير القرطبي: ١٤ / ١١٣.

٢ - صحيح البخاري: ٨ / ٢٦، وانظر: الدرّ المنثور: ٥ / ١٨٠.

٣ - سنن ابن ماجة: ٢ / ٨٥٤، السنن الكبرى: ٨ / ٢١١، مجمع الزوائد: ٦ / ٦، فتح الباري: ٩ / ٥٤، الدر المنثور: ٥ / ١٨٠.

٢٨
وحسبك في احترامهم للنصوص القرآنية ما قدّمت به حديثي: من أنّهم يعتمدون سورة الطلاق في مذهبهم بنصّها، ولا يجيزون الخروج عليها، بينما أهل السنة أجازوا الخروج عليها، بل هدمها بقول لعمر!

فعمر عندما يجترىء على أحكام الطلاق فيحرّفها عن مراد الله، ويمضي الطلقات الثلاث في المجلس الواحد باللفظ الواحد، غافلا ومتغافلا ومجترءاً على قول الله في كتابه: (الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ)(١) بما يعني اختلاف الزمان بين طلقة وطلقة، لكنه اجترأ فطلّق الطلقات الثلاث بلفظ واحد!

وليس محدّثكم هو الذي يقول عن عمر اجترأ، بل يقول ذلك واحد من أشد أتباع عمر ـ حتى في نصبه من أشد النواصب ـ ابن تيمية! فقد إستهول فعلة عمر في عبثه بأحكام الطلاق حيث قال: لا يصحّ لديّ ما قال به عمر من وقوع الطلاق ثلاثاً في المجلس الواحد، بل لابدّ من التفريق بين الطلقات(٢).

[مصر تعدل عن مذهب أهل السنة في الطلاق]

وعند هذه النقطة أحيط المشاهد والمستمع الكريم بالعلم:

١ - البقرة: ٢٢٩.

٢ - انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية: ٣٣/٤٤، ٥٤ ـ ٥٧.

٢٩
أن مصر كانت حريصة قدر جهدها على أن ترد الأحكام الشرعية إلى صحيح القرآن، فعدلت عن قول عمر في مسألة الطلاق، وهو الذي عليه قول المذاهب الأربعة ـ عدا ابن تيمية ـ فالمذاهب الأربعة تقول بقول عمر بوقوع الطلاق بائناً باللفظ ثلاثاً في المجلس الواحد، ولكن مصر عدلت عن ذلك، فأخذت في أحكام الطلاق أوّلا بمذهب ابن تيمية في وجوب اعتبار الطلقات الثلاث في المجلس الواحد بمثابة طلقة واحدة.

ثمّ أبشّر المشاهد والمستمع الكريم أنّ مصر خطت خطوة أكبر في العدول عن مذهب أهل السنّة في الطلاق مطلقاً، حيث صدر القانون المصري المعروف بقانون الخلع في يناير عام ٢٠٠٠م والذي من ضمن أحكامه أن لا يقع الطلاق إلاّ في حضرة القاضي وبشاهدين عدلين.

[خطاب ونصيحة موجّهة إلى أهل السنة]

الخلاصة من حديثي معكم: إنّ من التمس الحقّ وجده، ومن أراد أن يستبصر بصّره الله، ومن أراد أن يستنير نوّر الله قلبه.

ولذا أناشد كل مسلم، بل كل إنسان: بأن يراجع موقفه من ربّه ونبيّه وإمامه، فيسرع إلى عقد الولاء لآل محمّد صلوات الله عليهم، وتصحيح عبادته باتباع مراجعهم الذين يأخذون من أنوار آل محمّد

٣٠
صلى الله عليهم فقههم واجتهادهم وفتاواهم.

وأُناشد كل مسلم: بأن يعمل على تحرير رقبته من النار، وأن لا يستمسك بالمقولة التي تجعله عبداً في التقليد، فيندرج فيمن قال الله تعالى فيهم (إنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلى أُمَّة وَإنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ)(١)، فإنّي أقول لهم بقول الله عزّ وجل: (أوَلَوْ جِئتُكُمْ بِأهدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَليهِ آبَاءَكُمْ)(٢).

أقول من هذا المنبر راجياً أن يصل قولي إلى كلّ من هيّأه الله لاتّباع الحق: لقد جئتكم بأهدى ممّا وجدتم عليه آباءكم، يا أهل السنّة في مشارق الأرض ومغاربها، هلاّ استجبتم لأمر الله وخلعتم اتّباع الطاغوت وهرعتم وأسرعتم الى اتّباع منهج آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).

أقول قولي هذا منيباً ومستغفراً ومستجيراً ومستمسكاً ومتوسّلا ومستشفعاً بمحمد وآل محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، أن يغفر الله لي هناتي وسقطاتي، وأن يرفع عني وزري وإصري.

وصلّى الله على عبده ورسوله محمد وآله الطاهرين.

١ - الزخرف: ٢٣.

٢ - الزخرف: ٢٤.

٣١

المحاضرة الثانية:
"الإمامة في كتاب الله الحكيم"

٣٢
٣٣

[أهمّية الإمامة]

الحمد لله، وسلام على عباده الّذين اصطفى، وعلى النبي الخاتم وآله الطاهرين أفضل الصلاة وأتمّ التسليم.

أمّا بعد: فيا أيّها الإخوة الأحباب سلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته.

لعلّي لا أبالغ إذا قلت لكم: إنّ أهمّ وأشرف موضوع خليق بأن تجنّد له العقول والأبصار والألباب وتتوفّر العقول على بحثه والتثبّت منه هو موضوع الإمامة، ذلك أنّها تمثّل في شجرة الإيمان الثمرة.

إنّ الشجرة المباركة التي جعل الله أصلها ثابت في الأرض بلا إله إلاّ الله وفرعها منبثق في السماء برسول الله إنّما ثمرتها الحقيقية الإمامة، وإذا تجرّدت الشجرة من الثمرة فقدت وظيفتها وأصبحت عالة على الأرض التي تستقل بها.

أيها الأحباب، أهمّية الإمامة تأتي كذلك، باعتبار مظلوميتها

٣٤
كتاب محاضرات عقائدية (ص ٣٥ - ص ٥٢)
٣٥

ولكي نعرف حتمية الإمامة تعالوا نستعرضها في القرآن، لنرى وفق أيّ مفهوم تسري في كل المخلوقات؟

[كلّ مخلوق خلق على قاعدة الاختيار الإلهي]

مفهوم أنّ كلّ مخلوق خُلق على قاعدة الإختيار الإلهي له، يعني ليس مخلوق عبثاً، لأنّ العبثية في المخلوقات ممتنعة، (أَفَحَسِبْتُمْ أنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً)(١)، فكلّ المخلوقات خلقت بتقدير واختيار بما يستطيع الباحث المدقّق معه أن يسجّل هذه السُنة: سُنة الخلق مقرونة بسُنة الإختيار.

فما من خلق إلاّ مصحوب باختيار، لقول الحقّ تبارك وتعالى: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَايَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَاكَانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشرِكُونَ)(٢).

إذن حيثما يوجد خلق يوجد اختيار.

[الاختيار في العوالم الثلاثة]

فتعالوا نرى كيف أشار القرآن إلى أنّ الاختيار يشمل العوالم الثلاثة: عالم الجماد وعالم النبات وعالم الحيوان، كلّ هذا اختيار.

(وَمِنَ الجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُختَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرابِيبُ

١ - المؤمنون: ١١٥.

٢ - القصص: ٦٨.

٣٦
سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ والأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ)(١)، إشارة إلى مَن الذي جعل جبلا أبيضاً وجبلا أسوداً وجبلا أحمراً.

إذن هناك اختيار، والناس كذلك، وهذا الإختيار يتعاظم ويدخل في مرحلة تفصيلية كلّما ارتقت المجموعة أو الجنس.

فالاختيار في الجماد دقيق، وأدقّ منه الاختيار في النبات، فما أعجب ما ترى في النبات؟!

[الاختيار في النبات]

كلّ نبات له زهرة معينة، فهل تستطيع زهرة نبات ما ـ كالرمان مثلا ـ أن تنتج برتقالا أو تنتج ليموناً؟!

لقد اختيرت وصمّمت على أن تنتج الرمان، وكم في النبات من عجائب؟

[الاختيار في الحيوان]

وإذا دخلنا عالم الإنسان أو عالم الحيوان ككلّ، والإنسان نوع من هذا الجنس الذي يجمعه قول ربنا تعالى: (وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّة مِنْ مَاء فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَع يَخْلُقُ اللهُ مَا يَشَاءُ)(٢)، وهذا

١ - فاطر: ٢٧ ـ ٢٨.

٢ - النور: ٤٥.

٣٧
اختيار، إذ لا تستطيع ذوات الأربع أن تقوم بوظيفة من يمشي على رجلين، ولا تستطيع التي تمشي على بطنها أن تنافس من تمشي على أربع.

فإذا جئنا للمخلوق الذي يمشي على رجلين فما قصته في الاختيار؟

هذا هو الاختيار الأدقّ، هذا هو الاختيار الذي تجلّت فيه الربوبية بكامل إبداعها وتقديرها، تجلّت تحدياً وإثباتاً للقدرة، وعند نقطة التحدي بدأت المشكلة في رفض الاختيار، فما هي نقطة التحدي؟

[نقطة التحدّي في رفض الاختيار]

إنّ الله تبارك وتعالى العليم بخلقه، لمّا خلق الجنّ وأسكنهم الأرض التي نحن فيها الآن، وكانت لهم فيها سيادة، وكانت لهم فيها قدرات تزيد على قدرات الإنس، قدرات خالية من الأذواق، قدرات مردة الجن، عفاريت الجن، هؤلاء الجن المعمرين واحد منهم أحسن العبودية لله فدخل عليه تحسين إلهي واختيار إلهي آخر، وهو إبليس الذي يصفه الله عز وجل في سورة الكهف تعليلا لاستكباره عن السجود لآدم حيث يقول: (إلاّ إبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ)(١).

١ - الكهف: ٥٠.

٣٨
لمّا اختار الله عزّ وجلّ أن يخلق بشراً من صلصال، وأنبأ الملائكة بمشيئته، وتحقّقت هذه المشيئة، وخلق الإنسان، وجاء وقت الإذعان لمشيئة الرحمن بالسجود له.

نحن قلنا: إنّ الربوبية ـ الألوهية ـ تتكوّن من عنصرين: القدرة على الخلق، والقدرة على الإختيار، فالإله هو الذي يخلق، ولهذا يقول الحق: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيء أَمْ هُمُ الخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لاَ يُوقِنُونَ)(١)، ويقول: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ)(٢).

فالخالق يقترن بقدرته على الخلق، لا أقول قدرته في الإختيار، بل وحقه في الاختيار أنّه خلق، أليس مِن حق مَن خلق ملك، ومَن ملك تصرّف، والتصرّف اختيار، يختار ما شاء؟

اختار آدم لاستخلافه وليهيّئه للإستخلاف بحيث علّمه ما لا تعلم الملائكة ـ من دون تفصيل، والوقت لا يتسع لأن نتساءل ما الذي علّمه لآدم ـ علّمه الأسماء كلها، وهذا التعليم أجّج غيرة إبليس، فبدل أن يقول: سبحان الذي يَخلق ولا يُخلق ويَقدر ولا يُقدر عليه ويَختار ولا يُختار عليه، فهو بدل أن يقول كذلك قال: أنا أؤمن بأنك الخالق، لكن أنازع في اختيارك آدم.

١ - الطور: ٣٥ ـ ٣٦.

٢ - الزخرف: ٩.

٣٩
انتبهوا، لأنّ مدخل إبليس إلى الكفر هو مدخل كثيرين دون أن يشعروا.

إنّ إبليس لم يكفر بالله خالقاً ولا كفر بالله رازقاً ولا كفر بالله فاطراً، فقد قال لربّه: (خَلَقْتَني مِنْ نَار وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِين)(١)، (أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً)(٢).

إذن منازعة إبليس في نقطة الاختيار، فطُرد إبليس.

إعلم يا أخي، إنّ الله عزّ وجلّ موازينه لا تختل، فالأُستاذ العادل في الفصل الدراسي عندما يريد أن يزن تلاميذه ويعطيهم الدرجة التي يستحقّونها ـ إذا كانوا قد درسوا منهجاً واحداً أو ساعات دراسية واحدة ولقوا عناية واحدة ـ يوجّه لهم سؤالا واحداً كي يقيس قدراتهم، يوجّه سؤالا واحداً ولا يعطي أسئلة متناقضة، فلا يعطي تلميذاً سؤالا سهلا والثاني سؤالا صعباً!

فالله الخالق الذي وجّه الى الملائكة ومن بينهم إبليس الخطاب: (إنّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِين * فَإذَا سَوَّيتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ)(٣).

لمّا فشل إبليس في الامتحان وحاق به جزاء الرفض بالطرد من الجنّة وكان الطرد مقروناً بتعليم واحد، قال ربّنا لإبليس أخرج

١ - الأعراف: ١٢.

٢ - الإسراء: ٦١.

٣ - ص: ٧١ ـ ٧٢.

٤٠