×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

مع رجال الفكر في القاهرة (القسم الثاني) / الصفحات: ٢٨١ - ٣٠٠

<=

وقال الأستاذ عبد الفتاح عبد المقصود:

المبدأ الذي التزمته قريش في اختيار خلفاء رسول الله كان خروجها دائما على أهل رسول الله، ونزعها حقهم من أيديهم...

هذه حقيقة أيدتها دائما وقائع الحال كانت في البدء يحجبها - حديثا - في حلوق أصحابها ستار، وإن بدت في الأفعال. ثم أخذت على الأيام تخرج من نطاق الأسرار إلى المجاهرة والكلام..

الإمام علي بن أبي طالب: ١ / ١٥٤ الطبعة الأولى بمصر.

وقال ابن أبي الحديد:

جاء عمر إلى بيت فاطمة في رجال من الأنصار، ونفر قليل من المهاجرين فقال:

والذي نفس عمر بيده لتخرجن إلى البيعة، أو لأحرقن البيت عليكم.

شرح نهج البلاغة: ١ / ١٣٤ الطبعة الأولى بمصر مطبعة الحلبي، عقد الفريد لابن عبد ربه:

٢ / ١٧٦ ط مصر، أنساب الأشراف للبلاذري: ١ / ٢٨٦ شهيرات النساء: ٣ / ٣٣، الإمامة والسياسة لابن قتيبة الدينوري: ١ / ٢٠ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ١ / ١١٩ الطبعة الأولى، الإمام علي بن أبي طالب عبد الفتاح عبد المقصود: ١ / ٢٦٦ الطبعة الأولى، تاريخ أبي الفداء: ١ / ١٥٦ السقيفة والخلافة: ص ١٤ ط مكتبة غريب بالفجالة بمصر. قد ذكرت هذه المصادر كلها هذه الواقعة وهي: أن عمر بن الخطاب أتى بالحطب ليحرق باب دار فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على من فيه.

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) كما ورد في الحديث القدسي: من آذى لي وليا فقد استحل محاربتي.

كنز العمال: ١ / ٢٣٠ رقم الحديث ١١٥٧ مسند الإمام أحمد بن حنبل ٦ / ٢٥٦.

وقال الأستاذ عمر رضا كحالة: وتفقد أبو بكر قوما تخلفوا عن بيعته عند علي بن أبي طالب:

كالعباس، والزبير، وسعد بن عبادة، فقعدوا في بيت فاطمة فبعث إليه أبو بكر عمر بن الخطاب فجاءهم عمر فناداهم، وهم في بيت فاطمة فأبوا أن يخرجوا، فدعا بالحطب وقال:

والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها.

فقيل له: يا أبا حفص. إن فيها فاطمة. قال: وإن.

أعلام النساء: ٤ / ١١٤ ط بيروت، مشكلة القيادة في الحركة الإسلامية للدكتور أحمد عز الدين.

=>

٢٨١
وحين وقف الأستاذ على هذه النصوص وتدبرها، وأثارت فيه روح الحق والإنصاف وتأثر بأقوال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) صرخ قائلا:

أنا معك وسوف لا آلو جهدا لانتصار الحق فقدم لهذه الكتب بما يفرغ عن العقيدة الحقة.

<=

وقال عبد الحميد بن أبي الحديد المعتزلي:

ورأت فاطمة ما صنع عمر فصرخت، وولولت، واجتمع معها نساء كثير من الهاشميات وغيرهن فخرجت إلى باب حجرتها وقالت:

يا أبا بكر: ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول الله، والله لا أكلم عمر حتى ألقى الله ثم روى ابن أبي الحديد عن داود بن المبارك قال:

أتينا عبد الله بن موسى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) ونحن راجعون من الحج في جماعة فسألناه عن مسائل، وكنت أحد من سأله، فسألته عن أبي بكر وعمر فقال أجيبك بما أجاب به جدي عبد الله بن الحسن فإنه سئل عنهما فقال:

كانت أمنا صديقة ابنة نبي مرسل، وماتت وهي غضبى على قوم فنحن غضاب لغضبها قلت:

قد أخذ هذا المعنى بعض شعراء الطالبيين من أهل الحجاز أنشدنيه النقيب جلال الدين عبد الحميد بن محمد بن عبد الحميد العلوي قال: أنشدني هذا الشاعر وذهب عني أنا اسمه قال:

يا أبا حفص الهوينا وما كن * - ت مليا بذاك لولا الحمام
أتموت البتول غضبى ونرضى * ما كذا يصنع البنون الكرام

يخاطب عمر ويقول: مهلا رويدا يا عمر أي ارفق، واتئد، ولا تعنف بنا، وما كنت مليا، أي وما كنت أهلا لأن تخاطب بهذا وتستعطف، ولا كنت قادرا على ولوج دار فاطمة على ذلك الوجه الذي ولجتها عليه لولا أن أباها الذي كان بيتها يحترم، ويصان لأجله مات فطمع فيها من لم يكن فيها يطمع ثم قال:

أتموت أمنا وهي غضبى، ونرضى، نحن إذا لسنا بكرام فإن الولد الكريم يرضى لرضا أبيه، وأمه، ويغضب لغضبهما والصحيح عندي أنها ماتت وهي واجدة على أبي بكر وعمر، وإنها أوصت أن لا يصليا عليها.

شرح نهج البلاغة: ٢ / ١٠٩ الطبعة الأولى طبعة الحلبي.

٢٨٢
وفي ٢٥ / ٨ / ١٩٧٤ حينما وصلت القاهرة قصدت دار الأستاذ عبد الهادي مسعود في شبرا ومعي كتاب: " علي ومناوئوه " للأستاذ الكاتب الشهير الدكتور نوري جعفر وكنت أروم طبعه ونشره في القاهرة فطلبت من أستاذنا عبد الهادي مسعود أن يقدم لهذا الكتاب:

فأجاب سيادته:

أمهلني ٤٨ ساعة ولا تستعجلني لحين إكمالها وبعد انقضاء هذه المدة زرته في داره العامرة وكان قد هيأها سيادته فأخذتها منه وشكرته على تلبيته فجزاه الله خير جزاء المحسنين.

وإليك نص ما قدم به للكتب التي نشرتها بمصر:

١ - وسائل الشيعة ومستدركاتها.

٢ - المتعة وأثرها في الإصلاح الاجتماعي.

٣ - علي ومناوئوه.

* * *

٢٨٣

- ١ -
وسائل الشيعة

الدين الإسلامي ومذهب أهل الشيعة:

ليست كلمة الدين كلمة سهلة ولا هينة، وليست حدوده ذوات أفق ضيق أو قريب... إنما الدين رسالة كبيرة تتصل بأدق المشاعر، كما تتعرض لأكبر المشاكل، ويكاد الدين يشمل ما جل وما عظم من خطوط الحياة، بل ويشمل في بعض الأحيان ما دق وما هان من أمور الوجود باعتبارها ذات صلة وثيقة بالخطوط الكبرى والمشاكل العظيمة، ومن هنا أصبح واجبا أن نعرض للدين عرضا واسع الأفق، فسيح المدى، لا تعصب فيه ولا انحصارية تضر بكيان الأفراد والجماعات...

والإسلامية مذهب ديني فلسفي تتمثل خطوطه كما تتمثل أركانه وأسسه في كتاب الله هذه الإسلامية التي امتدت من طنجة على المحيط الأطلسي غربا إلى تين تس في الصين شرقا، والتي امتدت من أواسط أوربا شمالا، إلى الركن القصي من إفريقيا جنوبا...

الإسلامية التي تسود اليوم ١٧ سكان العالم أي حوالي ٤٠٠ أربعمائة مليون نفس ... هذه الإسلامية التي خلدت على الزمن، وتحطمت على صخرتها كل القوى المعادية تحتاج اليوم إلى تجديد... وهي في حاجتها إلى التجديد تتطلب دعامة من الرجال الأشداء الذين صقلتهم التجارب وصقلهم العلم... وتابعوا في ثقافاتهم تطور الإنسانية والفكر...

ونحن إذ نجدد فهمنا للدين في هذا العصر. وإذ ننطلق بأبصارنا وأفهامنا لإدراك

٢٨٤
الأسس الأصيلة فيه نستطيع أن نحدد لهذا الفهم مراحله، وأن نرسم لتحقيق هذا الهدف وسائله... وأول هذه المراحل، وأهم هذه الوسائل هو البحث فيما ورثناه عن أسلافنا كدين.. هل خلا من الشوائب؟! هل بانت معالمه وهل تكشفت لنا خباياه دون أن يدخل في أوساط رجال الدين مزيفون للحديث، موسعون لشقة الخلافات ليستطيع المستعمر أو المستغل أو الخصم أيا كان هذا الخصم أن يلعب دوره البغيض في الإفادة من هذا الزيف، أو في استغلال هذا الاختلاف؟!

إن الإجابة على مثل هذا السؤال واضحة لكل صاحب إيمان.. فاليهود كان لهم دور في بلبلة الفكرة الإسلامية.. ورجال الدولة الذين كانوا يحكمون على مر العصور كانوا يلعبون دورهم في إخفاء بعض الحقائق وفي تخريج معادن جديدة قد لا يكون لها أصل من الحق أو الصواب... والمستشرقون - وهم عيون الاستعمار - لعبوا دورهم الكبير في إفساد ذات البين وشق وحدة الدين لأسباب هي في حد ذاتها واهية ضعيفة وإن كانت نتائجها أخطر مما يظن الظانون...

هذه مرحلة من مراحل الفهم..

وثمة مرحلة أخرى تلك هي البحث الجاد في هذه الفرعيات التي اتخذت أساسا لخلاف لعله أن يكون خطيرا وقد كان خطيرا بالفعل في قابل الزمان...

علينا أن نقتل القديم بحثا لنخلق وعيا إسلاميا جديدا فما من حق لرجل غير دارس أن يتحدث فيما لا يعلم... وليس من شك في أن المذهب الشيعي - وهو فرع من أهم فروع المذاهب في الإسلامية العامة - والذي يدين به أكثر من مائة مليون مسلم في أنحاء الهند وإيران والعراق و... هذا المذهب الشيعي بحاجة إلى كل دراستنا لنستطيع فيما بعد أن نصل إلى هدفنا وهو التوفيق بين شتى المذاهب الإسلامية في داخل إطار من - كتاب الله - القرآن الكريم.

٢٨٥
كتاب مع رجال الفكر في القاهرة (القسم الثاني) للسيد الرضوي (ص ٢٨٦ - ص ٣٠٥)
٢٨٦

وثمة خلافات أخرى في جوانب من الفقه.. هذا يرى أن لمس الزوجة ينقض الوضوء، وأن مس الذكر أيضا ينقض الوضوء.. ولا أرى أنا شخصيا أن لمس الزوجة أو مس الذكر ينقض وضوء.. وإذا رأى أهل السنة غير ذلك فلهم مطلق الحرية ولست مانعهم حين يتوجهون للوضوء مرة أو مرات.. ولكني أمنعهم حين يجعلون من هذا السبب مناطا للاختلاف بينهم وبين أهل الشيعة فيكون هذا الاختلاف وسيلة لإضعاف الإسلام..

لقد اتفقت جميع الأديان في أسس أصيلة هي الإيمان بوجود خالق للكون، وأن هذا الخالق العظيم يدعو الناس إلى الخير، وأن هذا الخير يتلخص في عدم الإضرار بالناس.. وقد أرسلت هذه الدعوة إلى الناس عن طريق الرسل..

وقد جاء الإسلام يخاطب العقل دائما، ويستحث التفكير وطالب به ويلح إلحاحا كثيرا في أن نتدبر في أنفسنا، وفي معاشنا ومعادنا، وأن الله لا ينظر إلى صورنا بل ينظر إلى قلوبنا، وأنه فرض علينا عبادات لا تقصد لذاتها وإنما لتكون لنا ذكرى تجدد أرواحنا، وتروضنا على الطاعة والامتثال لما فيه صلاحنا، فهي لم تكن - وإن تكن مفروضة علينا - هدفا في حد ذاتها.. فضلا عن أن تكون موضع خلاف أو اختلاف بين صفوفنا الموحدة..

ولهذا وعلى هذا الضوء يجب أن نتناول قضية المذاهب في الإسلام.. ننظر إلى الخطوط الكبرى، والأسس الثابتة:

هل يدعو مذهب من المذاهب إلى الظلم وإلى الاستبداد؟!

هل يدعو إلى السرقة.. أو إلى الزنا.. أو إلى الربا أو إلى كبيرة من الكبائر؟!

هل يختلف مع ما ورد في كتاب الله؟! هذا هو مقياسنا.. وعلى هذا الضوء نستطيع أن نقرر مخالفة هذا المذهب أو ذاك لدين الله..

٢٨٧
والشيعة حينما يحلون زواج المتعة مثلا إنما يستندون إلى الآية الكريمة: (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن) ٢٤ / ٤..

ومقياسنا في فهم آي القرآن هو اللغة.. ولغة هذه الآية واضحة لا لبس فيها ولا غموض، ولو احتكمنا إلى العقل - والعقل أصل من أصول الدين - لما رأينا في ذلك نقصا..

ولست أرى - من الناحية العلمية - فرقا كبيرا بين زواج المتعة والزواج الذي نأخذ به عند أهل السنة.. فزواج المتعة المحدود بزمان معين لصاحبه مطلق الحرية في أن يمده إلى نهاية العمر.

وزواج أهل السنة - ذاك الذي لا يتقيد فيه بزمان - لصاحبه أيضا وبنص القرآن الكريم أن يقطعه بالطلاق.

فالزواج المباح عند أهل السنة دائم إلى انقطاع، وزواج المتعة أيضا منقطع إلى اتصال.. وهذا هو الفرق العملي بينهما.

وليس هذا الفرق يهمنا بقدر ما هو غير موجود بالفعل.

وإنما الذي يهمنا أن نسجله هو أنه في الوقت الذي يدعو فيه الإسلام إلى الشورى. ويدعو إلى حسن المعاملة، وانتزاع عوامل الفرقة والسوء، ونوازع الاستبداد من نفوس الناس، ونفوس القادة والزعماء:

(فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم، وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله) آل عمران: ١٥٩.

(والذين استجابوا لربهم، وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم) ٣٨ / ٤٢.

في هذا الوقت الذي يدعو فيه الإسلام إلى عدم الاستبداد بالرأي نرى البعض

٢٨٨
يفهمون المذهبية فهما متعصبا، وكأنما انفصل عن الدين خصومهم في المذهب.

ونحن لا نرى هذا الرأي.. بل نرى عكسه تماما.. فالاختلاف في الرأي وسيلة الوصول إلى الصواب.

وفي الوقت الذي يدعو الإسلام فيه هذه الدعوات القوية نرى فئة تتلمس أوجه الخلاف في المذاهب، وتحاول التعمق فيها، وتسب غيرها دون وجه من الحق أو الصواب.

ونحن لا نرى السب أو الطعن وسيلة للإقناع والاقتناع... وإنما نراه وسيلة للقطيعة وسببا للكراهية... والله تعالى يقول:

(وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) الآية.

والذي نراه اليوم أن ندرس الدراسة الواعية دون الدراسة القائمة. والذي نستهدفه من ديننا أن نصل إلى الفهم الصادق عن طريق الثقافة المتعمقة لا السطحية.. وعن طريق النهوض بمجتمعنا إلى المكان الذي يتناسب مع جلال هذا الدين المتين.

ومن أجل هذا كله.. نكتب هذه المقدمة لكتاب يتناول فقه الشيعة ويتعرض للأحكام التي آمن بها الأئمة من الفقهاء عند الاثني عشرية أو الإمامية. حتى يرى أهل السنة أن ليس بينهم وبين الشيعة اختلاف أصيل.. وإنما هم جميعا وحدة واحدة.. يستهدفون رفعة الدين ونصرة المسلمين أجمعين.

القاهرة: عبد الهادي مسعود         
مدير المكتبات بدار الكتب المصرية " سابقا "

٢٨٩

- ٢ -
المتعة وأثرها في الإصلاح الاجتماعي

الإسلام اليوم بحاجة إلى تجديد، ومن واجب المجدد إذا تجنب الهوى أن يدرس الموضوع دراسة متعمقة، وموضوعنا اليوم هو المتعة في الإسلام ونريد عرض هذا الموضوع عرضا محايدا، لا تحيز فيه ولا تهيب، ولا سطحية فيه ولا ابتسار.

والإسلامية مذهب ديني فلسفي تتمثل خطوطه كما تتمثل أركانه وأسسه في كتاب الله، هذه الإسلامية التي امتدت من حيث المكان من " طنجة " على المحيط الاطلنطي غربا، إلى أقصى الصين على المحيط الهادي شرقا، ومن أواسط أوربا شمالا إلى الركن القصي من إفريقيا جنوبا. والتي امتدت من حيث الزمان من عهد محمد صلوات الله عليه إلى اليوم وإلى ما بعد اليوم، هذه الإسلامية إنما امتدت هذا الامتداد مكانا وزمانا لأنها تتفق مع طبيعة البشر في كل زمان وفي كل مكان، ولأنها توافق الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وتضمن للإنسان نوعا من السعادة، وتوفر له جانبا كبيرا من الاستقرار والاطمئنان.

ومعنى الإسلام القريب هو الخضوع والاستسلام لأوامر الله، فالمسلم هو الذي يسلم لله ويخلص له، فيأتمر بأمره ويخضع للحق مهما خالف هواه، ومهما خالف ما ورثه عن أهله ومن حوله من آراء.

إن الخضوع المطلق لله تعالى يوجب الصدق المطلق مع ذات نفسك، كما يوجب، الصدق المطلق مع آلك وأولادك والصحاب والإخوان، وغير الإخوان، ما لم يكن ذلك متعارضا مع أمر من أوامر الله.

٢٩٠
ولعل أول ما نتابعه في تاريخ الإسلام أن نتابع الوحي الذي نزل على قلب رسول الإسلام، ولعلها أن تكون لفتة قوية تلك التي يسوقها الله إلينا في أول آية نزلت من القرآن:

(إقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، إقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم).

كانت أول آية نزلت علينا من الملأ الأعلى هي قوله تعالى " إقرأ " هذا الأمر الذي يعتبره المسلمون، أو يجب أن يعتبروه شعارا لهم يقرونه ويخضعون له، فتصبح الكلمة المقروءة والكلمة المكتوبة وسيلتهم وأدائهم في كل مكان ومجال.

وقد حدد الله تعالى معالم الطريق: نبدأ أولا بإدراك ماهية الإنسان منذ يولد، هذا الإنسان الذي خلق من علق... هذا الإنسان كيف ومتى وجد، وكيف ومتى ينتقل في مراحل التكوين من العلقة إلى المضغة المخلقة إلى غير ذلك من أطوار...

وأن ندرس خصائص هذه الأطوار جميعا.

إن من واجبنا بمقتضى القرآن الذي هو كتاب الإسلامية الأكبر أن نبحث وأن نقرأ، وأن نتابع البحث والقراءة والاستزادة منهما حتى ندرك الإنسان الذي خلق من علق، وحتى نكتب بالقلم، ونتعلم به ما لم نكن نعلم، ذلك لأن الله تعالى هو الذي يعلمنا، وهو الذي يهذبنا، وهو الذي يثقف أفهامنا وأفكارنا لندرك بعض ما لم ندركه إلى اليوم، وإلى ما بعد اليوم من أجيال وقرون.

والحق إن الإسلام اليوم في محنة، فهو في موضع التجربة اليوم أكثر من أي وقت مضى، واليوم حيث تقدم العلم، وتقدم الإنسان، وتعلم هذا الإنسان كثيرا مما لم يكن يعلم، تعلم الزراعة والصناعة، وتعلم السيارة والطيارة، وتعلم الطب والهندسة والتجارة، وتعلم الفلك، وتعلم الجدل، والشعر والأدب، وتعلم الاحصاء بالقلم، كما

٢٩١
تعلم حساب السنين والأيام، بل تعلم كيف يتدخل في الطبيعة فيفجر الذرة، وكان هذا من مكامن الخطر.

ويقف المسلمون: حائرين، أيظلون على إيمانهم بكتابهم أم يتراجعون ليؤمنوا بالعلم الذي أدهشهم وكشف لهم عن كل غريب؟!

أيتعارض هذا القرآن مع العلم أم يتفق معه؟!

أيوافقه في كل ما يذهب إليه، أم يدعو إلى تثقيفه وتهذيبه؟!

بل أيتفق هذا العلم بالأشياء والغرائب مع القرآن الذي ندين به أم يتعارض ويعارض ويواجهه المسلمين بغير ما يريدون وغير ما يؤمنون؟!

ولم يثبت المسلمون أمام تيار العلم الجارف، واعتبروا - لمدة من الزمن - أن تقدم الشعوب الأخرى بالعلم دليل على جواز تخلف الإسلام عن الحضارة واضطرتهم قوة الدفع الاستعماري إلى التخلف بالفعل عن ركب الإنسانية الزاحف، ولكن بعض المسلمين لم يجرفهم التيار ولم يرهبوه، وعكفوا يقرأون ويبحثون، وفهموا أن الإسلام ليس هو الإيمان والطاعة فحسب، وإنما هو الإيمان عن وثوق، والطاعة عن اقتناع، وهو فوق ذلك علم وبحث ودراسة واستقصاء وهو بعد ذلك دعوة يجب نشرها وإذاعتها بين الناس.

أخذ الاستعمار يبسط سلطانه، وينثر ذهبه، ويضع الجلادين على رؤوس الشعوب ليخضعها وينحرف بها عن دينها، وأخذ يبث صنائعه في كل بلد وفي كل قطر، وانتشر الباحثون المسلمون فامتصوا آراء المستعمرين وعلومهم، وتمثلوها وأدخلوا عليها ما شاءوا من الاصلاح والتعديل، كما سلطوا عليها أضواء من الدين لصقلها وجعلها أداة للإفادة دون التدمير.

وتحركت جموع المسلمين يمنة ويسرة، بعضهم يواصل رسالة الحق، وبعضهم

٢٩٢
يستبد برأيه، وبعضهم يهلك كالفراش المبثوث... وأصبح لزاما علينا أن نسهم في كل هذا الطوفان نتلمس للإسلام وللمسلمين سفينة نجاة.

وقد رأينا أن الإسلام دعا إلى الفكر، وجعله عماده وأساس دعوته، وجعل مرتبة المسلم الذي يرث الإيمان مرتبة دنيا... ومرتبة المؤمن بعد البحث والشك مرتبة لا تعلى في مراتب اليقين...

كان الإسلام ولا يزال دين حق.. يبحث عن الحق ويسعى إليه، ويدعو الناس إلى الدفاع عنه.. دين جاد يواجه الحياة ويرسم الحلول لما بها من مشاكل...

دين جاد يدعو الناس إلى الاستسلام للحق وحده، وإن أتى من أقصى الأرض، ويدعوه للإذعان لسلطان الحق فلا سلطان إلا للحق أينما كان...

يدعو الإنسان إلى الإيمان الجاد الذي يواجه الحقائق قبل أن تأتيه الحقائق فتهز في الإنسان أصول إيمانه، بل قبل أن تواجهه المشاكل فتقضى على ما تبقى في نفسه من اليقين...

والقرآن يرفع شأن العلم بطريقة لا تخلو من التحريض والتحقير لكل جهالة، قال تعالى: (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟).

ويقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم):

" من تعلم بابا من أبواب العلم ليعلمه للناس أعطي ثواب سبعين صديقا ".

رواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس عن ابن مسعود.

ولا يعلم غير المسلمين ما مقام الصديقين عند الله... إنهم بمنزلة الشهداء الذين يموتون في سبيل المبدأ والعقيدة والإصلاح، بل إنهم ذكروا بعد الأنبياء وقبل الشهداء في آيات من القرآن... وذلك أنه تعالى جعل العلماء ورثة الأنبياء في الأقوال والأفعال وجعل الشهداء منفذين لأقوال العلماء حين يؤمنون بما يقول العالم المخلص

٢٩٣
فيقتنع ويعتقد ويؤمن، ثم يندفع ليموت في سبيل العقيدة والمبدأ...

وبعد فإننا بصدد بحث عن " المتعة " ومشروعيتها في الإسلام...

" والمتعة " يدعو لها " الشيعة "... والشيعة بالنسبة لأبناء إقليمنا بحاجة إلى تعريف...

ولا بأس من أن أرجع في تقديمي لهذا الكتاب إلى مقدمتي التي صدرت بها كتابا أخر لإمام من فقهاء الشيعة المتقدمين وهو: " الحر العاملي " في كتابه " وسائل الشيعة " والذي كمل الانتفاع به بانضمام " مستدركاتها " إليها للميرزا " حسين النوري " قلت: في تقديمي لهذا الكتاب في تعريف مركز عن الشيعة تعرضت من خلال لقضية " المتعة ":

ونحن إذ نجدد فهمنا للدين في هذا العصر، وإذ ننطلق بأبصارنا وأفهامنا لإدراك الأسس الأصيلة فيه نستطيع أن نحدد لهذا الفهم مراحله وأن نرسم لتحقيق هذا الهدف وسائله...

وأول هذه المراحل، وأهم هذه الوسائل هو البحث فيما ورثناه عن أسلافنا كدين.. هل خلا من الشوائب؟ هل بانت معالمه وهل تكشفت لنا خباياه دون أن يدخل في أوساط رجال الدين مزيفون للحديث، موسعون لشقة الخلاف ليستطيع المستعمر أو المستغل أو الخصم أيا كان الخصم أن يلعب دوره البغيض في الإفادة من هذا الزيف، وفي استغلال هذا الاختلاف؟!

إن الإجابة عن مثل هذا السؤال واضحة لكل صاحب إيمان... فاليهود الذين كان من مصلحتهم أن يخضع الناس لسلطان المال بأكثر من خضوعهم للدين والحق، لهم دور كبير في بلبلة الفكرة الإسلامية، ورجال الدولة الذين كانوا يحكمون على مر العصور كانوا يلعبون دورهم في إخفاء بعض الحقائق، وفي تخريج معان جديدة قد لا

٢٩٤
يكون لها أصل من الحق أو الصواب...

والمستشرقون - وهم عيون الاستعمار - لعبوا دورهم الكبير في إفساد ذات البين، وشق الصفوف لأسباب هي في حد ذاتها واهية ضعيفة وإن كانت نتائجها أخطر مما يظن الظانون.

هذه مرحلة من مراحل الفهم..

وثمة مرحلة أخرى تلك هي البحث الجاد في هذه الفرعيات التي اتخذت أسبابا لخلاف لعله أن يكون خطيرا، وقد كان خطيرا بالفعل في قابل الزمان...

علينا أن نقتل القديم بحثا لنخلق وعيا إسلاميا جديدا، فما من حق لرجل غير دارس أن يتحدث فيما لا يعلم. وليس من شك في أن المذهب الشيعي - وهو فرع من أهم فروع المذاهب في الإسلامية العامة - والذي يدين به أكثر من مائة مليون مسلم في أنحاء الهند وباكستان والعراق وإيران... هذا المذهب الشيعي بحاجة إلى كل دراستنا لنستطيع فيما بعد أن نصل إلى هدفنا، وهو التوفيق بين شتى المذاهب الإسلامية في داخل إطار من كتاب الله - القرآن الكريم.

إن هذا المذهب الإسلامي له مقوماته الفكرية كأي مذهب آخر من مذاهب الدين، وله لواؤه الخفاق ما في ذلك ريب. والعلماء الشيعة كعلماء أهل السنة إنما يدركون كل شئ في حدود القرآن، وفي حدود ما ورد على لسان نبي الإسلام. وقد نظموا دراسات وبحوثا لها قيمتها في ميدان الإسلامية الكبرى، وكان لهم في إحياء التراث الديني مجالات ومجالات.. ".

ولقد تابعت كثيرا من كتب الشيعة، وتابعت مختلف الآراء التي قيل بأنها تختلف عما يتجه إليه أهل السنة فوجدته خلافا على شكليات لا أصل لها من جوهر الأمور، فالخلاف حول تفضيل " علي " كرم الله وجهه خلاف لا يمس صميم الدين

٢٩٥
ولا يهدم ركنا من أركانه، فضلا عن عدم جدوى إثارة مثل هذا الموضوع وقد قبض النبي صلوات الله عليه إلى ربه كما قبض الخلفاء الأربعة وغيرهم من جلة الصحابة والتابعين، ولن يفيد الخلاف والاختلاف في إعادة واحد منهم أو غيره إلى الحكم، ولو افترضنا أن إماما سيظهر في قابل الأيام فالعالم كله في انتظاره لأنه سيكون مؤيدا بروح الله.

ولعل من أخطر وجوه الخلاف ذلك الذي دار حول " المتعة ".. التي يحلها فقهاء الشيعة (١) في الوقت الذي يحرمها فقهاء السنة.

وقبل أن أناقش هذا الموضوع أحب أن أضع أمام الأنظار إحصاء كان اتحاد الأزهر قد طبعه ووزعه منذ حوالي خمسة عشر عاما يقرر فيه ما يلي:

١ - بلغ عدد الحوادث سنة ١٩٤١ في مدينة القاهرة وحدها ٣٥٤٠٤٦ حادثة بينها ١٣٥٩ جناية " إحصاء سكرتير نيابة مصر - الأهرام في ٢٧ فبراير سنة ١٩٤٢ ".

٢ - عثر في القاهرة على ١٠٠٥ غلام في ١٠٠ فندق وحمام مصابين جميعا بأمراض خبيثة - وثبت بالتحقيق أن عصابة قبض منها على سبعين فردا كانت تتجر في الغلمان وتبيع الغلام بثلاثة جنيهات " عن المقطم والأهرام في ٢٤ و ٢٥ ديسمبر ١٩٤١ م ".

(١) قال أبو جعفر محمد بن حبيب المتوفى سنة ٢٤٥ هجرية في كتاب المحبر: ص ٢٨٩ تحت عنوان: " من كان يرى المتعة من أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم).

خالد (*) بن عبد الله الأنصاري و " زيد " بن ثابت الأنصاري وسلمة بن الأكوع السلمي، وعمران بن الحصين الخزاعي، وعبد الله بن العباس بن عبد المطلب (رضي الله عنه) " انتهى " - المحبر ط بيروت: المكتب التجاري.

(*) كذا في الأصل ولعله جابر عن هامش " المحبر " ص ٢٨٩.

٢٩٦
٣ - جاء في تقرير مكتب الآداب عن أعماله خلال شهر سبتمبر ١٩٤١ م في القاهرة ما يأتي:

٤ - قبض المكتب على ٧١٩ - غلاما مشردا.

٩٤ - امرأة تحرض على الفساد بينهن ٨ فتيات قاصرات.

١٠٥ - امرأة في منازل سرية.

٦٥ - بنسيونا وفندقا يدار للدعارة.

٣٤ - بلطجيا.

١١٢ - مرة دهم فيها بيوت الدعارة.

١٣ - قضية فعل فاضح في الصالات.

١٠٥٤ - شكوى هتك عرض حقق فيها المكتب.

٣ - قضايا بيع كتب مخلة بالآداب.

وهذه هي حصيلة شهر في مدينة كبرى هي عاصمة البلاد... فما بالنا بحصيلة الأيام والشهور والأعوام التي تلت ذلك... وقد كانت هذه الحصيلة في وقت كان فيه البغاء العلني المصرح به موجودا وقائما ويمارس خدماته الوضيعة. فما بالنا وقد ألغي هذا البغاء...؟

لقد بلغ عدد المصابين بالزهري من بيوت الدعارة سنة ١٩٣١ م ربع مليون من الزناة أي ٢٥٠ ألف نسمة...

ولا تقول إن هذا يمثل الحقيقة في بلادنا في الماضي وفي الحاضر، وإنما هو يمثل جانبا من الحقيقة، وما خفي كان أعظم.

إن ما يحدث في المدارس الداخلية بنين وبنات لا يخفى على الناس...

٢٩٧
وما يحدث في داخل البيوت بين الأقارب والصحاب لا يخفى على الناس...

وتجارة الرقيق يمارسها جميع الشباب في السن الذي ينتظرون فيه الزواج، ولا نقصد المعنى الحرفي لتجارة الرقيق، وإنما نقصد علاقة الذكر بالأنثى بالطريقة التي لا يسيغها العقل ولا يسيغها الدين، ولا تسيغها الأخلاق...

وما تعرضه الجرائد والمجلات من مآسي تتكرر صورها وتتكرر وقائعها لا يحتاج إلى بيان.

بل إن ما يحدث في أعماق الريف يفوق كل ذلك في النوع وفي المقدار.

وآخر ما قرأت في جريدة الأخبار منذ أيام... أن موظفة بمصلحة التليفونات في القاهرة استغاثت عن طريق إحدى زميلاتها بالنجدة حيث هاجمت منزلا في دائرة عابدين وجدت به الفتاة، ووجدت معها شابا عثر معه على قطعتي حشيش، وحبوب تخدير، وحقن طبية لمنع الحمل، وتولى المقدم " علي الحديدي " مأمور قسم التحقيق حيث قررت الفتاة أنها كانت تقف على محطة الأتوبيس بشارع الجلاء فشعرت بالدوار، وحينما أفاقت وجدت نفسها في مسكن الموظف، وحينما أرادت الانصراف حبسها، وحاول هتك عرضها، واستبقاها في منزله أربعة أيام...

والحادث خطير في مدلوله، خطير في خطته الجديدة المثيرة...

حبوب تخدير يمكن أن تستخدم مع أية أنثى تسير في الطريق...

وقطعتان من حشيش، رغم المقاومة الجبارة لتجارة الحشيش...

وحقن طبية لمنع الحمل قد تكون آثارها الصحية مدمرة بالنسبة للمرأة وللفتاة على حد سواء..

وكل هذا يحدث في " القاهرة " وهي مدينة كبيرة، حيث الحراسة متوفرة، وحيث الشوارع تضج بالناس..

٢٩٨
ويقوم بهذا كله موظف يقرر بأنه أخذها معه لإسعافها، وأنها رفضت الانصراف من منزله على حد ما ذهب في اعترافاته، أو ما ذهب إليه من أقوال..

وليس هذا الحادث فرديا.. بقدر ما هو حادث يتكرر.. ويتكرر ما هو أسوأ منه في كل وقت... وقد سمى حادثا لأنه ظهر سواء كان باختيار البنت أو برغمها...

وسواء أقتلها أهلها، أم وقع القانون على المعتدي.. أو أخذ بثأرها واحد أو آخر من إخوتها أو الأقربون...

كل هذا وغيره لا ينهي الموقف، ولا يحل المشكلات..

ونزل القرآن لإصلاح المجتمع وحمايته، ورعاية الأسرة والدفاع عنها.. نزل ليضمن سعادة الإنسان، ونزل مناسبا لجميع الناس على اختلاف ظروفهم وأحوالهم..

وقد أوجب الزواج عند خشية الزنا، ولكن الزواج يحتاج إلى المهر وإلى الاستعداد، وفي الإنسان طاقات تتنفس، ولا بد أن تكيف علاقات الذكر بالأنثى تكييفا سليما لا تتحطم معه خلقية الإنسان، ولا تنهار معه الأسرة حين يرتبط الرجل بعلاقات.. وترتبط الأنثى بعلاقات.. وسواء أكان هذا بالإغراء من طرف من الأطراف المعنية أو من الطرفين معا فالنتيجة هي النتيجة.. والحل ليس هو الزنا أو اللواطة أو السحاق بأية حال من الأحوال.. هذه الأمراض التي نشأت لأننا لم نفهم ما في القرآن من مثالية نتلمسها في " التصوف ".. وما فيه من واقعية معتدلة صافية نتلمسها في وقوله تعالى:

(خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها).

وما فيه من واقعية أكثر في مرونتها من ذلك، أو قل أقرب إلى طبيعة الإنسان بما فيه من هذه الغريزة المقيمة حين يجيز له الزواج من اثنتين وثلاث ورباع، بل إنه

٢٩٩
يفتح للمسلم بابا آخر هو هذا الترخيص الوارد في قوله تعالى:

(والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم).

ثم يقول جل من قائل عقب هذا النص من الآية مباشرة:

(وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة، ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة، إن الله كان عليما حكيما).

وبهذه الآية (وأحل لكم ما وراء ذلكم...) تمسك فقهاء الشيعة من المذاهب الإسلامية الكبيرة...

ويحاول بعض الدارسين من معتنقي مذاهب أهل السنة أن يقول: بأن " المتعة " هنا هي الزواج العادي الدائم، ومثل هذا الكلام مردود، إذ من المحقق أن اصطلاح " المتعة " معروف ومقرر، ومن المقطوع به أنه أبيح على عهد رسول الله صلوات الله عليه، وعلى عهد أبي بكر، وجانب من خلافة عمر.. وهو عند الشيعة لا يزال مباحا إلى اليوم..

كما يحاول بعض الدارسين على اتجاه أهل السنة أن يفسره أحيانا على أنه " ملك اليمين " وهي محاولة ساذجة للتهرب من الحقيقة، فملك اليمين لا يحتاج إلى بيان، وليس هو المقصود بهذه الآية على وجه من الوجوه، وملك اليمين هو ملك اليمين وليس شيئا آخر، هذا كله فوق أنه مذكور في صدر هذه الآية الكريمة موضوع الاستشهاد.

أما " ما وراء ذلكم " فما استمتعتم به منهن، ومن واجبكم حينئذ أن تلتزموا شروط ذلك، وأول هذه الشروط والأوامر:

" فآتوهن أجورهن فريضة ".. " محصنين غير مسافحين " متعففين غير مرتكبين للزنا، ملتزمين لكل شروط " المتعة " التي لا تضيع حقا لذي حق، إذ " المتعة " لا تتم

٣٠٠