×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

مع رجال الفكر في القاهرة (القسم الثاني) / الصفحات: ١٠١ - ١٢٠

فانتهوا).

وقال تعالى: (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة).

وقوله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة).

وقال الله تعالى: (وما كان لمؤمن أو مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة في أمرهم).

وقال تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله).

وقال تعالى: (من يطع الرسول فقد أطاع الله). وأمثال هذه الآيات كثيرة ومع ذلك فإننا نستشهد بما يلي من الروايات الواردة عن طرق أهل السنة فنقول:

وأما السنة: فإن الأحاديث الواردة في كتب أهل السنة صريحة في أن جميع ما تحدث به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وما خرج من فمه الشريف إن هو إلا وحي يوحى سواء كان في الصحة أو في المرض، في الرضا أو في الغضب كما سيأتي:

أخرج ابن الأثير في ترجمة عبد الله بن عمرو بن العاص قال:

وكان - أي عبد الله بن عمرو بن العاص - فاضلا عالما قرأ القرآن والكتب المتقدمة واستأذن النبي في أن يكتب عنه فأذن له، فقال يا رسول الله أكتب ما أسمع في الرضا والغضب: قال: " نعم فإني لا أقول إلا حقا ".

وأخرج الدارمي بإسناده عن عبد الله بن عمرو قال:

كنت أكتب كل شئ أسمعه من رسول الله أريد حفظه فنهتني قريش وقالوا:

تكتب كل شئ سمعته من رسول الله ورسول الله بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتاب فذكرت ذلك لرسول الله " فأومأ بإصبعه إلى فيه وقال:

١٠١
" اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق " (١).

وأما العقل: فقد عالج هذا الموضوع: سماحة السيد مرتضى الحكمي في دراسته عن كتاب " دلائل الصدق " من الناحية التحليلية والكلامية فقال:

"... والأنبياء هم الذين آتاهم الله العصمة، وأودعها في واقع نبوتهم فلا يتأتى لغيرهم أن يجزئ هذه العصمة، أو يحددها في شطر من هذه النبوة هو تبليغ الأحكام وأداؤها إلا أن يجزئ هذه النبوة ذاتها، فإذا كان لا يمكن تحديد هذه النبوة فإنه لا يمكن تحديد صيانتها في خصوص هذا الجانب منها فإن شمول هذه النبوة على كل ما يتصرفه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في قول، أو فعل، أو تقرير أمر يستوجب شمول العصمة له، ولكل ما يشمله من أبعاد هذه النبوة وأعماقها، بل إن سيرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وسنته هي من أهم ما أرسل به في الهداية والإيمان، ولذلك فإن شمول العصمة لهما مما لا يمكن تحديده، أو فصله عنها، وإلا لمحقت السنة، وبطلت السيرة من أساسها، وذهبت حجيتها، ولزوم الأخذ بها أدراج الرياح.

ومن المحتم: أن يستلزم انتفاء العصمة انتفاء النبوة في كل مورد يتحقق العصيان أو الخطأ أو مخالفة الواقع سواء بسواء ". (٢)

وقال الدكتور أحمد عز الدين المعاصر:

لم يؤثر عن الصحابة الكلام في عصمة الأنبياء، بل لا نجد لهذا المعنى ذكرا في حياة الرسول نفسه، والشيعة أول من تكلم فيه ثم جاء علماء السنة فيما بعد فاضطروا للبحث فيه لرد مقولات الشيعة.

(١) سنن الدارمي ١ / ١٠٣ الحديث برقم ٤٩٠ باب من رخص في كتابة العلم، سنن أبي داود ٣ / ٣١٨ الحديث برقم ٣٦٤٦ باب كتاب العلم.

(٢) " دراسة علمية عن الدلائل ".

١٠٢
كتاب مع رجال الفكر في القاهرة (القسم الثاني) للسيد الرضوي (ص ١٠٣ - ص ١٢٠)
١٠٣

(ذلك الكتاب لا ريب فيه) فانتفاء الريب والشك اقتضى وجود معصوم بعد النبي عليه وآله السلام يعلم ما في الكتاب من صغيرة، وكبيرة علما يقينيا ييسر تطبيقه، ويعصم الناس من الخلاف، لأن النبي لم يفسر القرآن قبل موته، ولم يترك في كل حال مستجد أمرا، بل هناك من الأمور ما وقع بعد النبي، واختلف الناس فيه لعدم وجود شئ فيه. ولأن عملية التشريع عملية مستمرة متواصلة لكونها مرتبطة بالأحداث والمستجدات، لذا وجب أن تكون القيادة على يقين فيما تقول وتفتي به، لأنها لو أخطأت فسدت على الناس حياتهم. ثم إن الله أمر بطاعة القيادة فقال:

(يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله، وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم).

فنص على أن أولي الأمر تجب طاعتهم كما تجب أن تكون أحكامهم، وأوامرهم ونواهيهم موافقة للشرع مطابقة لأحكام الدين لأن هذا هو شرط الطاعة وأساسها.

ومطابقة أوامر، ونواهي وأحكام أولي الأمر للدين لا تتم إلا بعصمتهم، لأن ولي الأمر إذا أخطأ وجب إصلاحه، والإنكار عليه وهذا يتناقض وأمر الله بطاعته.

ويختلف الشيعة عن السنة في تفسير معنى أولي الأمر فهم يرون أن المقصود بهم الأئمة الاثنا عشر، في حين يرى السنة ما نعلم، وما نسمع ونقرأ.

وعصم الرازي أهل الحل والعقد لأن من أمر الله بطاعته لا بد وأن يكون معصوما، ولما كان يخالف الشيعة في تفسيرهم لأولي الأمر بالأئمة الاثني عشر فسرها بأهل الحل والعقد.

ففي تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله، وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) النساء: ٤.

قال: إن الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية، ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم، والقطع لا بد وأن يكون معصوما من الخطأ، إذ لو لم

١٠٤
يكن معصوما عن الخطأ كان - بتقدير إقدامه على الخطأ - يكون قد أمر الله بمتابعته، فيكون ذلك أمرا بفعل ذلك الخطأ.

والخطأ لكونه خطأ منهي عنه، فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد وأنه محال فثبت أن الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم، وثبت أن كل من أمر الله بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوما عن الخطأ. فثبت قطعا أن ولي الأمر المذكور في الآية لا بد وأن يكون معصوما..

... ووجب أن يكون ذلك المعصوم الذي هو المراد بقوله وأولي الأمر: أهل الحل والعقد من الأمة (١).

تعيين الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الخليفة بعده

الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) علم وهو في مرض موته ما حدث في المجتمع الإسلامي من تطورات، ووقوع أحداث يخشى على الإسلام منها، فقد كثرت القالة حول الخلافة من بعده من تنفيذ أمره بغدير خم أو يعود الأمر للمجتمع مع الأغلبية الساحقة التي تعارض تلك الفكرة. وهل هناك مجموعة تسعى لكسب الأكثرية بعد الحكم؟ وما هو موقف الأنصار وكبار الصحابة من هذا الأمر... الخ.

فكان النبي " يؤلمه وقوع مثل هذه الأشياء التي تؤول بالأمة إلى الفرقة بعد الاجتماع، والعداوة بعد الإخاء، فأراد أن يقرر مصير الأمة، وأن يحدد موقعها ليقطع بذلك كل طريق يوصل للخلاف المؤدي إلى الضلال فقال:

(١) مفاتيح الغيب للفخر الرازي: ٣ / ٢٤١ - ٢٤٢ مصر ١٣٠٨ هـ.
١٠٥
إيتوني بدواة وبيضاء... الحديث.

أراد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يضع للأمة نظاما يسيرون عليه دوما في قضية الخلافة وتحديد الشخصية التي تليق أن تخلفه في منصبه. " على أن الأحاديث الدالة على عصمته كافية في تعيينه. أمثال: قوله:

" علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار ".

وقوله لعمار:

" يا عمار إن رأيت عليا سلك واديا، وسلك الناس واديا غيره، فاسلك مع علي ودع الناس، إنه لن يدلك على ردى، ولن يخرجك من هدى ".

وقوله: " اللهم أدر الحق مع علي حيث دار ". (١) ومن هنا قال أبو القاسم البجلي وتلامذته من المعتزلة:

" لو نازع علي عقيب وفاة رسول الله " وسل سيفه لحكمنا بهلاك كل من خالفه وتقدم عليه، كما حكمنا بهلاك من نازعه حين أظهر نفسه، ولكنه مالك الأمر، وصاحب الخلافة، إذا طلبها وجب علينا القول بتفسيق من ينازعه فيها، وإذا أمسك عنها وجب علينا القول بعدالة من أغضى له عليها وحكم في ذلك حكم رسول الله لأنه قد ثبت عنه في الأخبار الصحيحة أنه قال:

" علي مع الحق، والحق مع علي يدور معه حيثما دار " وقال له غير مرة:

" حربك حربي، وسلمك سلمي " (٢)

ومن البديهي وما لا يقبل الشك أن عليا هو تلك الشخصية التي تتجسد فيها

(١) المستصفى ١ / ١٣٦ إلى غيرها من الأحاديث.

(٢) المستصفى ١ / ١٣٦ - الأصول العامة للفقه المقارن ص ١٧٦ - ١٧٧ ".

١٠٦
آمال الأمة ولكن حدث ما حدث، فما أعظم من ذلك الموقف على النبي " فقال لهم متأثرا:

أبعد الذي قلتم.

ومات وألا يحز نفسه ولكنه أراد أن يطوق الأمة بواجب لا مفر لهم من الالتزام به ألا وهو العناية بأهل بيته فقال (صلى الله عليه وآله وسلم):

" أوصيكم بأهل بيتي خيرا، الله الله في أهل بيتي، وأخرجوا اليهود من جزيرة العرب " وهي آخر ما تكلم به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (١).

" إن الحزب القرشي الذي يرأسه أبو بكر، وعمر وأبي عبيدة بن الجراح لم يكن وضع حاضر، ولا وليد مفاجأة، أو ارتجال، وإنما كان وليد مؤامرات سرية مبرمة، حيكت أصولها، وربت أطرافها، بكل عناية وإحكام. وإن أبطال هذه المؤامرة:

أبو بكر، عمر بن الخطاب، أبو عبيدة بن الجراح.

ومن أنصار هذا الحزب: عائشة وحفصة ". (٢)

وقال الدكتور أحمد عز الدين:

وإذا نظرنا إلى هذه الأزمة الدستورية بعين السابحين ضد التيار، الباحثين عن منهج سياسي في الإسلام، رأينا فيها ما لا يراه أرباب العواطف الموجهة.

فأول ما نراه فيها أن بيعة أبي بكر (رض) لم تتم في ظروف عادية بل تمت دون أن يعلم بها الناس جميعا، أو على الأقل جميع أكابر الصحابة، أو حتى زعماء الاتجاهات السياسية الموجودة في المجتمع كلهم، فقد اجتمع في السقيفة نفر من

(١) أنظر: تعليقنا على الطبعة الثالثة من كتاب على ومناوؤه ص ٢٤ ط دار المعلم بالقاهرة.

(٢) الشيخ باقر القرشي: حياة الإمام الحسن: ١ / ١٣١ ط ثانية.

١٠٧
الأنصار ليبث في أمر القيادة في غياب الآخرين، ثم لحق بهم نفر من المهاجرين لينافسوهم، ويمنعوا القوة السياسية الأولى من الإنفراد بالقيادة، ولم يعلم بالأمر أكبر وأهم قوة سياسية، ودينية آنذاك وهي: بنو هاشم، وآل بيت القائد المؤسس بعد أن انتهز هذا النفر القليل من المهاجرين والأنصار انشغالهم بتغسيل وتكفين الرسول القائد وتم ما تم دون إعلان الناس، وبغير انتظار لتهدأ مشاعر الأمة وقد حلت بها كارثة غياب رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام، القائد الذي لا يملأ فراغه أحد فالسياق العام الذي تمت فيه هذه البيعة التي حددت القائد بعد رسول الله لم يكن طبيعيا، ولا يمكن أن تستريح له أنفس الناس باحثين وغير باحثين.

ثم إن القوم لم يتفقوا بعضا، فوثب عمر فأخذ بيد أبي بكر (١) بل إن في رواية عمر نفسه ما يدل على أن بيعة أبي بكر (رض) تمت في ظروف غير طبيعية، وبطريقة غير طبيعية وذلك حين قال:

(فارتفعت الأصوات وكثر اللغط) أي أنه - كما رأينا - بعد عرض مرشح الأنصار للأسباب التي اعتقد على أساسها استحقاق حزبه بالقيادة، ثم عرض أبي بكر (رض) لأحقية المهاجرين بها.

لم تسفر هذه المداولات عن اتفاق الموجودين وهم نفر قليل من الأمة على شخص يتصدى للقيادة، بل ارتفعت الأصوات تتنازع، فانتهز عمر (رض) هذه الفرصة وحسم الأمر بالطريقة التي تحسم بها الصفقات والمزادات في الأسواق وهو ما أكسبته المهنة إياه إذ كلنا يعرف أنه (رض) كان سمسارا يعقد الصفقات في الأسواق، ومال معه المؤيدون لأبي بكر، ووجد الآخرون أنفسهم في مأزق، فبايع منهم من بايع، ورفض من رفض.

(١) السيرة النبوية لابن هشام: ٤ / ٣٣٨، الرياض النضرة: ١ / ٢١٤.
١٠٨
ولذلك اعتبرها عمر (رض) نفسه فلتة غير أن الله وقى شرها (١) كما اعتبرها الضحاك بن خليفة " فلتة من فلتات الجاهلية " (٢).

ولما رأى أبو بكر (رض) نفسه أنه لا إجماع على أحد من الموجودين عرض تقسيم السلطة بينهم وبين الأنصار فقال:

(نحن الأمراء وأنتم الوزراء لا بمشورة ولا نقضي دونكم الأمور) (٣). وهو ما رفضته الأنصار، ورأت المشاركة المتساوية في الحكم (منا أمير ومنكم أمير).

ولأن السياق الذي تمت فيه البيعة، والطريقة التي حسمت بها القيادة لم تكن مقنعة. ندم أبو بكر (رض) على تقمصها حين حضرته الوفاة اقتضاء لطبيعة النفس البشرية، وتمنى هو سأل رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام عمن ينبغي أن تؤول له القيادة بعد وفاته (٤).

فإن صحت هذه الرواية فهي دليل على أنه هو نفسه كان في شك من أحقيته بالقيادة بعد رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام.

وفي هامش " علي وما لقيه من صحابة الرسول " بقلم المعلق يقول: وهو في ص ٧١ ج ١ ط ١ كذلك.

وقد أشرنا قبل صفحتين - إلى أن في " تاريخ الشعوب الإسلامية " تعليقة سنأتي بها حيث مكانها المناسب وهي في ص ١٥ من المصدر وهذه هي:

(ولقد ذهب لامنس في كتابه " دراسات عن عصر الأمويين " كما ذهب قبل ذلك في مجموعة الكلية الشرقية في " بيروت " ج ٤ ص ١١٣ وما يلي: إلى أن هذا

(١) الطبري: تاريخ الطبري: ٢ / ٤٤٦ ط مصر ١٩٣٩ م.

(٢) نفس المصدر: ٢ / ٤٥٩.

(٣) نفس المصدر: ٢ / ٤٥٨.

(٤) نفس المصدر: ٢ / ٦١٩ - ٦٢٠.

١٠٩
المثلث، قد حاول في حياة النبي، أن يحد من نوعية الأوتوقراطية ثم يسترسل المعلق فيقول:

وقد مر بنا في نهاية ما نقل عن " تاريخ العرب المطول " قوله:

" ولعل مبايعة أبي بكر كانت نتيجة اتفاق بينه وبين عمر " - الخ.

ثم يسترسل المعلق فيقول: وهناك نصوص تاريخية سبقت هذين، أشارت إلى إبرام أمر مسبق، حول الخلافة، وأن ما حدث لم يكن وليد ساعته. ومن تلك النصوص، هذان النصان الشعريان:

ولكن أمرا كان أبرم بينهم * وإن قال قوم: فلتة غير مبرم
زعموها فلتة فاجئة... * لا ورب البيت والركن المشيد!
إنما كانت أمورا نسجت * بينهم أسبابها نسج البرود (١)

وفي كتابي جواب من معاوية لمحمد بن أبي بكر، ما يشير إلى الاتفاق - ثنائيا - حيث جاءت فيه هذه الفقرة:

" فقد كنا وأبوك معنا، في حياة نبينا، نرى حق ابن أبي طالب لازما لنا وفضله مبرزا علينا، فلما اختار الله لنبيه ما عنده، وأتم له ما وعده، وأظهر دعوته، وأفلج حجته قبضه الله إليه... فكان أبوك وفاروق أول من ابتزه وخالفه...

على ذلك اتفقا واتسقا... ثم دعواه إلى أنفسهما، فأبطأ عنهما، وتلكأ عليهما، فهما به الهموم، وأرادا به العظيم، فبايعهما، وسلم لهما لا يشركانه في أمرهما، ولا يطلعانه على سرهما حتى قبضا، وانقضى أمرهما... " (٢).

* * *

(١) يراجع شرح النهج ١ / ١٢٧.

(٢) شرح النهج ١ / ١٢٣ وعبد الله بن سبأ ١ / ٣٨٤ باختلاف بسيط - مسندا لمصادر عدة.

١١٠
ولعلي (عليه السلام) إشارة لذلك، أو هي إيماءة، حيث قال بعد تظلم وتشكي:

" ولولا خاصة ما كان بينه وبين عمر، لظننت أنه لا يدفعها عني ".

وأشير للاتفاق السري المسبق، في " النص والاجتهاد " ص ٨ وأن من دعائمه عويم بن ساعدة الأوسي، ومعن بن عدي حليف الأنصار، وهما - مع دخولهما في الاتفاق السري هذا - يحملان البغض والشحناء لسعد بن عبادة وهما اللذان انسلا من اجتماع السقيفة، وأنهيا خبرها إلى عمر، وهو لأبي بكر.

كما أشير إليه بين العمرين، وابن الجراح في " الإمام الحسين " الحلقة الثانية للعلائلي ص ٢٤٢.

أقول: ويؤيد - الاتفاق الثلاثي المسبق - ما ذكره الأستاذ إسماعيل المير علي في كتابه قال:

تسلم أبو بكر... الخلافة الإسلامية... بعد اتفاق تم بينه وبين عمر بن الخطاب، وأبي عبيدة الجراح. (١) ويؤيد ما أوردناه أيضا ما ذكره الأستاذ أحمد الشرباصي وقال:

لقد وقف عمر في المسجد يعرض كتاب أبي بكر وهو مغلق على القوم وقال:

هذا كتاب أبي بكر فقام أحد الحاضرين وقال له:

أتعلم ما فيه يا عمر؟ قال: لا.

قال: " ولاك أبو بكر هذا العام، ووليته عام أول " فلم يتقاصر فرد من القوم أن يصرح بما في نفسه... وانجلى الأمر عن أن عمر تلى كتاب: استخلافه من أبي بكر (٢).

(١) خلفاء محمد ص ٨٧ ط بيروت.

(٢) أنظر: مجلة لواء الإسلام القاهرية ص ٣٨٧، السنة ١٤ العدد ٦.

١١١
وقال إمامنا وسيدنا أمير المؤمنين علي (عليه السلام) - لما أخذوه لبيعة أبي بكر -:

" أنا عبد الله وأخو رسول الله، أنا أحق بهذا الأمر منكم، لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي. فيقول عمر: لست متروكا حتى تبايع، فيقول علي:

إحلب يا عمر حلبا لك شطره، أشدد له اليوم أمره ليرده عليك غدا " (١).

فيظهر من كلام الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) لعمر:

إحلب يا عمر... إلخ أن بين الخليفتين اتفاق سابق قد حصل حول تولية الخلافة واحدا بعد واحد.

ويقول الأستاذ عبد الفتاح عبد المقصود: هل هو تآمر؟

لئن كان، فإنه إذن له جناحان...

جناح جورهم، من ناحية، على ذلك الأجدر بالإمرة.. يتمثل في سلوكهم نحو " علي ".. فإذا هو تآمر " سياسي " غاية الغايات منه احتياز السلطان، أو بالتعبير المكشوف العاري، إثرة دفعتهم إلى اقتناص السلطان..

وجناح جورهم، من ناحية على رسول الله.. يتمثل في سلوكهم نحو المفروض في اتقائهم خدش وفائهم له، عليه الصلاة والسلام.. فإذا هو تآمر " أدبي " أهون مظاهره وآثاره هذا السلطان..

إلى أن يقول:

اعتبار خلافة أبي بكر إنما قامت بمفهوم سياسي أو على أسس سياسية، لا بمفهوم ديني أو على أسس دينية..

(١) أنظر: الإمامة والسياسة ١ / ١٢ ط مصر، شرح النهج لابن أبي الحديد ٢ / ٥ ط مصر الأولى.
١١٢
فإن تصدى اثنيهم (١) هذين لترشيح ثالثهم (٢) وكأنهما وكيلان عن المهاجرين فضلا عن المسلمين وليسا كذلك..

لهو أمر فيه ما فيه..

كذلك فإن خلو ميدان " الانتخاب " خلوا مطلقا من آل بيت الرسول - إن لم نقل الحرص على إخلائه منهم - ليس عسيرا أن يدخل في تبعة أبي بكر وعمر وأبي عبيدة قبل أن يسند حدوثه للظروف.

بل أنه ليجعل اختيار أبي بكر خليفة تعيينا ممن لا يملك حق التعيين، فلا شورى ولا انتخاب..

ولقد نسب إلى علي في هذا المعنى شعر يخاطب به أبا بكر، فيقول:

" فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم * فكيف بهذا والمشيرون غيب؟.. "

وما أصدقه من قول، وما أليقه بمطابقة واقع الحال..

فإذا غفر لهم هذا الذي ظهر من استئثارهم بالترشيح، فبالاختيار، فبالبيعة للفاضل الجدير وليس للأفضل الأجدر، لوقوع سلوكهم هذا في دائرة الفعل المبرر، أو الطموح المباح، أفلا يعتذر لبعض الأفهام.

لو رأت في وسيلتهم المستخفية التي أبلغتهم هدفهم دون إعلام آل بيت الرسول، نوعا من التبييت أو الائتمار؟..

تبعا لهذا، لا محل لعجب عاجب أن سدرت تلك الأفهام في ظنها إلى طرف الجناح الثاني للجور: جناح التآمر " الأدبي " على الرسول من هؤلاء النفر الذين

(١) يقصد الأستاذ به اثنيهم هنا: أبو بكر وعمر.

(٢) يقصد الأستاذ به: أبو عبيدة بن الجراح.

١١٣
تسامع الناس كافة، ونقل التاريخ، أنهم كانوا - من بين صحب محمد عليه الصلاة والسلام - أقرب إليه، وأحرى بأن يمحضوه صدق الولاء في مماته كما في حياته سواء بسواء..

طائفة غير قليلة من المسلمين (١)، كما نعلم تعتقد اعتقادا جازما غير مقلقل أن أبا بكر وعمر وابن الجراح قد عملوا على احتياز الخلافة لأولهم، ومحمد ما زال حيا لما يذهب إلى ربه.

وهل من المعقول أن تجمع الروايات أو تكاد، على أن " معظم المهاجرين وجل الأنصار " كانوا لا يشكون عندما ذاع بالمدينة نبأ وفاة الرسول، في أن الأمر صائر لا محالة إلى علي ثم يكون تيقن هؤلاء " المعظم والجل " وعدم شكهم مجرد هوى خاص وليس صدى لرأي فهموه أو تناقلوه عن النبي الكريم.

هذا عسير، وذاك عسير.

كلا الأمرين من وراء ظهر الرسول لاحتياز سلطانه يناقض تمام المناقضة طبيعة الوفاء في الخلائق النقية.

وما هنا مجال دفاع عن هؤلاء الصحاب (٢).

وقال ابن أبي الحديد: وروى ابن عباس قال:

خرجت مع عمر إلى الشام في إحدى خرجاته فانفرد يوما يسير على بعيره فأتبعته فقال لي يا بن عباس: أشكو إليك ابن عمك. سألته أن يخرج معي فلم يفعل، ولم أزل أراه واجدا، فيم تظن موجدته قلت: يا أمير المؤمنين إنك لتعلم. قال: أظنه لا

(١) يقصد الأستاذ بهذه الطائفة هي: الشيعة الإمامية.      - المؤلف -

(٢) السقيفة والخلافة ص ٢٤٨ - ٢٦٥.

١١٤
يزال كئيبا لفوت الخلافة. قلت: هو ذاك. إنه يزعم إن رسول الله " أراد الأمر له. فقال يا بن عباس:

وأراد رسول الله " الأمر له فكاد ماذا، إذا لم يرد الله تعالى ذلك. إن رسول الله أراد ذلك، وأراد الله غيره، فنفذ مراد الله تعالى، ولم ينفذ مراد رسوله.. " وقد روي معنى هذا الخبر بغير هذا اللفظ وهو قوله: إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أراد أن يذكره للأمر في مرضه فصددته. (١) ومن نصوص وصية النبي الصريحة بالإمامة لعلي:

عن محمد بن حميد الرازي - وقد وثقه الأئمة: أحمد، والترمذي، ويحيى، وابن جرير الطبري، والبغوي -:

عن أبي بريدة: " لكل نبي وصي، ووارث وإن وصيي، ووارثي علي بن أبي طالب ". ومثله بالمعنى مروي عن سلمان الفارسي.

وقال عليه الصلاة والسلام لفاطمة:

" يا فاطمة: أما ترضين أن الله عز وجل اطلع إلى أهل الأرض فاختار اثنين أحدهما أباك، والآخر بعلك ".

وعن ابن عباس أن الرسول قال لها:

" أما ترضين أني زوجتك أول المسلمين إسلاما، وأعلمهم علما، وإنك سيدة نساء أمتي كما سادت مريم نساء قومها، أما ترضين يا فاطمة أن الله اطلع إلى أهل الأرض فاختار رجلين أحدهما أباك، والآخر بعلك؟ " (٢).

(١) شرح نهج البلاغة: ٣ / ١١٤ ط الحلبي مصر.

(٢) (الإمام جعفر الصادق ص ٢٥٣ طبع المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة عام ١٣٩٧ هـ - ١٩٧٧ م)

١١٥
ثم قال الأستاذ: أنا لا أستبعد حدوث الاتفاق على الخلافة بين أبي بكر وعمر في مرض الرسول (١) وأن الخلافة من حق الإمام علي وأنها بهذا النحو انتزعت منه (٢) وإنه أحق بها منهما ومن كافة المسلمين كما ذكر ذلك في كتابه الجديد (٣) وقال:

ألفت كتابا في موضوع " السقيفة " وسيتم وأنا أعرف أحقية الإمام علي في الخلافة من سلوكه، ونشأته، وأيام حياته ثم قال:

إني دعيت إلى العراق لإلقاء محاضرات في كلية الفقه في النجف الأشرف وسوف أسافر إلى العراق بعد عيد الفطر إن شاء الله. ثم قال:

إنني مع إيماني العميق بما ورد في فضل الإمام الحسين، وما صور جوانب طفولته من أحاديث، الكتابة عنه تكون مبتورة ما لم استخلص شخصيته من سلوكه وأعماله، في طفولته وصباه. لأن الطفل في إعتقادي - وكما يقول المثل - هو أبو الرجل.

ثم سألت الأستاذ عن رأيه في الفتوى التي أصدرها الأستاذ الأكبر (٤) الشيخ

(١) صرح الأستاذ بهذا يوم زيارتي له في منزله بالإسكندرية وكان معي الأستاذ عبد الله الخنيزي مؤلف كتاب: " أبو طالب مؤمن قريش " والأستاذ عبد العزيز سلام شاعر جمعية أهل البيت بالقاهرة وكان ذلك في يوم الجمعة ١٦ أغسطس عام ١٩٧٣ م.

(٢) ويؤيد كلام الأستاذ هذا قول إمامنا وسيدنا أمير المؤمنين وسيد الوصيين علي بن أبي طالب (عليه السلام): " فنظرت فإذا ليس لي معين إلا أهل بيتي، فظننت بهم عن الموت، وأغضيت على القذى، وشربت على الشجى، وصبرت على أخذ الكظم، وعلى أمر من طعم العلقم " شرح النهج لابن أبي الحديد ١ / ٦٢ الخطبة ٢٥ الطبعة الأولى بمصر.

(٣) السقيفة والخلافة وهو كتاب فريد في بابه، نادر في موضوعه موفق في عرض آرائه يبين بالأدلة العقلية أحقية الإمام علي (عليه السلام) بالخلافة.

(٤) عام ١٩٥٩ م ونشرتها: دار التقريب بين المذاهب الإسلامية في مجلتها: (رسالة الإسلام) بالقاهرة في السنة ١١ في العدد ٣ ص ٢٢٧ وتجد صورة الفتوى الزنكوغرافية موقعة بتوقيع المرحوم الشيخ شلتوت - ص ٤٨ في هذا المجلد ضمن محاوراتنا مع فضيلته عام ١٩٥٨ م.

١١٦
محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر عند رئاسته للأزهر الشريف في جواز التعبد بمذهب الشيعة الإمامية فقال:

لا أرى في المذاهب المعروفة في تعددها سوى أنها الوسيلة لتفسير ما غمض على المسلمين من أحكام الإسلام، ومن هنا فمن حق مذهب الشيعة الإمامية أن يكون في نفس مستوى مذاهب السنة فلا يغفل أمره، ولا حرج في رأيي على سني يأخذ بما فيه هو أولى به من سواه إذا علمنا أن منبعه الأصلي هو الإمام علي بن أبي طالب أعلم الناس بدين الإسلام بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).

وفي رحلتي إلى القاهرة عام ١٩٧٥ م كنت قد صحبت معي كتاب " ثورة الحسين (عليه السلام) " مع كتاب: " دراسات في نهج البلاغة " أهداهما مؤلفهما سماحة العلامة الكبير الشيخ محمد مهدي شمس الدين (١) لسيادة الأستاذ الكبير عبد الفتاح حملتهما

(١) درس في النجف الأشرف - العراق، وتخرج على أكابر علمائها من أمثال آية الله الإمام الحكيم، وآية الله الإمام الخوئي، وآية الله الشيخ عباس الرميثي (رحمه الله) والذي كان من كبار فقهاء الشيعة الإمامية وكان يسكن في مدينة النجف الأشرف - العراق وهي محط رجال جهابذة العلماء منذ ألف عام والمركز الرئيسي الديني، والعلمي والثقافي للشيعة الإمامية. وقد أرخ وفاة آية الله الرميثي صاحب الفضيلة المرحوم الخطيب البارع الشيخ محمد علي اليعقوبي (*) النجفي شعرا (بالخلد يا عباس مثواكا) له حاشية: على العروة الوثقى لآية الله الفقيه السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي (مخطوطة) وله حاشية على (بلغة الراغبين في فقه آل يس).

وله أيضا مجموعة كبيرة من الفتاوى مخطوطة وتحتوي على كثير من المسائل الفقهية المتنوعة شاهدتها في مكتبة الأخ الفاضل السيد طالب الرفاعي بالقاهرة. (*) مؤلف كتاب " البابليات " في أربعة أجزاء وكتاب " الذخائر " مجموعة شعرية في مدح ورثاء أهل البيت (عليهم السلام) وله ديوان شعر كبير باسم: " ديوان اليعقوبي " ونقد كتاب: " شعراء الحلة " للأستاذ علي الخاقاني " المقصورة العلية في السيرة العلوية ": شعر " عنوان المصاب في مقتل الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) " " جهاد المغرب العربي " وله تحقيق مجموعة من الدواوين كالجعفريات، وديوان الحاج حسن القيم، والشيخ صالح الكواز الحلي والحاج عباس الملا علي البغدادي النجفي والشيخ عبد الحسين شكر والشيخ محمد حسين أبي المحاسن، والشيخ يعقوب الحاج جعفر النجفي الحلي وغيرها وله: القصيدة الأولى التي ألقيت سنة ١٣٨٠ هـ في الحفل الكبير الذي أقيم في جامع الهندي في النجف الأشرف بمناسبة ميلاد الإمام الحسين ابن علي (عليهما السلام).

- المؤلف -

١١٧
معي لإيصالهما لسيادته حيث إنه رغب في كتابة موضوع عن الإمام الحسين (عليه السلام) كما أخبرني في رحلتي إلى القاهرة عام ١٩٧٤ م.

مواجهة بعض الصحابة وفيهم أبو بكر وعمر
للرسول عند احتضاره ومن جدالهم بحضرته أنشأت السقيفة

وقال الأستاذ الكاتب المصري صالح الورداني تحت عنوان: " بين المرض والوفاة "

روى البخاري عن ابن عباس أنه قال: يوم الخميس.. وما يوم الخميس؟

اشتد برسول الله ((صلى الله عليه وسلم)) وجعه: فقال: إئتوني أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا. فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع: فقالوا ما شأنه أهجر استفهموه. فذهبوا يردون عليه. فقال دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه. وأوصاهم بثلاث.

قال أخرجوا المشركين من جزيرة العرب. وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم.

وسكت عن الثالثة أو قال فنسيتها..

وفي رواية: لما حضر رسول الله ((صلى الله عليه وسلم)) وفي البيت رجال: فقال النبي هلموا أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده. فقال بعضهم أن رسول الله قد غلبه الوجع وعندكم القرآن.

حسبنا كتاب الله. فاختلف أهل البيت واختصموا. فمنهم من يقول قربوا يكتب لكم

١١٨
كتابا لا تضلوا بعده. ومنهم من يقول غير ذلك. فلما أكثروا اللغو والاختلاف. قال رسول الله: قوموا.

قال ابن عباس: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب لاختلافهم ولغطهم.. (١).

وفي رواية ثالثة عن ابن عباس: لما اشتد بالنبي وجعه قال: إئتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده. قال عمر:

إن النبي غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا. فاختلفوا وكثر اللغط. قال:

قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع. فخرج ابن عباس يقول: أن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين كتابه.. (٢).

وقال القرطبي وغيره:

إئتوني أمر وكان حق المأمور أن يبادر للامتثال. لكن ظهر لعمر مع طائفة أنه ليس على الوجوب وأنه من باب الإرشاد إلى الأصلح فكرهوا أن يكلفوه من ذلك ما يشق عليه في تلك الحالة مع استحضارهم قول الله تعالى (ما فرطنا في الكتاب من شئ) وقوله: " تبيانا لكل شئ)...

أمامنا بعض النتائج التي من الممكن أن تقودنا إلى حل بعض النقاط الغامضة المتعلقة بوصية الرسول فرواية ابن عباس المتعلقة بطلب الرسول كتابة كتاب تهتدي به الأمة بعد وفاته التزم أمامها أهل السنة بسياستهم التبريرية المعتادة لذلك السلوك وتلك المواقف المتناقضة مع روح الإسلام ومع العقل التي سلكها الصحابة وفي

(١) البخاري كتاب العلم وانظر كتاب المرضى. وانظر مسلم كتاب الوصية ومسند أحمد:

١ / ٣٥٥.

(٢) المراجع السابقة.

١١٩
مقدمتهم عمر أمام نبيهم مما هو واضح من خلال أقوالهم التي عرضناها والتي ترتكز في صميمها على هدم أية محاولة لتفسير النص تفسيرا يمس الصحابة ولو بشئ من النقد حتى لا تهتز صورتهم في أعين الناس فيفقدوا قدوتهم وتضيع مثاليتهم حتى لو أدى ذلك إلى الجام العقل وتكبيله. فالعقل لا يمثل أهمية كبيرة عندهم ولو كانوا يحترمونه ما اخترعوا كل تلك القواعد التي تزجره عن الخوض في خلافات الصحابة أو في النصوص المنسوبة للرسول الخاصة بطاعة الحكام أو تلك المتناقضة مع القرآن والتي هي صحيحة بطرقهم.. (١).

وقد نقل ابن حجر أن المقصود بالكتاب في حديث ابن عباس هو تعيين الخليفة (٢).

وقال عياض: معنى كلمة هجر التي ذكرها عمر: أفحش. يقال هجر الرجل إذا هذى. وأهجر إذا أفحش.. (٣).

إذا كان معنى كلمة هجر بهذه الصورة فهل يحق لصحابي أن يقولها لنبيه..؟

يقول ابن حجر: وقوع ذلك عن النبي ((صلى الله عليه وسلم)) مستحيل لأنه معصوم في صحته ومرضه لقوله تعالى (وما ينطق عن الهوى..) (٤).

فهل كان عمر يجهل أن الرسول معصوما..؟

وليت أهل السنة يسيرون في تأويل مواقف الصحابة على أساس القرآن كما

(١) أنظر لنا: العقل المسلم. وانظر: العواصم من القواصم.

(٢) فتح البارئ ١٣ / ٢٠٦.

(٣) المرجع السابق.. الرضوي: وقد قال (صلى الله عليه وآله وسلم) كما ورد في الحديث القدسي من آذى لي وليا فقد استحل محاربتي. كنز العمال: ١ / ٢٣٠ رقم الحديث ١١٥٧ مسند الإمام أحمد بن حنبل:

٦ / ٢٥٦.

(٤) المرجع السابق.

١٢٠