×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

محورية حديث الثقلين في العقيدة والأحكام / الصفحات: ١٨١ - ٢٠٠

اليوم، وواقع اليوم هو نفس واقع الأمس يتجدد في كل عصر وبأشكال متعددة تناسب كل زمان ومكان.

بينما يعاني المؤمنون في كل مكان ويعيشون الغربة، حتى بين بني دينهم وجلدتهم وليس لهم ملجأ إلا الله تعالى الذي لا يخلف وعده، والذي سينصر المؤمنين المستضعفين، ويمن عليهم بالنصر والأمن بظهور الإمام الموعود المهدي المنتظر.

اللهم عجل فرجه الشريف، ومن علينا بالفرج والنصر، فلقد وصل الظلم إلى أبعد مدى تعرفه العقول، وأنت يا ألله الناصر والمستعان ولا حول ولا قوة إلا بك.

قال تعالى في سورة القصص الآية ٥ {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين}.

الأئمة من أهل البيت وشيعتهم:

روى الصدوق عن الصادق جعفر بن محمّد عليهما السلام، عن أبيه محمّد بن علي، عن أبيه عليّ بن الحسين بن علي، قال: سئل أمير المؤمنين عليه السلام عن معنى قول رسول الله صلى الله عليه وآله إنّي مخلّف فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي، مَن العترة؟ فقال: أنا والحسن والحسين والأئمة التسعة من ولد الحسين تاسعهم مهديّهم وقائمهم، لا يفارقون كتاب الله ولا يفارقهم حتّى يردوا على رسول الله صلى الله عليه وآله حوضه.

وكما عملت الغالبية من المسلمين على فصل الكتاب عن العترة الطاهرة، فإن هناك من عمل على تعزيز الصلة بينهما، والثبات على إرادة الله تعالى ووصية رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتطبيقها في كل نواحي الحياة.

فمنذ أن أوصى رسول الله صلى الله عليه وآله بالتمسك بأهل البيت عليهم السلام وبمحبتهم وولايتهم وإمامتهم، كان هناك العشرات من الصحابة الذين تشيعوا لأمير المؤمنين عليه السلام، استجابة للأمر الإلهي واتباعا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومضى هذا الخط في السير على ولاية ومشايعة أهل البيت

١٨١
عليهم السلام جيلا بعد جيل، لا يضرهم خذلان المتخاذلين ولا بغض المبغضين، ولا ظلم الظالمين، بل زادهم كل ما فعله أعداء الإرادة الإلهية صبرا وثباتا وعزيمة على التمسك بالعروة الوثقى والسير على خط الهدى وسبيل النجاة.

فقد قيد الشيعة أنفسهم بكل القيود الربانية التي فيها رضى الله سبحانه وتعالى، لا يخشون في الله لومة لائم، متحملين كل ما تحمله تلك القيود من تبعات، وتفرضه من واجبات في سبيل طاعة الله ورسوله، ونيل رضوان الله الأكبر، فلولا محافظة أئمة أهل البيت على القرآن وعلى السنة النبوية الصحيحة لضاعت أركان الدين ومعالم أحكام الدين، فهم أسباب الهدى ومنارات العلم من تمسك بهم فإنه لن يضل أبدا، وهذا يعني أنهم يمتلكون كل أسباب الهدى وعندهم كل معارف الدين التي يحتاجها المسلمون في كل زمان وفي كل مكان.

لقد شهد كل المسلمين بل وأصحاب الديانات الأخرى بأعلمية الأئمة من أهل البيت عليهم السلام من الإمام علي عليه السلام وحتى الإمام الثاني عشر المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف، وكذلك شهدوا بعدلهم وورعهم وعباداتهم وتقواهم، وكل ما يخطر على البال من فضائل وأخلاق أو سلوك يدل على سمو أشخاصهم وأرواحهم، وقد شهد بذلك العدو قبل الصديق، وهذه كتب التاريخ والسير بين أيدي كل المسلمين، لا يمكن أن تجد بها مذمة واحدة لأئمة أهل البيت عليهم السلام، بل إنها تشهد بعلمهم وفقههم وورعهم، ومع كل ذلك فلم يأتم بهم غير الشيعة أتباع أهل البيت عليهم السلام، الذين ثبتوا على محبتهم وولايتهم وبذلوا كل غال ونفيس في سبيل ذلك.

لقد تمرس الأئمة من أهل البيت عليهم السلام في العلم الرباني، وآتاهم الله تعالى من العلم الذي لم ينقطع عن مشكاة النبوة طرفة عين، ففي حين كان الخلفاء يمنعون الناس عن تدوين السنة النبوية ومعاني آيات الكتاب، لم ينقطع أمير المؤمنين عليه السلام عن ذلك، فقد شغلهم الصفق بالأسواق ولم ينشغل عليه السلام بذلك، كيف لا وهو الذي سيبين لأمة محمد ما يختلفون فيه من بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو الذي سيقاتلهم على التأويل كما قاتلهم

١٨٢
رسول الله صلى الله عليه وآله على التنزيل، وهو الإمام الذي يُقتدى به، يقاتَلُ من ورائه ويُتَقى به، وهو الذي أمر الله تعالى بحبه وولايته وإمامته، فقد ملكه الله تعالى كل مقومات الإمامة التي توجب على كل المسلمين تقديمه في كل شيء بعد رسول الله صلى الله عليه وآله.

قال تعالى في سورة يونس الآية ٣٥ {أفمن يَهدي إلى الحق أحق أن يُتبع أمن لا يهِدي إلا أن يُهدى فما لكم كيف تحكمون}.

وهذه كتب الحديث عند أهل السنة والجماعة تعترف بوجود الصحيفة العلوية، التي دونها أمير المؤمنين عليه السلام بإملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وبخط أمير المؤمنين عليه السلام.

روى البخاري ومسلم في صحيحيهما بطرق متعددة ومتون مختلفة أحاديث الصحيفة العلوية الموجودة عند أهل البيت عليهم السلام، حيث اعترف كل علماء أهل السنة والجماعة بوجود تلك الصحيفة التي تحتوي على كل الأحكام الشرعية ومعاني الآيات القرآنية وأقرووا بها بالرغم من محاولات التقليل من شأنها.

فعن يزيد بن شريك بن طارق قال: (رأيت عليّاً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ على المنبر يخطب فسمعته يقول: لا والله ما عندنا من كتاب نقرؤه إلا كتاب اللَّه، وما في هذه الصحيفة).

وكذلك كان الأئمة من أهل البيت عليهم السلام يأخذون علمهم من إمام إلى إمام عن رسول الله، وكان الواحد منهم يقول حديثي حديث أبي وحديث أبي حديث جدي وحديث جدي حديث رسول الله، فلم ينقطع علم الدين عنهم ولم يلجأووا للرأي أو القياس، ولم يثبت عنهم ولو حادثة واحدة قالوا فيها لا ندري، ولم يثبت عن أحد غيرهم قال للناس بكل جرأة وثقة قوية سلوني قبل أن تفقدوني، ولم تستعص عليهم مسألة كما استعصت على غيرهم عشرات المسائل، حتى شهد بذلك أبو بكر وعمر وغيرهم، حيث شهدوا أمام الناس بذلك، فكثيرا ما كان يقول أبوبكر لولا علي لهلك أبو بكر، وكذلك قالها عمر بن الخطاب لولا علي لهلك عمر، وقال لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن، وهناك عشرات

١٨٣
الشواهد من التاريخ تجدها في كتب الحديث والسير تبين فضلهم وعلمهم وأعلميتهم وفقههم.

وليس الأمر مقتصر على الإمام علي عليه السلام، بل إن الأمر ينطبق على كل الأئمة عليهم السلام، فكان علمهم وفضلهم وفقههم وورعهم من الأمور المسلم بها عند كل الناس.

ولذلك فإن الشيعة طبقوا حديث الثقلين من خلال التمسك بالأئمة من أهل البيت عليهم السلام، وأخذوا بضمانة عدم الضلال باتباع وصية رسول الله، وحافظوا عبر التاريخ على ملازمة الكتاب والعترة الطاهرة، ولم يستجيبوا لدعوات الفصل بينهما، ولم يقبلوا شعار حسبنا كتاب الله، بل إنهم التزموا بأمر الله تعالى وأطاعوا إرادته، فكانوا كما أخبر عنهم رسول الله صلى الله عليه وآله خير البرية.

روى السيوطي في الدر المنثور قال أخرج ابن عدي عن ابن عباس قال: لما نزلت {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية} قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام (هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين).

وأخرج ابن مردويه عن علي عليه السلام قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ألم تسمع قول الله: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية} أنت وشيعتك وموعدي وموعدكم الحوض إذا جائت الأمم للحساب تدعون غرا محجلين.

وروى السيوطي في الدر المنثور قال أخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال كنا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأقبل علي عليه السلام فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: والذي نفسي بيده، إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة، ونزلت {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية}. فكان أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أقبل علي عليه السلام، قالوا: جاء خير البرية.

١٨٤
وروى في كنز العمال وغيره عن علي عليه السلام قال: قال لي النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أنت وشيعتك في الجنة.

وروى في كنز العمال، ومجمع الزوائد والطبراني وبن عساكر وغيرهم، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي (يا علي، إن أول أربعة يدخلون الجنة أنا وأنت والحسن والحسين، وذرارينا خلف ظهورنا، وأزواجنا خلف ذرارينا، وشيعتنا عن أيماننا وعن شمائلنا).

وروى في كنز العمال ومجمع الزوائد وغيرهما عن عبد الله بن أبي نجي أن علياً أتى يوم البصير بذهب وفضة فقال: ابيضي واصفري وغري غيري، غري أهل الشام غداً إذا ظهروا عليك، فشق قوله ذلك على الناس، فذكر ذلك له، فأذن في الناس فدخلوا عليه، قال: إن خليلي صلى الله عليه وآله وسلم قال: يا علي إنك ستقدم على الله وشيعتك راضيين مرضيين، ويقدم عليك عدوك غضاب مقمحين، ثم جمع يده إلى عنقه يريد الإقماح.

وروى في مجمع الزوائد أن علي بن أبي طالب عليه السلام قال (يا رسول الله أيما أحب إليك أنا أم فاطمة؟ قال: فاطمة أحب إلي منك وأنت أعز منها، وكأني بك وأنت على حوضي تذود عنه الناس، وإن عليه الأباريق مثل عدد نجوم السماء، وإني وأنت والحسن والحسين وفاطمة وعقيل وجعفر في الجنة إخواناً على سرر متقابلين، أنت معي وشيعتك في الجنة).

روى الحاكم في المستدرك عن ميناء بن أبي ميناء، مولى عبد الرحمن بن عوف قال خذوا عني قبل أن تشاب الأحاديث بالأباطيل، سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم يقول (أنا الشجرة، وفاطمة فرعها، وعلي لقاحها، والحسن والحسين ثمرتها، وشيعتنا ورقها، وأصل الشجرة في جنة عدن، وسائر ذلك في سائر الجنة).

روى القرطبي في الجامع لأحكام القرآن أن الإمام أبو جعفر محمد الباقر عليه السلام قال (نحن وشيعتنا أصحاب اليمين).

لقد ركبوا سفينة أهل البيت عليهم السلام، فكانوا من الناجين ولذلك نطلق عليهم الفرقة الناجية، وطبقوا حديث الولاية، وحديث الثقلين، في حين نسي الآخرون

١٨٥
أهل البيت ونسوا الأحاديث التي تدعوا لولايتهم، ونسوا الآيات التي تشير إلى فضلهم وعلو مقامهم، وأذكر مرة أن أحدهم قال لي إن الشيعة يقولون في الأذان أن عليا ولي الله، فقلت وأنا أشهد بذلك ويجب عليك ذلك أيضا، فقال وكيف ذلك، قلت ألم تسمع بحديث الولاية، قال لا، فسردت عليه الحديث مع بيان تواتره عند كل طوائف المسلمين، فأجاب بأنه أول مرة في حياته يعلم بوجود مثل هذا الحديث عندنا، فقلت له هناك عشرات الآيات والأحاديث لو قرأتها عليك لقلت مثل جوابك هذا، لأن حقيقة الفرقة الناجية والتي غيبها علماء أهل السنة والجماعة اتباعا لمعاوية وأشياخه وتلامذته، لو ظهرت لأطفأ نورها كل شيء، ولظهرت الحقيقة التي غيبها أعداء الدين، ولما تأخر الناس عن اتباعها والإستضاءة بنورها والإهتداء بهديها، ولذلك فإن الشيطان وأعوانه يحاربونها بكل قوة، وهو ما تشاهده اليوم من قتل وتدمير ومؤامرات تحاك ضد الشيعة في العراق وغيرها من بقاع الأرض، وأما بقية المسلمين فلقد انتهى منهم إبليس منذ أن فصلوا الكتاب عن العترة الطاهرة ورفضوا ضمانة الهدى فساروا في طريق الضلال.

وعليه فإن خط التشيع ومن تبناه منذ أن دعى رسول الله صلى الله عليه وآله الناس إلى الإلتزام به وأوصاهم بالتمسك به، هو الخط الذي الذي حافظ على صلة الوصل بين الكتاب والعترة الطاهرة، وتمثل بوجود الأئمة الأثني عشر الذين أعلن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إمامتهم وسماهم بأسمائهم، وأوضح أنهم الأمام علي والحسن والحسين وتسعة من أبناء الحسين عليهم الصلاة والسلام آخرهم الإمام المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف، وفرج عن الأمة بظهوره، حتى تملأ الأرض قسطا وعدلا، كما ملئت ظلما وجورا وضلالا منذ وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وانتشار دعوات التفريق بين الكتاب والعترة الطاهرة من أهل البيت عليهم السلام إلى يوم قيام القائم عليه السلام، حيث لم تبق فئة من المسلمين تعمل على التمسك بوصية رسول الله والدفاع عن إرادة الله تعالى بولاية أهل البيت وإمامتهم سوى الشيعة، الذين

١٨٦
والوا أمير المؤمنين وأطاعوا الله ورسوله فيه وفي الأئمة من أهل البيت عليهم السلام، واتبعوهم وانتهجوا نهجهم، واستضاءوا بنورهم واهتدوا بهديهم، وثبتوا وصبروا على ذلك طول السنين ولازالوا على صبرهم وثباتهم حتى يظهر الله وعده ويعز المؤمنين بنصره، إنه لا يخلف الميعاد.

قال أمير المؤمنين علي عليه السلام في خطبة له: اللّهمّ وإنّي لأعلم أنّ العلم لا يأرز كلّه ولا ينقطع مواده، وانّك لا تخلي أرضك من حجّة لك على خلقك، ظاهر ليس بالمطاع أو خائف مغمور، كيلا تبطل حججك، ولا يضلّ أولياؤك بعد إذ هديتهم، بل أين هم وكم؟ أولئك الأقلّون عدداً والأعظمون عند الله جلّ ذكره قدراً، المتّبعون لقادة الدين، الأئمة الهادين الذين يتأدّبون بآدابهم وينهجون نهجهم.

فعند ذلك يهجم بهم العلم على حقيقة الإيمان، فتستجيب أرواحهم لقادة العلم، ويستلينون من حديثهم ما استوعر على غيرهم، ويأنسون بما استوحش منه المكذّبون وأباه المسرفون، أولئك أتباع العلماء، صحبوا أهل الدنيا بطاعة الله تبارك وتعالى وأوليائه، ودانوا بالتقيّة عن دينهم والخوف من عدوّهم، فأرواحهم معلّقة بالمحلّ الأعلى، فعلماؤهم وأتباعهم خرس صمت في دولة الباطل، منتظرون لدولة الحق، وسيحقّ الله الحقّ بكلماته ويمحق الباطل، ها، ها، طوبى لهم على صبرهم على دينهم في حال هدنتهم، ويا شوقاه إلى رؤيتهم في حال ظهور دولتهم، وسيجمعنا الله وإيّاهم في جنات عدن ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذريّاتهم.

قال تعالى في سورة النور الآية: ٥٥ {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا}.

١٨٧

حتى يردا علي الحوض

ذكرنا فيما سبق أن البداية كانت منذ بعثة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، عندما نصب أمير المؤمنين علياً عليه السلام خاصة عندما قال من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وعندما أعلن للمسلمين أن علياً عليه السلام وصيه وخليفته من بعده.

ثم إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أوصى ومن خلال حديث الثقلين وأحاديث أخرى غيره بأنه تارك في المسلمين من بعده كتاب الله تعالى وأهل البيت عليهم السلام وأمر بالتمسك بهما معا، وربط الكتاب والعترة الطاهرة بالحوض، بعد أن بين ماهية الحوض وأهميته بالنسبة للناس في يوم الموقف العظيم.

ثم أعلن صلى الله عليه وآله أن البداية كانت من هناك من حيث ابتدأت رحلة الثقلين معا الكتاب والعترة الطاهرة، وأعلم الناس أن الكتاب والعترة - أي الثقلين - أثناء تلك الرحلة لن يفترقا ولن يتفرقا، وذكرنا عن أحوال من بقي متمسكا بإرادة الله تعالى ووصية رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وكذلك أحوال من خطط وعمل ولازال يعمل على محاربة الإرادة الإلهية ووصية رسول الله من أجل فصل الكتاب عن العترة الطاهرة والمحافظة على عدم الجمع بينهما.

وكذلك بينا أن التمسك بالثقلين هو أهم سبب من أسباب النجاة، وأفضل ضمانة لإجتناب طريق الضلال والإلتزام بخط الهداية، من أجل الوصول إلى الغاية التي أعلن عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد تلك البداية التي ابتدأها رسول الله صلى الله عليه وآله وهي رحلة الثقلين والتشيع لأمير المؤمنين عليه السلام والتمسك بخط الأئمة من أهل البيت عليهم السلام.

ونصل هنا في هذه المرحلة من نظراتنا وبحثنا في حديث الثقلين، إلى نهاية الغاية التي توصل إليها رحلة الثقلين وهي الحوض، حيث اللقاء هناك والورود هناك على رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل البيت عليهم السلام، فتكشف الحقائق وتتوضح بشكل علني وملموس، فينقسم الناس إلى فئتين فئة الواردين

١٨٨
الشاربين الذين يستقبلهم النبي محمد وأمير المؤمنين علي والأئمة من أهل البيت عليهم السلام، وأما الفئة الأخرى فهم الذين يذودهم أمير المؤمنين عليه السلام ويمنعهم من الورود على الحوض، ويحال بين الحوض وبينهم، فيحرمون من الشرب منه.

ولذلك فإن من تمسك بالثقلين في الدنيا والتزم إرادة الله تعالى وطبق وصية رسول الله وعرف حقيقة الحوض في الدنيا، فإنه لن يضل طريقه في الدنيا ولن يضل طريق الورود على رسول الله وأمير المؤمنين وأهل البيت عليهم الصلاة والسلام في الآخرة، وكذلك من شرب من حوض الدنيا وكوثرها فإنه لا محالة وارد على الحوض في الآخرة وشارب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدا.

وأما من ترك إرادة الله تعالى ووصية رسوله ولم يتمسك بالثقلين في الدنيا، وسلك طريقا غير مأمون العاقبة، ولم يشرب من حوض علم وهداية أهل البيت في الدنيا فإنه سوف يضل طريق الحوض في الآخرة، ولن يشرب منه وسوف يذاد عنه هناك، حيث ترك ضمانة الهداية وضمانة الورود على الحوض، ولم يتمسك بما أمر الله ورسوله بالتمسك به، وترك طاعة الله ورسوله، فمن ترك تطبيق مضامين حديث الثقلين فإنه هالك لا محالة ولن يرد على الحوض.

علي ساقي الكوثر:

وهنا يجب أن ندرك أن الأدلة الشرعية عند كل طوائف المسلمين جاءت لتؤكد أن الإمام علي عليه السلام هو ساقي الكوثر وهو الذي يعرف أعداءه ومحبيه ويميز بينهم حيث يقرب المحب الموالي ويذود المبغض المنافق، وسأذكر بعضا من تلك الأدلة التي تأكد هذا المعنى.

روى في مجمع الزوائد أن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: (يا رسول الله أيما أحب إليك أنا أم فاطمة؟. قال: فاطمة أحب إلي منك وأنت أعز منها، وكأني بك وأنت على حوضي تذود عنه الناس، وإن عليه الأباريق مثل عدد نجوم السماء، وإني وأنت والحسن والحسين وفاطمة وعقيل وجعفر في الجنة إخواناً على سرر متقابلين، أنت معي وشيعتك في الجنة ثم قرأ رسول الله صلى الله

١٨٩
عليه وآله وسلم: {إخواناً على سرر متقابلين} لا ينظر أحد في قفا صاحبه. ورواه الطبراني في الأوسط.

وروى المتقي الهندي في كنز العمال عن ابن عباس قال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام: (أنت أَمامي يوم القيامة، فيدفع إلي لواء الحمد فأدفعه إليك، وأنت تذود الناس عن حوضي).

وروى في مجمع الزوائد عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (يا علي معك يوم القيامة عصا من عصي الجنة، تذود بها المنافقين عن حوضي). ورواه الطبراني.

وروى في مجمع الزوائد عن عبد الله بن إجارة بن قيس قال: سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وهو على المنبر يقول: (أنا أذود عن حوض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيدي هاتين القصيرتين الكفار والمنافقين كما تذود السقاة غريبة الإبل عن حياضهم). ورواه الطبراني

علي قسيم الجنة والنار:

إن كل ما ورد يبين أن قضية ولاية أمير المؤمنين عليه السلام وإمامته هي محور أساسي من محاور يوم القيامة، وهذا ما غفل عنه خلق كثير، حتى أن المسلمين غفلوا عن أن أمير المؤمنين عليه السلام هو قسيم الجنة والنار، أي به يتحدد من كان من أهل الجنة ومن من أهل النار. حيث يقول رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام (لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق).

وبالتالي صار من يحب عليا ويواليه في الجنة، ومن يبغضه ويعاديه في النار.

روى في كنز العمال والمناقب للخوارزمي والدارقطني في العلل عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال (أنا قسيم النار).

قال بن الأثير والقتيبي (أَراد أَن الناس فريقان: فريق معي وهم على هُدى، وفريق عليّ وهم على ضَلال، فأنا قسيم النار نصف في الجنة معي ونصف عليّ في النار).

١٩٠
وروى بن كثير في البداية والنهاية وفي فرائد السمطين عن علي عليه السلام أنه قال (أنا قسيم النار، إذا كان يوم القيامة قلت: هذا لك وهذا لي).

وروى في بصائر الدرجات عن أبي عبد الله جعفر الصادق عليه السلام قال (إذا كان يوم القيامة وضع منبر يراه جميع الخلائق، فيصعد عليه رجل، فيقوم عن يمينه ملك، وعن يساره ملك، ينادي الذي عن يمينه يا معشر الخلائق هذا علي بن أبي طالب عليه السلام يُدخل الجنة من يشاء، و ينادي الذي عن يساره يا معشر الخلائق هذا علي بن أبي طالب عليه السلام يُدخل النار من يشاء).

وروي في بصائر الدرجات عن أبي جعفر الباقر عليه السلام، قال علي عليه السلام (أنا قسيم الجنة و النار، أدخل أوليائي الجنة، و أدخل أعدائي النار).

وروى في بصائر الدرجات عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال، قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام (أنا قسيم الله بين الجنة و النار، لا يدخلهما داخل إلا على قسمين و أنا الفاروق الأكبر).

وروى في كشف الغمة أن المأمون قال للإمام علي بن موسى الرّضا عليه السلام، (يا أبا الحسن أخبرني عن جدك علي بن أبي طالب عليه السلام، بأيّ وجهٍ هو قسيم الجنّة والنّار. فقال: يا أمير المؤمنين ألم ترو عن أبيك عن آبائه عن عبد الله ابن عباس أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: حُبّ علي إيمان وبغضه كفر. فقال: بلى. قال الرضا عليه السلام: فقسّم الجنة والنّار. فقال المأمون: لا أبقاني الله بعدك يا أبا الحسن أشهد أنك وارث علم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم).

وروى في نثر الدرر سئل أحمد بن حنبل عن قول الناس: علي قسيم الجنة والنار فقال (هذا صحيح لأن النبي صلى الله عليه وآله قال لعلي عليه السلام: لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق، والمؤمن في الجنة والمنافق في النار).

١٩١

وعلى الأعراف رجال:

ومن أهم مشاهد يوم القيامة التي تبين حقيقة ما ذكرنا، وتبين أهمية تطبيق حديث الثقلين في الدنيا، وأهمية ولاية أمير المؤمنين وأهل البيت عليهم السلام، وأن تحقيق إمامة أهل البيت في الدنيا هو النجاة في القيامة، ذلك المشهد الذي تصفه سورة الأعراف بشكل واضح جلي، حيث يصف دور أهل البيت عليهم السلام ومحاورتهم الناس يوم القيامة، ويبين دورهم في الأخذ بأيدي شيعتهم إلى الجنة أمام أعدائهم، بعد تلك المحاورة.

وهذه الآيات هي من الآيات التي حاول دعاة فصل الكتاب عن العترة الطاهرة صرف معناها عن المعنى الحقيقي لها، بالرغم من أنها واضحة المعنى والدلالة في أنها تشير إلى مقام الأئمة من أهل البيت عليهم السلام.

قال تعالى في سورة الأعراف الآيات: ٤٦ - ٤٩ {وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم، ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون، وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين، ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون، أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمته، ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون}.

وعلى الأعراف رجال أي على أعراف السور؛ وهي شرفه. ومنه عرف الفرس وعرف الديك.

روى عبدالله بن أبي يزيد عن ابن عباس أنه قال: الأعراف الشيء المشرف. وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: الأعراف سور له عرف كعرف الديك. والأعراف في اللغة: المكان المشرف؛ جمع عرف.

وروى السيوطي في الدر المنثور قال أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله {وبينهما حجاب} قال: هو السور وهو الأعراف، وإنما سمي الأعراف لأن أصحابه يعرفون الناس.

١٩٢
روى في المناقب أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي عليه السلام (أنت يا علي والأوصياء من ولدك أعراف الله بين الجنة والنار، لا يدخل الجنة إلا من عرفكم وعرفتموه، ولا يدخل النار إلا من أنكركم وأنكرتموه).

وسئل الإمام الباقر عليه السلام عن هذه الآية {وعلى الأعراف رجال} فقال هم الأئمة من آل محمد صلى الله عليه وآله.

وذكر الثعلبي بإسناده عن ابن عباس في قول الله عز وجل: {وعلى الأعراف رجال}. قال: الأعراف موضع عال على الصراط، عليه العباس وحمزة وعلي بن أبي طالب وجعفر ذو الجناحين، رضي الله عنهم، يعرفون محبيهم ببياض الوجوه ومبغضيهم بسواد الوجوه.

وذكر الشوكاني في فتح القدير في قوله تعالى {وعلى الأعراف رجال} الأعراف جمع عرف وهي شرفات السور المضروب بينهم ومنه عرف الفرس وعرف الديك والأعراف لغة المكان المرتفع، وهذا الكلام خارج مخرج المدح كما في قوله تعالى رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله.

وقال الشوكاني: وقد اختلف العلماء في أصحاب الأعراف من هم؟. فقيل هم الشهداء. وقيل هم فضلاء المؤمنين فرغوا من شغل أنفسهم وتفرغوا لمطالعة أحوال الناس. وقيل هم قوم أنبياء. وقيل هم العباس وحمزة وعلي وجعفر الطيار يعرفون محبيهم ببياض الوجوه، ومبغضيهم بسوادها.

ونعود إلى تفسير الآيات، يقول تعالى {وعلى الأعراف رجال} أي على شرفات سور الأعراف وعلى أعلى وأشرف موقع منه، وهذا يدل على رفعة وعلو مقام من يقف عليه، ويشرف على الناس منه، ولذلك قال في وصفهم أنهم رجال، وكلمة رجال هنا هي على سبيل التدليل بنوعية من يقف على شرفات الأعراف، وأنهم من نوع خاص من الرجال فهي على سبيل المدح، ففي القرآن الكريم غالبا ما تأتي كلمة رجال ويراد بها معنى شرعيا خاصا كآية رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله.

{يعرفون كلا بسيماهم} أي أنه من أوصاف أولئك الرجال أنهم خبراء في أحوال الناس، يعرفون المحب من المبغض، وهذا لا ينطبق إلا على النبي

١٩٣
كتاب محورية حديث الثقلين في العقيدة والأحكام للدكتور صلاح الدين الحسيني (ص ١٩٤ - ص ٢١٠)

١٩٤
لكن أؤلئك المذنبين من شيعة أهل البيت، لم يتكلوا على أعمالهم في دخول الجنة، وإنما كانوا يطمعون بشفاعة أئمتهم عليهم السلام، التي كانوا يطمعون بها في الدنيا وفي الموقف العظيم، والتي تؤهل الموالين إلى دخول الجنة، ولكنهم كانوا ينتظرون انتهاء الحوار بين أئمتهم وبين أعدائهم الظالمين لهم، وفي هذه الأثناء كانوا ينظرون إلى أصحاب النار أعداء الإرادة الإلهية وأعداء وصي رسول الله الذين ظلموا وآذوا الله ورسوله في أهل البيت، {وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين} أي ربنا وإن كنا مقصرين في كثير من الأعمال فلقد كنا من المؤمنين الذين أطاعوا إرادتك وطبقوا وصية رسولك ووالينا أمير المؤمنين وعادينا أعداءه، ربنا فلا تجعلنا مع أولئك الظالمين الذين ظلموا محمدا وأمير المؤمنين وفاطمة الزهراء والحسن والحسين وأهل البيت عليهم الصلاة والسلام.

{ونادى أصحاب الأعراف} والمنادي هنا هم آل محمد الذين هم أصحاب الأعراف وسادته {رجالا يعرفونهم بسيماهم} لأن أصحاب الأعراف أهل العلم والمعرفة، يعرفون محبيهم من مبغضيهم، فينادون على رجال من عتاة مبغضيهم وعلى ظالميهم وظالمي شيعتهم، يعرفونهم بعلامات معينة منها سواد وجوههم، فيقولون لهم {ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون} أي ما الذي استفدتم من جمعكم الذي جمعتموه ضد أمير المؤمنين علي عليه السلام في المعارك التي جمعتم وحشدتم ضده، وما أغنى عنكم جمعكم الذي جمعتم ضد الإمام الحسن وضد الإمام أبي عبد الله الحسين في كربلاء، وما أغنت عنكم جموعكم التي جمعتموها ضد أهل البيت وضد فكرهم وثقافتهم المحمدية البيضاء، وقد كنتم استكبرتم وترفعتم عن طاعة الله في إرادته، وتركتم وصية نبيكم في إمامة أمير المؤمنين، ونقضتم كل العهود التي قطعتموها لرسول الله، ثم لم تستكفوا بذلك بل إنكم ظلمتم أهل البيت وقتلتموهم، وظلمتم أتباعهم، واستهزأتم بهم، وكفرتموهم وصددتم الناس عنهم وعن سبيلهم. لكنهم صبروا وثبتوا على إيمانهم مقابل ظلمكم وحشودكم وجمعكم، إنهم اليوم هنا بعد رحلة طويلة من الإيمان والإخلاص والولاء والطاعة والإلتزام بالثقلين وبحب أصحاب

١٩٥
وسادة الأعراف أهل البيت عليهم السلام، ثم يقول الأئمة عليهم السلام للظالمين والمنافقين، وهم يشيرون إلى المؤمنين أشياعهم {أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمته} أي أيها الظالمون لمحمد وأهل بيته وشيعتهم، أهؤلاء أي شيعة أهل البيت، الذين استهزأتم بهم، وحكمتم عليهم بالكفر، واستبعدتم أن تنالهم رحمة الله تعالى، هاهم انظروا إليهم، هؤلاء هم شيعة محمد وأهل بيت محمد.

ثم يتوجه أصحاب وسادة الأعراف بالكلام إلى شيعة أهل البيت عليهم الصلاة والرحمة و السلام، قائلين لهم {ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون}.

وهنا ينتهي هذا المشهد الرائع من سورة الأعراف الذي يقسم فيه أمير المؤمنين علي عليه السلام الناس يوم القيامة، فيدخل المحبين إلى الجنة والمبغضين الظالمين إلى النار، فكما وصفت الأحاديث التي ذكرنا جملة منها أنه عليه السلام قسيم الجنة والنار، وكانت هذه الآيات من سورة الأعراف تؤكد نفس المعنى وبشكل أوسع.

أئمتنا من أهل البيت وفدنا إلى الله:

ثم إن كل الناس يوم القيامة يأتون على الحوض، يتقدمهم أئمتهم الذين كانوا يقتدون بهم في الدنيا، فمن كان إمامه في الدنيا علي بن أبي طالب عليه السلام، فإنه في يوم القيامة أيضا إمامه يرد عليه الحوض ويعرفه، ويقدمه ويسقيه، فإمامه هو صاحب الأمر على الحوض، وهو الساقي بأمر الله عليه، الذي يقرب من تمسك به ووالاه واهتدى بهديه في الدنيا كما أمر الله تعالى ورسوله الكريم. ويذود من خالف أمر الله وترك وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وترك التمسك بولايته وإمامته عليه السلام في الدنيا أثناء رحلة الثقلين إلى الحوض.

قال تعالى في سورة الإسراء الآية: ٧١ {يوم ندعوا كل أناس بإمامهم}.

١٩٦
روى السيوطي في الدر المنثور قال أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {يوم ندعو كل أناس بإمامهم} قال: إمام هدى وإمام ضلالة.

وروى السيوطي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (اجعلوا أئمتكم خياركم؛ فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم).

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (أئمتكم وفدكم إلى الله فانظروا من توفدون).

فالقضية يوم القيامة ليست الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وآله، فكل المسلمين يوم القيامة يقبلون على الله تعالى وهم مؤمنون بنبوة محمد، ولا يختلف في ذلك أحد، وإنما القضية يومئذ في مضمون الرسالة المحمدية وهو الإمامة وما يتعلق بها، وهي القضية التي اختلف المسلمون فيها، وهو ما بينته الآية السابقة والحديث المذكور.

أحوال المخالفين على الحوض:

تلك كانت بعض أحوال من أقبل على الله يوم القيامة مطيعاٍ لإرادة الله تعالى متمسكا بوصية رسول الله صلى الله عليه وآله ملتزما بإمامة أمير المؤمنين علياً عليه السلام والأئمة من ولده، راكبا سفينة أهل البيت عليهم السلام مستنيراً بمصابيح الهدى مقتديا بأعلام الورى محبا لهم ولأوليائهم، معاديا لأعدائهم، لا يخشى في الله لومة لائم.

وأما بالنسبة لأحوال المخالفين، الذين لم يطيعوا الله تعالى في إرادته، ولم يلتفتوا إلى وصية رسول الله صلى الله عليه وآله، وتركوا التمسك بأهل البيت وإمامتهم، ونقضوا عهودهم مع رسول الله صلى الله عليه وآله قبل بيعة الغدير وبعدها، فإن حالهم مختلف عن حال المؤمنين، وسيكون ورودهم على الحوض وكشف أحوالهم هناك صدمة شديدة لمن والاهم، واقتدى بتركهم ورفضهم ولاية أمير المؤمنين وأهل البيت عليهم السلام، كما أمر الله تعالى وأوصى رسوله الأمين محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

١٩٧
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله كثيرا ما ينبه المسلمين لتلك الحقيقة في كل الأحوال وفي الحل والترحال، وهي حقيقة الورود على الحوض، وأهمية ذلك اليوم العظيم وعلاقة الورود على الحوض والشرب منه مع أهل البيت والتمسك بهم وولايتهم ومتابعتهم والإقتداء بنورهم وهديهم.

ومما يدلل على أهمية أية موضوع، كثرة التحدث عنه ولفت النظر إليه، وهذا ما أكدت عليه مئات الروايات التي وردت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التي ربطت موضوع الحوض وعلاقته بولاية أهل البيت عليهم السلام، وأن العنوان الكبير لصحائف الناس يوم القيامة وعلى الحوض هو حب علي وولايته أو بغض علي ومعاداته.

فقد روى في كنز العمال، والسيوطي في الجامع الصغير، والمناوي وغيرهم كثير عن أنس قال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (عنوان صحيفة المؤمن حب علي بن أبي طالب).

ولذلك فإنني سوف أتعرض لبعض الروايات التي تتعلق بالمعنى الذي ذهبنا إليه.

وتبين كيف كان رسول الله صلى الله عليه وآله يربط عشرات الأوامر والنواهي بقضية الحوض والورود عليه أو التحذير من عدم الورود عليه وإليك جملة منها على سبيل المثال وليس الحصر.

روى السيوطي في الجامع الصغير عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وآله (عفوا تعف نساؤكم، وبروا آباءكم تبركم أبناؤكم، ومن اعتذر إلى أخيه المسلم من شيء بلغه عنه فلم يقبل عذره لم يرد علي الحوض).

وروى الحاكم وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال (إنه سيكون أمراء من بعدي فلا تصدقوهم بكذبهم، ولا تعينوهم على ظلمهم، فإنه من صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فلن يرد علي الحوض).

وروى في كنز العمال عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال (صنفان من أمتي لا يردان علي الحوض ولا يدخلان الجنة: القدرية والمرجئة).

وروى في كنز العمال عن حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (اسمعوا قلنا سمعنا قال: اسمعوا ثلاثا، إنه سيكون عليكم أمراء

١٩٨
يكذبون ويظلمون فمن دخل عليهم فصدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولا أنا منه ولن يرد على الحوض، ومن لم يدخل عليهم ولم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه وهو وارد علي الحوض).

وروى في كنز العمال عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (ليتني أرى إخواني وردوا علي الحوض، فأستقبلهم بالآنية فيها الشراب فأسقيهم من حوضي قبل أن يدخلوا الجنة، قيل: يا رسول الله، ألسنا أخوانك؟ قال: أنتم أصحابي، وإخواني من آمن بي ولم يرني).

وروى السيوطي في الجامع الصغير أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لتزدحمن هذه الأمة على الحوض ازدحام إبل وردت لخمس).

وروى الحاكم في المستدرك عن سلمان رضي الله تعالى عنه قال،قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم (أولكم واردا على الحوض، أولكم إسلاما، علي بن أبي طالب).

وروى البخاري في صحيحه عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال للأنصار (إنكم سترون بعدي أثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم على الحوض، قال أنس: فلم نصبر).

كانت تلك بعض الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو يحث الناس على أن يهتموا بقضية الورود على الحوض في الآخرة، حيث أظهر صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطاهرين، ارتباط الحوض ارتباطا وثيقا مع أمير المؤمنين عليه السلام ومع أهل البيت ومع أهم قضية محورية عند المسلمين وهي ولاية أهل البيت وإمامتهم، ولذلك قال في حديث الثقلين عن الكتاب والعترة الطاهرة من أهل البيت عليهم السلام أنهما لن يفترقا ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض، وأن القضية الأساسية في ذلك الموقف العظيم، هي مظلومية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.

وقد ورد في صحاح ومسانيد أهل السنة والجماعة وبشكل لايقبل التأويل ما يبين ذلك المعنى ويؤكد عليه.

١٩٩
فقد روى البخاري في صحيحه، عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: (أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة).

وأما لوصف حال من يذاد عن الحوض من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله، وحال من غير وبدل ونقض عهده مع رسول الله صلى الله عليه وآله في ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، ولم يتمسك بإمامته وإمامة الأئمة من أهل البيت عليهم السلام، بل وعمل على طمس حقوقهم وأحقيتهم، وظَلَمَهُم وآذاهُم، وعمل على الفصل والتفريق بين الكتاب والعترة الطاهرة، وصد عن سبيل إمامة أمير المؤمنين عليه السلام، فإليك جملة يسيرة مما ورد عند أهل السنة والجماعة من أحاديث تبين حقيقة أمر أولئك.

روى الطبري في جامع البيان عن قتاده، في قوله تعالى: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} ... الآية، لقد كفر أقوام بعد إيمانهم كما تسمعون، ولقد ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول: والذي نفس محمد بيده، ليردن علي الحوض ممن صحبني أقوام، حتى إذا رفعوا إلي ورأيتهم اختلجوا دوني، فلأقولن رب أصحابي أصحابي، فليقالن إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. وقوله: {وأما الذين أبيضت وجوههم ففي رحمة الله} هؤلاء أهل طاعة الله والوفاء بعهد الله، قال الله عز وجل: {ففي رحمة الله هم فيها خالدون}.

وروى البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (يرد علي الحوض رجال من أصحابي، فيحلَّؤون عنه، فأقول: يا رب أصحابي؟ فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى).

وروى مسلم في صحيحه عن أنس قال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (ليردن علي الحوض رجال ممن صاحبني، حتى إذا رأيتهم ورفعوا إلي، اختُلِجوا دوني، فأقولن أي رب أصيحابي أصيحابي، فيقالن لي، إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك).

وروى البخاري في صحيحه عن أبي حازم قال: سمعت سهل بن سعد يقول:

سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (أنا فرطكم على الحوض، من ورده شرب منه، ومن شرب منه لم يظمأ بعده أبداً، ليردنَّ عليَّ أقوام أعرفهم

٢٠٠