×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

محورية حديث الثقلين في العقيدة والأحكام / الصفحات: ٢١ - ٤٠

طاعة أولي الأمر:

قال تعالى في سورة النساء الآية ٥٩ {يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}.

روى في الكافي عن الإمام الصادق عليه السلام في قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}. إيانا عنى خاصة أمر جميع المؤمنين إلى يوم القيامة بطاعتنا.

وفي الكافي عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن الأوصياء، طاعتهم مفروضة؟. قال نعم هم الذين قال الله تعالى فيهم {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}.

وروى في الكافي عن الإمام الصادق عليه السلام في هذه الآية قال نزلت في علي بن أبي طالب والحسن والحسين عليهم الصلاة والسلام، فقيل إن الناس يقولون فماله لم يسم عليا وأهل بيته في كتابه، قال، فقولوا لهم نزلت الصلاة ولم يسم الله لهم ثلاثا ولا أربعا حتى كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسر ذلك لهم، ونزلت عليه الزكاة ولم يسم لهم من كل أربعين درهما درهم حتى كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي فسر ذلك لهم، ونزل الحج فلم يقل طوفوا أسبوعا حتى كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، ونزلت {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}، ونزلت في علي والحسن والحسين عليهم السلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في علي من كنت مولاه فعليّ مولاه، وقال أوصيكم بكتاب الله وأهل بيتي، فإني سألت الله أن لا يفرق بينهما حتى يوردهما عليّ الحوض فأعطاني ذلك، وقال لا تعلموهم فإنهم أعلم منكم، وقال إنهم لن يخرجوكم من باب هدى ولن يدخلوكم في باب ضلالة، فلو سكت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يبين من أهل بيته، لادعاها آل فلان وآل فلان، ولكن الله أنزل في كتابه تصديقا لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم، {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} فكان علي والحسن والحسين وفاطمة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فأدخلهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحت الكساء في بيت أم سلمة، ثم قال

٢١
صلى الله عليه وآله وسلم، اللهم إن لكل نبي أهلا وثقلا وهؤلاء أهل بيتي وثقلي. فقالت أم سلمة ألست من أهلك؟. فقال إنك على خير، ولكن هؤلاء أهل بيتي وثقلي.

وفي هذا المعنى وردت عشرات الآيات وكذلك الأحاديث النبوية الشريفة، فكل الآيات التي تأمر بطاعة رسول الله واضحة الدلالة بوجوب إتباع كل ما يأمر به صلى الله عليه وآله، فهو لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، ولا يمكن أن يوصي رسول الله بشيء إلا وهو على بصيرة من ربه أن ذلك الموصى به هو مراد الله تعالى، وأن متابعة الموصى به تحمي الأمة من الضلال والزيغ، وتحمي إستمرارية الدعوة المحمدية، كما لو أن رسول الله صلى الله عليه وآله موجود بيننا. قال تعالى في سورة الحشر الآية ٧ {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب}.

أي أن ما أمركم به رسول الله صلى الله عليه وآله وأوصى به، هو أمر الله تعالى وهو مراده سبحانه.

مقومات أولي الأمر الذين أوصى بهم رسول الله:

ولذلك ظل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبين حقائق كثيرة، تكشف لكل منصف حقيقة وأحقية ما تركه لنا من بعده، وجاءت الآيات تؤكد ذلك المعنى وتبعتها الأحاديث الشريفة أيضا، بأن ما تركه لنا رسول الله من بعده هو الهدى والصراط المستقيم والسبيل القويم المنجي من الضلال ومن العذاب الأليم.

روى السيوطي في الدر المنثور قال: أخرج ابن جرير وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة، والديلمي وابن عساكر وابن النجار قال: لما نزلت {إنما أنت منذر ولكل قوم هاد} وضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يده على صدره فقال "أنا المنذر، وأومأ بيده إلى منكب علي عليه السلام فقال (أنت الهادي يا علي، بك يهتدي المهتدون من بعدي).

٢٢
وأخرج ابن مردويه عن أبي برزة الأسلمي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول" {إنما أنت منذر} ووضع يده على صدر نفسه، ثم وضعها على صدر علي ويقول: {لكل قوم هاد}.

وأخرج ابن مردويه والضياء في المختارة، عن ابن عباس في الآية. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (المنذر أنا والهادي علي بن أبي طالب عليه السلام).

وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند، وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط، والحاكم وصححه وابن مردويه وابن عساكر، عن علي بن أبي طالب عليه السلام في قوله {إنما أنت منذر ولكل قوم هاد} قال: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنا المنذر، وعلي الهادي.

وروى الحاكم في المستدرك عن أنس بن مالك أن النبي -صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قال لعلي عليه السلام (أنت تبين لأمتي ما اختلفوا فيه من بعدي). ورواه الديلمي وفي كنز العمال.

وحتى يبين رسول الله صلى الله عليه وآله أنه ترك بعده قائدا عظيما وإماما قدوة للناس قال: (يا علي أنا أقاتلهم على تنزيل القرآن وأنت تقاتلهم على تأويله). رواه الخوارزمي والقندوزي الحنفي وابن حجر في الإصابة، ورواه في كنز العمال، وغيرها كثير.

وأخرج ابن مردويه من طريق محمد بن مروان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن جابر بن عبد الله: "عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: {فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون} نزلت في علي بن أبي طالب، أنه ينتقم من الناكثين والقاسطين بعدي. رواه السيوطي في الدر المنثور.

وروى في مجمع الزوائد عن علي بن ربيعة قال: سمعت علياً على منبركم هذا يقول: عهد إلي النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن أقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين.

٢٣
ومن المحطات المهمة التي تبين حقيقة ما خلفه لنا رسول الله صلى الله عليه وآله آية الولاية، وهي قوله تعالى في سورة المائدة الآية ٥٥ {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا، الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} ..

روى القرطبي في الجامع لأحكام القرآن قال: نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام، وقاله مجاهد والسدي، وحملهم على ذلك قوله تعالى: {الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون}. وذلك أن سائلا سأل في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يعطه أحد شيئا، وكان علي في الصلاة في الركوع وفي يمينه خاتم، فأشار إلى السائل بيده حتى أخذه.

وروى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس في قوله {إنما وليكم الله ورسوله ...} الآية. قال: نزلت في علي بن أبي طالب.

وروى الطبراني في الأوسط وابن مردويه عن عمار بن ياسر قال: وقف بعلي عليه السلام سائل وهو راكع في صلاة تطوع، فنزع خاتمه فاعطاه السائل، فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاعلمه ذلك، فنزلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذه الآية {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه، ثم قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه.

وروى السيوطي في الدر المنثور قال أخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن علي ابن أبي طالب عليه السلام، قال: نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته {إنما وليكم الله ورسوله والذين ....} إلى آخر الآية. فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فدخل المسجد، جاء والناس يصلون بين راكع وساجد وقائم يصلي، فإذا سائل فقال: يا سائل، هل أعطاك أحد شيئا؟ قال: لا، إلا ذاك الراكع (لعلي بن أبي طالب) أعطاني خاتمه.

وروى ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن سلمة بن كهيل قال: تصدق علي بخاتمه وهو راكع، فنزلت {إنما وليكم الله} الآية.

٢٤
وروى ابن جرير وغيره عن مجاهد في قوله {إنما وليكم الله ورسوله ...} الآية نزلت في علي بن أبي طالب، تصدق وهو راكع.

وروى ابن جرير عن السدي وعتبة بن حكيم مثله.

وروى السيوطي في الدر المنثور قال أخرج ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: أتى عبد الله بن سلام ورهط معه من أهل الكتاب نبي الله صلى الله عليه وسلم عند الظهر، فقالوا يا رسول الله، ان بيوتنا قاصية لا نجد من يجالسنا ويخالطنا دون هذا المسجد، وإن قومنا لما رأونا قد صدقنا الله ورسوله وتركنا دينهم أظهروا العداوة وأقسموا ان لا يخالطونا ولا يؤاكلونا، فشق ذلك علينا، فبيناهم يشكون ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} ونودي بالصلاة صلاة الظهر، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا سائل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أعطاك أحد شيئا؟ قال: نعم. قال: من؟ قال: ذاك الرجل القائم. قال: على أي حال أعطاكه؟ قال: وهو راكع. قال: وذلك علي بن أبي طالب، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك وهو يقول {ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون} المائدة الآية ٥٦.

وبالإضافة إلى كل ما ذكرنا من روايات تؤكد أنها نزلت في علي أمير المؤمنين عليه السلام، ومن أن تدعيم المعنى وبشكل أكبر وأقوى فإنني أضيف آيات أخرى تدل على مقومات الأئمة الذين خلفهم لنا رسول الله صلى الله عليه وآله من بعده لعلها تعطي صورة أوضح لمن يحاول أن يشكك في إختيار الله تعالى للمسلمين.

حيث أنها لم تكن المرة الوحيدة التي لا يستجيب لنداء الله ورسوله سوى أمير المؤمنين وأهل البيت عليهم السلام، فكل المسلمين يعرفون سبب نزول سورة الدهر عندما قال الله تعالى في علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام بعدما تصدقوا بطعامهم أياما متتالية وكانوا محتاجين لذلك الطعام حيث أنهم

٢٥
كانوا يوفون بنذر نذروه لله تعالى من خلال الصوم فمدحهم الله تعالى وأنزل سورة الدهر.

قال تعالى في سورة الإنسان الآيات ٧ - ٩ {يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا، ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا، إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا}.

ثم إليك آية النجوى التي لم يطبقها إلا أمير المؤمنين عليه السلام ولن يطبقها أحد غيره، عندما أمر الله تعالى المسلمين إذا أرادوا أن يناجوا رسول الله صلى الله عليه وآله فعليهم أن يقدموا بين يدي نجواهم صدقة، فلم يستجب أحد لذلك الأمر الإلهي سوى علي بن أبي طالب عليه السلام.

قال تعالى في سورة المجادلة الآية ١٢ {يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير لكم وأطهر فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم}.

روى الحاكم في المستدرك وغيره كثير عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: إن في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد، ولا يعمل بها أحد بعدي، آية النجوى. {يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة}.

قال عليه السلام: كان عندي دينار، فبعته بعشرة دراهم، فناجيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فكنت كلما ناجيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم قدمت بين يدي نجواي درهما، ثم نسخت، فلم يعمل بها أحد، فنزلت: {أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات} [المجادلة: ١٣]الآية.

وروى القرطبي في الجامع عن ابن عمر أنه قال: ابن عمر: لقد كانت لعلي رضي الله عنه ثلاثة لو كانت لي واحدة منهن كانت أحب إلي من حمر النعم: تزويجه فاطمة، وإعطاؤه الراية يوم خيبر، وآية النجوى.

وروى السيوطي في الدر المنثور قال أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {إذا ناجيتم الرسول} الآية قال: إن المسلمين أكثروا المسائل على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شقوا عليه، فأراد الله

٢٦
أن يخفف عن نبيه صلى الله عليه وسلم، فلما قال ذلك: امتنع كثير من الناس وكفوا عن المسألة فأنزل الله بعد هذا {أأشفقتم} الآية فوسع الله عليهم ولم يضيق.

وروى السيوطي في الدر المنثور قال أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن علي قال: ما عمل بها أحد غيري.

وروى السيوطي أيضا قال أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: نهوا عن مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم حتى يقدموا صدقة فلم يناجه إلا علي بن أبي طالب، فإنه قد قدم دينارا فتصدق به، ثم ناجى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن عشر خصال. ومن أحب أن يعرف عن تلك العشر خصال فليراجع كتاب الكافي وغيره من كتب الحديث.

ومن الدلائل والمقومات على حقيقة ما خلفه وتركه لنا رسول الله من بعده فهم أولي الأمر الذين اجتباهم واختارهم الله لنا وهم علي والأئمة من ولده عليهم السلام الروايات التالية.

روى السيوطي في الجامع الصغير عن ابن عباس وعن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال (أنا مدينة العلم، وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب).

وروى السيوطي والطبراني والحاكم عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال (علي مع القرآن والقرآن مع علي، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض).

ثم إن هناك عشرات الحوادث والمسائل التي عجز عن معرفتها والإجابة عليها كل الصحابة بعد رسول الله، فلم يكن يحل كل تلك المسائل والإشكالات أو يجيب عن المسائل المستعصية إلا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وكتب الصحاح والسنن شاهدة على ذلك، ولا يتسع المقام لذكرها كلها في هذا البحث، لكنها كلها تبين أعلمية ومعرفة وشجاعة وأفضلية أمير المؤمنين الذي تركه رسول الله صلى الله عليه وآله ليبين لأمته ما يختلفون فيه من بعده، ولقد شهد بذلك كل الصحابة ومنهم أبو بكر وعمر.

٢٧
فلقد روى في فتح الباري شرح صحيح البخاري عن رواية سعيد بن المسيب قال: كان عمر يتعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن.

وروى مالك قال: لم يكن أحد من الصحب يقول: اسألوني إلا علي بن أبي طالب.

وروى السيوطي وغير أن عمر كان يقول: لولا عليّ هلك عمر واتفق له مع أبي بكر.

وروى في مجمع الزوائد عن أبي ذر قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وعلى آله وسلم لعلي: يا علي من فارقني فارق اللّه ومن فارقك فارقني. ورواه البزار.

حقيقة الإستغفار:

ومما يلفت النظر في تبيان أهمية ما خلفه رسول الله صلى الله عليه وآله لأمته، وتركه بعد وفاته، وأوصى بالتمسك به حتى يكون سببا للنجاة من العذاب، ونجاة من الزيغ والضلال، وهو الإستغفار والمغفرة والغفران، ويتمثل المعنى الحقيقي في هذه الكلمات من خلال قوله تعالى في سورة الأنفال الآية: ٣٣ {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون}.

والإستغفار الحقيقي معناه ولاية الإمام علي عليه السلام والأئمة من ولده عليهم السلام والدخول في طاعتهم وموالاتهم والإقتداء بهديهم، وهذا المعنى تستطيع أن تستنبطه مما سأذكره من آيات وأحاديث من خلال ترابطها مع بعضها وتلازمها في المعنى والمضمون والموضوع.

فالإستغفار في الآية معناه الأمان من العذاب والأمان والنجاة في الدنيا والآخرة، ومعناه التسليم لأمر الله، ومعناه الإستسلام.

أليس الدخول في ولاية أهل البيت عليهم السلام أمان ونجاة وبعد عن الضلال والهلاك؟.

وذكر القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عن عكرمة ومجاهد أن معنى يستغفرون في الآية هو يسلمون ويستسلمون.

٢٨
كتاب محورية حديث الثقلين في العقيدة والأحكام للدكتور صلاح الدين الحسيني (ص ٢٩ - ص ٣٩)

٢٩
وعليه فإن أهل البيت عليهم السلام أمان لنا من الإختلاف ومن العذاب ومن الضلال، وقد بينت الأحاديث السابقة أن الله ترك لنا بعد رسول الله أمان وهم أهل البيت عليهم السلام.

ثم انظر إلى الحديث الآتي، الذي يحدد معنى الإستغفار والغفران والمغفرة بأنه الدخول في ولاية أهل البيت عليهم السلام والتمسك بهم وبهديهم وطاعتهم والإعتراف بإمامتهم بعد رسول الله وبشكل واضح.

فقد روى في مجمع الزوائد عن أبي سعيد الخدري قال، سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول (إنما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق، وإنما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني إسرائيل من دخله غفر له (. ورواه الطبراني في الكبير والأوسط. ورواه في كنز العمال عن أبي ذر.

ومعنى الحديث أن من دخل في ولايتهم عليهم السلام غفر له، مما يؤكد معنى الإستغفار بأنه الأمان بأهل البيت والنجاة من العذاب بمتابعة أهل البيت، والهداية بالإقتداء بأهل البيت، والمغفرة بالدخول تحت طاعتهم.

وإليك الآية التالية التي تبين ترابط معنى المغفرة والتوبة والعمل الصالح والهداية والإهتداء بولاية أهل البيت عليهم السلام وإمامتهم.

قال تعالى في سورة طه الآية ٨٢ {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى}.

روى الطبري في الجامع قال حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري، قال: أخبرنا عمر بن شاكر، قال: سمعت ثابتا البناني يقول في قوله: {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى} قال: إلى ولاية أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

كلمات الله:

وقال تعالى في سورة البقرة الآية ٣٧ {فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم}.

٣٠
فهم عليهم السلام كلمات الله، فليست كلمات الله تعالى في الآية تختص بالكلام المحكي والمدون، وإنما تعني أشخاصا معينين، وهم النبي محمد والأئمة من أهل البيت عليهم الصلاة والسلام، وهذا وارد في القرآن الكريم في غير الآية المذكورة، بحيث يكون المقصود بكلمات الله أشخاصا معينين، كقوله تعالى في خصوص نبي الله عيسى عليه السلام.

قال تعالى في سورة النساء الآية ١٧١ {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه}.

روى السيوطي في الدر المنثور قال أخرج ابن النجار عن ابن عباس قال سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه قال: (سأل بحق محمد، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين، ألا تبت علي فتاب عليه).

وأخرج الديلمي في مسند الفردوس أن آدم عليه السلام قال: (اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد، سبحانك لا إله إلا أنت عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم. اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد سبحانك لا إله إلا أنت عملت سوءا وظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم. فهؤلاء الكلمات التي تلقى آدم).

وروى في بحار الأنوار عن ابن عباس قال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لما نزلت الخطيئة بآدم و أخرج من الجنَّة أتاه جبرئيل عليه السلام فقال يا آدم أدع ربك، قال يا حبيبي جبرئيل ما أدعو؟ قال قل ربِّ أسألك بحق الخمسة الذين تخرجهم من صلبي آخر الزمان إلا تبت علي ورحمتني، فقال له آدم يا جبرئيل سمِّهم لي، قال قل اللهم بحق محمد نبيك وبحق على وصي نبيك وبحق فاطمة بنت نبيك وبحق الحسن والحسين سبطي نبيك إلا تبت علي فارحمني، فدعا بهن آدم فتاب الله عليه، وذلك قول الله تعالى: فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه، وما من عبد مكروب يخلص النية ويدعو بهن إلا استجاب الله له.

٣١
وبذلك يتوضح أيضا معنى كلمات الله، فقد ثبت أن النبي محمد والأئمة المعصومين هم كلمات الله التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم.

وهم عليهم السلام أيضا الحق الذي ليس بعده إلا الضلال، فمن اتبعهم اهتدى ومن اهتدى كان على الحق ومع الحق، ومن تركهم وترك ولايتهم وهداهم ضل، ومن ضل كان على الباطل ومع الباطل، ولا يعرف الحق إلا بهم، فهم الحق وأهل الحق.

قال تعالى في سورة الأنفال الآية ٨ {ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين، ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون}.

وقال تعالى في سورة يونس. الآية: ٨٢ {ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون}.

وقال تعالى في سورة الشورى الآية ٢٤ {ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور}.

الوسيلة إلى الله تعالى:

ولتوضيح معنى الإستغفار والغفران والمغفرة وكلمات الله المرتبطة ارتباطا وثيقا بولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وولاية أهل البيت وإمامتهم، يجب أن نبين معنى الوسيلة إلى ذلك.

قال تعالى في سورة المائدة الآية ٣٥ {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة}.

وقال تعالى في سورة الإسراء الآية ٥٧ {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا}.

والوسيلة هي القربة، والتقرب إلى الله تعالى بمحابه وبما يرضيه، وهي الإيمان كما ورد في عدد من الروايات.

فلقد روى العديد من علماء أهل السنة وكذلك الشيعة أن الوسيلة هم الأئمة المعصومين من أهل البيت عليهم السلام.

٣٢
ولقد طبق التوسل بالنبي وأهل البيت عليهم الصلاة والسلام رسولنا محمد صلى الله عليه وآله وعلمه للناس، كما طبق ذلك الصحابة وتوسلوا برسول الله وأهل بيته.

فقد روى الحاكم في المستدرك عن عثمان بن حنيف رضي الله تعالى عنه -:

أن رجلا ضريرا أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ادع الله تعالى أن يعافيني. قال: إن شئت أخرت ذلك وإن شئت دعوت. قال: فادعه.

قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن الوضوء، ويصلي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء:

اللهم أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد صلى الله عليه وآله وسلم نبي الرحمن، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك في حاجتي هذه، فتقضيها لي، اللهم شفعه في وشفعني فيه. ورواه الترمذي، وفي كنز العمال ومجمع الزوائد.

والتوسل بالنبي وأهل البيت عليهم السلام مشروع في حياة النبي وبعد وفاته.

فقد روى الهيثمي في مجمع الزوائد عن عثمان بن حنيف أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له، فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فلقى عثمان بن حنيف فشكا ذلك إليه. فقال له عثمان بن حنيف: إئت الميضأة فتوضأ، ثم إئت المسجد فصل فيه ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فيقضي لي حاجتي، وتذكر حاجتك، ورح إلي حين أروح معك. فانطلق الرجل فصنع ما قال له ثم أتى باب عثمان فجاء البواب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة وقال: حاجتك؟ فذكر حاجته فقضاها له ثم قال له: ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة، وقال: ما كانت لك من حاجة فائتنا، ثم إن الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال له: جزاك الله خيراً ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إلي حتى كلمته فيّ، فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلمته، ولكن شهدت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأتاه رجل ضرير فشكا إليه ذهاب بصره فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أو تصبر؟ فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد وقد شق علي، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ائت الميضأة

٣٣
فتوضأ ثم صل ركعتين ثم ادع بهذه الدعوات. فقال عثمان بن حنيف: فوالله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل عليه الرجل كأنه لم يكن به ضرر قط.

ولقد توسل الأعرابي برسول الله صلى الله عليه وآله بعد وفاته وعلى مرآى ومسمع الصحابة ولم يعترض عليه أحد، ومع أنه أعرابي أي أنه ليس متبحرا في علوم الدين، لكنه فهم مشروعية التوسل من الآية القرآنية مباشرة.

قال تعالى في سورة النساء الآية ٦٤ {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما}.

روى القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عن علي عليه السلام قال: قدم علينا أعرابي بعد ما دفنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بثلاثة أيام، فرمى بنفسه على قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحثا على رأسه من ترابه؛ فقال: قلت يا رسول الله فسمعنا قولك، ووعيت عن الله فوعينا عنك، وكان فيما أنزل الله عليك {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم ... الآية}، وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي. فنودي من القبر أنه قد غفر لك.

وروى السيوطي في الدر المنثور قال أخرج البيهقي عن أبي حرب الهلالي قال: حج أعرابي إلى باب مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أناخ راحلته، فعقلها ثم دخل المسجد حتى أتى القبر، ووقف بحذاء وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، جئتك مثقلا بالذنوب والخطايا، مستشفعا بك على ربك لأنه قال في محكم تنزيله {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما}. وقد جئتك بأبي أنت وأمي مثقلا بالذنوب والخطايا، أستشفع بك على ربك أن يغفر لي ذنوبي وأن تشفع في، ثم أقبل في عرض الناس وهو يقول:


يا خير من دفنت في الترب أعظمهفطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنهفيه العفاف وفيه الجود والكرم

وروى ابن أبي الدنيا والبيهقي عن أبي فديك قال: سمعت بعض من أدركت يقول: بلغنا أنه من وقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فتلا هذه الآية {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا

٣٤
تسليما}. صلى الله عليك يا محمد حتى يقولها سبعين مرة، فأجابه ملك: صلى الله عليك يا فلان لم تسقط لك حاجة.

ثم إن الصحابة قد توسلوا بأشخاص معينين كما يروي ذلك البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب. فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال فيسقون.

ولقد بينت في كتابي الإبتلاء سنة إلهية على بساط العبودية أن النبي والأئمة من أهل البيت عليهم السلام، هم الوصلة بين العبودية والربوبية وهم الوسيلة إلى الله تعالى، وهم من أعظم أبواب القبول عند الله تعالى فراجعه في محله.

حقيقة الإيمان:

ثم قضية أخرى هامة جدا ترتبط بحديث الثقلين، وكذلك مرتبطة في كل النصوص التي تتعلق بولاية وإمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وهي قضية الإيمان، فهو والأئمة من ولده الإيمان كله، هذا ما أكدته الآيات والأحاديث وأقدم بعضها من أجل الإستدلال على أن الإيمان هو ولاية علي والأئمة المعصومين من ولده.

فلقد ربط رسول الله صلى الله عليه وآله حب وولاية علي عليه السلام بالإيمان، وبغضه وترك موالاته بالنفاق.

روى مسلم في صحيحه وأحمد في المسند والترمذي في السنن عن زر بن حبيش قال قال علي رضي الله عنه (والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي صلى الله عليه وآله وسلم إلي، أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق).

وفي النسائي وغيره (أنه لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق. ( وروى في كنز العمال عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال (علي باب علمي ومبين لأمتي ما أرسلت به من بعدي، حبه إيمان وبغضه نفاق والنظر إليه رأفة).

٣٥
وروى السيوطي في الجامع الصغير عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال (عنوان صحيفة المؤمن حب علي بن أبي طالب). ورواه في كنز العمال.

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي يوم برز لعمرو بن عبد ود العامري: برز الإيمان كله إلى الشرك كله.

وقال فيه بعد ما قتله: ضربة علي لعمرو يوم الخندق تعدل عبادة الثقلين.

روى في تفسير القمي، قال: حدثني جعفر بن محمد معنعنا عن ابن عباس رضي الله عنه قال: إن لعلي بن أبي طالب عليه السلام في كتاب الله أسماء لا يعرفها الناس. قلنا: وما هي؟ قال: سماه الإيمان فقال: {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين} الآية.

وبإسناده عن أبي جعفر الباقر عليه السلام في قوله تعالى {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين}. قال: فالإيمان في بطن القرآن علي بن أبي طالب عليه السلام. فمن يكفر بولايته فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين.

وبناءً على ذلك كان أمير المؤمنين الإيمان كله، فكأن الآيات والأحاديث تشير إشارة صريحة على أهمية إمامة وولاية أمير المؤمنين عليه السلام، حيث ربطت موضوع ولايته وإمامته بالإيمان.

ومن أجل أن يتوضح المعنى أكثر فإنني أضيف بعض الروايات التي تبين ارتباط العشرات من الآيات القرآنية بقضية الإيمان وبولاية وإمامة أمير المؤمنين علي وأهل بيته عليهم جميعا أفضل الصلاة والسلام.

فقد روى في كنز العمال عن ابن عباس قال) ما أنزل الله سورة في القرآن إلا كان علي أميرها وشريفها، ولقد عاتب الله أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما قال لعلي إلا خيرا. (وفي رواية أخرى عن ابن عباس قال: ما نزلت (يا أيها الذين آمنوا) إلا كان علي بن أبي طالب رأسها وأميرها وشريفها، ولقد عاتب الله أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله فما ذكر علي إلا بخير. ورواه الطبراني وأبو نعيم.

٣٦
وروى ابن عساكر وغيره كثير عن ابن عباس قال (ما نزل في أحد في كتاب الله ما نزل في علي بن أبي طالب).

السر في ترابط النصوص مع حديث الثقلين:

إن كل ما ذكرت من آيات وأحاديث توضح ما ذهبنا إليه من أن حديث الثقلين وما يتعلق في إمامة وولاية أهل البيت عليهم السلام تتداخل وتترابط في معاني ومضامين آيات عديدة جدا وتتلازم معها، وذلك أبلغ تصريح وأوضح بيان لحقيقة ما خلفه رسول الله صلى الله عليه وآله فينا من بعده، وكذلك بالنسبة لموضوع الإمامة والولاية أيضا.

وعليه فإن وصية رسول الله المتَضَمنَةُ في حديث الثقلين، صارت واضحة المعالم من خلال تطابق وتلازم وتصاقب الآيات والأحاديث مع بعضها، مع ملاحظة أنها غير متناقضة ولا يدخلها الخلل أو الإختلاف، بل هي مرتبطة ببعضها ارتباطا وثيقا، يدل دلالة واضحة على القدرة الإلهية المتينة، في كلام الوحي الصادر من رب العزة سبحانه وتعالى. وأنها كلها من نبع واحد ومصدر واحد وهو الشارع المقدس، وهذه من المعجزات الواضحة التي يعجز عنها كل البشر، فكل ما روي في علي بن أبي طالب والأئمة من أهل البيت عليهم السلام سواء كان ذلك في الآيات القرآنية أو في الأحاديث النبوية، ومن أي اتجاه أخذتها أو بحثتها أو دققت النظر فيها، فإنها قطعا ستوصلك إلى موضوع محوري أساسي وهو حديث الثقلين بكل ما يحمله من معاني ومضامين. وكما قلت فإن في ذلك دلالة واضحة على أنها من مصدر واحد وهو الله تعالى.

بينما لو نظرت إلى ما ذكرته كتب الصحاح والسنن من فضائل مصطنعة ووضعية في حق كثير ممن لم يجعل الله لهم فضائل أو مناقب، من الأمراء السفهاء أو الحكام الظلمة أو من خلال وضع أحاديث تحتوي على أحكام تلبي رغبات ذوي السلطة والنفوذ، وتبرر ارتكابهم للعديد من المخالفات، أو ربما

٣٧
يصل الحد إلى اتهام رسول الله صلى الله عليه وآله بما لا يليق بمقام النبوة ومنزلة الرسالة.

ولأجل كل ذلك فإنك لن تجد في معاني كل تلك الأحاديث ومضامينها ما يدل على ترابطها ودقة إحكامها وتوثيقها، لأنها من وضع الوضاعين المتملقين لمن كان يبغض أهل البيت عليهم السلام، أقول ذلك لأصحاب العقول السليمة والبصائر المتفتحة.

وأنني أدعوا كل مسلم منصف أن يطبق الميزان الذي وضحته الآن، حتى يتبين له صحة ما ذهبت إليه، وحتى تظهر له التناقضات الواضحة التي تخالف معاني النبوة ومنازل الرسالة الإلهية، التي كانت سببا رئيسيا في ظهور الخلافات والتخلف بين المسلمين. والميزان هو أن كل ما جاءنا عن الله تعالى لايمكن له أن يتناقض أو يدخله النقص أو الخلل، ولا يمكن أن يؤدي إلى الخلاف والنزاع والحيرة، لأنه من الله الخالق المدبر.

وأما إذا وجد الخلل والتناقض في الأحكام، أو تناقض الأحاديث مع الآيات فإن ذلك يعنى أن المتناقض ليس من الله تعالى بل من وضع البشر. ولذلك كان رسول الله دائما يحذرنا من هذا التناقض قائلا إذا وجدتم حديثي يخالف كتاب الله فاعلموا أنني لم أقل ذلك.

فقد روى في الكافي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: "خطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمنى فقال: (أيها الناس ما جاءكم عنّي يوافق كتاب الله، فأنا قلته، وما جاءكم يخالف كتاب الله، فلم اقله).

وروى البيهقي عن الأصبع بن محمد بن أبي منصور أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: الحديث على ثلاث فأيما حديث بلغكم عني تعرفونه بكتاب الله فاقبلوه، وأيما حديث بلغكم عني لا تجدون في القرآن موضعه، ولا تعرفون موضعه فلا تقبلوه، وأيما حديث بلغكم عني تقشعر منه جلودكم، وتشمئز منه قلوبكم وتجدون في القرآن خلافه فردوه.

٣٨
وروى البيهقي عن علي بن أبي طالب قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إنها تكون بعدي رواة يروون عني الحديث، فاعرضوا حديثهم على القرآن، فما وافق القرآن فحدثوا به، وما لم يوافق القرآن فلا تأخذوا به.

وروى البيهقي أيضا عن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنه سيأتي ناس يحدثون عني حديثا فمن حدثكم حديثا يضارع القرآن فأنا قلته، ومن حدثكم حديثًا لا يضارع القرآن فلم أقله.

فليس من المعقول أن يأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقراءة البسملة في الصلاة ثم تأتي أحاديث أخرى صحيحة تنفيها، وليس من المعقول أن يأمر القرآن الكريم بمسح القدمين في الوضوء ويفعل ذلك رسول الله وعشرات الصحابة ثم يأتي حديث آخر يوجب الغسل. وليس من المعقول أن يأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بالوصية وتأتي أحاديث تنفي عنه أنه أوصى. وليس من المعقول أن يحرم الله ورسوله على المسلم الإنتحار ثم تجد حديثا في صحيح البخاري يتهم رسول الله بأنه هم بالإنتحار عدة مرات. وليس من المعقول أن يحرم الإسلام على المسلم أن يمس أو يختلي بامرأة أجنبية لا تحل له ثم يأتي حديث يقول أن رسول الله أباح رضاعة الكبير. وليس من المعقول أن يستبدل حديث الثقلين ولا يعمل به من أجل حديث منقطع السند من وضع أولئك الوضاعين، أو من أجل الحقد والبغض لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وهناك المئات من المسائل والفضائل والأحكام المتناقضة التي إن دلت على شيء فإنها تدل على عدم صدورها من قبل الشارع المقدس. ولا مجال هنا للتفصيل أكثر في التناقض والأمور الخلافية حتى لا نخرج عن صلب الموضوع. لكنك بمراجعة بسيطة لصحيح البخاري أو صحيح مسلم تستطيع اكتشاف كل تلك التناقضات بكل سهولة ويسر.

بينما وكما لاحظنا شدة الترابط والدقة في إبراز الموضوع من جوانب عديدة بين الحديث الصادر عن رسول الله قطعا وبين كل الآيات القرآنية والأحاديث

٣٩
كتاب محورية حديث الثقلين في العقيدة والأحكام للدكتور صلاح الدين الحسيني (ص ٤٠ - ص ٥٣)

٤٠