×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

مع رجال الفكر في القاهرة (القسم الثاني) / الصفحات: ٣٠١ - ٣٢٠

إلا بشروط وضعها الشارع الأكبر وبينها للناس...

هذا هو التفسير الذي وضحه لنا أئمة المجتهدين من الشيعة، وكل تكلف في التفسير والتخريج على غير هذا الوجه - إنما هو عندهم من باب تحريم ما أحل الله، وهو.. فيما نرى تعسف لا يحتمله النص على وجه من الوجوه..

وقد رأينا أن نختار نصا من كتاب " المحلى " للإمام ابن حزم المتوفى عام ٦٥٤ هـ بالجزء التاسع في باب أحكام النكاح يتميز بعرض واضح، وتعريف محدد للمتعة.

وقد أشار الأستاذ الفكيكي إلى هذا النص في ص ٣٨ من هذا الكتاب، غير أنني أنصح بالرجوع إليه كاملا في كتاب " ابن حزم " حيث يعرضه هذا الإمام بين يدي القارئ الكريم وعقله ليكون موضع الاحتكام.

على أننا نضيف إلى هذا بعد الدراسة الطويلة - أن أكثر من تسعين في المائة من المجتهدين، من سنة وشيعة أجمعوا على أن " المتعة " المذكورة في الآية الكريمة هي الزواج إلى أجل، وأن هذه الآية هي المرجع الأول في الإباحة.

أما النسخ فالمجتهدون من السنة يقررون أنه ورد بحديث عن النبي صلوات الله عليه، ونهيه عن ممارسة هذا الحق الذي منحه القرآن الكريم.

وقد عودنا القرآن حين يحرم شيئا أن يفصله ويكرره ويؤكده، بل غالبا ما يضع العقوبات للمخالفين...

قال تعالى: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم).

وترتيبا على ذلك محال أن يحرم الله تعالى علينا ما لم يبينه لنا، وما لم يفصله على حد تعبيره تعالى في هذه الآية المحكمة...

وإذا كانت المتعة قد أبيحت بنص من القرآن فلا بد من أن تحرم - إذا كان ثمة تحريم - بهذه الطريقة من البيان والتفصيل.

٣٠١
قد يقول قائل بأن فتح الباب لزواج المتعة سيغلق باب الزواج الدائم، وسيدفع الشباب إلى زواج المتعة دون الزواج الدائم، ولكنها حجة واهية لا تحتاج إلى نقاش ذلك أنه بالرغم من إباحة المتعة في كثير من أقطار الإسلام كالعراق وإيران وغيرهما، فلا يزال الزواج الدائم هو الساري في غالب الأحيان.

ونقول إنه على الرغم من إباحة الطلاق عند أهل السنة وأهل الشيعة على السواء فلا يزال كل متزوج حريصا على عدم استغلال هذه الرخصة المباحة حفاظا على الولد، ورعاية لجمع الشمل، ولا يلجأ إلى استخدام الطلاق إلا جاهل؟؟؟، أو رجل لا يقدر المسئولية، أو في حالة الاضطرار وهو الأمر الذي من أجله شرع هذا الترخيص.

وكم من زوجات آذين أزواجهن بالحق حينا، وبالباطل أحيانا بل غالبا، ألحقن بأزواجهن أضرارا جسيمة نتيجة لغيرة مفاجئة أو تحريض محكم من حماة أو جارة أو زميلة لا تريد بها وبزوجها إلا الشر والسوء لسبب أو لآخر من الأسباب، ومع ذلك آثر الأزواج المحافظة على البيت حرصا على ولد صالح أو بنت يؤذيها الانفصال كل الايذاء... ولأمر ما جعل هذا الترخيص في يد الرجل ولم يترك لأهواء المرأة حتى لا تكون - ولا نقول حتى لا يكون سببا للنكبات...

وجاءني صديق من أصدق شباب العراق، وهو أخي " مرتضى الرضوي " وطلب إلي أن أقدم هذا الكتاب، " وكنت قدمت له كتاب " وسائل الشيعة " من قبل وترددت، أستخير الله وأطلب السداد في الرأي، وطالعت الموضوع وتابعته أياما وشهورا وأنا أخلف موعد الزميل " المرتضى " وهو يلتمس الأعذار، وساعدني زميل مصري بإدارة الثقافة هو الأستاذ سعيد عبده، وأحضر لي بعض مخطوطات مصورة نادرة من كتابين جليلين هما:

٣٠٢
١ - ناسخ الحديث ومنسوخه لأبي حفص ابن شاهين.

٢ - نواسخ القرآن لابن الجوزي.

وأوجب علي الموقف بعد المطالعة والبحث أن أعرض هذا الموضوع هذا العرض العلمي الحيادي الإيجابي معا، لعله أن يكون موضع الدراسة لدى المختصين على منهج مثل هذا المنهج، واتجاه يتقارب مع هذا الاتجاه..

وليس من شأني في هذا التقديم أن أتعرض لتفصيلات " المتعة " ولها شروطها وقيودها التي بينها لنا العالم أو المحامي " توفيق الفكيكي " في كتابه الذي نقدمه الآن.

أما المتعة عند الشيعة فهي تدفع جرائم عديدة تهدد المجتمع كله بالدمار. وقد أوردنا إحصاء يكشف عن بعض هذه الجرائم، فيها المتزوج وفيها المتزوجة، وفيها الجيران، والقريب الذي يدخل البيت مستظلا بقرابته، والصديق المستظل بصداقته.

والذي يغري المرأة، والذي تغريه المرأة.

وثمة ألوان غير هذه الجرائم من الشذوذ يعرفها الجميع، بل ويرونها حتى بين أولادهم وفلذات أكبادهم، فيخفون رؤسهم في الرمال دفعا للأخطار وما هكذا تحل مشاكل المجتمعات..

المتعة تقضي على الدعارة الرسمية، ونصف الرسمية، وغير الرسمية. وتقضي على الزاني الذي ينطلق كالحيوان إلى هذه وتلك.. والزانية التي تسلم نفسها لهذا وذاك دون عقد ودون شهادة من الشهود، ودون اعتبار " للعدة " التي تستغرق في المتعة المباحة عند الشيعة حيضتين كاملتين أو خمسا وأربعين يوما كاملا " حتى إذا كان ثمة " حمل " انكشف في خلال هذه المدة فألحق بأبيه، وصار مسئولا عنه مما يدفع إلى إستدامة العلاقة الزوجية بالفعل..

أما الإسلام فقد وجد ليحارب كل هذا، لا ليحاربه بالسيف.. فالسيف أضعف

٣٠٣
من أن يحل المشكلات. وإن قال الشعراء بغير ذلك.

السيف حين يحارب السرقة ينسى أن الرشوة أشد نكاية في هدم الشعوب من السرقة.

والسيف حين يحارب البغاء بالإلغاء - دون خطة واعية وتيسير للزواج والإحصان - ينسى أن الطبيعة البشرية أقوى من الإلغاء، وأقوى من المياه الهادرة، والأمواج الثائرة، والنيران المشتعلة.

والسيف حين يسلط حده على الظهور يتهرب الناس - جموع الناس - بظهورهم ليزحفوا إلى الرذيلة والفساد على بطونهم، متظاهرين بالتزلف إلى جلاديهم، والتقرب إلى الطغاة والمفسدين.. إلى أن ينفسخ كيانه وكيانهم..

وأساس الإسلام هو العقيدة قبل السيف..

وهو الفكرة القوية التي نعتقد أنها أقوى من كل الجيوش في أرجاء الأرض..

وهي أساس تكوين الشعوب في أي ركن من الأرض.. وهو بفكرته الثقافية يساير طبيعة الإنسان لينظمها ويشرع لها لا ليشرع ضدها أو يعترض طريقها.

وأخيرا وليس آخرا نقرر الفرق بين زواج المتعة، والزواج الذي نأخذ به عند أهل السنة:

فزواج المتعة المحدود بزمان معين لصاحبه مطلق الحرية في أن يمده إلى نهاية العمر.

وزواج أهل السنة - ذاك الذي لا يتقيد فيه بزمان - لصاحبه أيضا وبنص من القرآن أن يقطعه بالطلاق.

فالزواج المباح عند أهل السنة دائم إلى انقطاع، وزواج المتعة أيضا منقطع إلى اتصال.. وهذا هو الفرق العملي بينهما.

٣٠٤
وليس هذا الفرق يهمنا ما هو غير موجود بالفعل.

وأخيرا نقول بأن: هذا الدين متين، وعلى الدارسين أن يوغلوا فيه برفق، وعليهم دراسة المشكلات دراسة متحررة من كل جمود، محررة من كل شوائب، وعرضها من كافة وجوهها بحيث لا يوجد بين المسلمين خلاف يفضي إلى ضرر أو ضرار.

القاهرة: عبد الهادي مسعود

* * *

٣٠٥
كتاب مع رجال الفكر في القاهرة (القسم الثاني) للسيد الرضوي (ص ٣٠٦ - ص ٣١٨)
٣٠٦
الحكم الإسلامي في ظل الإيمان، وكتابة عن الإسلامية الصحيحة، ودفاع عن المسلمين على مر العصور، ومن حضر منهم في عهد علي (عليه السلام) ومن حضر بعده أو قبله، منذ نزلت الرسالة على رسول الله محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وسلم).

وكان علي أن أنتظر سانح فرصة لأسجل بعض ما خطر في ذهني عن هذا الرجل العظيم.

وكان علي بن أبي طالب (عليه السلام) كما ورد في " الإصابة ": قد اشتهر بالفروسية والشجاعة والإقدام " فهل كانت شهرته قاصرة على هذا المجال فحسب؟!

لقد أجمع الرواة - وترى ذلك متواترا طبقة عن طبقة -: أن علي بن أبي طالب هو أول فتى دخل في الإسلام، وسارت الركبان بهذا الحديث يسوقونه على أنه ميزة لعلي، بمعنى أنه لم يعش الجاهلية، وإنما يكاد يكون مسلما - منذ أدرك - فهل كانت هذه هي ميزته فحسب؟!

كان علي ابن عم الرسول الأعظم ومتبناه.

وكان علي أخا لرسول الله والرسول أخوه (١) كما يروي الرواة الثقات - نقلا عن

(١) حديث مؤاخات الرسول مع الإمام علي (عليهما السلام) تجده في المصادر الآتية:

١ - الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر: ٢ / ٥٠٧ ط مصر.

٢ - البداية والنهاية لابن كثير الدمشقي: ٧ / ٣٤٨ حديث المؤاخاة.

٣ - إحياء العلوم لأبي حامد الغزالي: ٢ / ١٧٣ الباب الثالث في حق المسلم والرحم ط دار القلم بيروت.

٤ - أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير: ٢ / ٢٢١ ط مصر.

٥ - إسعاف الراغبين للصبان: ص ١٤٩ - ١٥٥ بهامش نور الأبصار للشبلنجي ط مصر عام ١٣٢١ هج.

٦ - الإستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر: ٣ / ١١٠٣ تحقيق علي محمد البجاوي ط نهضة مصر بالقاهرة.

٧ - أسمى المطالب للجزري الدمشقي: ص ٦٢ ط بيروت.

٨ - الأعلام للزركلي: ٤ / ٢٩٥ طبعة سابعة عام ١٩٨٦ م بيروت دار العلم للملايين.

٩ - الإمام جعفر الصادق لعبد الحليم الجندي ص ٢٠ ط مصر عام ١٩٧٧ (توفيق عويضه).

١٠ - تاريخ الأمم والملوك لابن جرير الطبري: ٢ / ٢١٧ الطبعة الأولى المطبعة الحسينية بمصر.

١١ - تاريخ الخلفاء للشيخ عبد الرحمن السيوطي ص ١٦٦ - ١٧٠ تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد ط القاهرة.

١٢ - تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي ص ٣٠ ط مؤسسة أهل البيت بيروت عام ١٤٠١ هـ.

١٣ - ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق لابن عساكر: ١ / ١١٧ - ١٢٥ ط بيروت.

١٤ - ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق لابن عساكر: ٢ / ٤٤٢ ط بيروت - لبنان.

١٥ - تلخيص المستدرك للذهبي: ٣ / ١٤ ط حيدر آباد - الهند.

١٦ - جامع الأصول لابن الأثير الجزري: ٩ / ٤٦٨ ط مصر.

١٧ - جريدة السياسة المصرية ملحق عدد ٢٧٥١: صادر في ١٩ مارس عام ١٩٣٢ م بالقاهرة.

١٨ - حلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني: ٧ / ٢٥٦ ط مؤسسة الخانجي بالقاهرة.

١٩ - حياة محمد، محمد حسين هيكل: ص ١٠٤ الطبعة الأولى بمصر عام ١٩٥٤ م.

٢٠ - خصائص أمير المؤمنين للنسائي: ص ١٨ - ١٩ ط مصر عام ١٣٤٨ هـ.

٢١ - ذخائر العقبى للمحب الطبري: ص ٦٥ ط حسام الدين صاحب مكتبة القدسي بالقاهرة.

٢٢ - الرياض النضرة للمحب الطبري ٣ / ١١١ - ١١٣ دار الندوة الجديدة بيروت.

٢٣ - السنن لابن ماجة القزويني: ١ / ٤٤ ط مصر تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.

٢٤ - سنن الترمذي لأبي عيسى محمد: ٥ / ٦٣٦ تحقيق إبراهيم عطوة عوض ط مصر.

٢٥ - السيرة النبوية لابن هشام: ٢ / ٥٠٥ تحقيق مصطفى الصفا، ط مصر.

٢٦ - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ١ / ٢٨٤ - ٣٩٩ الطبعة الأولى عيسى البابي الحلبي بمصر.

٢٧ - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ٢ / ٦١ - ٤٢٩ الطبعة الأولى عيسى البابي.

٢٨ - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ٣ / ٢٥٩ - ٢٦١ الطبعة الأولى.

٢٩ - شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني: ١ / ٢٧٤ ط بيروت.

٣٠ - الشرف المؤبد لآل محمد للنبهاني: ص ٦٢ ط بيروت عام ١٣٠٩ هج.

٣١ - شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي: ١ / ٥٠ ط القاهرة.

٣٢ - شذرات الذهب لابن العمار الحنبلي: ٣ / ٣٨٣ ط القاهرة.

٣٣ - الطبقات الكبرى لابن سعد: ٣ / ١٤ ط ليدن ٣ / ٢٢ ط بيروت.

٣٤ - علي وحقوق الإنسان جورج جرداق: ١ / ٦٠ ط بيروت.

٣٥ - علي بن أبي طالب عبد الكريم الخطيب ص ١١٠ ط مصر عام ١٩٦٩ ط دار الفكر العربي.

٣٦ - فرائد السمطين للحمويني الشافعي: ١ / ١١١ - ١١٧ - ١٢١ طبع بيروت.

٣٧ - فيض القدير لمحمد بن عبد الرؤوف المناوي: ٤ / ٣٥٥ ط مصر.

٣٨ - كفاية الطالب للگنجي الشافعي: ص ١٦٨ - ١٩٣ - ٢٣٨ ط دار إحياء التراث - بيروت.

٣٩ - كنوز الحقائق للمناوي: ١ / ٥١ بهامش الجامع الصغير للسيوطي ط القاهرة.

٤٠ - كنز العمال للمتقي الهندي: ١١ / ٥٩٨ رقم الحديث ٢٣٨٧٩ ط مؤسسة الرسالة. بيروت.

٤١ - مجمع الزوائد، ومنبع الفوائد لابن حجر الهيثمي: ٩ / ١١١ - ١١٢ - ٢٠٩ ط مصر.

٤٢ - مستدرك الصحيحين للحاكم النيسابوري: ٣ / ١٤.

٤٣ - مسند الإمام أحمد بن حنبل: ١ / ١٥٩ - ٢٣٠ ط مصر.

٤٤ - معجم المؤلفين عمر رضا كحالة: ٧ / ١١٢ ط بيروت.

٤٥ - مناقب علي بن أبي طالب للمغازلي: ص ٣٧ - ٣٩.

٤٦ - منتخب كنز العمال للمتقي الهندي: ٥ / ٣٢ - ٤٦ - ١١٧ ط مصر.

٤٧ - معجم الشيوخ لابن الأعرابي: (مخطوط) الورق ١٧ كما في ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق لابن عساكر.

٤٨ - نزل الأبرار للبدخشي: ص ٦٥ ط بمبئ - الهند.

٤٩ - نظم درر السمطين للزرندي: ص ٩٤ ط - العراق.

٥٠ - نور الأبصار للشيخ مؤمن الشبلنجي: ص ٥ ط مصر.

٥١ - وفيات الأعيان لابن خلكان: ٥ / ٢٣١ ط مصر.

٥٢ - ينابيع المودة للقندوزي الحنفي: ١ / ٥٦ ط استانبول عام ١٣٠١.

٣٠٧
٣٠٨
الرسول " نفسه حينما كان يتحدث عن ابن عمه علي.

وكان بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لم يكن ثمة نبي بعد محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وسلم).

٣٠٩
وكان هو وزير النبي وخليفته من بعده (١).

وتلك نصوص قاطعة عن الرسول، قاطعة الدلالة على إمامة علي فهل تكفي هذه الإشارات اللامحة للكشف عن أحقيته في الإمامة (عليه السلام)؟

قال ابن مسعود في شأن الإمام: كنا نتحدث عن أن أفضل أهل المدينة هو علي ".

بل إن عمر نفسه كان يتعوذ من معضلة ليس لها أبو الحسن، وكان يقول: " لولا علي لهلك عمر ".

وهناك جوانب أخرى عديدة يجب أن نجليها لأنفسنا وللعالم كله على السواء...

لقد نقض بعض الذين بايعوا عليا، ونقضوا ما عقدوا عليه العزم وكانت الحروب بين المسلمين إلى أن انتهى صراعها بانتصار الأقوياء، ولم تنته المعارك بانتصار الحق، إذ لو انتصر الحق لكان علي (عليه السلام) هو الحقيقة المجسدة، وكان نصره فوق كيد الكائدين، وقوة المال والسلاح، وسطوة البغي والغرض، والدهاء والإغراء..

ولأمر ما أراد الله أن تدخل دولة المسلمين في محنة كبرى، ولما تستقر أصول الإسلام في نفوس الناس، ولا سرت روحه في دمائهم على الوجه الذي كنا نظنه في أول دراسة لنا لقضية صدر الإسلام، ومن المعلوم الذي يجب أن يكون بديهة في نفوس الباحثين أن نعلم أن الإسلام هو صحوة المستقبل للعالم كله. ولم يكن - كما كنا نتخيل أحيانا - دعوة الزمن الذي ظهر فيه وحده... لأن إطاره المكاني هو العالم كله، والإطار الذي يتحرك من خلاله - من حيث الأزمنة والعصور - هو كل الأزمنة

(١) أنظر " المستدرك على الصحيحين " ٣ / ١٠٩، " مسند الإمام أحمد " ٤ / ٢٨١ الطبعة الأولى " خصائص الإمام علي " للنسائي ص ٢١ طبعة مصر - " تفسير الفخر الرازي " ١٣ / ٤٨، ٤٩ - " أسباب النزول " للواحدي ص ١٢٥ طبعة مؤسسة الحلبي - " حياة محمد " للأستاذ محمد حسين هيكل الطبعة الأولى ص ١٠٤ - " جريدة السياسة المصرية " ملحق عدد ٢٧٥١.
٣١٠
وكل العصور، منذ ظهر الرسول - صلوات الله عليه - حتى يرث الله الأرض ومن عليها..

ولقد علمنا من الصراع بين علي (عليه السلام) وبين معاوية أن السلطة قد انتقلت إلى معاوية بن أبي سفيان بن حرب... وأمه هند آكلة الأكباد.. التي نهشت جسد عم الرسول حمزة (عليه السلام)، وفلقت رأسه.. وأكلت كبده... شفاء لحقدها على الرسالة وأهلها - حينذاك - واستبد معاوية بالناس، وأحال الخلافة ملكا عضوضا، واستحصل من الناس - جبرا وقسرا - على عهد لابنه " يزيد ".. ونحن نعلم من هو " يزيد " وما كان عجبا أن يكون هو " يزيد " لأنه وارث القسوة والفجور، ومستمد الفساد من شجرة الفساد... والعرق دساس... ونحن لا نجري الأبحاث - مع الأسف الشديد - عن شجرة الرجال، وأصول الرجال.

لقد عمل اليهود - من خلال كل الجهود - على تدمير علم الأنساب لتختلط العائلات ويمكن من خلال هذا الاختلاط أن يندس في وسط كل قطر من أقطار الإسلام طبقة من اليهود يدعون الإسلام ليفسدوا فيه، وكانوا يناصرون كل من يدعو للفتنة.

ولكن بنية الإسلام القوية رغم كل ما مر بها لم تتوقف عن النماء ولم يزعزع عقيدة الإسلام ما مارسه بنو أمية من طغيان.

ولقد أحاط المفسدون بحكام الدولة الإسلامية ليحولوا بينهم وبين كل إصلاح ... محاولين إيقاع الفتنة في دولة المسلمين.

لقد قيل إن بناء الجماعة تصدع على عهد علي، ومن قبله كان الثائرون محاصرون بيت " عثمان " فهل قرر هذا أو ذاك: مصير الإسلام والقرآن؟!

إن هذا الدين الخالد مر بهذه المحنة وبغيرها من المحن وخرج منها أقوى مما كان

٣١١
قبلها، ذلك أن بنية العقيدة أقوى من أن تحطمها الرضوض والآلام.

أكلت الحروب بين علي وخصومه عددا كبيرا من المسلمين ولم يكن متوقعا أن يحدث ذلك على وجه من الوجوه إلا أن اتساع الملك والسلطان كان يقتضي ذلك، وكان يقتضي غيره من ألوان الصراع... وكانت هذه المحن - في رأيي - هي درجة الغليان التي أحاطت بالدين الجديد فحفظت الشعب أن ينهار أمام الحضارات المجاورة، وأمام الفتوحات الوسيعة المدى بما تحتويه من أفكار جديدة واتجاهات متعددة مختلفة الألوان والأحجام.

إن علينا أن ندرس كل أولئك حين ندرس شخصية هذا البطل العظيم في تاريخ الإسلام علي بن أبي طالب (عليه السلام).

وعلينا أن نعلم: أن انفصام عرى الوحدة بين المسلمين، وتفرقهم في الآراء والمذاهب والأحزاب كل ينصر رأيه بالقول وبالعمل على رأي خصمه، وكل يصارع في سبيل عقيدته هذه أو تلك بالفكر حينا وبالسلوك أحيانا، وعلينا أن ندرك أن هذا كله وغيره ليس إلا دلائل صحة، لا دلائل وهن أو هزيمة، وأن الصراع دائما يدل على اليقظة لا على الموت، ما دام لا يفضي إلى انشقاق في صفوف الأمة، أو مواجهة عدائية بين الطوائف.

وقد اكتمل الدين حينما اكتمل نزول القرآن، ولقد كان الإسلام على عهد الرسول دعوة وفكرة - أكثر منه دولة وسلطانا، وإذا كان النبي (صلى الله عليه وسلم) قد أقام دولة على أساس من التشريع القرآني، فقد كانت دولة صغيرة الحدود على أية حال، ولكنها كانت نوبة قوية، قابلة دائما على النمو والازدهار، وبقي أن تكتمل الدولة بعد ذلك فتوسع من آفاقها وتنشر من سلطانها على هذه الأسس السليمة، كانت نواة في مثل صلابة " الجرانيت " يحمل لواءها نفر من المؤمنين الأتقياء لا يبالون أين يكون

٣١٢
الموت، إذا هو - عندهم - دور من أدوار الحياة، ومرحلة من مراحل الوجود، فهم لا يخشون شيئا ولا أحدا ولا دولة من الدول، ولا حكومة من الحكومات، وإنما يذيعون نظريتهم في مجال الفكر وفي مجال التطبيق على السواء، وقد بدأ صفوة المسلمين - وعلى رأسهم - علي (عليه السلام) يتوقون إلى بناء الدولة الوليدة، على أساس من النظرية والعقيدة، واختلفت الآراء بين الصفوة وبين عامة من المسلمين، ممن لم تتدخل العقيدة في مسرى دمائهم.

كانت الدولة وليدة في المهد، وقد تعرض الوليد لكل ما يتعرض له الوليد من محن تكبر في عينه هو، وإن صغرت في عين الزمن، الذي أثبت دائما أن البقاء للأصلح وأن الخلود للإيمان.

مرت دولة المسلمين في محنة كبرى فآذت المحنة دولتهم، ولم تنل من دينهم، وللنشأة الجديدة ثورات وحركات وصراعات، سنرى جوانب منها حين ندرس الإمام، وما أحاط به، وبالمسلمين من حوادث، وأحداث...

وسنرى جوانب منها حين نطالع صفحات هذا الكتاب.

عبد الهادي مسعود                   
وكيل وزارة الثقافة والإرشاد القومي         
القاهرة في: ١٨ شعبان ١٣٩٤ هـ ٥ سبتمبر ١٩٧٤ م


وفي ١٠ / ٥ / ١٩٧٠ م أرسلت من النجف الأشرف - العراق خطابا للأستاذ عبد الهادي مسعود إلى القاهرة طلبت منه أن يكتب تقديما لكتاب " المدخل لدراسة التشريع الإسلامي " لمؤلفه العلامة الكاتب القدير الشيخ محمد مهدي الآصفي

٣١٣
صاحب التآليف الكثيرة وكنت قد عزمت على طبعه ونشره في القاهرة فاستأذنت المؤلف حفظه الله تعالى - في ذلك - وبعد موافقته أرسلت خطابا ثانيا للأستاذ عبد الهادي مسعود مطالبا إياه بكتابة التقديم عن الكتاب فجاءني منه هذا الخطاب وإليك نصه:

أخي الأستاذ السيد مرتضى الرضوي:

بكل ما في نفسي من مشاعر الود والمحبة أحييك وأرجو لك - أيها الصديق الصدوق - كل سعادة وهناء.

أرسلت إلي منذ أشهر تطلب مقدمة لكتاب " المدخل إلى دراسة التشريع الإسلامي " وتهاونت من جانبي في الرد لأن في قلبي ونفسي شيئا بالغ الخطورة نحوك، ولقد مكثت في القاهرة طويلا وسألت عنك كثيرا ولم تكلف نفسك بالنسبة لي سوى زيارة يتيمة، ولم تكن سيادتكم تمكث في " اللوكاندة " إلا سويعات نومك وما أقلها والتليفونات لا تجدي فتيلا، فهل بمثل هذه المعاملة تنتظر مني أن أتوجه إلى القلم لأكتب إليك بمجرد وصول خطابك؟ سامحك الله.

المقدمة: اقتنعت بها وبدأت أسطرها وما أظنني منتهيا منها إلا بعد ثلاثة أسابيع - أخطرني فورا بأنك لا تزال تنتظرها ولم تكلف أحدا غيري بها، وإلا فأخطرني بعكس ذلك إذا كان الأمر قد أحوجك إليه.

تحياتي إليك وإلى السادة: السيد الأستاذ محمد تقي الحكيم، مشكور الأسدي والسيد جواد شبر، والقصصي الكبير جعفر الخليلي وكل الأحباء في العراق، وقد

٣١٤
جعلت من كتابتي إليك متنفسا لأشواقي إلى العراق، وأدباء العراق، وكتاب العراق.

وأساتذته والنابهين من علمائه، ورجالات الشيعة الأجلاء نفعنا الله بهم.

والسنة أيضا أيها الحبيب أنا أعلم مقدار ثورتك حين تثور ولكن الحب يعم ولا يخص، وكل عراقي بالنسبة لي شقيق ما دام مخلصا لقضية الإسلام، ذائدا عن حوضه، منبعثا عن إيمان صادق بالله وبالمستقبل الوضئ.

منتظر خطابك بعنواني: ١٤ شارع شبر " وتحياتي لك.

القاهرة: ٢٨ / ٦ / ١٩٧٠
عبد الهادي مسعود   
الإبياري         

وقد وصل هذا الخطاب إلى شقيقي المهندس السيد مهدي الرضوي حفظه الله تعالى وأبقاه، وكنت حينذاك في باكستان استكمل أداء الرسالة التي وضعت كل جهودي لتدعيمها، وكان الوالد تغمده الله برحمته الواسعة يعاني من مرض ألم به، ورأى شقيقي أن يسارع بالرد على هذا الخطاب خشية أن يمتد حبل العتاب فكتب إلى سيادته يقول:

٣١٥

بغداد في ١٠ / ٨ / ١٩٧٠

سيادة الأخ الأستاذ عبد الهادي مسعود.

تحية عطرة مفعمة بالمودة والتقدير.

وبعد.. فهذه الرسالة يا سيدي العزيز من شخص يعرفك على البعد ومنذ زمن غير قصير، وإن لم تتح له فرصة التشرف بلقائك، والتي أرجو أن تتاح لي في المستقبل إن شاء الله.

ولا أشك أن سيادتك عرفت بعد هذه المقدمة أني تعرفت عليك من خلال كتبك وبحوثك وهذا صحيح إلا أن معرفتي بكم تمتد إلى أبعد من معرفة القارئ بالكاتب فطالما كنت أسمع اسمكم الكريم مشفوعا بالذكر العاطر والثناء الجميل من شقيقي الأكبر " مرتضى الرضوي " الذي يعتز برباط الأخوة الصادقة التي جمعتكما رغم بعد الديار، وهكذا فقد وجدت الفرصة سانحة لأقوم بواجب الرد على رسالتكم الكريمة نيابة عن أخي الذي مضى على سفره شهران وبضعة أيام وأظنه الآن في " باكستان " إذ لم يصلني منه خلال هذه المدة غير خطابين، ومن هذا ترون سيادتكم إننا معا محقان في أن نعتب عليه كما أننا متفقان على سؤالكم الله أن يسامحه، وأؤكد لكم أن أخي إن تهاون يوما في أداء الواجبات تجاه إخوانه فهو لا ينساهم أبدا.

بالنسبة لي فأنا أعيش في بغداد، وأقول " أعيش " ولا أقول " أعمل " لسبب بسيط هو إنني دون عمل، فقد تخرجت من كلية الهندسة قبل زهاء شهرين ولم أرتبط

٣١٦
بعمل حتى الآن، وخلال الأسبوع الماضي قصدت " النجف الأشرف " حيث مقر عمل أخي وفتحت كافة الرسائل التي وصلت بعد سفره وتركتها - ليقوم بالرد عليها بعد عودته إن شاء الله - إلا رسالة واحدة هي رسالتك أيها السيد النبيل فقد حملتها معي إلى بغداد لأكتب لكم عن وصولها يفرض علي ذلك مودتكم الصادقة لأخي وإدراكي أن تأخير الرد حتى عودة الأخ قد يوحي إليكم بأن في الأمر تهاونا من قبله، ويعز علي أن أدع أخا مثلكم يتصور شيئا كهذا فليس للسيد مرتضى ذنب في التأخير لأنه في السادس من تموز " وهو تاريخ وصول الرسالة إلى المحل " كان قد غادر " النجف " وأؤكد لكم إنه سيكتب لكم بعد عودته إن شاء الله.

أما بالنسبة للمقدمة التي طلبها الأخ فلا أذكر أنه حدثني بشئ عن موضوعها ولكنه بالطبع ينتظرها. وأود أن أضيف لكم أنه ليس وحده الذي ينتظرها. كما وإني واثق أنه لم يطلب من غيركم ذلك، وأكثر ثقة بأنه لن يطلب من سواكم تقديم الكتاب خاصة بعد اقتناعكم بفكرتها وابتدائكم بكتابتها كما تفضلتم بذكره في رسالتكم.

يوم أمس وفي سوق الكتب ببغداد قابلت السيد جواد شبر وبلغته سلامكم أما الباقون فسأترك ذلك إلى الأخ لأن معرفتي بأكثرهم لا تتعدى الأسماء، ويجهلني من أعرفه منهم إلا الأستاذ " جعفر الخليلي " فهو من أقربائنا وهو بالضبط ابن خال جدي لأمي!

أخيرا أود أن أشير إلى الكلمة اللطيفة التي ختمتم بها رسالتكم " وإن كنت لم أجد في كل كلماتها إلا اللطف " تلك هي قولكم: " وأنا أعلم مقدار ثورتك حين تثور إلا أن الحب يعم ولا يخص ". حقا يا سيدي الفاضل إن الحب يعم ولا يخص، وهذا القول أكثر انطابقا على المحبة التابعة من أخوة العقيدة ووحدة الهدف وهي ما يجمع أهل القبلة كلهم بحمد الله.

٣١٧
أما عن الثورية التي ذكرتموها فهي إرث لنا من علي والحسين وزيد ويحيى: ولا أشك في أنكم ترون معي أنها ثورية مخلصة رائدها الحق وحده بل والمحبة أيضا.

وتقبلوا في الختام أطيب تحياتي وأحر سلامي؟

بغداد:     
مهدي الرضوي

ومن الأسف أنه حتى الآن لم تتم كتابة المقدمة التي وعدنا بها الأستاذ:

عبد الهادي مسعود لكتاب: " المدخل لدراسة التشريع الإسلامي "...

وبإعادة الاتصال به في أوائل عام ١٩٧٤ م وعد سيادته بكتابة المقدمة من جديد... وإن كان قد تعذر الوفاء، عن ظروف عدم وفائه بما طلبنا إليه.

أطلعني أخي " السيد مرتضى " على الأسطر الأخيرة بما كتب عني في مؤلفه القيم " مع رجال الفكر في القاهرة " وهو عتاب عن تأخير كتابة المقدمة لكتاب: " المدخل لدراسة التشريع الإسلامي " للأستاذ العلامة الشيخ محمد مهدي الآصفي.

والطلب فيما أرى يسير عسير، سهل ممتنع، ولكنه يحتاج إلى وقت وجهد، ولو قد عشت في بلدي حياة طبيعية في العشرين سنة الأخيرة لأمكنني بإذن الله وعونه أن آتي في مثل هذه المقدمة التي يطلبها الأخ " السيد مرتضى " بجديد يشفي غلتي ويرضي ضميري فأدفعه إليه ليدفعه بدوره إلى المطبعة ثم إلى القارئ الذي نجله ويجب أن نجله، ونحترمه ويتحتم علينا أن نحترمه.

لقد تعودت أن أعرض على قرائي الذين أحببتهم شيئا جديدا أو مبتكرا أو

٣١٨
كتاب مع رجال الفكر في القاهرة (القسم الثاني) للسيد الرضوي (ص ٣١٩ - ص ٣٣٨)
٣١٩
والمفسدين، وهو في ذات الوقت يوقظ ضمائر القضاة، ويذكي فيهم شرارة الإيمان بالمثل، والقدرة على التصدي للأغراض، مما لا يدع لها أثرا على نفوسهم، أو قدرة على التأثير فيهم، ونحن إذ نقبل في هذه الأيام على موعد معركة " بدر " الكبرى على عهد الرسول صلوات الله عليه وعلى آله، وإذ نتذكر معركة العبور في مواجهة عدوان إسرائيل وصنائعها ومسانيدها نذكر كل أولئك ونذكر به ليكون لنا منها وحي يؤيد وجهة النظر التي تدعو إلى الرجوع للقرآن، والتمسك بتشريعات القرآن الكريم.

القاهرة:             
عبد الهادي مسعود الإبياري   
وكيل وزارة الثقافة والإرشاد القومي

٣٢٠