×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

مع رجال الفكر في القاهرة (القسم الأول) / الصفحات: ٦١ - ٨٠

مع رجال الفكر في القاهرة

الناشر الإمامي السيد: مرتضى الرضوي صاحب مكتبة النجاح من خيرة الناشرين الجامعين بين المعرفة بأساليب النشر والوقوف المكين على أنواع الثقافات الإسلامية. ولذلك كان موفقا كل التوفيق حين خرج للقارئ المسلم بعامة والقارئ المصري السني بخاصة بكتابه القيم: " مع رجال الفكر في القاهرة " وقيمة الكتاب تتجلى في هذا الحوار البناء بين الناشر وصفوة المفكرين في مصر تعرض فيه كلا الطرفين لما أثير حول الشيعة الإمامية من مزاعم تخرجهم عن دائرة العقيدة السليمة. ومن ثم كان لهذا الكتاب الجليل رسالتان عظيمتان:

الرسالة الأولى: تبرئة الإمامية من المزاعم الكاذبة التي ألصقت بهم ظلما وعدوانا وكان لها خطرها في معارج التاريخ الإسلامي (١).

والأمر الذي لا يرضاه المؤرخ المنصف، ولا يحبه دعاة الوئام والسلام والتقريب بين أطراف أمة سيد الأنبياء محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو القائل: - جزاه الله خيرا - ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصلاة، والصيام والصدقة والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؟. قالوا: بلى يا رسول الله!.

قال: صلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر،

(١) من مؤلفات الدكتور حامد. " الصاحب ابن عباد بعد ألف عام " رسالة الماجستير في الأدب العربي. " الكتابة الديوانية في العراق " رسالة الدكتوراه " الأدب العباسي " " المأساة الكبرى " " مع أحمد أمين " " مع طه حسين " وغيرها.
٦١
ولكن تحلق الدين.

وقديما كان الإمام الحسن بن علي (عليهما السلام) من أدى هذه الرسالة في أسمى صورها الظاهرة والباطنة حيث آثر المصلحة العامة للمسلمين وحقن الدماء على مصلحته الشخصية (١) مع أنه كانت له الشرعية الكاملة في الخلافة.

وفي هذا الموقف طبق بكل إخلاص قول جده عليه تحيات الله وبركاته:

إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين طائفتين من المسلمين (٢).

وهذا في نظر المنهج العلمي الحديث - الذي وضعنا أسسه - خير رد يضحد مزاعم المتعصبين لمذهب ضد مذهب، ويشد من أزرنا دعاة التقريب بين أطراف خير أمة أخرجت للناس.

الرسالة الثانية: هي التنويه برجالات الفكر الأجلاء الذين يدعون إلى خير الأمة الإسلامية، ويؤثرون وحدة الصف الإسلامي ويقدمون ذلك على كل هدف سواه وهو نهج سليم من الناشر الكريم يستحق عليه التقدير والتكريم، فقد ترجم لهؤلاء الأفذاذ من مفكري مصر، وعرف قراء العربية والإسلام بحياتهم وآثارهم

(١) لم يكن للإمام الحسن (عليه السلام) في الخلافة الإسلامية أية مصلحة شخصية بل كان عليه أن يؤدي رسالته ومسؤوليته حسب الظروف ومقتضيات المصلحة الإسلامية العامة.

- المؤلف -

(٢) لم تثبت صحته عندنا، وذكر الأستاذ العلامة الشيخ محمد جواد مغنية في كتابه: " الشيعة والحاكمون " في الطبعة الثانية ص ٦٣ فقال: أما ما نسب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من أنه قال مشير إلى الحسن: " إن ابني هذا سيد وسيصلح الله بن بين فئتين من المسلمين " فهو من وضع الوضاع الذين استأجرهم معاوية للكذب والافتراء على الرسول أمثال: أبي هريرة وسمرة بن جندب، والغاية من وضعه التضليل والتمويه، وطمس الحديث المتواتر: " يا عمار تقتلك الفئة الباغية " وجعل معاوية ومن معه بمنزلة علي ومن معه كلاهما من المسلمين. انتهى.

- المؤلف -

٦٢
وأعمالهم الدينية والأدبية، وما قدموه للقراء من خدمات جليلة في عالم الفكر الإسلامي.

وإني إذ أكتفي بهذه العجالة المقتضية التي أصدر فيها انطباعاتي الخاصة عن هذا الكتاب القيم فإني أرجو للسيد مرتضى الرضوي أن يهبنا الله وإياه الإخلاص في القول والعمل، وأن ينزه ألسنتنا عن هجر القول وفحشه حتى يتم رأب هذا الصدع وإكمال هذا البناء من أجل رفعة شأن الإسلام والمسلمين مبرئين أنفسنا من التعصب والعصبية إلا ما كانت لله ورسوله من دعوة الحق والخير. والله المستعان.

الدكتور حامد حفني داود         
القاهرة: الموافق ١٩ من أغسطس ١٩٨٦ م
في ٢٣ من شعبان ١٣٩٧ هـ     

* * *

٦٣

- ٧ -
الدكتور جواد الخليلي
طبيب، ومؤلف، وكاتب

٦٤
الدكتور محمد جواد الخليلي
خطاب كريم تفضل به الأستاذ الخليلي
المقيم حاليا بكندا - وفي محكمة القضاء
بطهران - إيران سابقا.


يا ملهما للانتصار على الطليقة واللصيقه * يا كاشفا وجه الصواب بما أنار بها طريقه
ومقرب الانذار بالحسني وأخبار وثيقه * يا منذرا خوف التردي من مهاويها السحيقه
المرتضى وسليله خير الهداة إلى الحقيقة

حفيد طه ونجل المرتضى وسليل الأئمة الهداة، وأهل بيت العلم والحكمة والعصمة الذين طهرهم الله من الدنس وحفظهم من الزلل، القادة إلى الخير والمنجاة من الشر.

كان كتابك " مع رجال الفكر " الذي أتحفتني به سهلا ممتنعا وداحضا للخصوم مقنعا.

لما اعترف بحقائقه العلماء الأعلام والمفكرين العظام من كل ذي علم، وأدب ضليع ومكانة وحسب رفيع.

أولو الخبرة والدراية وحفاظ الحديث والرواية، فكان سؤالك للاستفسار إلهاما، وجوابهم للحقيقة إحكاما فأصاب الله بسعيك مواضعه وببرك منافعه، وفتح بك لسنة جدك الكريم بابا أسدل عليه الستار، وكشف بك حقيقة سترها المغرضون

٦٥
والأغيار، وأزال إبهاما وشبهاتا...

دمتم للخير أهلا ولدرك الإفاضات والسعادات منهلا.

المؤمن بك وبآلك في دعوتهم، والمخلص في محبتهم.

جواد (١)             
١٨ ذي القعدة الحرام ١٣٦٩ هـ / كندا

* * *

(١) انتقل إلى جوار ربه في مدينة مونتريال - بكندا وذلك في يوم الخميس ١٧ محرم الحرام عام ١٤١٩ هـ تغمده الله برحمته الواسعة، وحشره مع الرسول، وأهل بيته صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. (المؤلف)
٦٦
٦٧

- ٨ -
السيد مرتضى الحكمي
خريج كلية الفقه في النجف الأشرف

٦٨
مع رجال الفكر في القاهرة (القسم الأول) للسيد الرضوي (ص ٦٩ - ص ٩٤)
٦٩
الخلاف في المسائل الفكرية فحسب.

وأما إذا ما تحولت هذه الأفكار والمعتقدات إلى أعرف وتقاليد موروثة وإلى سلوك اجتماعي معين، فإنها تفقد - حينئذ - ميزاتها النطقية، وتصبح من الوضعيات التلقائية التي يمارسها الأفراد والجماعات. كجزء من ذاتها وأصالتها، ومقومات حياتها.

وفي هذه الوضعيات من السلوك التقليدي المألوف: يكمن التعصب الأعمى، ويشتبك الصراع العنيف، الذي لا يألف الهدوء ولا المهادنة، ولا يعرف التحدث ولا الحوار.

غير أن قضايا العقيدة والفكر الإنساني المعاش، يختلف أثرها في الطبقة العليا ذات الخبرة والتجريب عنه في الطبقة الدنيا من الناس، وهي تتوارث هذه العقائد والأفكار، دون أن تقف على تعليلها، ودون أن تتعمق في تحليلها، أو تدرك آثارها، أو تغور في جذورها.

وفي الواقع: أن الطبقة الدنيا من الناس لا يؤمنون إلا بالمحسوس من مدركاتهم وتصوراتهم، وبالقناعات الموروثة لديهم، وهم على العكس من الطبقة العليا، ذات البصيرة والنفاذ، والقدرات العقلية والمنطقية، الذين يعتمدون في مدركاتها وتصوراتهم على مقاييس الفكر والتأمل، فبينما تألف الطبقة العامة من الناس أن تدرك من نوافذ الحس والتجربة، فإن الطبقة المتميزة منها تألف أن تدرك بالمعايير العقلية، والمنطقية، وإذا كان المجتمع العام من الناس يعتمدون فيها على التجريب والإحساس، فإن المستوي المتميز منهم إنما يعتمدون فيها على التجريد والتعقل.

ولهذا فإن مسائل المعرفة الإنسانية ولا سيما القضايا الفكرية فيها لا يمكن أن تسوى عن طريق العامة من الناس، بل إنها تصبح عن طريقها مسائل غوغائية لا

٧٠
طائل تحتها، وهي لا تنسجم مع المنطق، ولا تتلاءم مع الواقع بحال من الأحوال.

ومن الأصوب في ذلك: أن نلتمس البحث والحوار في منطق ذوي التجريد والتعقل والثقافة، غير أنه إذا كنا نحذر في الطبقة العامة من الناس خطر التعصب الأعمى، فإن أخطر ما في المثقفين من عوامل الهدم والانحراف هو: أن يتنكبوا عن سبل الإنصاف والتجرد، وأن يجتنبوا الموضوعية في شئ من تأملاتهم وعقائدهم.

والموضوعية - إذن - هي المقياس العاصم حتى للمنطق الذي يتذرع به ذوو الإدارك والتعقل، الذين يريدون أن يبنوا قضايا الرأي والعقيدة، أو يهدموها.

تمييع الخلافات المذهبية

وأعنف ما في هذه المعتقدات هي القناعات الموروثة، والخبرات الدينية التي تألفها الأفراد والجماعات، والتي تترسب في أعماقهم عقائد مذهبية عميقة الجذور.

ولقدسية هذه العقائد، والقناعات المذهبية الموروثة تبقى آثارها، وأحكامها فوق مستوي النقد والمس والملاحقة.

وعلى هذا الأساس من الواقع.. فقد فصل الدين الإسلامي عامة معتقداته إلى العقائد، الأصول التي لا بد للعقل من أن يؤمن، ويعتقد بها الاعتقاد الجازم، وإلى الفروع التي لا بد من الاقتناع بها، والالتزام بطقوسها، على أساس هذه الأصول، وعلى أساس التسليم بها.

ومن المسائل التاريخية العميقة الجذور، التي ورثتها طوائف المسلمين منذ فجر تاريخهم هي العقائد المذهبية التي تميزت فيهم بالعنف والتعصب، والإسراف، تلك العقائد التي أبعدتهم عن رسالتهم التي وحدتهم وألفت بينهم، وتلك العصبيات التي طمست فيهم معالم الحق والإنصاف، وبدلت قوتهم إلى ضعف، وحولت منعتهم

٧١
إلى هوان.

ومن أمثل ما يجدينا في تمييع هذه الخلافات المذهبية التي تحجرت في آماق الطبقات المختلفة، هو محاولة الإقلاع عنها، وتجنب الإثارة من حولها والطعن فيها، إذ على العكس من ذلك تظل هذه الخلافات العقائدية تثير من حولها عاصفة من التعصب المقيت، والصراع المستميت.

ومن الأصوب في إذابة هذه الخلافات وتمييعها: هو أن نلتمس لها المعاذير، وأن نتذرع فيها بالاعتدال، وأن نقتنع: أن تلك العقائد المتناقضة ليس فيها ما يستهدف العدوان، ولا يتعمد التجني والاستهوان.

وإن شأن الطائفة الشيعية مع الطوائف الأخرى شأن اختلاف المذاهب فيما بينها، ما دامت الأصول واحدة، والأساس هو الإسلام.

وانطلاقا من هذه الفكرة المنطقية العادلة: فإن حركة التشيع - في ذاتها لم تقم في مطلق تاريخها على مناهضة الاتجاهات الإسلامية الأخرى، إلا أنها سارت في مسارب التاريخ تبنى ذاتها، وتدافع عن وجودها، وتحمي مبادئها وتكتسح من طريقها كل ما يستهدفها ويناهضها، وهي تزيد من فاعليتها أو عطاءاتها، عبر رسالتها الإسلامية البناءة.

حركة التشيع وعطاءاتها

ومن الحق: أن ندرك أن حركة التشيع في التاريخ الإسلامي امتداد سليم لفاعلية الإسلام، وثورته الرسالية المتفجرة.

فمنذ أن ضربت الخلافة الإسلامية بجرانها على المجتمع الإسلامي كله: تشعب الوجود الإسلامي إلى واجهتين متميزتين:

٧٢
واجهة.. تمثل سياسة الحكم، وقيادة المسلمين وانتظاماتهم.

وواجهة.. تمثل النزعة الفكرية والاتجاهات العقلية والعقيدية في حياتهم.

وإذا كانت مشايعة علي (عليه السلام) لمحمد (صلى الله عليه وآله) في أعمق وأعنف معانيها العقيدية قد تسربت إلى مشايعة أمثل الصحابة في الصدر الأول لعلي (عليه السلام) في هذا المستوى العنيف والعميق من الإيمان، فإن هذا التشيع هو امتداد واضح لفاعلية الإسلام ونفاذه في الصفوة المختارة من المسلمين الذين وقفوا إلى جانب هذه الواجهة المتميزة، وعاشوا حقها بكل وجودهم وضمائرهم.

وهكذا بدأت مشايعة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) من انطلاقة علي (عليه السلام) وإيمانه وانصهاره في الرسالة الإسلامية، وهكذا.. ظلت الصحابة هذه المشايعة هي المسيرة الإسلامية الحادة التي تدرجت في إيمان هؤلاء الصحابة وضمائرهم، كما تدرجت في النهج الذي انتهجه النبي (صلى الله عليه وآله)، لعامة المسلمين في دعوته الإلهية التي حدد أعادها في اتباع أهل البيت (عليهم السلام) والتمسك بأهداب سنتهم وسريتهم.

وعلى امتداد هذا الخط الإسلامي القويم تقف الأجيال الرتيبة التي تفتحت لهذه الحركة الفذة، وآمنت بها، وتفاعلت معها، فأضحى التشيع في حساب هذه الأجيال خطا مستقيما تسير عليه الرسالة الإسلامية من الوجهة العقلية والعقيدية، وهو ما حمله الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، كما حمله أهل بيته الأطهار (عليهم السلام) عقب الرسول (صلى الله عليه وآله) وعبر الأجيال التي أعقبت جهادهم وتضحياتهم.

وبالرغم من أن الانطلاقة الأولى التي أوجدت هذه الحركة الفعالة، وكانت تتمثل في بيعة علي (عليه السلام) وتوليه أمر الوزارة والخلافة يوم الدار، إلا أن أوسمة الخلافة وشاراتها كانت تتدافع على أكتاف الإمام (عليه السلام) وواجهته حتى انتهى الأمر إلى الحد الحاسم من إعلان خلافته وولايته على المسلمين.

٧٣
فقد بدأت فاعلية هذه الحركة، وتميزت معالمها منذ أن جوبه المسلمون بانقضاء الوحي، وإناطة الولاية الإلهية بمن يستخلف المسلمين ويتولاهم، وقد كان ذلك بداية خطيرة لحياة المسلمين السياسية والسلوكية، بدأ ينخر في أعمالهم ودخائلهم.

ومهما يكن تفسير هذا الحدث الإسلامي الفذ الذي ألح عليه الوحي، وغطاه بالموقف الصلد الحازم في حماية الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) من الأخطار والشرور.

ومهما تكن طبيعة هذا البلاغ الخطير في يومه المشهود، الذي تم فيه الأمر لعلي - فإن الشخصية النموذجية التي استطاع النبي (صلى الله عليه وآله) أن يواجه به المسلمين، وهي أصدق صورة لنفسه وسيرته، هو هذا النموذج الأمثل الذي كان (صلى الله عليه وآله) على أشد ثقة من سابقته التي بدأها بالإيمان والفطرة، وعاشها بالصبر والجهاد، ومارسها بالطهر والعمسة، وختمها بالتضحية والشهادة كما كان على أشد ثقة بكل مراحل حياته التي استقام فيها، وكابد المكاره من أجلها، وجرع الغصص في سبيلها.

وحين قدم النبي (صلى الله عليه وآله) إلى المسلمين هذا الأنموذج الفذ الذي تمثل فيه واقع الإسلام وجوهره، لم يرد الرسول (صلى الله عليه وآله) من أمر الخلافة وتجسيد واقعها بأكثر من ذلك، ولا بأكثر من أن يظل هذا الأنموذج الفذ هو القائد والرائد، والهادي، والمستحفظ، الذي لا يتخطاه المسلمون، ولا يعدلون عنه، ولا يختارون غيره - إن كان لهم الخيرة في ذلك - اتباعا للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) والذي نص عليه، وانقيادا للوحي الإلهي الذي اختاره واصطفاه، فأكمل به دينه الذي ارتضاه، وأتم به نعمته على المسلمين.

وقد صدقت نبوة النبي (صلى الله عليه وآله) عند المسلمين في كل ما مارسه الإمام (عليه السلام) من مسئوليات الإمامة التي تجلت في جهاده للإسلام وفي ريادته للمسلمين، وفي نصحه

٧٤
ومشورته للخلفاء، مما أنقذهم بها من الهلكة والانهيار، في مواطن كثيرة من حكمهم وخلافتهم.

وكما بدأت تفاعلات هذه الحركة - في أعقاب هذا الحدث الفذ - كذلك بدأت الحركة المضادة لها، وهي تتفاعل في أعماق السياسة التي ظهرت - بعد ذلك - على مسرح الأحداث الإسلامية التي أعقبت عهد النبي (صلى الله عليه وآله) بصورة مباشرة.

وقد ظلت هذه التيارات المتصارعة تسير في خط متناقض، تشتبك فيها السياسة مع العقيدة، حتى انتهت إلى النهاية التي ألحت على حتمية النهوض والإصلاح.

وعلى امتداد الخلافة التي مارسها الإمام (عليه السلام) ومارس فيها تصفية الأوضاع والاتجاهات التي أدت بكثير من فرق المسلمين إلى المروق والانحراف عن السلوك السوي الذي انتهجه الإسلام، وخططه للمسلمين: كان لا بد لحركة التشيع في ظل هذه الخلافة من أن تنمو وتنفتح، وتزداد عطاءاتها وتزدهر آثارها، إلا أن القوى المضادة التي مارستها السياسة الأموية - بكل جهدها وطاقاتها - كانت تحاول - هي الأخرى - هدمها والإطاحة بها، ومصادرتها، ونقض شروط المصالحة معها، وهي تلك الشروط التي صادق عليها الإمام الحسن (عليه السلام) وسحقتها السياسة الأموية، وتنكرت لها، وخرجت عليها.

وقد برز في هذا الصراع العنيف الدور القائد للتضحية والفداء، فتمخضت هذه الحركة الجبارة عن ثورة خالدة، ظلت تمارس - في كل جيل - مقارعة الانحراف، ومجابهة المروق عن الدين، وهي تدفع بحركة التاريخ الإسلامي إلى أن تسير في طريقها الرسالي الواضح من جديد، وتنحدر في مسارب الأجيال والمجتمعات التي أعقبت هذه الانتفاضة الجبارة.

٧٥
وهكذا تحولت حركة التشيع - في ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) - من طابعها الفكري الحاد إلى مرحلتها الحدية والمصيرية التي استنزفت التضحيات، واستدرت البطولات، وهزت العروض العاتية، ودكت الصروح والسدود التي كانت تقف دون مسيرتها، ونفاظ رسالتها.

وإذ كانت حركة التشيع - في جميع أدوارها ومراحلها - حركة إيجابية ترتكز على العقل والعقيدة، كان من المحتم أن يبرز فيها الدور الجبار الذي بدأ يجسد لأجيال المسلمين الواقع الفكري والحضاري للإسلام، وهو يتمثل في المدرسة العقلية والفكرية التي مارسها الإمام الصادق (عليه السلام) وقد ألهم العلم والمعرفة، وأفاض الفقه والحديث، وأعد العلماء الذين ظلوا خزنة للعلم وسدنة للدين إلى عصرنا هذا.

وتابع هذه الحركة كل واحد من الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام)، فخلف لها الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت المعصومين (عليهم السلام) أصولا ترتكز عليها ديمومتها وبقاؤها، فقد بنى الإمام الغائب (عليه السلام) على أعقاب غيبته الكبرى صروح النيابة العامة، التي ترجع إليها أجيال الشيعة في عامة شئونهم وأحداثهم.

وكان من العوامل الفعالة التي ساقت حركة التشيع هذه إلى الديمومة والاتساع هو دور العلماء الذين جاهدوا في أداء رسالتهم، وبذلوا دماءهم ومدادهم في سبيل نشر الفكر الشيعي، ودعمه وتركيزه.

ثم كان من العوامل الفعالة في انتشار الفكر الشيعي، واتساع رقعة التشيع، واستمراريته: هو ظهور عديد من الحكومات الشيعية التي أقامت حكمها في قطاعات مختلفة من العالم، خلفت آثارا حضارية وفكرية لا يزال المسلمون ينعمون بها، وتتمثل ذلك بالأزهر الشريف، وبما ينوء به من المسئوليات الفكرية والثقافية في أوسع رقاع العالم الإسلامي وأشملها.

٧٦
وإذا كانت السياسات الزمنية باعدت بين الشيعة، والسنة، وألقت في دخائلهم الخلاف العميق الذي تميز بالكراهية والتعصب، والصراع المذهبي القاسي، فقد ظهرت حيال ذلك دعوات رحيمة تسعى إلى أن تحكم فيهم كلمة التوحيد، وتحتم عليهم توحيد الكلمة، وتدعوهم إلى التقارب فيها بينهم وتنشدهم التصالح والمهادنة، والأخذ بالأخوة الإسلامية التي لا بد وأن تشدهم من أن يتفرقوا، وتوثقهم من أن ينفصموا.

في هذا الكتاب

والكتاب - بعد هذا - إسهام فعال في حركة التقارب بين المسلمين، يستعرض صورا من الفكرة البناءة، ونماذج من محاولات الإنهاء للصراع الفكري العنيف، الذي أجهز على منعة المسلمين، وعزتهم عبر التاريخ.

وللمرة الأخرى.. نجد من يتابع هذا الخط الفكري والعقائدي الذي يعني بالمسائل المذهبية الصريحة في حوار مفتوح.

وإذا كان الإمام الخالد السيد شرف الدين - في يومه - قد طرح أمهات المسائل الإسلامية في صيغتها العميقة من البحث والمداولة، مع شيخ الأزهر، فإن الأستاذ الرضوي قد تابع - هو الآخر - عددا من مسائل العقيدة والتاريخ - بأسلوب آخر - مع كثير من رجال الفكر والثقافة، وانتهى فيها إلى شئ بارز من التفهم والتقارب.

وامتزج - فعلا - بالنخبة الممتازة من الرجال المثقفين، وهو يحاورهم ويطرح عليهم شيئا من المسائل المذهبية الشائكة، التي استدرجهم فيها إلى تصريحات وأقوال تثمن ما تفرد به فقه الشيعة من الخصائص والامتيازات وما تميزت به

٧٧
مسائلها الاعتقادية من الأسس العقلية والمنطقية الرصينة، تلك التي حددت هوية هذه الطائفة، وميزتها عن غيرها من الطوائف الإسلامية المختلفة.

وقد تدفقت أقلام هؤلاء الرجال حول ما تميزت به طائفة كبيرة من طوائف المسلمين، ظل التاريخ المعادي لها يطمس معالمها، ويتجنى عليها ويتنكر لمعارفها، غير أن هؤلاء الرجال قد عنى لهم أن يتداركوا ذلك، فأشادوا بخصائصها في الفقه، والحديث، والعقيدة، والتاريخ.

وكان من العوامل التي حققت هذا الهدف المنشود هو: وعى هذه الثلة من الرجال الذين تعيش قراء العربية ثقاتهم واتجاهاتهم وأحكامهم، كما كان من العوامل الفعالة في ذلك - أيضا - نشوب هذا الحوار الصريح في أرضية خصبة، ذات ثروة فكرية وحضارية - هي أرض الكنانة، التي تمتد ثقافتها إلى عمر الحضارة الإنسانية العريقة لأمتها - وذات نزعة تشيعية تمتد إلى عصر الفاطميين الذي أشاع فيهم هذه الروح، وهذا الولاء لأهل البيت (عليهم السلام)، ولذلك فقد تخير الأستاذ المؤلف هذه الأرضية، كما تخير عددا من رجال الفكر في القاهرة، ليؤدي معهم هذه المهمة الإسلامية الواعية.

وهكذا كان " المحاور " ذكيا، حينما اختار هذه الأرضية الخصبة الثرية، بالأدمغة المجنحة التي تقدح بالجدة والابتكار، وتتدفق بالفكر الواعي المسئول، وبالإدارك الصائب النير.

وفي محتوى هذه " المحاورات " لفتات ذكية منصفة، انطلقت من أجواء وذهنيات حادة، نفذت إلى أعماق من الحقائق والموضوعات، كانت موصدة الأبواب والمسارب،، لولا هذا الجو الملائم الذي ساعد عليه هذا " المحاور " الذكي الذي استقطب - في حوار هذا - عددا من الآراء الإسلامية البارزة. وكان هذا هو العمل المخلص الذكي الذي استطاع أن ينزع به تلك التصريحات والحقائق

٧٨
الموضوعية الأصيلة.

وعند ما يستبين القارئ الممعن روح التجرد والإنصاف، التي تشيع في ضمائر هؤلاء الرجال المثقفين، وتدور على ألسنتهم، وتجري في أقلامهم، وهم يتحدثون عن الإسلام، وعن واقع ما ينبغي أن تتمثل به السنة والشيعة من التعاطف والتسامح والنزاهة فيما بينهم.. فما الذي يدفع - بعد ذلك - بأحد من المسلمين إلى أن يتذرع بسلاح التعصب المقيت، وما الذي يلجئه إلى أن يدافع عن مذهبه، أو أن ينكمش عليه.

ويشكل العمود الفقري لهذا الكتاب القيم حوار صريح بناء، استوعب عددا من المسائل المذهبية الجديرة بالبحث والتحدث، تعاهد فكرتها هؤلاء الرجال الذين أرادوا أن يصارحوا المسلمين بآرائهم فيها، وهم في صدد أن يتلمسوا حركة التشيع على حقيقتها وواقعها، وأن يتفهموا - جهد طاقتهم - أبعادها وجذورها.

وكان هذا هو السبيل الأقوم في أن يدرك هؤلاء الرجال مسئولياتهم في توعية المسلمين، وتوجيه أفكارهم، وتصحيح عقائدهم، وذلك في أخصب بقعة للفكر، والثقافة، وأعمقها في الوعي والإدراك.

ولم يكن للمؤلف المجاهد " السيد مرتضى الرضوي " ما يستهدفه في رسالته هذه، ولا في أي من نشاطاته الإسلامية إلا أن يدفع عن طائفته الشيعية ما لحقها من التجني وضروب الحيف، وعن أمته الإسلامية ما أصابها من الاختلاف وآثار الضعف.

والله الموفق للصواب والهادي إلى سواء السبيل.

مرتضى الحكمي   
٢٠ ذو القعدة ١٣٩٤ هـ

٧٩

- ٩ -
السيد محمد حسن القاضي

٨٠