×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

مع رجال الفكر في القاهرة (القسم الثاني) / الصفحات: ٤١ - ٦٠

في قوتكم وعافيتكم قوة وعافية للمسلمين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

محمود شلتوت           
عضو جماعتي كبار العلماء والتقريب



وقد أعلن: فضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمود شلتوت فتوى في جواز التعبد بمذهب الشيعة الإمامية وكانت مجلة رسالة الإسلام التي تصدر عن دار التقريب بين المذاهب الإسلامية بالقاهرة قد نشرت الفتوى التاريخية في العدد الثالث من السنة الحادية عشر ص ٢٢٧ عام ١٣٧٩ هـ ١٩٥٩ م

قال فضيلة الأستاذ الأكبر:

من بين ما تعني به كلية الشريعة في منهجها الجديد: دراسة الفقه المقارن بين المذاهب الإسلامية على الأسس التالية:

أولا - تكون الدراسة على مختلف المذاهب لا فرق بين سنة وشيعة.

ويعني بوجه خاص وجهة النظر الفقهي حكما ودليلا لكل من مذاهب السنة وهي الأربعة المعروفة والإمامية - الإثنا عشرية - والزيدية.

ثانيا - يستخلص الحكم الذي يرشد إليه الدليل دون التفات إلى كونه موافقا أو مخالفا لمذهب الأستاذ أو الطالب، حتى تتحقق الفائدة من المقارنة وهي وضوح الرأي الراجح من بين الآراء المتعددة وتبطل العصبيات المذمومة.

وفي أصول الفقه - يعني بوجه خاص ببيان المواضع الأصولية التي وقع الاختلاف فيها بين مذاهب السنة السابقة الذكر، مع بيان أسباب الخلاف.

٤١
وفي علم مصطلح الحديث ورجاله.

تشمل الدراسة ما اصطلح عليه السنة وما اصطلاح عليه الإمامية، والزيدية.

كما تشمل دراسة الرجال المشهورين وأصحاب المسانيد ومسانيدهم في كل من الفريقين هذا بالإضافة إلى التوسع في هذه الدراسة تفصيلا في الدراسات العليا بكلية الشريعة.

قيل لفضيلته:

إن بعض الناس يرى أنه يجب على المسلم لكي تقع عباداته ومعاملاته على وجه صحيح أن يقلد أحد المذاهب الأربعة المعروفة وليس من بينها مذهب الشيعة الإمامية ولا الشيعة الزيدية فهل توافقون فضيلتكم على هذا الرأي على إطلاقه فتمنعون تقليد مذهب الشيعة الإمامية الاثنا عشرية مثلا.

فأجاب فضيلته:

١ - إن الإسلام لا يوجب على أحد من أتباعه اتباع مذهب معين بل نقول:

إن لكل مسلم الحق في أن يقلد بادئ ذي بدء أي مذهب من المذاهب المنقولة نقلا صحيحا والمدونة أحكامها في كتبها الخاصة ولمن قلد مذهبا من هذه المذاهب أن ينتقل إلى غيره - أي مذهب كان - ولا حرج عليه في شئ من ذلك.

٢ - إن مذهب الجعفرية المعروف بمذهب الشيعة الإمامية الاثنا عشرية مذهب يجوز التعبد به شرعا كسائر مذاهب أهل السنة (١). فينبغي للمسلمين أن يعرفوا ذلك،

(١) قال الشيخ محمد الغزالي: وأعتقد أن فتوى الأستاذ الأكبر الشيخ محمود شلتوت شوط واسع في هذا السبيل، وهو استئناف لجهد المخلصين من أهل السنة وأهل العلم جميعا، وتكذيب لما يتوقعه المستشرقون من أن الأحقاد سوف تأكل هذه الأمة قبل أن تلتقي صفوفها تحت راية واحدة وهذه الفتوى في نظري بداية الطريق، وأول العمل.

بداية الطريق لتلاق كريم تحت عنوان الإسلام الذي أكمله الله جل شأنه... وبداية العمل للرسالة الجامعة التي تعني العزة للمؤمنين، والرحمة للعالمين.

أنظر: " دفاع عن العقيدة والشريعة " ص ٢٥٧ طبعة مصر. الطبعة الرابعة القاهرة عام ١٣٩٥ هـ. ١٩٧٥ م ط دار الكتب الحديثة بالقاهرة.

٤٢
وأن يتخلصوا من العصبية بغير الحق لمذاهب معينة، فما كان دين الله وما كانت شريعته بتابعة لمذهب، أو مقصودة على مذهب، فالكل مجتهدون مقبولون عند الله تعالى يجوز لمن ليس أهلا للنظر والاجتهاد تقليدهم والعمل بما يقررونه في فقههم، ولا فرق في ذلك بين العبادات والمعاملات.

وللأستاذ الأكبر محمود شلتوت مقدمة في قصة التقريب نشرتها مجلة رسالة الإسلام لجماعة التقريب في القاهرة في: المجموعة الثانية العدد ٥٥ ص ١٩٤ وأوردها الأستاذ الكبير المغفور له الشيخ محمد محمد المدني في كتابه " دعوة التقريب " من:

مطبوعات المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة عام ١٩٦٦ م.

يستعرض الأستاذ الأكبر في هذه المقدمة المراحل التي مرت عليها قصة التقريب حتى اختمرت وظهرت فكرة قاطعة تجسدت فيها فتواه بجواز التعبد بمذهب الشيعة الإمامية - الاثنا عشرية - كسائر المذاهب الإسلامية الأخرى المعترفة.

وإليك مقتطفات من النصوص التي يتحدث فيها الأستاذ الأكبر عن هذه المراحل إذ يقول:

لقد آمنت بفكرة التقريب كمنهج قويم، وأسهمت منذ أول يوم في جماعتها، وفي وجوه نشاط دارها بأمور كثيرة، كان منها تلك الفصول المتتابعة في تفسير القرآن الكريم التي ظلت تنشرها مجلتها " رسالة الإسلام " قرابة أربعة عشر عاما حتى

٤٣
اكتملت كتابا سويا أعتقد أنه تضمن أعز أفكاري، وأخلد آثاري، وأعظم ما أرجو به ثواب ربي، فإن خير ما يحتسبه المؤمن عند الله، هو ما ينفقه من الجهد الخاص في خدمة كتاب الله.

ولقد تهيأ لي بهذه الأوجه من النشاط العلمي أن أطل على العالم الإسلامي من نافذة مشرفة عالية وأن أعرف كثيرا من الحقائق التي كانت تحول بين المسلمين واجتماع الكلمة، وائتلاف القلوب على إخوة الإسلام، وأن أتعرف إلى كثير من ذوي الفكر والعلم في العالم الإسلامي، ثم تهيأ لي بعد ذلك وقد عهد إلي بمنصب مشيخة الأزهر أن صدرت فتواي في جواز التعبد على المذاهب الإسلامية الثابتة الأصول، المعروفة المصادر، المتبعة لسبيل المؤمنين، ومنها مذهب الشيعة الإمامية " الاثنا عشرية " وهي تلك الفتوى المسجلة بتوقيعنا في دار التقريب التي وزعت صورتها الزنكغرافية بمعرفتنا والتي كان لها ذلك الصدى البعيد في مختلف بلاد الأمة الإسلامية، وقرت بها عيون المؤمنين المخلصين الذين لا هدف لهم إلا الحق والألفة ومصلحة الأمة.

وظلت تتوارد على الأسئلة، والمشاورات، والمجادلات في شأنها، وأنا مؤمن بصحتها، ثابت على فكرتها، أؤيدها في الحين بعد الحين، فيما أبعث بها من رسائل للمستوضحين أو أرد به على شبه المعترضين، وفيما أنشر من مقال ينشر، أو حديث يذاع، أو بيان أدعو به إلى الوحدة والتماسك، والالتفات حول أصول الإسلام، ونسيان الضغائن والأحقاد، حتى أصبحت والحمد لله حقيقة مقررة، تجري بين المسلمين مجرى القضايا المسلمة بعد أن كان المرجفون في مختلف عهود الضعف الفكري،. والخلاف الطائفي، والنزاع السياسي يثيرون في موضوعها الشكوك والأوهام بالباطل.

وها هو ذا الأزهر الشريف ينزل على حكم المبدأ، مبدأ التقريب بين أرباب

٤٤
المذاهب المختلفة فيقرر دراسة فقه المذاهب الإسلامية سنيها وشيعيها دراسة تعتمد على الدليل والبرهان، وتخلو من التعصب لفلان أو فلان، كما أن أهتم في تكوين مجمع البحوث الإسلامية بأن يكون أعضاؤه ممثلين لمختلف المذاهب الإسلامية.

وبهذا تكون الفكرة التي آمنا بها، وعملنا جاهدين في سبيلها قد تركزت الآن وأصبحت رسالة الدار محل التقدير والتنفيذ.

وكنت أود لو أستطيع أن أتحدث عن الاجتماعات في دار التقريب حيث يجلس المصري إلى الإيراني، أو اللبناني أو الباكستاني، أو غير هؤلاء في مختلف الشعوب الإسلامية، وحيث يجلس الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي بجانب الإمامي والزيدي حول مائدة واحدة تدوي بأصوات فيها علم، وفيها أدب، وفيها تصوف، وفيها فقه، وفيها مع ذلك كله روح الأخوة وذوق المودة والمحبة، وزمالة العلم والعرفان.

وكنت أود لو أستطيع أن أبرز صورة كصورة الرجل السمح الزكي القلب العف اللسان.

رجل العلم والخلق المغفور له الأستاذ الأكبر: الشيخ مصطفى عبد الرازق، أو صورة كصورة الرجل المؤمن القوي الضليع في مختلف علوم الإسلام، المحيط بمذاهب الفقه أصولا وفروعا الذي كان يمثل الطود الشامخ في ثباته، والذي أفاد منه التقريب في فترة ترسيخ مبادئه أكبر الفائدة المغفور له أستاذنا الأكبر الشيخ عبد المجيد سليم رضي الله عنه وأرضاه، أو صورة كصورة ذلك الرجل الذي حنكته التجارب، واحتضنته محامل العلم، والرأي المغفور له الأستاذ محمد علي علوبة، جزاه الله عن جهاده وسعيه خير الجزاء.

ولعلي أيضا كنت أستطيع أن أتحدث عن صور لكثيرين ممن وهبوا أنفسهم لهذه

٤٥
الدعوة الإسلامية، ووقفوا عليها جهودهم، وآمنوا بالتقريب سبيلا إلى دعم المسلمين وإبراز محاسن الإسلام، وغير هؤلاء كثيرون ممن سبقونا إلى لقاء الله من أئمة الفكر في شتى البلاد الإسلامية الذين انضموا إلى التقريب، وبذلوا جهودهم لنشر مبادئه، وساجلناهم علما بعلم، ورأيا برأي، وتبادلنا وإياهم كثيرا من الرسائل والمشروعات والمقترحات وفي مقدمتهم المغفور له الإمام الأكبر: الحاج أقا حسين البروجردي أحسن الله في الجنة مثواه، أو المغفور لهما الإمامان: الشيخ الحسين آل كاشف الغطاء، والسيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي رحمهما الله.

ولقد ذهب هؤلاء إلى ربهم راضين مرضيين، وإن لنا لإخوة آمنوا بالفكرة، ولا يزالون يعملون في سبيل دعمها، وهم أئمة الإسلام، وأعلام الفكر في شتى الأقطار الإسلامية، أطال الله عليه أعمارهم وسدد في سبيل الحق خطاهم (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا).

حارب هذه الفكرة ضيقوا الأفق كما حاربها صنف آخر من ذوي الأغراض الخاصة السيئة ولا تخلو أية أمة من هذا الصنف من الناس

كما حاربها الذين يجدون في التفريق ضمانا لبقائهم وعيشهم

وحاربها ذوو النفوس المريضة، وأصحاب الأهواء والنزعات الخاصة (١).

(١) وقال الشيخ محمد الغزالي في كتابه: " دفاع عن العقيدة والشريعة ص ٢٦٤ - ٢٦٥ الطبعة الرابعة عام ١٣٩٥ هـ ١٩٧٥ م نشرته دار الكتب الحديثة بالقاهرة:

إنني آسف لأن بعض من يرسلون الكلام على عواهنه لا.

بل بعض ممن يسوقون التهم جزافا غير مبالين بعواقبها دخلوا في ميدان الفكر الإسلامي بهذه الأخلاق المعلولة فأساؤا إلى الإسلام وأمته شر، إساءة.

سمعت واحدا من هؤلاء يقول في مجلس علم: إن للشيعة قرآنا آخر يزيد وينقص عن قرآننا المعروف.

فقلت له: أين هذا القرآن؟

إن العالم الإسلامي الذي امتدت رقعته في ثلاث قارات ظل من بعثة محمد صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا بعد أن سلخ من عمر الزمن أربعة عشر قرنا لا يعرف إلا مصحفا واحدا مضبوط البداية والنهاية معدود السور والآيات والألفاظ فأين هذا القرآن الآخر؟

ولماذا لم يطلع الإنس والجن على نسخة منه خلال هذا الدهر الطويل؟

لماذا يساق هذا الافتراء؟

ولحساب من تفتعل هذه الإشاعات وتلقى بين الأغرار ليسوء ظنهم بإخوانهم وقد يسوء ظنهم بكتابهم.

إن المصحف واحد يطبع في القاهرة فيقدسه الشيعة في النجف أو في طهران ويتداولون نسخه بين أيديهم وفي بيوتهم دون أن يخطر ببالهم شئ بتة إلا توقير الكتاب ومنزله - جل شأنه - ومبلغه (صلى الله عليه وآله وسلم) فلم الكذب على الناس وعلى الوحي.

ومن هؤلاء الأفاكين من روج أن الشيعة أتباع علي وأن السنيين أتباع محمد وأن الشيعة يرون عليا أحق بالرسالة، أو أنها أخطأته إلى غيره؟

وهذا لغو قبيح وتزوير شائن.

إن الشيعة يؤمنون برسالة محمد ويرون شرف علي في انتمائه إلى هذا الرسول وفي استمساكه بسنته.

وهم كسائر المسلمين لا يرون بشرا في الأولين والآخرين أعظم من الصادق الأمين ولا أحق منه بالاتباع، فكيف ينسب لهم هذا الهذر؟

الواقع إن الذين يرغبون في تقسيم الأمة طوائف متعادية لما لم يجدوا لهذا التقسيم سببا معقولا لجأوا إلى افتعال أسباب الفرقة، فاتسع لهم ميدان الكذب حين ضاق أمامهم ميدان الصدق.

٤٦
هؤلاء وأولئك ممن يؤجرون أقلامهم لسياسات مفرقة لها أساليبها المباشرة وغير المباشرة في مقاومة أية حركة إصلاحية، والوقوف في سبيل كل عمل يضم شمل المسلمين ويجمع كلمتهم.

كنت أود لو أستطيع أن أبرز هذه النواحي كلها في قصة التقريب أكتبها بنفسي

٤٧
وأتتبع تفاصيلها، كما لابستها وعشت ظروفها، ثم أتتبع مجلة " رسالة الإسلام " التي أدت أمانتها، وأحسنت سفارتها وكانت معرضا لآراء العلماء من كل فريق، يمدونها بالبحوث وينظرها كل منهم حريصا عليها، فتزدان بها مكتبة الشيعي كما تزدان بها مكتبة السني، وينهل من معارفها الغربي كما ينهل من معارفها الشرقي، ولكن حسبي أن أكتب هذه المقدمة مشيرا بها إلى بعض جوانب هذه القصة.

وإنا لنحمد الله سبحانه أن أصبحت فكرة التقريب نقطة تحويل في تاريخ الفكر الإصلاحي الإسلامي قديمه وحديثه وأنها أثرت تأثيرا بعيد المدى.

* * *

وإنا لنسأل الله النجح لهذه الدعوة حتى يعود للإسلام مجده وللمسلمين عزهم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. (١) وفي إحدى رحلاتي إلى القاهرة زرت دار التقريب على عادتي قدم إلى أحد السادة في الدار " قصة التقريب ومعها الفتوى التاريخية في شأن المذاهب الإسلامية (٢) وفي آخرها الفتوى موقعة بتوقيع الأستاذ الأكبر الشيخ محمود شلتوت آثرنا نشر صورتها الزنكوغرافية وإليك نصها:

(١) دعوة التقريب ص ١٠ طبع مؤسسة دار التحرير للطبع والنشر بالقاهرة ١٣٨٦ هـ ١٩٦٦ م.

(٢) طبعت في القاهرة عام ١٣٧٩ هـ الموافق عام ١٩٥٩ م.

٤٨
وللأستاذ الأكبر الشيخ شلتوت تصدير لكتاب مجمع البيان في تفسير القرآن

٤٩
لأمين الإسلام الشيخ أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي طاب ثراه آثرنا نشره في هذا الكتاب لما فيه من مثالية في الدعوة إلى الله والحقيقة، وكلمة الحق، وإليك نصه:

بسم الله الرحمن الرحيم

".......... وشمرت عن ساق الجد، وبذلت غاية الجهد والكد، وأبهرت الناظر وأتعبت الخاطر، وأطلت التفكير وأحضرت التفاسير، واستمددت من الله سبحانه التوفيق والتيسير، وابتدأت بتأليف كتاب هو في غاية التلخيص والتهذيب، وحسن النظم والترتيب، يجمع أنواع هذا العلم وفنونه، ويحوي فصوصه وعيونه، من علم قراءته، إعرابه ولغاته، وغوامضه ومشكلاته، ومعانيه وجهاته، ونزوله وأخباره، وقصصه وآثاره، وحدوده وأحكامه، وحلاله وحرامه، والكلام على مطاعن المبطلين فيه، وذكر ما ينفرد به أصحابنا رضي الله عنهم من الاستدلالات بمواضع كثيرة منه على صحة ما يعتقدونه من الأصول والفروع، والمعقول والمسموع على وجه الاعتدال والاختصار، فوق الإيجاز ودون الإكثار، فإن الخواطر في هذا الزمان لا تحتمل أعباء العلوم الكثيرة، وتضعف عن الإجراء في الحلبات الخطيرة، إذ لم يبق من العلماء إلا الأسماء، ومن العلوم إلا الذماء، وقدمت في مطلع كل سورة ذكر مكيها ومدنيها، ثم ذكر الاختلاف في عدد آياتها، ثم أقدم في كل آية الاختلاف في القراءات، ثم العلل والاحتجاجات، ثم ذكر العربية واللغات، ثم ذكر الإعراب والمشكلات، ثم ذكر الأسباب والنزولات، ثم ذكر المعاني والأحكام والتأويلات، والقصص والجهات، ثم ذكر انتظام الآيات، على أني قد جمعت في عربيته كل غرة لائحة، وفي إعرابه كل حجة واضحة، وفي معانيه كل قول متين،

٥٠
وفي مشكلاته كل برهان مبين، وهو بحمد الله للأديب عمدة، وللنحوي عدة، وللمقرئ بصيرة، وللناسك ذخيرة، وللمتكلم حجة، وللمحدث محجة، وللفقيه دلالة، وللواعظ آلة.

بهذه العبارات الواصفة الكاشفة قدم الإمام السعيد، أمين الإسلام أبو علي، الفضل بن الحسن الطبرسي، كتابه الجليل الذي هو نسيج وحده بين كتب التفسير الجامعة، ولم أجد أحسن من هذه العبارات في وصف هذا الكتاب، وبيان منهجه، فآثرت أن أفسح المجال لها، وأن أجعلها أول ما يطالع القارئ، ولم يكن ذلك إلا بعد أن تنقلت في رحاب الكتاب من موضع إلى موضع، واختبرت واقعه في كثير مما يعد من مزالق الأقدام، ومتائه الأفهام، ومضائق الأقلام، فوجدته كما وصفه صاحبه، وعلمت أنه لم يتكثر بما ليس فيه، ولم يعد إلا بما يوفيه.

ولقد قلت: أن هذا الكتاب نسيج وحده بين كتب التفسير، وذلك لأنه مع سعة بحوثه وعمقها، له خاصية في الترتيب والتبويب، والتنسيق والتهذيب، لم تعرف لكتب التفسير من قبله، ولا تكاد تعرف لكتب التفسير من بعده: فعهدنا بكتب التفسير الأولى أنها تجمع الروايات والآراء في المسائل المختلفة، وتسوقها عند الكلام على الآيات سوقا متشابكا ربما اختلط فيه فن بفن، فما يزال القارئ يكد نفسه في استخلاص ما يريد من هنا وهناك حتى يجتمع إليه ما تفرق، وربما وجد العناية ببعض النواحي واضحة إلى حد الاملال، والتقصير في بعض آخر واضحا إلى درجة الاخلال.

أما الذين جاؤوا بعد ذلك من المفسرين، فلئن كان بعضهم قد أطنبوا، وحققوا وهذبوا، وفصلوا وبوبوا، إن قليلا منهم أولئك الذين استطاعوا مع ذلك أن يحتفظوا لتفسيرهم بالجو القرآني الذي يشعر معه القارئ، بأنه يجول في مجالات متصلة

٥١
لكتاب الله اتصالا وثيقا، وتتطلبها خدمته حقا، لا لأدنى ملابسة، وأقل مناسبة.

لكن كتابنا هذا كان أول - ولم يزل أكمل - مؤلف من كتب التفسير الجامعة استطاع أن يجمع إلى غزارة البحث، وعمق الدرس، وطول النفس في الاستقصاء.

هذا النظم الفريد، القائم على التقسيم والتنظيم، والمحافظة على خواص تفسير القرآن، وملاحظة أنه فن يقصد به خدمة القرآن، لا خدمة اللغويين بالقرآن، ولا خدمة الفقهاء بالقرآن، ولا تطبيق آيات القرآن على نحو سيبويه، أو بلاغة عبد القاهر، أو فلسفة اليونان أو الرومان، ولا الحكم على القرآن بالمذاهب التي يجب أن تخضع هي لحكم القرآن!.

ومن مزايا هذا التنظيم أنه يتيح لقارئ الكتاب فرصة القصد إلى ما يريده قصدا مباشرا، فمن شاء أن يبحث عن اللغة عمد إلى فصلها المخصص لها، ومن شاء أن يبحث بحثا نحويا اتجه إليه، ومن شاء معرفة القراءات دراية أو تخريجا وحجة عمد إلى موضع ذلك في كل آية فوجده ميسرا محررا، وهكذا

ولا شك أن هذا فيه تقريب أي تقريب على المشتغلين بالدراسات القرآنية، ولا سيما في عصرنا الحاضر الذي كان من أهم صوارف المثقفين فيه عن دراسة كتب التفسير ما يصادفونه فيها من العنت، وما يشق عليهم من متابعتها في صبر ودأب وكد وتعب.

فتلك مزية نظامية لهذا الكتاب، بجانب مزاياه العلمية الفكرية.

- ٢ -

وهناك منهجان علميان في التأليف:

أحدهما: أن يستقبل المؤلف قراءه بما يراه هو، وما انتهى إليه بحثه واجتهاده، فيجعله قصاراه وهدفه، ويحطب في سبيله، ويجول في أوديته، دون أن يحيد عنه، أو

٥٢
يجعل لقارئه سبيلا سواه.

وهذا منهج له مواطنه التي فيها، ومنها:

أن يكون المؤلف يقصد بكتابه أهل مذهب معين، فله أن يفرض اتفاقه وإياهم على أصول المذهب وقواعده، وأن يخاطبهم على هذا الأساس.

الثاني: أن يقصد المؤلف بكتابه كل قارئ لا قارئا مذهبيا يتفق وإياه فحسب، وهذا يدعوه إلى أن يعرض العلم عاما لا من وجهة نظر معينة فيأتي بما في كل موطن علمي من الآراء والأدلة، وله بعد ذلك أن يأخذ بما يترجح لديه، ولكن بعد أن يكون قد أشرك قارئه معه في التجوال بين الآراء، واستعراض مختلف وجهات النظر .

وهذا المنهج أعم فائدة، وأدنى إلى خدمة الحق والإخلاص للعلم، والكتب المؤلفة على أساسه أقرب إلى أن تكون " إسلامية عامة " ليست لها جنسية طائفية أو مذهبية.

بيد أن المؤلفين يتفاوتون في هذا النهج، فمنهم من يخلص له إخلاصا عميقا، فتراه يدور مع الحق أينما دار، يأخذ بمذهبه تارة، ويأخذ بغير هذا المذهب تارة أخرى وإذا عرض المذاهب المختلفة عرضها بأمانة ودقة، كأنه ينطق أصحابها ويسمع قراءه ما يقولون، دون أن يلوي القول، أو يحرف الكلم عن مواضعه، أو يغمز، أو يلمز صرفا عن الرأي وتهويلا عليه.

منهم من يكون إخلاصه للعلم دون ذلك، على مراتب أسوؤها ما يظهر فيه التعصب على مذهب الخصم، ونبزه بالألقاب، فترى السني مثلا ربما تحدث عن الشيعة فيقول:

قال الروافض، وترى الشيعي كذلك ربما تحدث عن السنة فيقول:

٥٣
قال النواصب، بل ربما تجد الحنفي السني يتحدث عن الشافعية السنيين، فيقول:

قال الشويفعية وهكذا، وما كان هذا النبز ولا ذلك من ضرورات الحجاج، ولا من لوازم الجدال بالتي هي أحسن، الذي هو نصيحة القرآن حتى في شأن المجادلين من أهل الكتاب!.

وأريد أن أقول إن صاحب كتاب " مجمع البيان " قد استطاع إلى حد بعيد أن يغلب إخلاصه للفكرة العلمية على عاطفته المذهبية، فهو وإن كان يهتم ببيان وجهة نظر الشيعة فيما ينفردون به من الأحكام والنظريات الخلافية اهتماما يبدو منه أحيانا أثر العاطفة المذهبية، فإننا لا نراه مسرفا في مجاراة هذه العاطفة، ولا حاملا على مخالفيه، مخالفي مذهبه.

والواقع أنه ينبغي لنا أن ننظر إلى هذا المسلك فيما يتصل بأصول المذاهب ومسائلها الجوهرية نظرة هادئة متسامحة ترمي إلى التماس المعذرة، وتقدير ما يوجبه حق المخالف في أن يدافع عما آمن به، وركن إليه فليس من الإنصاف أن نكلف عالما مؤلفا بحاثة دراكة، أن يقف من مذهبه وفكرته التي آمن بها موقف الفتور، كأنها لا تهمه، ولا تسيطر على عقله وقلبه، وكل ما نطلبه ممن تجرد للبحث والتأليف وعرض آراء المذاهب وأصحاب الأفكار أن يكون منصفا مهذب اللفظ، أمينا على التراث الإسلامي، حريصا على أخوة الإيمان والعلم، فإذا جادل ففي ظل تلك القاعدة المذهبية التي تمثل روح الاجتهاد المنصف البصير:

" مذهبي صواب يحتمل الخطأ، غيري خطأ يحتمل الصواب ".

على أننا نجد الإمام الطبرسي في بعض المواضع.

يمر على ما هو من روايات مذهبه، ويرجح أو يرتضي سواء.

ومن ذلك أنه يقول في تفسير قوله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم).

٥٤
وقيل في معنى الصراط المستقيم وجوه:

أحدها: أنه كتاب الله - وهو المروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وعن علي (عليه السلام) وابن مسعود.

وثانيها: أنه الإسلام - وهو المروي عن جابر وابن عباس.

وثالثهما: أنه دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره - عن محمد بن الحنفية.

والرابع: أنه النبي صلى الله عليه آله وسلم والأئمة القائمون مقامه - وهو المروي في أخبارنا.

" والأولى حمل الآية العموم حتى ندخل جميع ذلك فيه: لأن الصراط المستقيم هو الدين الذي أمر الله به من التوحيد والعدل، وولاية من أوجب الله طاعته ".

فظاهر أن الرواية الأخيرة هي أقرب الروايات تناسبا مع مذهب الشيعة في:

" الأئمة " وهي المروية في أخبارهم، ولكن المؤلف مع هذا لا يعطيها منزلة الأولية في الذكر، ولا الأولوية في الترجيح، بل يعرضها، عرضا روائيا مع غيرها، ثم يحمل الآية على ما حملها عليه من العموم، وما أبرعه إذ يقول:

" وولاية من أوجب الله طاعته "! إن الشيعي والسني كليهما لا ينبوان عن هذه العبارة، فكل مؤمن يعتقد أن هناك من أوجب الله طاعته، وفي مقدمتهم الرسول وأولو الأمر، ووجه البراعة في ذلك أنه لم يعرض للفصل في مسألة " الولاية " و " الإمامة " هنا، لأن المقام لا يقتضي هذا الأمر، ولكنه مع ذلك أتى بعبارة يرتضيها الجميع، ولا ينبو عنها أي فكر.

على أنه - رحمه الله تعالى - متأثر مع ذلك إلى حد ما بما هو ديدن جمهرة المفسرين من إعطاء أسباب النزول أهمية خاصة، ذلك الأمر الذي يتعارض مع مجئ القرآن عاما خالدا شاملا لجميع الصور التي تدل عليها عباراته المنزلة من لدن حكيم خبير، على ما تقتضيه الدقة والأحكام، ولكن الإمام الطبرسي لا ينفرد بذلك

٥٥
كتاب مع رجال الفكر في القاهرة (القسم الثاني) للسيد الرضوي (ص ٥٦ - ص ٧٨)
٥٦
صنف كتابا آخر في التفسير سماه:

" الكافي الشاف من كتاب الكشاف " ويظهر من اسمه أنه أتى فيه بما أطلع عليه من تفسير الزمخشري، ولم يكن قد عرفه حتى يودعه كتابه الأول، ويذكرون اسما آخر لكتاب ألفه بعد ذلك أيضا وأسماه " الوسيط " في أربع مجلدات، وكتابا ثالثا اسمه " الوجيز " في مجلد أو مجلدين، كل ذلك في تفسير القرآن الكريم، ألفه بعد تفسيره الأكبر " مجمع البيان "، وبعض هذه الكتب يعرف باسم " جامع الجوامع " لجمعه فيه بين فرائد التبيان، وزوائد الكشاف.

وقد أردت - قبل الكلام إلى القراء عن المعنى الذي يدل عليه هذا الصنيع من الإمام الطبرسي رحمه الله تعالى - أن أختبر هذا الخبر لأعلم هل هو صحيح؟ وذلك عن طريق الرجوع إلى بعض المواضع المشتركة في " الكشاف " و " مجمع البيان " كي يتبين الأمر في ضوء الواقع، فرجعت إلى أول موضع يظن أنهما يتلاقيان فيه، وهو تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون، ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم).

فأما الإمام الطبرسي في كتابه: " مجمع البيان " فقد تحدث من ناحية المعنى في موضعين:

أحدهما: معنى " لا يؤمنون " وما يتصل به من بيان عدم التعارض بين العلم الإلهي والتكليف، لأن العلم يتناول الشئ على ما هو به، ولا يجعله على ما هو به.

الثاني: معنى " ختم الله على قلوبهم " وبيان الآراء المختلفة فيه، وقد ذكر أربعة آراء وأيد الرابع منها وقواه بشواهده، وهذا هو نص كلامه في هذا الوجه الرابع، نورده لنضعه موضع المقارنة مع كلام الزمخشري حتى يتبين الفرق بينهما قال الطبرسي: " ورابعها: أن الله وصف من ذمه بهذا الكلام بأن قلبه ضاق عن النظر والاستدلال فلم ينشرح له، فهو خلاف من ذكر في قوله:

٥٧
" أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه " ومثل قوله:

" أم على قلوب أقفالها " وقوله: " وقالوا قلوبنا غلف "، " وقلوبنا في أكنة " ويقوي ذلك أن المطبوع على قلبه وصف بقلة الفهم لما يسمع من أجل الطبع فقال:

" بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا " وقال:

" وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون ". ويبين ذلك قوله تعالى: " قل أرأيتم أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم علي قلوبكم " فعدل الختم على القلوب بأخذه السمع والبصر، فدل هذا على أن الختم على القلب هو أن يصير على وصف لا ينتفع به فيما يحتاج فيه إليه كما لا ينتفع بالسمع والبصر مع أخذهما. وإنما يكون ضيقة بألا يتسع لما يحتاج إليه فيه من النظر والاستدلال الفاصل بين الحق والباطل، وهذا كما يوصف الجبان بأنه لا قلب له إذا بولغ في وصفه بالجبن، لأن الشجاعة محلها القلب، فإذا لم يكن القلب الذي هو محل الشجاعة لو كانت فإن لا تكون الشجاعة أولى - قال طرفة:

فالهبيت لا فؤاد له * والثبيت قلبه قيمه

وكما وصف الجبان بأنه لا فؤاد له، وأنه يراعة، وأنه مجوف: كذلك وصف من بعد عن قبول الإسلام بعد الدعاء إليه، وإقامة الحجة عليه، بأنه مختوم على قلبه، ومطبوع عليه، وضيق صدره، وقلبه في كنان وفي غلاف.

وهذا من كلام الشيخ أبي علي الفارسي، وإنما: قال ختم الله، وطبع الله، لأن ذلك كان لعصيانهم الله تعالى، فجاز ذلك اللفظ، كما يقال: أهلكته فلانة إذا أعجب بها، وهي لا تفعل به شيئا لأنه هلك في اتباعها.

هذا هو نص كلامه، ومنه يتبين:

١ - أنه يؤيد الرأي القائل بأن الختم ليس حقيقا، إنما هو على معنى من المجاز.

٥٨
٢ - وأنه يستعين في بيان ذلك بالآيات المشابهة لهذا الموضع في القرآن الكريم، وبالشعر، وبقول أبي علي الفارسي، وبما مألوف في العربية من مثل هذا التعبير بإسناد الفعل إلى من لم يفعله ولكن وقع بسبب منه فالختم أسند إلى الله لأنه بمعناه الذي فسر به كان بسبب عصيانهم لله، كما يقال أهلكته فلانة وهي لم تهلكه وإنما هلك باتباعها.

وأما الإمام الزمخشري في كتابه: " الكشاف " فقد عرض لهذا الموضوع في تفصيل أكبر، وضرب له كذلك أمثلة من الشعر والكلام العربي، وأورد فيه بعض الأسئلة ورد عليها، ومع كون الفكرة التي يؤيدها الإمام الزمخشري، هي نفس الفكرة التي رأينا الإمام الطبرسي يؤيدها، فإن عبارة الزمخشري أوسع وأشمل، وأمثلته من الشعر أوضح في بيان المقصود، وتخريجه العربي لهذا التعبير مبني على دراسة فنية بلاغية مقررة المبادئ بين العلماء.

فلو كان الطبرسي قد اطلع على كتابه: " الكشاف " لكان قد أيد ما ذهب إليه بما ذكره الزمخشري نقلا عنه أو تلخيصا له، ولكننا لا نجد بين العبارات في الكتابين تلاقيا إلا على الفكرة.

أما الأمثلة والعرض وأسلوب البحث فمختلفة.

والآن نورد نص الإمام الزمخشري، كما أوردنا نص الإمام الطبرسي، وندع للقراء أن يتأملوا النصين، على ضوء ما قلناه، فسيتضح لهم أن الطبرسي قطعا لم ير " الكشاف " وهو يؤلف " مجمع البيان ".

قال الزمخشري:

" فإن قلت ما معنى على القلوب والأسماع وتغشية الأبصار؟ قلت:

لا ختم ولا تغشية ثم على الحقيقة، وإنما هو من باب المجاز ويحتمل أن يكون من

٥٩
كلا نوعيه، وهما: الإستعارة والتمثيل.

أما الاستعارة فأن تجعل قلوبهم - لأن الحق لا ينفذ فيها، ولا يخلص إلى ضمائرها من قبل إعراضهم عنه، واستكبارهم عن قبوله واعتماده - وأسماعهم - لأنها تمجه، وتنبو عن الاصغاء إليه، وتعاف استماعه كأنها مستوثق منها بالختم، وأبصارهم لأنها لا تجتلي آيات الله المعروضة، ودلائله المنصوبة، كما تجتليها أعين المعتبرين المستبصرين - كأنما غطى عليها، وحجبت، وحيل بينها وبين الادراك، وأما التمثيل فإن تمثل حيث لم ينتفعوا بها في الأغراض التي كلفوها وخلقوا من أجلها - بأشياء ضرب حجاب بينها وبين الاستنفاع بها بالختم والتغطية.

وقد جعل بعض المازنيين الحبسة في اللسان والعي ختما عليه فقال:

ختم الإله على لسان عذافر * ختما فليس على الكلام بقادر
وإذا أراد النطق خلت لسانه * لحما يحركه لصقر ناقر!

" فإن قلت " لم أسند الختم إلى الله تعالى، وإسناده إليه يدل على المنع قبول الحق والتوصل إليه بطرقه، وهو قبيح، والله يتعالى عن فعل القبيح علوا كبيرا، لعلمه بقبحه، وعلمه بغناه عنه.

وقد نص على تنزيه ذاته بقوله: " وما أنا بظلام للعبيد "، " وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين "، " إن الله لا يأمر بالفحشاء ".

ونظائر ذلك مما نطق به التنزيل؟

" قلت " القصد إلى صفة القلوب بأنها كالمختوم عليها، وأما إسناد الختم إلى الله عز وجل، فلينبه على أن هذه الصفة في فرط تمكنها وثبات قدمها كالشئ الخلقي غير العرضي.

ألا ترى إلى قولهم فلان مجبول على كذا،، مفطور عليه، يريدون أنه بليغ في

٦٠