×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

مع رجال الفكر في القاهرة (القسم الثاني) / الصفحات: ٢١ - ٤٠

٢١

- ٩ -
حرف الشين




٢٣- الأستاذ الأكبر محمود شلتوت

٢٤- الأستاذ محمود شاكر

٢٢
٢٣

- ٢٣ -
الأستاذ الأكبر محمود شلتوت
شيخ الجامع الأزهر

٢٤
ولد في مدينة بني منصور (بالبحيرة).

درس بالأزهر وتخرج فيه عام ١٩١٨ م.

تنقل في التدريس إلى أن نقل للقسم العالي بالقاهرة عام ١٩٢٧ م.

كان داعية إصلاح، نير الفكرة يقول بفتح باب الاجتهاد.

سعى إلى إصلاح الأزهر فعارضه بعض كبار الشيوخ وطرد هو ومناصروه.

عمل في المحاماة عام ١٩٣٠ م - ١٩٣١ م.

أعيد إلى الأزهر فعين وكيلا لكلية الشريعة ثم كان من أعضاء كبار العلماء عام ١٩٤١ م.

من أعضاء مجمع اللغة العربية ١٩٤٦ م. عين شيخا للأزهر ١٩٥٨ م.

كان خطيبا موهوبا جهير الصوت وفقيه، ومفسر.

آثاره: له ٢٦ مؤلفا مطبوعا انتقل إلى رحمة ربه في ليلة الجمعة ٢٧ رجب عام ١٩٦٣ م.

تعرفت إليه في القاهرة عام ١٩٥٩ م.

من كبار العلماء والمؤلفين البارزين بمصر.

يدعو إلى نشر كتب الشيعة الإمامية.

سعى في نشر " مجمع البيان " في تفسير القرآن للإمام الطبرسي، كما أنه ساعد على نشر " مختصر النافع " في فقه الشيعة الإمامية وطبع أكثر من مرة على نفقة وزارة الأوقاف بمصر.

يرى أن مذهب الشيعة الإمامية - الإثنا عشرية - مذهب إسلامي صحيح ويجوز التعبد به شرعا كسائر مذاهب أهل السنة.

له مواقف مشرفة في سبل جمع الكلمة، واتحاد الأمة.

٢٥
بسم الله الرحمن الرحيم

تعرفت إلى فضيلته بسبب اتصالاتي بدار التقريب بين المذاهب الإسلامية بالقاهرة.

وفي أحد الأيام قصدت زيارته في إدارة الجامع الأزهر وأتيت إلى مكتبه - مكتب شيخ الأزهر - وكنت قد صحبت معي كتاب وسائل الشيعة ومستدركاتها المجلد الأول والثاني منه مع بقية الكتب التي كنت قد نشرتها آنذاك بالقاهرة.

وعندما دخلت عليه شاهدت أستاذا يرتدي العمة وأمامه التليفون يمسك بإحدي يديه سماعة التليفون فتأملته وإذا به مدير مكتب شيخ الأزهر فقدمت إليه بطاقتي الشخصية أرفقتها بورقة طلبت فيها مقابلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمود شلتوت وذكرت فيها قدومي من العراق وحملي مجموعة من الكتب إلى سماحته. فاستلم مني البطاقة وعين لي مكانا للجلوس، وكان قبلي جماعة قد حضروا لمقابلة الأستاذ الأكبر فجلست منتظرا دخول الجماعة عليه وعندما وصل دوري وحان وقت دخولي عليه قام الأستاذ - مدير المكتب - وأدخلني على سماحة شيخ الأزهر.

ولما دخلت عليه حييته بتحية الإسلام وقلت:

السلام عليكم يا مولانا ورحمة الله!!

فرد علي الجواب بترحيب كله عطف، وحنان، وتقدير وأجلسني على كرسي إلى جنبه.

وقال من أي البلاد؟

قلت: من النجف الأشرف - العراق ومن الشيعة الإمامية الذين يحملون لسيادتكم المودة والإخلاص لقيامكم بتوحيد كلمة الإسلام، ولم شعث المسلمين وجمع كلمتهم. وجئت حاملا لكم تحيات علماء الشيعة الإمامية في النجف الأشرف.

٢٦
وتحدث سيادته برهة من الزمان عن: أن السبب الوحيد في تشتت المسلمين وتفرقهم واضطهادهم هو الاستعمار وغايته من هذا كله السيطرة عليهم كي لا يكونوا يدا واحدة.

وبعد أن أتم حديثه دعا لي بشاي فشربت.

ثم تناول مني الكتب التي أهديتها لسماحته كان منها كتاب: " وسائل الشيعة ومستدركاتها ".

وقد شاهد فضيلته ما كتبه العلماء والكتاب من تقديم. وقلت:

سأقوم بطبع بقية أجزاء هذا الكتاب إن شاء الله فوعدني سماحته بتصدير أحد الأجزاء القادمة للكتاب فشكرته وبعد ذلك قمت مودعا إياه فاستأذنته وانصرفت.

وقبل رحلتي هذه إلى القاهرة بعام واحد وهو عام ١٣٧٧ هـ. الموافق ١٩٥٨ م زرت دار التقريب بين المذاهب الإسلامية على - عادتي في جميع رحلاتي إلى مصر.

وعندما دخلت شاهدت الأستاذ عبد الهادي - السكرتير العام المساعد لجماعة التقريب - فاستقبلني ورحب بي وأجلسني على كرسي عن يمينه وبعد تبادل التحيات سألته عن الأستاذ صاحب السماحة الشيخ محمد تقي القمي وقلت: جئت قاصدا زيارته فأجاب: عنده الآن جماعة فجلست أتحدث معه وعندما خرجوا دخلت على سماحته فقام سماحته من مكانه منتصبا مرحبا بي وضمني إلى صدره وقال:

أنت من دعاة التقريب، وبعد أن جلسنا معا عرضت على سماحته فكرة طبع كتاب (أصل الشيعة وأصولها) لصاحب السماحة الإمام الأكبر الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء في القاهرة وأخبرته أن بعض الأساتذة والكتاب هنا بمصر يرغبون كثيرا في التعرف على كتب الشيعة الإمامية لاقتنائها والاطلاع عليها فرحب سيادته بهذه الفكرة، وقال:

٢٧
إن الإمام كاشف الغطاء منذ أعوام كان قد أرسل رسالة إلى العلامة الكبير الشيخ محمود شلتوت عضو جماعتي كبار العلماء والتقريب إلى هذه الدار وقد رد عليه الجواب صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ محمود شلتوت وها نحن نحتفظ بالرسالة والجواب ومتى عزمت على طبع الكتاب نزودك بصورة منه، فأشار على أحد السادة في الدار فأحضر لي صورة من الرسالة والجواب وهذا نصهما:

بسم الله الرحمن الرحيم
وله الحمد

من النجف الأشرف ٨ جمادى ٢ / ٦٧

بواسطة حضرة العالم محمد التقي القمي أيده الله. دار التقريب بين المذاهب الإسلامية - القاهرة العالم الجليل الشيخ محمود شلتوت أيده الله.

غب السلام والتحية اطلعت على كلمة لكم في بعض الصحف، كان فيها لله رضا، وللأمة صلاح فحمدناه تعالى على أن جعل في هذه الأمة، وفي هذا العصر من يجمع شمل الأمة ويوحد الكلمة، ويفهم حقيقة الدين، ويزيد الإسلام لأهله بركة وسلاما.

وما برحنا منذ خمسين عاما نسعي جهدنا في التقريب بين المذاهب الإسلامية وندعو إلى وحدة أهل التوحيد وعسى أن تكونوا نظرتم مؤلفنا: أصل الشيعة الذي طبع ست مرات إحداها في القاهرة، هناك تجدون في مقدمته ما يسركم، ويسر كل ذي غيرة إسلامية.

وفقكم الله وجعلكم وأخوانكم من العاملين عليها بخير. بدعاء

محمد الحسين آل كاشف الغطاء     
صدر من مدرستنا العلمية بالنجف الأشرف

٢٨
الجواب:

حضرة صاحب الفضيلة العلامة الأكبر أستاذنا العظيم

الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أما بعد فمن أعظم بواعث السرور في نفسي، وفي نفوس، إخواني، حضرات أعضاء جماعة التقريب أن يكون أستاذنا من أقوى العمد التي يعتمدون عليها في نجاح فكرتهم، والوصول، إلى الهدف الذي يسعى فضيلته إليه منذ خمسين سنة، أو يزيد، وليس ذلك من هذا الخطاب الذي شرفنا به فضيلته، وإنما هو شئ عرفناه من قبل وقر في نفوسنا منذ أن سمعنا بأثر الشيخ وجهوده، وقرأنا كتبه وفصوله، التي كان في مقدمتها مؤلفه السهل الممتع الذي كشف فيه بحق الغطاء عن حقيقة المذاهب الإسلامية الشرقية أمام هؤلاء الذين ألبسوها ثوبا قاتما أخفى حقيقتها ووضعها بين المذاهب الإسلامية عامة.

وما كانت المذاهب في الإسلام إلا نتيجة ليسر هذا الدين وسماحته الذي لم يرد صاحبه أن يكبل الناس بأغلال التعيين والتجديد للأحكام التي تتطلبها الحضارات المختلفة، وتختلف فيها المصالح، وأوجه النظر باختلاف الأقاليم والأزمنة والفصول، ولكنه منح عقولهم حرية الفهم والتخريج والتطبيق.

وجعل هذه المنحة خالدة دائمة بدوام القرآن الكريم الذي هو حبل الله المتين الذي طلب إلينا الاعتصام به، والتمسك بإرشاده وهدايته.

هذا بعض ما أوحى به كتابكم إلي بمناسبة اقتراح نبذ كلمة طوائف فيها بين المسلمين.

وإن جماعة التقريب التي يرجع الفضل في تكوينها إلى أخي العالم صاحب

٢٩
السماحة السيد محمد تقي القمي العظيمة الأمل في تلقي إرشاداتكم النافعة، وآراءكم القيمة التي تنير لها السبيل وتهديها الصراط المستقيم.

ونسأل الله سبحانه أن يطيل في حياتكم المباركة ويمنحكم الصحة والعافية فإن في قوتكم وعافيتكم، قوة وعافية للمسلمين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

محمود شلتوت           
عضو جماعتي كبار العلماء والتقريب

ولقد أعلن فضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر كلمة الإسلام في العصبية، والتفرقة المذهبية (١).

قال الأستاذ الأكبر: لا عصبية في الإسلام

لقد مضى زمان العصبية الجاهلية كلنا مسلمون ومذاهبنا جميعا تنبثق من أصل واحد هو رسالة محمد (صلى الله عليه وسلم) كتاب الله وسنة رسوله.

وقال: إن بيني وبين كثير من أئمة الشيعة رسائل تلاقت عند وجوب التقريب، ونزع ما بين السنة والشيعة من عصبية انتهزها الأعداء، والمستعمرون للتفريق بين الشعوب الإسلامية الواحدة في مصر، والعراق، وإيران.

وقال الأستاذ الأكبر: إن الاستعمار يحاول أن يجد ثقوبا ينفذ منها إلى وحدة المسلمين. ليمزقها ويفرق شملها، ويبعث بين أهلها العداوات والبغضاء.

والدين من وراء المسلمين يدعوهم إلى كلمة الله:

(١) الموضوع نشر في جريدة (اليقظة) البغدادية " ٣٠٩٦ " السنة " ٣٥ " تاريخ ٧ شعبان ١٣٧٨ هـ - (١٥) شباط سنة ١٩٥٩ م تحت عنوان: " تدريس جميع مذاهب الفقه الإسلامي في الأزهر ".
٣٠
(ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم).

وقال الأستاذ الأكبر: لقد رجحت مذهب الشيعة خضوعا لقوة الدليل في كثير من مسائل المسلمين، أخص منها ما تضمن قانون الأحوال الشخصية.

وقال: إن الباحث المستوعب سيجد في مذهب الشيعة ما يقوي دليله، ويلتئم مع أهداف الشريعة من صلاح الأسرة والمجتمع.

ثم أعلن الأستاذ الأكبر عن اعترافه تدريس الفقه الإسلامي في كلية الشريعة بجميع المذاهب ومن بينها مذهب الشيعة، إمامية وزيدية.

وقال: لقد اتفقت مع الأستاذ الباقوري على الرجوع بأهل المذهبين إلى الاعتصام بحبل الله والالتفاف حول المحور المقدس رسالة محمد (صلى الله عليه وسلم).

واستجاب الوزير " الباقوري " للدعوة استجابة فعلية وعملية، ففي حديث سابق لفضيلة الأستاذ الأكبر مع جريدة " الشعب " تحدث فضيلته حديثا عابرا عن الشيعة والتفرقة المذهبية وانهالت على " الشعب " كثير من الاستفسارات عن دور " الأزهر " في مثل هذا الموقف،.

وذهب مندوبها بهذه الاستفسارات جميعا إلى الأستاذ الأكبر الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر ليعلن للمسلمين كلمة الإسلام.

وقد استهل فضيلة الأستاذ الأكبر حديثه معي قائلا:

لقد دعا الإسلام إلى الوحدة وجعل المحور الذي يتمسك به المسلمون ويلتفون حوله هو الاعتصام بحبل الله وقد جاء ذلك في آيات الذكر الحكيم.

وأصرحها في ذلك قوله تعالى - في سورة آل عمران -:

(واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا).

نهى عن التفرق: والتفرق بعمومه يشمل التفرق بسبب المذهبية، وقد انبثقت

٣١
المذاهب الفقهية الإسلامية - على كثرتها واختلاف طرقها - من أصول واحدة هي:

كتاب الله وسنة نبية.

وبدأ الأستاذ الأكبر يتحدث عن أثر الاجتهاد في الأحكام.

فقلت لفضيلته:

نحن لا ننكر الاجتهاد، ولكن الذي حدث هو أن المذاهب قد تفرقت به وتعددت، فما رأي فضيلتكم فيما وصل به الاجتهاد إلى التفرقة المذهبية التي نراها بين المسلمين؟.

فأجاب الأستاذ الأكبر قائلا:

وعلى رغم تعددها واختلافها في كثير من الأحكام، وتعدد الآراء في المسألة الواحدة فقد كان الجميع يلتقون عند حد واحد وكلمة سواء هي الإيمان بالمصادر الأولى وتقديس كتاب الله وسنة الرسول، وقد صح عن جميع الأئمة: " إذا صح الحديث فهو مذهبي واضربوا بقولي عرض الحائط ".

وفي هنا تعاون الشافعي والحنفي والمالكي والحنبلي والسني والشيعي ولم يبرز خلاف بين أرباب المذاهب إلا حينما نظروا إلى طرق الاجتهاد الخاصة وتأثروا بالرغبات، وخضعوا للإيحاءات الوافدة فوجدت ثقوب نفذ منها العدو المستمر.

وأخذ يعمل على توسيع تلك الثقوب، حتى استطاع أن يلج منها إلى وحدة المسلمين ليمزقها ويفرق شملها ويبعث العداوة بين أهلها: وبذلك دبت فيها بينهم عقارب العصبية المذهبية وكان من آثارها السيئة ما كان يحفظه التاريخ من تنابز أهل المذاهب بعضهم مع بعض وتحين الفرص لإيقاع بعضهم لبعض، والذين من ورائهم يدعوهم: هلموا إلى كلمة الله: (ولا تنازعوا فتفشلوا، وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين).

٣٢
وقلت للأستاذ الأكبر: هل وجدتم في مذهب الشيعة من الآراء ما أفتيتم بها لرجاحتها دون الأخذ بآراء أخرى في نفس الواقعة؟

فقال فضيلته:

لا أنسى أني درست المقارنة بين المذاهب بكلية الشريعة بالأزهر فكنت أعرض آراء المذاهب في المسألة الواحدة - وأبرز من بينها مذهب الشيعة - وكثيرا ما كنت أرجح مذهبهم خضوعا لقوة الدليل.

ولا أنسى أيضا أنى كنت أفتي في كثير من المسائل بمذهب الشيعة وأخص منها بالذكر ما تجد الناس في حاجة ملحة إليه.

وهو يختص بالقدر المحرم من الرضاع.

كما أخص بالذكر ما تضمنه " قانون الأحوال الشخصية " الأخير.

ونذكر على سبيل المثال المسائل الآتية:

أولا: - الطلاق الثلاث بلفظ واحد فإنه يقع في أكثر المذهب السنية ثلاثة ولكنه في مذهب الشيعة يقع واحدة رجعية.

وقد رأى القانون العمل به.

وأصحبت الفتوى بمذهب أهل السنة لا يقام لها وزن في نظر القضاء الشرعي السني.

ثانيا: - رأى قانون الأحوال الشخصية في تنظيمه الأخير أن الطلاق المعلق منه ما يقع ومنه ما لا يقع تبعا لقصد التهديد أو قصد التطليق، ولكن مذهب الشيعة يرى أن تعليق الطلاق مطلقا - قصد به التهديد أو قصد التطليق ولا يقع به الطلاق.

وقد رجحت هذا الرأي، وكثيرا ما أفتيت به، وكثيرا ما أذعته وكتبته في أحاديثي المتعلقة بالطلاق وأجوبة السائلين عن إيقاع الطلاق.

٣٣
وكم. كم الخ.

والباحث المستوعب المنصف سيجد كثيرا في مذهب الشيعة ما يقوي دليله ويلتئم مع أهداف الشريعة من صلاح الأسرة والمجتمع، ويدفعه إلى الأخذ به والإرشاد إليه.

وقلت: هل ترى فضيلتكم أن شقة الخلاف بدأت تضيق بين السنة والشيعة؟

وما مظاهر ذلك؟

فقال: لقد مضى زمن تلك العصبية الجاهلية، وانطوت صفحتها المظلمة وعرف المسلمون أن اختلاف الأشقاء لا يمكن أن يدوم ولا أن يطرد، فلا بد أن يأتي عليهم يوم يحققون فيه نسبهم إلى أبيهم، وينتمون فيه إلى أصلهم الذي انبثقوا منه وتفرعوا عنه، وأخذت هذه الروح تنمو وتضيق بها شقة الخلاف بين أهل المذاهب حتى اقتدى الحنفي بالشافعي، والسني بالشيعي، وتبادلت المنافع بينهم، واتصلت الآراء وأخذ كل ينتفع بما في مذهب الآخر حتى وصلنا إلى وقتنا هذا، وقد رأينا تعرض كتبنا - وخاصة كتب الحديث المعتبرة - تعرض لمذاهب أهل السنة ومذاهب الشيعة المعتدلة من إمامية، وزيدية وقد ترجح غير مذهب أهل السنة

وعدت أسأل: هل هناك خطوات اتخذت أو تتخذ للقضاء على العصبية بين السنة والشيعة وما هو برنامجكم في هذا المجال؟.

فقال الأستاذ الأكبر: لقد قر رأيي - إن شاء الله - على أن أعمل علي دراسة الفقه الإسلامي في كلية الشريعة بجميع المذاهب الفقهية المعروفة الأصول البينة المعالم والتي من بينها دون شك - مذهب الشيعة إمامية، وزيدية.

وقد تحدث مع السيد وزير الأوقاف المركزي الأستاذ الشيخ أحمد حسن الباقوري الأزهري السني في موضوع العصبية بين أهل السنة والشيعة وواجبنا نحوها من القضاء عليها والرجوع بأهل المذهبين إلى الاعتصام بحبل الله والالتفاف

٣٤
حول المحور المقدس في رسالة محمد (صلى الله عليه وسلم) " كتاب الله وسنة الرسول " وقد كان من السيد الوزير أن استجاب للدعوة استجابة فعلية فطبع كتاب: " المختصر النافع " في فقه الإمامية ووزعه بالمجان على المسلمين وكان من أثر ذلك أيضا أن استجابت جماعة التقريب - في مصر منذ سنين، والتي شاركت في تأسيسها من أول نشأتها، وشاركت في رسالتها ودعوت إليها - فطبعت كتاب " مجمع البيان " وقد دعا إلى طبعه - من قبل - أستاذنا المغفور له الشيخ عبد المجيد سليم شيخ الجامع الأزهر الأسبق، وقد كتبت مقدمة والكتاب لإمام من أئمة الشيعة هو الإمام السيد أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي من كبار علماء الإمامية.

وقلت لشيخ الأزهر:

هل هناك اتصال الآن بين فضيلتكم وبين أحد من علماء الشيعة الإمامية؟

فقال فضيلته: إن بيني وبين كثير من أئمة الشيعة الإمامية رسائل تلاقت عند حد وجوب التقريب ونزع ما بين الطرفين من عصبية انتهزها الأعداء المستعمرون للتفريق بين الشعوب الإسلامية في مصر وإيران والعراق (١) ومن حديث فضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر مع مندوب جريدة " اطلاعات " الإيرانية. (٢) قال مندوب الجريدة: قلت لفضيلته:

ما هي رسالة الأزهر في عهده الحالي؟.

قال: إن أهم نقطة في برنامجي هي محاربة العصبية المذهبية ودراسة العلوم

(١) دليل القضاء الشرعي ٣ % ٤٠٨ لسماحة العلامة المحقق الكبير السيد محمد صادق بحر العلوم تغمده الله برحمته الواسعة.

(٢) نشرته: (رسالة الإسلام) لدار التقريب بين المذاهب الإسلامية. القاهرة العدد ٢ السنة ١١.

٣٥
كتاب مع رجال الفكر في القاهرة (القسم الثاني) للسيد الرضوي (ص ٣٦ - ص ٥٥)
٣٦
المحبة، وعلى ترك العصبية، والترفع عن التنابز بالألقاب، والبعد عن سوء الظن فإن هذا من شأنه أن يطلق العنان للتفكير في حرية وهدوء والتماس للحقيقة دون خوف أو اضطراب أو بلبلة وألا يحول بين السني وانتفاعه برأي أخيه الشيعي، ولا بين الشيعي وانتفاعه برأي أخيه السني ما دام الجميع يصدرون عن أصل واحد.

إن المسلمين أمة واحدة لهم أصول تجمعهم، ومبادي قد اتفقوا عليها منذ أول يوم في تاريخ الإسلام، ولهم أهداف مشتركة في العالم، تدور حول الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، أي حول اصطلاح العقيدة، والسلوك العملي للناس أفرادا كانوا أو شعوبا أو أمما فعليهم أن لا ينسوا ذلك، وألا يسمحوا لصغائر المسائل، والخلافات الفرعية بأن تفرقهم عنه، وتمزق شملهم دونه.

قلت لفضيلته: حقا إن الإسلام أمة واحدة، ولكن ما هي العوامل التي تحفظ لهم هذه الوحدة.

فأجاب فضيلته: إن أول هذه العوامل هو ما ذكرت لك من ترك العصبية والتماس الحق في تعاون وإنصاف.

فهذا شرط أول، وسيجر تحقيقه إلى تحقيق الشروط الأخرى، مثل استقبال الثقافة الإسلامية على أساس ثقافة واحدة، والانتفاع بما هنا وهناك دون نظر إلى كونه في هنا أو في هناك، فالكتب تنشر والرسائل تتبادل، والجامعات تتعارف، وتتبادل الطلاب والأساتذة... وهكذا.

ومثل العمل على التشاور والتزاور ودراسة المشكلات في جو أخوي، ومثل العمل علي تقوية الارتباط العاطفي بين المسلمين في مختلف الشعوب تحقيقا لما مثل به رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من أن المؤمنين في توادهم وتراحمهم كالجسد الواحد إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

إن هذه العاطفة هي أهم الوشائج والروابط في بناء صرح الوحدة الإسلامية.

٣٧
قلت لفضيلته: يعرف المسلمون أنكم من أقطاب جماعة التقريب فكيف تكونت هذه الجماعة وما الذي قمتم به نحو فكرتها، وما هي خطوتكم المقبلة في هذا الشأن.

فأجاب فضيلته: تكونت هذه الجماعة منذ أكثر من عشرة أعوام في مدينة القاهرة، وكان الذي دعا إليها وجاهد في سبيل تكوينها أخي سماحة الأستاذ العلامة الشيخ محمد تقي القمي العالم الشيعي الإيراني الجليل، وقد استقبلت هذه الدعوة عند توجيهها بروحين مختلفين، روح المعارضين لها الذين ينفرون من كل اصطلاح، ويخافون الإقدام على أية فكرة لم يألفوها ويتشككون في النوايا والمقاصد بغير حق، وهؤلاء المعارضين من يقول: إن هذه الجماعة تريد أن تجعل من السنيين شيعة، كان منهم من يقول: إنها تريد أن تجعل من الشيعيين سنة، وهكذا.

والروح الآخر هو روح المؤمنين الواثقين بدينهم البصيرين بقوا عده وأصوله الذين لا ينظرون إلى ظواهر الأمور فحسب، ولكن يتعمقون ويتدبرون ويعرفون تاريخ الأمة الإسلامية في حال تقدمها وتأخرها، وفي أوقات قوتها وضعفها ويدركون السر في ذلك حق الادراك - هؤلاء هم الصفوة من أهل العلم المؤمنين المجاهدين الصابرين ومنهم تألفت جماعة التقريب وكان لي شرف الإسهام في هذه الفكرة منذ أول يوم، وتلقيت دعوتها من المغفور له أستاذنا الشيخ عبد المجيد سليم شيخ الأزهر الأسبق، وعرفت أن الشيخ المراغي والشيخ مصطفى عبد الرازق شيخي الأزهر الأسبقين أيضا كانا ينظران إليها بكثير من الأمل والارتياح والترحيب وقد التزمت أن أخص مجلتها " رسالة الإسلام " ببحوثي في تفسير القرآن الكريم التي نحوت بها نحوا جديدا في عرض السير القرآنية وبيان أهدافها ومناهجها وما لها من أساليب في الوصول إلى أغراضها وقد كان لهذا التفسير وقع عند إخواننا في مختلف الشعوب والطوائف الإسلامية، وكنت أتلقى كما كانت المجلة تتلقى كثيرا من الرسائل التي راق أصحابها منهج البحث في هذا التفسير وما يمتاز به

٣٨
في دراسة هدفها الحق، وأسلوبها الوضوح، وأساسها الإنصاف، وما زالت هذه الفصول تنشر في أعداد " رسالة الإسلام " وأرجو أن أواليها في المستقبل ما استطعت إلى ذلك سبيلا إن شاء الله تعالى.

ولقد كنت طول حياتي مولعا بدراسة الفقه الإسلامي دراسة حرة أساسها الدليل والحجة، وأن أستخرج من كنوزه وذخائره ما ينفع الناس في عصرنا هذا، وما يلفت أنظارهم إلى عظمته وإلى يسره، وإلى رحمة الله به.

وقد استطعت أنا وكثير من إخواني في التقريب وفي الأزهر وفي الفتوى وفي لجان الأحوال الشخصية، وغير ذلك أن نرجح أقوالا وآراء في غير مذهب السنة مع أننا سنيون. وفي ذلك ما أخذ به قانون الأحوال الشخصية المصري في شئون الطلاق الثلاث، والطلاق المعلق وغير ذلك فإن هذا مستمد في مذهب الشيعة الإمامية والعمل الآن قائم عليه دون سواه.

والآن أجد من واجبي أن أدخل في كلية الشريعة من كليات الجامع الأزهر ما كنت أتوق إليه طول حياتي من دراسة الفقه على نحو خالص من العصبية المذهبية، لأهدف إليه إلى الوصول إلى الحكم السليم في كل شأن من شئون المسلمين، ولا سيما العملية منها، فقد آن لهذا الفقه الأكبر الدقيق العميق أن يلبس ثوبه الملائم له، وأن يعرض على الناس عرضا مناسبا للعصر، وأن يشعر كل مسلم بأنه حقا فقه الحياة، وقوام المسلمين. وأن يتقلب في مجال نظامه وتنسيقه وترتيبه مستمدا من ذلك الفقه القوي.

ويومئذ يقف الأزهر موقفه العظيم من المسلمين في مختلف طوائفهم وشعوبهم ومذاهبهم موقف المنصف الذي يقول الحق، ويهدي إلى الحق ويبعث النور وهاجا في العالمين كما ألف المسلمون منه في كثير من مراحل تاريخه العظيم.

وأخيرا سألنا فضيلة الأستاذ الأكبر:

٣٩
ما هو مستقبل الدين الإسلامي بعد هذا التقدم الذي بهر العالم.

فأجاب فضيلته: إن الإسلام يثبت ويقوى دائما كلما قوي العلم وازدهر، وإن الإسلام هو الدين الذي وجه الناس إلى التفكير وإلى السير في الأرض وإلى معرفة خواص المخلوقات والانتفاع بما سخر الله فيها للإنسان، ذلك لأنه يعلم أن هذا هو السبيل الوحيد لمعرفة الله والإيمان بعظمة الله فكل من الدين الإسلامي والعلم يتبادلان المعونة والتأييد، فالدين الإسلامي يحث على العلم ويؤيده، والعلم يكشف من عظمة هذا الكون ما يؤيد عقيدة المؤمنين في عظمة خالقه وكمال مبدعه، صدق الله العظيم إذ يقول:

" ويري الذين أوتو العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد ".

وما كثرت أوامر القرآن بحث الإنسان على النظر في ملكوت السماوات والأرض، ودراسة السنن الكونية إلا لكونها وسيلة لمعرفة الله، وتثبيت الإيمان به في قلوب المؤمنين.

فالعلم وسيلة لحفظ الإيمان، وصيانته من الضعف والتزلزل، لذلك أراني دائما فرحا بكل تقدم علمي ثقة بأن العلم يخدم الإيمان ونصيحتي إلى إخواني وأبنائي المسلمين ألا يبهرهم البريق الظاهر في الحقائق، وألا تلهيهم المادة عن الروح فإن الإمام مخلوق لا بد له في كل منهما ولا يصلح أمره إلا عليهما جميعا.

وأسأل الله تعالى أن يهب المسلمين من لدنه رحمة ويهيئ، لهم من أمر هم رشدا، إنه سميع الدعاء.

ونسأل الله سبحانه أن يطيل في حياتكم المباركة، ويمنحكم الصحة والعافية فإن

٤٠