×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

محورية حديث الثقلين في العقيدة والأحكام / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٢ فارغة
كتاب محورية حديث الثقلين في العقيدة والأحكام للدكتور صلاح الدين الحسيني (ص ١ - ص ١٤)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية


مقدمة


((بسم الله الرحمن الرحيم))

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسولنا محمد سيد الأولين والآخرين وحبيب رب العالمين، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين المعصومين، وعلى صحبه المنتجبين.

وبعد:

فإن حديث الثقلين من الأحاديث التي يجهلها أغلب المسلمين، والتي غابت أو غيبت عنهم، بفعل سياسات التجهيل، التي قام ويقوم بها أعداء أهل البيت عليهم السلام، وبسبب المحاولات الدؤوبة والمستمرة لطمس وتغييب حقيقة أهل البيت عليهم السلام وأحقيتهم، امتدادا لما أسس له الأوائل من حقد وبغض وضغائن ضد أمير المؤمنين عليه السلام وضد أهل بيته والأئمة من ولده عليهم السلام. وبالرغم من تواتر الحديث عند كل طوائف المسلمين، وكثرة رواته من الصحابة والتابعين، واشتهاره في أغلب صحاح ومسانيد المسلمين وكتبهم الحديثية، إلا أن أغلب علماء أهل السنة والجماعة لايعرفونه بل ويجهلونه، وحتى لو عرفوه فإنهم يحاولون التقليل من شأنه ولا يطيقون سماعه، أو يؤولونه بتأويلات لا تمت بصلة إلى المعاني والمضامين التي يؤكد الحديث عليها في موضوعه ومضمونه.

ولقد بحث العديد من علمائنا الأجلاء هذا الحديث، ولكن التركيز كان أكثر ما يكون على سنده ورواته، ولم يكن هناك تركيز على الحديث من حيث المتن، إلا من قلة قليلة من الباحثين. مع أن الحديث يعتبر محورا أساسيا ومركزيا من محاور الدين الإسلامي، والذي تدور حوله بل وترتبط به عشرات الأحكام العقائدية والشرعية.

ولأجل استنفار العقول نحو محورية الحديث، آليت على نفسي الخوض في مضمار متن الحديث، لعلي أضع خطوطا عريضة أقدمها بين يدي القارئ العزيز، لنصل معا إلى حقيقة واحدة، وهي أن دين الله تعالى المأخوذ من الكتاب والعترة الطاهرة، مترابط مع بعضه، ومنسجم في عقائده وأحكامه مع ضرورات الحياة في كل نواحيها، ولا يتطرق إليه التناقض أو الإختلاف، لأنه من مصدر واحد من الله تعالى الذي خلق هذا الكون فأبدعه.

٣
قال تعالى في سورة النساء الآية ٨٢ {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا}.

فكما لا يدخل الخلل أو التناقض في أنظمة الكون الفسيح، لأنها من بديع صنع الله، وتتجلى فيها قدرة الله تعالى، فكذلك ينطبق الأمر على النظام الديني والمنهجي الإسلامي والإيماني، الذي أنزله الله تعالى إلينا من خلال رسولنا الأكرم وأهل بيته المعصومين.

وهذا قد بينه حديث الثقلين، من خلال متونه المختلفة، وهو ما سنقوم بشرحه في هذ البحث المتواضع، والذي بينت فيه أنه لايوجد على وجه الأرض أحد يطبق مضامين ومواضيع حديث الثقلين، غير الشيعة الإمامية أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام، وأما غيرهم فلا وجود لحديث الثقلين عندهم.

سائلا المولى عز وجل أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم، وعنوان محبة ووفاء وولاء، لرسولنا محمد وأهل بيته صلى الله عليه وعليهم أجمعين، وهدية متواضعة منا لأمير المؤمنين والأئمة المعصومين عليهم الصلاة السلام، عسانا ننال محبتهم وحبهم، كما ونتضرع إليه تعالى أن يكرمنا بزيارتهم في الدنيا وشفاعتهم في الآخرة، إنه نعم المولى ونعم المجيب، والحمد لله رب العالمين.


الدكتور صلاح الدين الحسيني

٤

محورية
حديث الثقلين
في العقيدة والأحكام


روى الترمذي وغيره عن زيد بن أرقم قال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي؛ أحدهما أعظم من الآخر؛ كتاب الله حَبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما (.

وأخرج الطبراني عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (إني لكم فرط وإنكم واردون علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين، قيل وما الثقلان يا رسول الله؟ قال: الأكبر كتاب الله عز وجل. سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به لن تزالوا ولا تضلوا، والأصغر عترتي وإنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض، وسألت لهما ذاك ربي فلا تقدموهما لتهلكوا، ولا تعلموهما فإنهما أعلم منكم).

وروى في كنز العمال عن حذيفة بن أسيد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال (يا أيها الناس! إني فرطكم وإنكم واردون علي الحوض، حوضي عرضه ما بين صنعاء وبصرى، فيه عدد النجوم قدحان من ذهب وفضة، وإني سائلكم حين تردون علي عن الثقلين، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، الثقل الأكبر كتاب الله سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم، فاستمسكوا به ولا تضلوا ولا تبدلوا، وعترتي أهل بيتي فإنه قد نبأني اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض. ( حديث الثقلين من الأحاديث المجمع على تواتره والمشهور جدا عند كل طوائف المسلمين، وهو متواتر لفظا ومعنى، ويتطابق ويتلازم مع العشرات من الآيات والأحاديث النبوية الشريفة، ويرتبط ارتباطا وثيقا وتلازميا بها من حيث الدلالة ووضوح المعنى.

ولا أريد طرح الحديث في هذا البحث من حيث السند، فلقد استوفى البحثَ في سنده العشرات من علماء المسلمين شيعة وسنة، وألفوا الكتب التي تُظهر بشكل واضح جلي تواتره وإجماع المسلمين على ذلك.

ولكنني سوف أتطرق إلى المتن في هذا البحث من حيث الدلالة والتطبيق، ومن حيث ارتباط الحديث بالآيات القرآنية والأحاديث الشريفة، التي تشترك معه في

٥
المعاني من باب تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني، أو من باب تلازمها وتطابقها في المعنى والمضمون.

بعبارة أخرى ربط الحديث بكل ما يتعلق بموضوعه ومضمونه مع القرآن والحديث، وهو الأمر المهم جدا والذي غاب أو غُيِبَ عن كثير من المسلمين بفعل التأويلات الخاطئة، أو من خلال تحويل المعنى إلى مسارات تخالف واقع متن الحديث ودلالاته وتطبيقاته، من أجل إبعاد المسلمين عن أهل البيت عليهم السلام وعن خطهم وهديهم وصراطهم المستقيم.

ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المبغضون لأهل البيت عليهم السلام، فلقد ظهر الحديث بأجلى صوره في صحاح ومسانيد وسنن المسلمين، وثبت تواتره بشكل قطعي لا يقبل الشك.

ولكن المسلمين غاب أوغُيبَ عنهم أن العمل بالحديث المتواتر واجب، وتطبيقه ضرورة شرعية لابد من العمل بها، وهو كالعمل بالآيات القرآنية القطعية الثبوت القطعية الدلالة، من خالف في تطبيقها فقد ارتكب إثما عظيما، ومن أنكرها فقد خرج عن ملة الإسلام.

وعلى ذلك كان لابد من النظر في متن الحديث نظرا مستنيرا، من أجل الوصول إلى معانيه ومضامينه الحقيقية، وحتى تظهر الحقائق التي غيبها علماء السوء من أجل طمس حقيقة وأحقية أهل البيت عليهم السلام، مع ضرورة لفت النظر إلى أنني لا أدعي الإحاطة في معاني ومتعلقات الحديث، وإنما هي نظرات من مستبصر في حقيقة أهل البيت وأحقيتهم عليهم السلام.

المتواتر والآحاد:

ومن الغريب والعجيب جدا أن يترك علماء المسلمين النظر في هذا الحديث مع اشتهاره وتواتره، ويستبدلون به رواية مقطوعة السند وهي المجودة في موطأ مالك، ووضعوا في متنها بدل جملة (كتاب الله وعترتي أهل بيتي) وضعوا بدلا منها (كتاب الله وسنتي)، كل ذلك حقدا وبغضا على أهل البيت عليهم السلام.

٦
ومع وضوح وضع رواية كتاب الله وسنتي، إلا أن أغلب علماء المسلمين يعتمدونها في خطبهم ومحاضراتهم، وأذكر مرة أن أحد إخواننا المؤمنين قد بين وضع هذه الرواية لأحد العلماء من خطباء المساجد في بلادنا، وأثبت له أن الواجب هو العمل بالرواية المتواترة، والمفاجأة كانت أن ذلك الخطيب لا يعلم عن حديث الثقلين شيئا، واعترف أنها المرة الأولى التي يسمع عن مثل هذا الحديث، فطلب منه الأخ المؤمن أن يوضح ذلك في خُطَبه فكما يقال إذا عرفت فالزم.

لكن وللأسف لم يستجب ذلك العالم الذي يخطب على منبر رسول الله إلى أمر الله ورسوله، بل استجاب إلى ما فيه تحقيق لرغبات النفس والأهواء، وكانت النتيجة أن قاطع ذلك الخطيب الأخ المؤمن من الزيارة جزاءً له على إظهاره الحقيقة التي فيها رضى الله ورسوله، حيث اعتبرها جريمة نكراء.

وفي مرة سأل أحدهم مفتي المدينة عندنا عن حديث الثقلين، فأجابه بأن هذه الأحاديث أحاديث شيعة، ثم راجعني ذلك السائل فقلت له بل هي أحاديث أهل السنة وموجودة في الصحاح والسنن والمسانيد وبينت له مواقعها، فعاد ليسأل فضيلة المفتي عنها وأنه وجدها في كتب الأحاديث عند أهل السنة، فأجاب المفتي بأنها نعم موجودة ولكننا لا نعمل بها، وهكذا كانت الفتوى من فضيلة المفتي.

وأكثر ما يقال في رواية كتاب الله وسنتي، أنها حديث آحاد هذا إن صحت، وحديث الآحاد لايعارض المتواتر بل ويجب تقديم الحديث المتواتر على حديث الآحاد، لأن الحديث المتواتر مقطوع بصدوره عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو من حيث الثبوت مثله مثل القرآن الكريم، وهذا هو الموجود في كتب الأصول.

ثم إننا لو أخذنا تلك الرواية بعين الإعتبار، فإنها أيضا تنطبق على حديث الثقلين، لأن السنة لا بد لها ممن يعيها ويحفظها ويدونها ويبلغها للناس بشكلها وصورتها التي أرادها رسول الله صلى الله عليه وآله، وبمراجعة مرحلة الصحابة وما بعدها نجد أن أهل البيت عليهم السلام وعلى رأسهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، هم الذين تفردوا بحفظ ورعاية ووعاية وتبليغ

٧
سنة رسول الله صلى الله عليه وآله، بينما ترك المسلمون سنة رسول الله ومن بينهم عدد كبير من كبار الصحابة بل وإنهم منعوا من تدوينها ونشرها وظل ذلك المنع ساريا إلى أن جاء عصر التدوين عند أهل السنة بعد القرن الثاني للهجرة النبوية.

وأيضا فإن النصوص الشرعية التي وردت عند كل فئات المسلمين وطوائفهم تشير إلى أخذ سنة رسول الله وتعلمها من أهل البيت عليهم السلام، وعليه فإن تلك الرواية إن صحت تشير بشكل واضح إلى أهل البيت عليهم السلام.

وحديث الثقلين ومن خلال تواتره ومتونه المختلفة، يتضمن محطات هامة جدا يجب التوقف عندها، استنبطتُها من المتون المتعددة لحديث الثقلين في صحاح ومسانيد وسنن المسلمين، تلك المحطات الهامة التي تغافل عنها وعن البحث في مضامينها ومواضيعها علماء المسلمين من أهل السنة والجماعة.

ولأن حديث الثقلين ومن خلال كل عباراته يعتبر من الأحاديث المحورية التي تدور حولها وترتبط بها عشرات الآيات والأحاديث، ويرتبط الحديث أيضا ارتباطا وثيقا بموضوع الإمامة وولاية أهل البيت وكذلك عصمتهم وبضرورة اتباعهم والإقتداء بهديهم وأيضا يرتبط بموقعيتهم عليهم السلام وأهميتهم في تحديد المؤمن والمنافق.

وهناك في حديث الثقلين عشرات القضايا الإسلامية المحورية والمصيرية ترتبط ارتباطا وثيقا بأهل البيت عليهم السلام من ناحية العقائد والأحكام وهو ما سألفت النظر إليه من خلال نظراتنا وشرحنا البسيط لجمل وعبارات الحديث.

فكان لابد من الوقوف على كل تلك المحطات المحورية الهامة بشيء من التفصيل، حتى تتبين أهمية حديث الثقلين في دين الإسلام، وضرورة تطبيقه بتمامه من قبل كل المسلمين، وحتى يُنظر لأحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله على أنها وحي من الله تعالى يجب أن تحمل على محمل العناية والإهتمام الشديد، لأنه صلى الله عليه وآله لاينطق عن الهوى وأن طاعته هي طاعة الله تعالى ومعصيته هي عين معصية الله تعالى.

قال تعالى في سورة الحشر الآية ٧ {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب}.

٨

إهتمام الرسول بتكرار حديث الثقلين:

فمن المحطات الرئيسية في الحديث أن النبي الأكرم قد ذكر الحديث على مرآى ومسمع كل المسلمين في أكثر من مناسبة، مما يدلل على أهميته للمسلمين، فلقد ذكره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد عودته من الطائف، وفي حجة الوداع على جبل عرفات وفي منى أيضا، وذكره في خطبته الشهيرة المتواترة بعد عودته من حجة الوداع وقبل الوصول إلى المدينة في غدير خم يوم الثامن عشر من ذي الحجة، كما ذكره في المدينة المنورة من على منبره الشريف أكثر من مرة، وكذلك قبل وفاته في الحجرة النبوية الشريفة، وكانت الحجرة غاصة بالمسلمين وهو يوم رزية الخميس كما وصفها ابن عباس رضي الله عنه.

وهذا التكرار المستمر من رسول الله صلى الله عليه وآله، خصوصا في الأماكن العامة والمناسبات الكبيرة التي عادة ما يجتمع فيها خلق كثير، كموسم الحج والأعياد وعند العودة من الحج وفي أيام الجمعة، وهو ما كان يفعله رسول الله وفي كل مناسبة دائما يلقي على الناس حديث الثقلين بكل ما يحمله من مضامين، وهذا ينبئ عن أهمية عظيمة، ومحورية أساسية وضرورية للحديث، ولأجل مركزيته في العقائد والأحكام، كان رسول الله صلى الله عليه وآله دائما وبشكل مستمر يلفت النظر إلى أهمية حديث الثقلين.

ثم إن عدد الرواة للحديث من الصحابة والتابعين يفوق الحصر، مما يدل على أن غالبية المسلمين قد سمعوا الحديث ووعوه، ونقلوه لمن بعدهم، وهذا كان من الأسباب الرئيسية التي جعلت الشيعة الإمامية يلتزمون بمضامين الحديث منذ وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحتى يومنا هذا، بينما بقية المسلمين لا يعملون به بل لا يعرفه الكثير من علمائهم، ومنهم من لا تستطيع آذانهم سماعه. ولأجل إقامة الحجة على العباد كان عدد رواة الحديث من الصحابة

٩
وغيرهم كبيرا جدا، حتى تكون الحجة أبلغ وأوضح أمام جميع الناس، فلله الحجة البالغة التي تقطع عذر المحجوج، وتزيل الشك عمن نظر فيها.

وإليك أخي الكريم عبارات حديث الثقلين عبارة عبارة، أوضحها وأشرحها محاولا ربطها مع النصوص، ومظهرا تلازمها مع العديد من الأحكام والعقائد.

إني فرطكم على الحوض

وردت جملة إني لكم فرط وإني فرطكم على الحوض في العديد من متون حديث الثقلين، ومعناها أن رسول الله صلى الله عليه وآله، يقول إني متقدمكم وسابقكم على الحوض في القيامة الكبرى، يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم، أنتظركم هناك أيها المسلمون، حتى أرى ما فعلتم بأمر الله ووصيتي لكم، وسوف تسألون عن ذلك.

حقيقة الحوض:

ما هو الحوض؟. ولماذا اختار الرسول صلى الله عليه وآله السبق والإنتظار على الحوض؟. وما هي أهمية الحوض بالنسبة إلى المسلمين؟.

روى في صحيح مسلم عن أنس قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إذ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسما، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: نزلت علي آنفا سورة، فقرأ {بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر. فصل لربك وأنحر. إن شانئك هو الأبتر}. ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟. قلنا الله ورسول أعلم. قال: فإنه نهر وعدنيه ربي عز وجل، عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم، فيختلج العبد منهم فأقول إنه من أمتي، فيقال إنك لا تدري ما أحدث بعدك.

وأهمية الحوض يوم القيامة كبيرة جدا، فالعطش يومئذ شديد، والناس في كرب عظيم، وشربة ماء في ذلك الموقف غالية الثمن، لا يستحقها أحد إلا ضمن شروط مخصوصة، حددها رسول الله صلى الله عليه وآله قبل انتقاله إلى الرفيق

١٠
الأعلى، وبين لنا صفات من يشرب من الحوض ومن يمنع من الشرب. يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، في ذلك الموقف حيث تنجلي الحقيقة وتظهر.

روى البخاري في صحيحه عن سهل بن سعد قال، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إني فرطكم على الحوض، من مر علي شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدا، ليردنَّ علي أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم.

قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عياش فقال: هكذا سمعت من سهل؟ فقلت: نعم، فقال: أشهد على أبي سعيد الخدري، لسمعته وهو يزيد فيها: (فأقول: إنهم مني، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً لمن غيَّر بعدي).

فمن أوفى بتلك الشروط، شرب من الحوض شربة لا يظمأ بعدها أبدا، ولا يسود وجهه أبدا، وأما من خالف وغير وبدل فإنه يحال بينه وبين الحوض فلا يشرب مع أن عدد الآنية على الحوض عدد نجوم السماء، وهو من حيث السعة فإنه يسع الجميع.

وعليه فإن من لم يحدد له موقعا على الحوض في هذه الدنيا ولا يعمل لذلك، فلن يسعفه الحال في ذلك الموقف العظيم، يوم القيامة يوم العطش الأكبر.

قال تعالى في سورة آل عمران الآية ١٠٦-١٠٧. {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون}.

روى الطبري في جامع البيان قال، حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} ... الآية، لقد كفر أقوام بعد إيمانهم كما تسمعون، ولقد ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول: "والذي نفس محمد بيده، ليردن علي الحوض ممن صحبني أقوام، حتى إذا رفعوا إلي ورأيتهم اختلجوا دوني، فلأقولن رب أصحابي أصحابي، فليقالن إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. وقوله: {وأما الذين أبيضت وجوههم ففي رحمة الله} هؤلاء أهل طاعة الله والوفاء بعهد الله، قال الله عز وجل: {ففي رحمة الله هم فيها خالدون}.

١١
وعليه فإن هذه المحطة من حديث الثقلين تبين أن هناك الحوض وهو الكوثر، وأن رسول الله صلى الله عليه وآله ينتظر المسلمين عليه، وأن هناك شروط وعهود ومواثيق، من استوفاها في الدنيا فإنه يكون مع الشاربين في يوم العطش العظيم، وأما من أحدث في دينه ونافق وخالف، فإنه سوف يُذاد عن الحوض كما يُذاد البعير.

وأما شروط الورود على الحوض، فهي موجودة في متن الحديث حيث يخبر رسول الله صلى الله عليه وآله أنه تارك لنا الكتاب أي القرآن الكريم وأهل البيت عليهم السلام من بعده، من اتبعهما فإنه لن يضل أبدا، ومن خالفهما فإنه لا محالة ضال، وسوف يجد من يمنعه من الورود على الحوض يوم الورد المورود.

ولذلك كانت أهم الشروط التي تجيز الورود على الحوض والشرب منه هي التمسك بالكتاب والعترة الطاهرة معا، والوفاء بالعهد مع أهل البيت عليهم السلام، من خلال موالاتهم ومحبتهم والإقتداء بهديهم، وسوف نفصل في هذا الموضوع أكثر عندما نحتاج إلى التفصيل.

إن الناظر المدقق في متن حديث الثقلين وفي متونه المختلفة أيضا، يجد أن في بدايته إشارة إلى الحوض، ثم يجد موضوع الحوض مكررا مرة أخرى في آخره عبارة (حتى يردا علي الحوض) وهما الكتاب والعترة الطاهرة، فعندما يؤكد رسول الله صلى الله عليه وآله في بداية الحديث أنه سابق ومنتظر على الحوض، فإنه يؤكد على ضرورة الإلتفات إلى ماهية الحوض وأهميته للناس في ذلك الموقف العظيم، فكان لابد من معرفة الحوض ومعانيه وأوصافه وتشويق الناس إلى نعمة الورود عليه، فكان هذا الكم الهائل من الأحاديث التي توضح للناس كل معاني الحوض.

ومن المهم جدا هنا أن أذكر القارئ الكريم، أن جميع علماء المسلمين اتفقوا على أن أحاديث الحوض وأوصافه وشروط الورود عليه متواترة، حتى أن من تشدد منهم في شروط الحديث المتواتر، اعتبر حديث الحوض من الأحاديث

١٢
المتواترة، وهذا كما قلت تأكيد واضح على ضرورة أن لا يغيب موضوع الحوض عن أحد من المسلمين.

وقد روى البخاري في صحيحه، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال للأنصار (إنكم سترون بعدي أثرة شديدة، فاصبروا حتى تلقوا الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم على الحوض). قال أنس: فلم نصبر.

وروى النسائي وغيره عن كعب بن عجرة قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونحن تسعة، فقال: إنه ستكون بعدي أمراء من صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه وليس بوارد علي الحوض، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه وهو وارد علي الحوض.

لاحظوا كيف جعل رسولنا الأكرم صلى الله عليه وآله الحوض محطة التقاء مركزية في يوم القيامة، وذلك من خلال أحاديثه الشريفة التي ركزت على معنى الحوض وحقيقته، وكل ذلك من أجل أن يركز المسلم وينتبه إلى كيفية الوصول إلى الحوض، وحتى يتجنب كل الموانع ويجتاز كل العوائق التي تحول بينه وبين لقاء رسول الله وأهل بيته عليهم الصلاة والسلام على الحوض.

روى الترمذي، والبيهقي عن أنس قال: سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يشفع لي يوم القيامة فقال: أنا فاعل. قلت: يا رسول الله أين أطلبك؟ قال: اطلبني أول ما تطلبني على الصراط. قلت: فإن لم ألقك على الصراط؟ قال: فاطلبني عند الميزان. قلت: فإن لم ألقك عند الميزان؟ قال: فاطلبني عند الحوض، فإني لا أخطئ هذه الثلاثة مواطن.

أما لماذا ينتظر رسول الله صلى الله عليه وآله على الحوض؟ وماذا ينتظر هناك؟ وما هي الأمور التي سوف نسأل عنها حتى يؤذن لنا في الشرب؟ وماهي شروط الورود على الحوض التي يجب أن نحققها في الدنيا؟ ومن سيكون مع رسول الله صلى الله عليه وآله حتى يسقي قسما من الناس ويذود قسما آخر؟. فإن جواب كل تلك الأسئلة سوف يأتي في محله. لكنه من المهم أن نعرف أن في الحديث أمر يدل على بداية غاية وهي الحوض، وفي آخره

١٣
نهاية غاية وهي عبارة حتى يردا علي الحوض، وما بين البداية والنهاية أمور كثيرة يفصلها حديث الثقلين تأتي في محلها إن شاء الله تعالى.

روى الحاكم في المستدرك وصححه عن مصعب بن عبد الرحمن عن أبيه قال: افتتح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكة، ثم انصرف إلى الطائف فحاصرهم ثمانية أو سبعة، ثم ارتحل غدوة وروحة، ثم نزل ثم هجر، ثم قال (أيها الناس إني لكم فرط، وإني أوصيكم بعترتي خيرا موعدكم الحوض، والذي نفسي بيده لتقيمن الصلاة ولتؤتن الزكاة أو لأبعثن عليكم رجلا مني أو كنفسي فليضربن أعناق مقاتلهم وليسبين ذراريهم، فرأى الناس أنه يعني أبا بكر أو عمر، فأخذ بيد علي عليه السلام فقال: هذا).

وروى السيوطي في الدر المنثور قال أخرج ابن مردويه عن علي عليه السلام قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ألم تسمع قول الله: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية} أنت وشيعتك وموعدي وموعدكم الحوض إذا جاءت الأمم للحساب تدعون غرا محجلين.

يوشك أن أدعى فأجيب

هذه العبارة من حديث الثقلين، ترتبط أيضا بحديث الولاية، وتتطابق معه حتى في نفس الموضوع والمضمون، حتى أنك تجد أن بعض الروايات تدمج بين حديث الثقلين وحديث الولاية، مما يؤكد وحدة الموضوع والمضمون، والتي تبرز في ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام والأئمة من ولده عليهم السلام.

فقد روى في مجمع الزوائد عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: لما صدر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حجة الوداع نهى أصحابه عن سمرات متفرقات بالبطحاء أن ينزلوا تحتهن، ثم بعث إليهن، فقم ما تحتهن من

١٤
كتاب محورية حديث الثقلين في العقيدة والأحكام للدكتور صلاح الدين الحسيني (ص ١٥ - ص ٢٨)

١٥

وصية رسول الله:

إن الرسول محمد صلى الله عليه وآله يخبر المسلمين كافة أن موعد لقائه بربه قد اقترب، (وهذا ظاهر في لفظة يوشك وهي من أفعال المقاربة) وأن الإنتقال إلى الرفيق الأعلى قد آن أوانه، وأن واجب النبوة والرسالة يوجب عليه أن يوصي المسلمين بوصية، فكما علمنا أن نوصي، وأن لا ينام أحدنا إلا ووصيته تحت وسادته، فها هو عليه وآله الصلاة والسلام يوصي كل تلك الحشود من المسلمين وفي أكثر من موقف حتى يعلمهم وصيته، وأنه يريد أن يطبق ما علمهم من أمر الوصية استجابة لأمر الله تعالى.

قال تعالى في سورة البقرة الآية: ١٨٠ {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين}.

روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ما حق امرئ مسلم، له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده).

ووصية رسول الله صلى الله عليه وآله الذي لا ينطق عن الهوى، ليست كأية وصية، بل يجب أن تحمل على محمل الجد، وأن يطبقها المسلمون من بعده، ولكنهم أنكروا أن يكون رسول الله قد أوصى، ويتهمونه بأنه أمر بالوصية ولم يوص.

روى البخاري في الصحيح قال حدثنا طلحة ابن مصرف قال: سألت عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم أوصى؟ فقال: لا، فقلت: كيف كتب على الناس الوصية، أو أمروا بالوصية؟ قال: أوصى بكتاب الله.

إن في منطوق ومفهوم حديث الثقلين دلالة واضحة على موضوع الوصية، لا ينكرها إلا الجهلاء أو المنافقين المبغضين لأهل البيت عليهم السلام، وهذه الوصية قد نادى بها رسول الله منذ بداية دعوته وحتى يوم وفاته، فحديث

١٦
الدار كان من الأحاديث التي تحمل معنى الوصية لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب والأئمة من ولده عليه السلام.

فقد روى في كنز العمال عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا بني عبد المطلب! إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟ قال: فأحجم القوم عنها جميعا وقلت: يا نبي الله! أكون وزيرك عليه؟ فأخذ برقبتي ثم قال: هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا. ورواه الطبري وأحمد وغيرهما كثير.

ولقد كرر رسول الله صلى الله عليه وآله تلك الوصية طيلة حياته وفي مواقف ومناسبات متعددة، ثم أحب الله تعالى أن يؤكدها على المسلمين كافة، لأن الوصية هنا ليست شأنا شخصيا من رسول الله بل هي أمر وجَعل إلهي، فأراد الله أن يؤكدها بعد عودة رسول الله صلى الله عليه وآله من حجة الوداع، فأنزل الله تعالى على رسوله أمرا بإبلاغ الوصية للمسلمين، وأنزل قوله تعالى من سورة المائدة. الآية: ٦٧ {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين}.

روى السيوطي في الدر المنثور قال أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري قال: نزلت هذه الآية {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم غدير خم، في علي بن أبي طالب.

وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: كنا نقرأ على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} إن عليا مولى المؤمنين {وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس}.

وبعد أن بلغ رسول الله المسلمين ما أمره الله تعالى فيما يتعلق بالوصية بالإمامة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، نزلت أيضا آية

١٧
أخرى، وهي آية إكمال الدين وتمام النعمة، فكان إكمال الدين بالأمر بولاية علي عليه السلام، وتمام النعمة على المسلمين بموالاته وإمامته عليه السلام، ولذلك نستطيع ومن خلال تطابق المعاني أن نطلق على حديث الثقلين حديث كمال الدين وتمام النعمة. وكذلك حديث الولاية (من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله) نستطيع أيضا أن نطلق عليه حديث إكمال الدين وتمام النعمة.

وبعد أن أوضح رسول الله صلى الله عليه وآله وصيته أمام الناس كافة، وأمر أن يبلغ الشاهد الغائب، استنفرت قريش، واستنفر المعترضون على أمر الله ورسوله، المعارضون لإمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام. ونتيجة لإستنفار المعترضين على إرادة الله تعالى ووصية رسوله صلى الله عليه وآله، فقد حصلت حادثة هامة جدا، تبين حقيقة أخرى مرتبطة بحديث الثقلين، وهي أن كل من رفض الأمر الإلهي فيما يتعلق بالإمامة والولاية واعترض على ذلك، فإن مصيره العذاب الواقع الذي ليس له من الله دافع.

فلقد ذكرت مصادر المسلمين كافة، أن الحارث بن النعمان الفهري أتى النبي صلى الله عليه وآله على ناقة وكان بالأبطح (أبطح المدينة المنورة) فنزل وعقل ناقته، وقال للنبي صلى الله عليه وآله وهو في ملأ من أصحابه، يا محمد أمرتنا من الله أن نشهد أن لا إلَه إلا الله وأنك رسول الله فقبلنا منك ... ثم ذكر سائر أركان الإسلام ... ثم لم ترض بهذا حتى مددت بضبعي ابن عمك وفضلته علينا وقلت: من كنت مولاه فعلي مولاه! فهذا منك أم من الله؟. فقال صلى الله عليه وآله: والله الذي لا إلَه إلا هو، هو أمر الله.

فولى الحارث يريد راحلته وهو يقول: {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب اليم} فما وصل إلى راحلته، حتى رماه الله بحجر فسقط على هامته وخرج من دبره، وأنزل الله تعالى {سأل سائل بعذاب واقع، للكافرين ليس له دافع من الله ذي المعارج}.

١٨

محاولة الرسول تدوين الوصية:

ثم إن رسول الله صلى الله عليه وآله بعد كل تلك التأكيدات الشفوية على مسمع كل المسلمين، أراد أن يجعل الوصية مكتوبة مدونة قبل وفاته بثلاثة أيام، فأمر الصحابة ومن حضر عنده من الجموع، أن يأتوه بدواة وكتف ليكتب لهم كتابا ووصية حتى لا يضلوا بعده أبدا. وسنتطرق إلى موضع تلك الحادثة وتطابقها مع حديث الثقلين في محلها إن شاء الله تعالى.

ثم وفي آخر لحظات حياته صلى الله عليه وآله وسلم أكد معنى الوصية وموضوعها ومضمونها للسيدة فاطمة الزهراء عليها السلام، وقد سمع وشاهد ذلك كل من حضر في الحجرة النبوية الشريفة.

روى الهيثمي في مجمع الزوائد، والطبراني في الكبير عن علي بن علي الهلالي عن أبيه قال (دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شكاته التي قبض فيها، فإذا فاطمة رضي الله عنها عند رأسه. قال: فبكت حتى ارتفع صوتها، فرفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طرفه إليها، فقال: "حبيبتي فاطمة ما الذي يبكيك؟". فقالت: أخشى الضيعة بعدك، فقال: "يا حبيبتي أما علمت أن الله عز وجل اطلع إلى الأرض اطلاعة فاختار منها أباك فبعثه برسالته، ثم اطلع اطلاعة فاختار منها بعلك، وأوحى إلي أن أنكحك إياه، يا فاطمة ونحن أهل بيت قد أعطانا الله سبع خصال لم تعط لأحد قبلنا ولا تعطى أحداً بعدنا. أنا خاتم النبيين وأكرم النبيين على الله، وأحب المخلوقين إلى الله عز وجل، وأنا أبوك، ووصيي خير الأوصياء وأحبهم إلى الله وهو بعلك، وشهيدنا خير الشهداء، وأحبهم إلى الله، وهو عمك حمزة بن عبد المطلب وعم بعلك، ومنا من له جناحان أخضران يطير مع الملائكة في الجنة حيث شاء وهو ابن عم أبيك وأخو بعلك، ومنا سبطا هذه الأمة وهما ابناك الحسن والحسين وهما سيدا شباب أهل الجنة، وأبوهما والذي بعثني بالحق خير منهما. يا فاطمة والذي بعثني بالحق إن منهما مهدي هذه الأمة، إذا صارت الدنيا هرجاً ومرجاً وتظاهرت الفتن وتقطعت السبل، وأغار بعضهم على بعض فلا كبير يرحم صغيراً ولا صغير يوقر كبيراً، فيبعث الله عز وجل عند ذلك منهما من يفتح حصون الضلالة، وقلوباً غلفاً، يقوم بالدين آخر الزمان كما

١٩
قمت به في أول الزمان، ويملأ الدنيا عدلاً كما ملئت جوراً. يا فاطمة لا تحزني ولا تبكي فإن الله عز وجل أرحم بك وأرأف عليك مني، وذلك لمكانك من قلبي، وزوجك الله زوجاً وهو أشرف أهل بيتك حسباً وأكرمهم منصباً وأرحمهم بالرعية وأعدلهم بالسوية وأبصرهم بالقضية، وقد سألت ربي عز وجل أن تكوني أول من يلحقني من أهل بيتي).

إني تارك فيكم

وعليه فإن الرسول قد أوصى، وأكد على الوصية، من خلال ما ذكرت من بعض الدلائل، ولكننا عند العودة إلى متن حديث الثقلين نجد أن رسول الله صلى الله عليه وآله يطابق كل الأدلة على الوصية لأمير المؤمنين وأهل بيته عليهم السلام مع متن حديث الثقلين وذلك في عبارة (إني تارك فيكم) أو بلفظ آخر (تركت فيكم) أو (مخلف فيكم) أو (خلفت فيكم).

وهذه الألفاظ تؤكد وبشكل آخر، أنه صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وآله سوف يترك هذه الدنيا وينتقل إلى الرفيق الأعلى، ولكنه سوف يترك ما في وجوده يمثل وجود رسول الله، ويكون دوره من دور موقعية رسول الله في هداية المسلمين وتبيين ما يختلفون فيه. فيتحدث رسول الله من وجهة نظر المطمئن على أمته أنني تركت فيكم ما يؤكد على وجودي بينكم، فإنه لن ينقطع الدور الرسالي بانتقالي إلى الرفيق الأعلى، بل إن الرسالة سوف تستمر فيما تركته عندكم، وسوف أكون معكم وبينكم من خلال ما خلفته فيكم. تركت فيكم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والأئمة من ولده، ليبينوا لكم ما تختلفون فيه من بعدي، وليهدوكم إلى الصراط المستقيم، وليعلموكم أمور دينكم، فهم ولاة الأمر الذين أوجب الله عليكم طاعتهم وموالاتهم، فيجب عليكم معرفة أئمتكم وولاة أمركم حتى تطيعوهم. ويجب عليكم قبولهم والإقتداء بهديهم وسلوك طريقهم.

٢٠