×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

مخازي عثمان الخميس / الصفحات: ٢١ - ٤٠

( ٦ ) أن يكون الدليل خاليًا من الوهن ومنَزَّهًا عن مجانبة الشرع والعقل والمنطق.

( ٧ ) أن تكون الدلالة على صحة الشيء أو بطلانه وفساده بالدليل الشرعي أو العقلي، لا بِمجرد الدعوى الفارغة.

( ٨ ) أن تكون بين المتناظرين قواعد عامة وأصول موضوعة ينتهون إليها في قطع الخصومة ورفع النـِّزاع، وذلك بأن يكون الاستدلال بالكتاب والسنة المتفق عليها بين المسلمين.

( ٩ ) أن لا يكون التعويل على كلمة " قيلت "، فإن التعويل على ذلك تقليد للآباء، وهو ما نهى عنه القرآن الكريم.

ولا بُد من أن نشير إلى أن ما يستدل به أحد الخصمَين على خصمه الآخر عبارة عن أحد دليلَين لا ثالث لَهما:

الأول: ما يعبَّر عنه بـ (دليل البُرهان)، وهو ما أجمع الخصمان المتناظران على اعتباره وثبوت حُجِّيته، فهو حجة على الخصمَين معًا، يجب عليهما الأخذ به والنـُّزول على حكمه.

الثانِي: ما يعبَّر عنه بـ (دليل الجدل)، وهو ما تفرد به أحد الخصمين، بحيث يكون معتبَرًا وثابت الحجية من طريقه فقط دون طريق خصمه، فلِخصمه أن يلزمه به إلزامًا له بِما ألزم به نفسه من ثبوته عنده وحجيته لديه، وليس شرطًا أن يكون حجة لدى من لَم يثبت عنده.

ولو أنَّ القارئ الكريم ينظر إلَى ما أوردناه فِي كتابنا هذا، لرأى بعين

٢١
بصيرة أننا في احتجاجنا على خَصمنا لَم نخرج عن دائرة هذين الدليلين، وهذا بِخلاف ما قام به الشيخ عثمان الخميس ـ ومَن حذا حذوه ـ، فإنه لَم يحتج إلا بِما هو موجود عنده وبِما انفرد به وحده، لا بِما هو ثابت عند الشيعة أو عند الفريقين، فهو بِهذا اللَّون من الاستدلال يكون قد خرج عن آداب المناظرة العلمية وقواعد النقد وأصول الرد، كما أنَّ عليه أن يعلم بأن الطريقة التي اتبعها في الاحتجاج لا تثبت حقًّا ولا تنفي باطلاً ولا تحج خصمًا، بل تكثر من اللجاج ولا تجدي في الاحتجاج، ولا شك في أن ما استشهد به في كتابه " حقبة من التاريخ " ليس إلا من قبيل " استشهاد الثعلب بذنبه "، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أنَّ ما ارتكبه الشيخ عثمان الخميس يُعَد فرارًا من الحجة واندراجًا في سلك دعاة البغي، وعدم فهمه لأصول المناظرة وجهله بآداب النقد وقواعده.

*  *  *  *
٢٢
٢٣

الاهتمام الإلهي العظيم بقضية الحسين عليه السلام وانتقام اللـه عز وجل له وإخبار الرسول صلى اللـه عليه وآله وسلم عن قتله وبكاؤه لمقتله

تواترت الروايات من طرق أهل السنة بإخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن مقتل الحسين عليه السلام، وبكائه عدة مرات لمقتله، ورؤيته لتربته.

فقد روى أحمد بن حنبل في مسنده (عن عبد الله بن نجي عن أبيه، أنه سار مع علي رضي الله عنه ـ وكان صاحب مطهرته ـ، فلما حاذى نينوى وهو منطلق إلى صفين، فنادى علي: اصبر أبا عبد الله اصبر أبا عبد الله بشط الفرات، قلت: وما ذاك؟ قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم وإذا عيناه تذرفان، قلت: يا نبي الله أغضبك أحد، ما شأن عينيك تفيضان؟ قال: بل قام من عندي جبريل عليه السلام، قيل: فحدثني أن الحسين يُقتَل بشط الفرات، قال: فقال: هل لك إلِى أن أشمك من تربته؟ قلت: نعم، قال: فمَد يده، فقبض قبضة من تراب فأعطانيها، فلم أملك عينَي أن فاضتا) (١).

(١) أحمد بن حنبل: المسند ـ ج١ ص١٣٧.

٢٤
قال الهيثمي: (رواه أحمد وأبو يَعلَى والبزار والطبَرانِي، ورجاله ثقات، ولَم ينفرد نجي بِهذا) (١).

وعن أم المؤمنين عائشة (أن الحسين بن علي دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا عائشة ألا أعجبك، لقد دخل علَي مَلَك آنفًا ما دخل علَي قط، فقال: إن ابنِي هذا مقتول، وقال: إن شئت أريتك تربة يُقتَل فيها، فتناول الملَك بيده، فأرانِي تربة حمراء) (٢).

وروى الطبَرانِي عن عبد الله بن عباس قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرى النائم بنصف النهار أشعث أغبَر، بيده قارورة فيها دم، فقلت: بأبِي أنت وأمي يا رسول الله ما هذا؟ فقال: دم الحسين وأصحابه، لَم أزل ألتقطه منذ اليوم، فوُجِد قد قُتِل يومئذ) (٣).

قال الهيثمي معلِّقًا عليه: (رواه أحمد والطبَرانِي، ورجال أحمد رجال الصحيح) (٤).

وعن أم سلمة قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسًا

(١) الهيثمي: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ـ ج٩ ص١٩٠.

(٢) الطبراني: المعجم الكبير ـ ج٣ ص١٠٧.

(٣) نفس المصدر: ج٣ ص١١٠.

(٤) الهيثمي: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ـ ج٩ ص١٩٢.

٢٥
ذات يوم في بيتِي، فقال: لا يدخل علَي أحد، فانتظرت، فدخل الحسين رضي الله عنه، فسمعت نشيج رسول الله صلى الله عليه وسلم يبكي، فاطلعت فإذا حسين في حجره والنبي صلى الله عليه وسلم يَمسح جبينه وهو يبكي، فقلت: والله ما علمت حين دخل، فقال: إن جبريل عليه السلام كان معنا في البيت، فقال: تحبه؟ قلت: أما مِن الدنيا فنَعم، قال: إن أمَّتك ستقتل هذا بأرض يُقال لَها كربلاء، فتناول جبريل عليه السلام مِن تربتها، فأراها النبي صلى الله عليه وسلم..) (١).

وعلَّق عليه الهيثمي قائلاً: (رواه الطبَرانِي بأسانيد، ورجال أحدها ثقات) (٢).

قال السيوطي: (أخرج الحاكم والبيهقي، عن أم الفضل بنت الحارث قالت: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا بالحسين، فوضعته في حجره، ثم خانت مني التفاتة، فإذا عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تهريقان من الدموع، فقال: أتانِي جبريل فأخبَرنِي أن أمتي ستقتل ابني هذا وأتانِي بتربة من تربته حمراء) (٣).

وهناك العديد من الأحاديث الصحيحة التي تعتبِر قتل الحسين عليه السلام

(١) الطبراني: المعجم الكبير ـ ج٣ ص١٠٩.

(٢) الهيثمي: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ـ ج٩ ص١٩٢.

(٣) السيوطي: الخصائص الكبرى ـ ج٢ ص٢١٢.

٢٦
كتاب مخازي عثمان الخميس لـ عبد الرضا الصالح (ص ٢٧ - ص ٤٩)
٢٧
بأنه سيُقتَل، فقد روى ابن الأثير أن الحسين عليه السلام كان يقول: (والله لا يدَعونِي حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفِي..) (١).

وعن عمرة بنت عبد الرحمن قالت: (أشهد لَسمعت عائشة تقول إنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " يُقتَل الحسين بأرض بابل "، فلما قرأ ـ أي الحسين عليه السلام ـ كتابَها قال: فلا بُد لِي إذًا مِن مصرعي، ومضى) (٢).

وروى ابن كثير قول الحسين عليه السلام للفرزدق: (لو لَم أعجِّل لأخِذت) (٣)، وقوله عليه السلام أيضًا: (والله لتعتدن علَي كما اعتدت بنو إسرائيل في السبت) (٤).

وجاء في تاريخ ابن الأثير أن الحسين عليه السلام قال: (لو كنت في حجر هامة مِن هذه الهوام لاستخرجونِي حتى يقضوا بِي حاجتهم، والله لَيعتدَن علَي كما اعتدت اليهود في السبت) (٥)، وقال عليه السلام: (ولا أراهم إلا قاتلي) (٦).

(١) ابن الأثير: الكامل في التاريخ ـ ج٣ ص٤٠١. وانظر ابن كثير: البداية والنهاية ـ ج٨ ص١٣٥.

وأيضًا الطبري: تاريخ الأمم والملوك ـ ج٣ ص٣٠٠.

(٢) ابن كثير: البداية والنهاية ـ ج٨ ص١٣٥.

(٣) نفس المصدر: ج٨ ص١٣٤. وانظر الطبري: تاريخ الأمم والملوك ـ ج٣ ص٢٩٦.

(٤) نفس المصدر: ج٨ ص١٣٥.

(٥) ابن الأثير: الكامل في التاريخ ـ ج٣ ص٤٠٠. وانظر الطبري: تاريخ الأمم والملوك ـ ج٣ ص٢٩٦.

(٦) ابن كثير: البداية والنهاية ـ ج٨ ص١٣٥.

٢٨
قال السيوطي: (وأخرج الحاكم، عن ابن عباس قال: ما كنا نشك وأهل البيت متوافرون أن الحسين يُقتل بالطف) (١).

أقول: هذا بعض ما جاء في كتب أهل السنة المعتبَرة من روايات صحيحة، ذكرناها ليعرف الشيخ عثمان الخميس ـ ومن لفَّ لفَّه واحتطب بِحبله ـ أن البكاء على الحسين عليه السلام سُنة سنَّها سيد البشر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن مقتله عليه السلام أمرٌ اعتنت به السماء واهتم به الباري جل شأنه.

وملخَّص ما تقدم من الروايات:

( ١ ) أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أخبَر عن قتل الحسين عليه السلام وبكى لِمقتله مرات عديدة ورأى تربته.

( ٢ ) أن هناك اهتمامًا إلَهيًّا كبيرًا بجريمة قتل الحسين عليه السلام.

( ٣ ) أن هذه الجريمة أعظم عند الله تبارك وتعالى مِن جريمة قتل النبي يحيى عليه السلام.

( ٤ ) أن الله جل وعلا أخبَر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بأنه سينتقم لجريمة قتل الحسين عليه السلام.

( ٥ ) أن الحسين عليه السلام كان يَعلم ـ عن طريق جدِّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ بأنه سوف يُقتَل.

(١) السيوطي: الخصائص الكبرى ـ ج٢ ص٢١٣.

٢٩

العِلَـل والأسباب التـي دفعت الحسيـن عليه السلام للنهوض بالثورة والنتائج المترتبة على هـذا النهوض والأبعاد التاريخية له وأهم أهدافه

تُعَد ثورة الإمام الحسين عليه السلام أكثر الأحداث التاريخية جذورًا وأصولاً، وأعمقها عِللاً وأسبابًا، وأثراها ثِمارًا ونتائج، فهي نهضة بطولية فدائية أبدية خالدة، انتصر فيها الدم على السيف، وانتصرت فيها المبادئ على الطغيان، وانتصر فيها الإسلام على الكفر.

لقد خرج أبو عبد الله الحسين عليه السلام وقام بثورة لَم يخمد ضياؤها حتى الآن، سطَّر فيها أروع صور الشجاعة والبطولة والفداء والطاعة والصبر والتضحية، حفظًا للنواميس الإلَهية والدين المقدَّس، فقد قارع الظلم والجور، وبذل نفسه وماله وآله في سبيل إرساء دعائم الإسلام المحمدي الأصيل، حتى لقَى الله تعالى وهو مضرَّج بدمه الشريف.

ومِن الأمور الثابتة بالوجدان والمشاهدة بالعيان، أنَّ فاجعة كربلاء ملأت قلب الإنسانية قيحًا، وفجَّرت عيونَها دمًا، لِما وقع فيها مِن رزايا ومصائب لَم ترَ عين الدهر ولَم تسمع واعية الأزمان بواقعة مثلها أبدًا.

فلقد قام ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بثورة اختار فيها المنيَّة

٣٠
على الدنيَّة، والميتة في العِزَّة على الحياة في الذلَّة، ومصارع الكرام على طاعة اللِّئام، فأظهر من إباء الضَّيم وعزَّة النفس في نَيل رِضا الله عز وجل، وإنقاذ الأمة من مَخالب الظالِمين والمستكبِرين.

ولقد كانت حركة الحسين عليه السلام حركة إصلاحية في المجتمع، وذلك بعدما تلاطمت الأمواج العاتية، واختلط الحق بالباطل، وانقلب الناس على ذواتهم، وشاعت البدع، فدخل ما ليس من الدين فيه.

ولِهذا تصدَّى عليه السلام لإصلاح المجتمع الفاسد، فقال كلمته التاريخية الشهيرة: [ إنِي لَم أخرج أشِرًا، ولا بَطِرًا، ولا مُفسِدًا، ولا ظالِمًا، إنَّما خرجت لطلب الإصلاح فِي أمَّة جدي مُحمد.. أريد أن آمُر بالمعروف، وأنَهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبِي ].

وقبل أن يغادر مكة، خطب في الناس قائلاً: [ خُطَّ الموت على ولد آدم مَخط القلادة على جيد الفتاة، وما أولَهَني إلى أسلافِي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخير لِي مصرع أنا لاقيه، كأنِي بأوصالِي تقطِّعها عُسلان الفَلوات بين النواويس وكربلا، فيملأن مني أكراشًا جوفًا وأجربة سغبًا، لا محيص عنه يوم خُط بالقلم، رضا الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه، ويوفينا أجور الصابرين.. فَمَن كان باذلاً فينا مُهجته، وموطِّنًا على لقاء الله نفسه فليرحل معنا، فإنِي راحل مصبحًا إن شاء الله ].

والذي يتمعَّن فِي هذه الخطبة الشريفة، تتجلَّى له قداسة هذا الرجل العظيم وقداسة ثورته المباركة، فالحسين عليه السلام يبيِّن بوعيه وإرادته أنه

٣١
مُقبِل على الشهادة وعلى تضحية مأساوية دامية، حيث بدأ بالموت وأنَّ مستقبل حركته ومصيرها هو القتل الفظيع، ثم أخبَر عن شرعية ثورته وأنَّ الله راضٍ عنها، ثم دعا الناس إلى نصرته ـ إن كانوا يرجون طاعة الله ولقاءه ـ، ولَم يكن يفكِّر عليه السلام مطلقًا في أي تحرك عسكري للإطاحة بِبني أمية وإسقاط حكمهم عسكريًّا، إنما نهض بِهذه الثورة لعدة أسباب وعوامل ومن أجل تحقيق غايات سامية وأهداف نبيلة، منها:

١- تحرير إرادة الأمة، وهز ضميرها، وبث روح الحركة والتضحية والإقدام فيها.

٢- سلب الشرعية من النظام، وعدم مبايعة فرعون زمانه يزيد بن معاوية ـ كما طُلِب منه ـ.

٣- فضح بنِي أمية، وكشف قيادتِهم الجاهلية، وأنها مُلك عضوض.

٤- إعطاء الأمثولة للدين، وأنه يستحق كل التضحية والصبر وتحمُّل الآلام والجراح والقتل.

٥- إصلاح الوضع الفاسد للأمة.

٦- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

٧- السير على منهج رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين علي عليه السلام.

ولِهذا صار عليه السلام يطل علينا بشعاراته الثورية.

ففي الحرية نجده يقول: [ الموت أولَى من ركوب العار، والعار أولَى

٣٢
من دخول النار ]، ويقول: [ كونوا أحرارًا في دنياكم ].

وفِي العِزَّة نراه يصيح: [ هيهات منَّا الذلَّة ]، ويقول: [ والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقر لكم إقرار العبيد ].

وفي مناجاته مع الله جل شأنه يقول: [ صبرًا على قضائك يا رب ].

وفي تعبيره عن عقيدته وإيمانه المطلق يقول: [ هوَّن علَي ما نزل بِي أنه بعين الله ].

وفي طلب الناصر ينادي: [ أمَا مِن مُغيث يغيثنا لوجه الله، أمَا مِن ذاب يذب عن حرم رسول الله ].

وفي شوقه للقاء الله يخطب في الناس قائلاً: [ لِيرغب المؤمن في لقاء الله محِقًّا، فإنِي لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برمًا ]، ويقول: [ أمَا والله لا أجيبهم إلى شيء مِمَّا يريدون حتى ألقَى الله تعالى وأنا مخضَّب بدمي ].

وفي تعليله لخروجه يخاطب الناس قائلاً: [ ألا ترَون أن الحق لا يُعمَل به، وأن الباطل لا يُتناهَى عنه ].

وفي يقينه بتكليفه الشرعي وبيانه لسبب اصطحابه للنساء والأطفال نجده يقول: [ شاء الله أن يرانِي قتيلاً، وشاء الله أن يراهن سبايا ].

وفي عَيشه لِهموم الإسلام وغيرته عليه نراه يقول: [ وعلى الإسلام السلام إذ قد بُليَت الأمة براعٍ مثل يزيد ].

كان عليه السلام يجسِّد أسمى معانِي الصبر، وكان يلقي الحجة على أعدائه

٣٣
ويتمَّها ـ حتى آخر لحظة ـ، ويطلب الناصر والمغيث مِن الأجيال الآتية بعده، وكان يبكي على أعدائه لأنهم عصوا الله باجتماعهم ضد إمامهم فدخلوا النار ـ وهذا هو بكاء الأبوَّة ـ، أما تصوره عن شهادته فهو الفرح والاستبشار والفوز بلقاء الله عز وجل.

وقد ظن الأمويون أنهم قضوا على وجود الحسين عليه السلام وتأثيره، لكنهم تفاجئوا بأنه عليه السلام أصبح ينافسهم وهو شهيد أكثر مِن منافسته لهم وهو حي.

بل إنَّ علامات الانكسار والهزيمة بَدَت في معسكر أعداء الحسين عليه السلام حتى في يوم المعركة، حيث قاموا بالتشويش على خطبه عليه السلام، واستخدموا أسلوب الرمي بالسِّهام والنبال والرماح مِن بعيد، ولَم يتبعوا طريقة المواجهة الفردية في القتال.

أمَّا الحسين عليه السلام وأهله وأصحابه، فكانت علامات الانتصار واضحة فيهم، وذلك من خلال الشجاعة البدنية الفائقة، والإيمان والشوق المتزايد للقاء الله، والصبر والتحمل، والرضا والتسليم لأمر الله، وطمأنينة النفس وعدم الغضب الشخصي، والقلب القوي والروح الحماسية العالية.

ولِهذا جاء أئمة أهل البيت عليهم السلام ليؤكدوا على ضرورة إحياء مأساة كربلاء، وعدم نسيانها، ودوام البكاء على مصيبة الحسين عليه السلام، لتنسجم روحنا مع روحه، فنتبع نهجه وسيرته، وليَعرف بنو

٣٤
البشر أن أهل بيت النبوة وقادة الإسلام وزعماء المؤمنين هم أوَّل مَن يقدِّم التضحيات فداء للدين، ولكي تُخلَّد المدرسة التِي أسَّسها سيِّد الشهداء عليه السلام إلى الأبد، فتنعكس علينا بعض الظلال من روحه وشعاراته.

فالحسين عليه السلام لَم ينهض لِهدف شخصي أو دنيوي، بل من أجل كل الأمة، ومن أجل الحق والحقيقة، والمساواة والعدالة، ونهضته العظيمة استندت إلى بصيرة ثاقبة، ورؤية بعيدة، ونظر حاد، حيث كان يقرأ المستقبل، كما أن ثورته تعَد نورًا في الظلام الدامس، ونداء وسط السكوت، حيث ظهر فجأة ليكسر الصمت، فصار عليه السلام أظهر وأبرز مَن ادَّعَى وعمل، وقال وفعل، ولهذا كانت ثورته مقدسة.

إنَّ نهضة الإمام الحسين عليه السلام نهضة عالَمية، أرادت ترسيخ مبادئ الإسلام وقواعده وأصوله في ربوع المعمورة، فينبغي على المسلمين كافة أن يقتدوا بِهذا الإمام العظيم، ويهتدوا بِهُداه، ويسلكوا سبيله، سبيل الأحرار والثوار.

وحقيقٌ بأن تقام له ذكرى في كل عام، بل في كل يوم، لتعلَم الدنيا كلها مَن هو الحسين بن علي عليهما السلام، ذلك الرجل الذي قدَّم نفسه وأبناءه، وإخوته، وأبناء أخيه، وأبناء عمِّه، حتى ولده الرضيع، قدَّمهم جميعًا للاستشهاد في طريق الله، وقدَّم أمواله للسلب والنهب، وقدَّم نساءه للسبي، كل ذلك ليفدي دين جدِّه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.

إنه لَفارق كبير بين رجلٍ نشأ في بيت النبِي صلى الله عليه وآله وسلم وتربَّى

٣٥
في حجر علي عليه السلام، وآخرين لَم يدركوا سر هذا البيت الشريف.

هذه شذرات مِن الأبعاد التاريخية والأهداف السامية لواقعة عاشوراء، والأسباب والعوامل التي دفعت الإمام الحسين عليه السلام للقيام بالثورة، والنتائج المترتبة على ذلك.

ولنَشرَع الآن بالرد على شبهات وادعاءات الشيخ عثمان الخميس في كتابه " حقبة من التاريخ " حول واقعة الطف، وتفنيد ما نفثه قلمه من تخرصات وأكاذيب تفنيدًا كاملاً بالدليل والبُرهان.

*  *  *  *
٣٦
٣٧

ادعـاءات الشيـخ عـثمـان الخـميس
حـول واقعـة الطـف وبطلانها

ذكر الشيخ عثمان الخميس جُملة مِن الاعتراضات والإشكالات حول واقعة الطف، وأثار حولَها الكثير من الأكاذيب والأباطيل التي لا يقول بِها إلا مَن أعمى الهوى بصيرته، بل ادَّعى ادعاءات زاعمًا صحة أسانيدها التاريخية، متبعًا في ذلك كله أسلوب التجريح والتزوير والتكذيب والتشكيك والتدليس ـ وهذه هي بضاعته ـ، وسوف نثبت للملأ ـ بتوفيق وتسديد من الله جل شأنه ـ أنَّ كل ما أتى به مطعون فيه سواء من حيث السَّند أم من جهة الدلالة، وأنَّ ادَّعاءاته ما هي إلا كذب وانتحال لا أصل لَها، وأنَّ ما استدل واستشهد به لا يُمكن وصفه بالدليل العلمي ولا بالبَرهان المنطقي، لأنه مُخالف لآداب الرد وعُرف النقد وقواعد المناظرة فلا يقتضي علمًا ولا عملاً، بل هو أوهَن مِن بيت العنكبوت، حيث شحن كتابه بعبارات القدح والقذع، وأودع فيه تحاملاته ومقالاته الجوفاء التي لَم نجد فيها ردًّا ولا تفنيدًا ولا دحضًا ولا تدليلاً، وهذا ما سيعرفه القارئ في الصفحات الآتية وفي مطاوي نقضنا لِمزاعمه في هذا الكتاب.

٣٨
٣٩

الادعاء الأول
أن يزيد بن معاوية ليس فاسقًا

يقول الشيخ عثمان الخميس صاحب كتاب " حقبة من التاريخ " ما نصُّه: (فالفسق الذي نسِب إلى يزيد في شخصه كشرب خمر أو ملاعبة قردة كما يقولون أو فحش أو ما شابه ذلك لَم يثبت عنه بسند صحيح فهذا لا نصدقه والأصل العدالة..) (١).

أقول: يظهر أن هناك بعض الأيادي الأموية حرَّكت الشيخ عثمان الخميس للدفاع عن يزيد بن معاوية، لذا نراه ينكر فسقه ولا يصدقه بل يدعي عدالته، في حين أن المتسالَم عليه عند علماء الشيعة قاطبة وعند كثير من علماء أهل السنة ثبوت كُفر يزيد بن معاوية ـ فضلاً عن فسقه وعدم عدالته ـ.

فقد نقل السيوطي والذهبي أن عبد الله بن حنظلة قال ـ في وصف يزيد بن معاوية ـ: (إنه رجل ينكح أمهات الأولاد، والبنات، والأخوات، ويشرب الخمر، ويدَع الصلاة) (٢).

(١) عثمان الخميس: حقبة من التاريخ ـ ص١٠١.

(٢) السيوطي: تاريخ الخلفاء ـ ص١٦٧. وانظر الذهبي: سير أعلام النبلاء ـ ج٣ ص٣٢٤. وأيضًا ابن الأثير: الكامل في التاريخ ـ ج٣ ص٤٤٩و٤٥٠. وأيضًا ابن الجوزي: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم ـ ج٦ ص١٩.

٤٠