×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

المعرفة والمُعرّف / الصفحات: ٢١ - ٤٠

تجاههم أفكاراً مسبقة.

فقال: لا والله، ولكنّي أقول ما هو واقع، إنّي أتمنّى أن أجد مخلصاً ممّا أنا فيه، فإنّي في حيرة لاتدري بها، ثمّ أطرق لحظات برأسه محاولا مداراة ألمه وحيرته، ثمّ نظر لي بتعجّب واستفهام قائلا: ولكن، أو لست أنت واقعاً في هذه الحيرة؟!

قلت: لا.

فقال: لا، كيف؟!

قلت: الأمر بسيط للغاية، يحتاج إلى تجرّد وتعقل فقط، فإذا تجرّدت وتعقّلت أبصرت مالا يبصره غيرك، فبدى عليه الاهتمام والتأمّل بشدّة في الكلام.

فقال لي: بالله عليك إلاّ ما بصّرتني بما أورثك كلّ هذه الطمأنينة والثقة واليقين.

المعرِّف وهدف الخلقة


قلت: لنعود إلى الوراء، إلى حيث المبدأ من بعيد، إلى بدء وجودنا، فنحن نعلم بوجودنا كمخلوقات لابدّ وأن يكون لنا خالق، ونعلم كذلك أنّنا لم نخلق أنفسنا، ولا خلقنا من هو مثلنا، فتعيّن أنّ لنا خالقاً واحداً، أحداً، عالماً، وحكيماً، وقادراً، قيّوماً ومن هذه صفته فله هدف وغاية من إيجادنا ; لأنّه لا يجوز عليه ـ على ما وصفنا ـ العبث واللهو واللعب، فوجب على كلّ عاقل أن يسأل نفسه: ما غاية خلقنا؟

٢١
فالعقل عندما يرى نعم خالقه متواترة عليه في نفسه والكون من حوله، لا يملك سوى الانحناء لخالقه إجلالاً وتعظيماً وشكراً له وحياء منه، هذا ما يدركه عقله ويوجبه عليه ويدرك أنّ الخالق سبحانه لم يخلق هذا الكون وهذا الانسان عبثاً وقد بيّن تعالى في كتابه الكريم هذا المعنى فعندما نرجع إلى كلامه جلّ وعلا نراه محكماً في معناه حيث قال سبحانه: {وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإنْسِ إِلاّ ليَعْبُدونِ}(١).

فعلمنا أنّ مراده «جلّ وعلا» عبادته وطاعته والانقياد له، وإذ لا يمكن أن يترك الله لنا الخيار للوصول إلى ما أراد ; لأنّ العقول متفاوتة في الإدراك، وكلّ سيدرك هدفاً غير الآخر، بينما الهدف واحد، ولا يمكن أن يتعدّد، لذا اختار الله من بين البشر أُناساً لهم صفات معيّنة ليقوموا بهذا الدور الإرشادي التوجيهي، وليبلّغونا غاية خلقنا كما أرادها ربّ العالمين جلّ وعلا.

هنا قال صاحبي: ولم لا يهدينا الله بشكل مباشر، إذ هو قادر على أن يهدي كلّ إنسان بطريقة أو بأُخرى؟

قلت: لا يمكن ذلك ; لأنّ الله ـ سبحانه وتعالى ـ أراد من وجودنا في هذه الحياة أن يختبرنا، ومعنى الاختبار أن يكون الإنسان في وضع الاختيار بين طرف وآخر، أو بين أطراف متعدّدة.. المهمّ أنّ الاختبار الموجّه للإنسان يتضمّن الاختيار الإنساني، أي: أنّ الله

١- سورة الذاريات: ٥٦.

٢٢
ـ سبحانه وتعالى ـ خلقنا وهيّأ لنا الحياة الطيّبة على الأرض {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا}(١) لكي يترك زمام الاختيار إلى الإنسان نفسه ; لأنّ الإنسان يختلف عن الملائكة وعن الحيوانات الأخرى، فهو يتمتّع بميّزتين معاً: العقل والقوّة الشهوانيّة، وهما معاً لا يوجدان في الملائكة ولا الحيوان، لذا الإنسان هو الوحيد (ومعه الجن) المكلّف، ويترتّب على هذا التكليف جزاء إمّا الثواب أو العقاب، فكان من الطبيعي أن يترك الإنسان إلى اختياره ليحدّد مصيره بكامل إرادته، وذلك بعد أن بيّن الله تعالى له أنّ في الدنيا طريقين {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً}(٢).

الآن يواجهنا سؤال هامّ للغاية، وهو كيف نعبد الله تعالى؟ فإذا كان الهدف هو العبادة فبأيّ طريقة وكيفية تتحقّق؟

والجواب المنطقي على ذلك هو بالمعرفة، أي أنّنا لا يمكننا أن نعبد الله تعالى إلاّ إذا عرفناه، فبقدر المعرفة تكون العبادة، لذا قال تعالى {إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاء إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ}(٣) فكلّما ارتقى الإنسان في المعرفة الإلهيّة كانت عبادته أرقى وأكمل، فمعرفة الله سبحانه هي أساس العبادة، إذ قد يعبد الله تعالى من لا يعرف الله، ولا يعرف صفاته، ولا أوامره ونواهيه، ولا يعلم أيّ طريق فيه رضاه،

١- سورة الكهف: ٧.

٢- سورة الإنسان: ٣.

٣- سورة فاطر: ٢٨.

٢٣
وأيّها فيه غضبه ـ جلّ وعلا ـ لذا رفع الله العلماء {يَرْفَعِ اللهُ الَّذينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذيِنَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَات وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}.

وقال تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الاْخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الاَْلْبَابِ}(١).

وعلى مدار التاريخ الإنساني وجدت طوائف كثيرة تعبّدت لله بطرق اخترعوها من تلقاء أنفسهم، فضلّوا الصراط السوي ; لأنّ العالِم بحقائق الأمور، والعالِم بما فيه مصلحة الإنسان وما فيه ضرره هو الله تعالى، لذا انحصر طريق العبادة بما يعرّفنا به الله تعالى، وكما ذكر من قبل بأنّ الحياة هنا حياة امتحان، وأنّ الله تعالى ارتضى لنا طريق عبادته، فكان من تمام رحمته ـ جلّ وعلا ـ أن يدلّنا على كيفيّة عبادته، أيّ أن يعرّفنا ذلك، فكان لابدّ من معرِّف ; لكي لانخطأ الطريق، ولئلاّ يكون للناس على الله حجّة، وهو ـ سبحانه ـ له الحجّة البالغة على الخلق أجمعين ; ولأنّ الله حكيم منزّه عن العبث سبحانه.

وهكذا كان، فأبو البشر (عليه السلام) هو أوّل معرِّف وجد في أوّل مجموعة بشريّة على وجه الأرض، واحتفظت تلك المجموعة بإيمانها إلى أن تكاثروا فهجم التفكير المنحرف عليهم، فأوردهم موارد شتّى كل اختار طريقاً، وتيقّن أنّ النجاة في سلوكه، فاقتضت رحمة الله تعالى وحكمته بعث معرِّف يعرِّف خلقه معالم الطريق ; وحتّى يكونوا على

١- سورة الزمر: ٩.

٢٤
بصيرة من أمرهم، قال تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ}(١) فعلى هذا علّة الخلق العبادة، وعلّة وجود المعرِّف بيان الطرق الصحيحة للمعرفة والعبادة التي يرضاها الله تعالى.

قال صاحبي: لو فرضنا عدم وقوع الاختلاف في معرفة الحقيقة والعبادة الصحيحة، فهل يعني ذلك عدم الاحتياج للمعرِّف؟

قلت: نعم، مادام المجتمع البشريّ مجمعاً على «الصراط المستقيم» فلا حاجة للمعرِّف بعد ذلك، ولمّا كان الاختلاف بين الناس وهو طبيعة بشريّة، اقتضى ذلك وجود المعرِّف دائماً ; ليبيّن الحق من الباطل، وليكون حجّة على العباد.

وفي هذا الأمر يقول الله تعالى:

{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ}(٢) فالاختلاف باق ما بقي البشر إلاّ من رحمهم الله بالاجتماع على الحق الذي عرّفهم إيّاه المعرِّف، ولذلك خلقهم.

فالاجتماع على العبادة هو هدف الخلقة، ولذا نقرأ كلّ يوم في

١- سورة البقرة: ٢١٣.

٢- سورة هود: ١١٨ ـ ١١٩.

٢٥
صلاتنا الخمس في فاتحة الكتاب: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}(١)، فمادام الاجتماع على العبادة لا يتمّ إلاّ بوجود المعرِّف، حيث يجتمعون بسببه على الحق، وعلى دين الله سبحانه، كان بوجود المعرِّف رحمة الله تعالى. فالرحمة تدور مدار الاجتماع على دين الله تعالى، والاجتماع يدور مدار وجود المعرِّف وعدمه، فالرحمة تدور مدار وجود المعرِّف وعدمه، فحجج الله تعالى رحمة الله في خلقه، وهم محلّ الرحمة الإلهيّة، قال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِىّ وَلاَ نَصِير}(٢) الآية الكريمة قسّمت الناس إلى قسمين: المرحومين والظالمين.

المرحومون هم من اجتمعوا على دين الله بهداية المعرِّف وما عداهم فهم الظالمون.

إذن فهدف بعث الرسل هو تصحيح المسار وتوضيح معالم المحجّة، تلك كانت مهمّتهم، والعلّة الغائيّة لإرسالهم، قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّة رَسُولا أَنْ اُعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلاَلَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ}(٣) وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ

١- سورة الفاتحة: ٥.

٢- سورة الشورى: ٨.

٣- سورة النحل: ٣٦.

٢٦
كتاب المعرفة والمعرِّف لـ حسام الدين أبو المجد (ص ٢٧ - ص ٤٧)

٢٧

تفويض اختيار المعرِّف مستحيل


وطالما أنّ المعرِّف له الخصوصيات المتقدّمة فإنّ تعيينه يتطلّب دقّة متناهية في الاختيار، أي لابد وأن يكون أكمل أهل زمانه، وأفضل من بعث لهم، فالمرسِل ـ عرفاً ـ يرسل أفضل رسول لديه ينطق عنه، فبالرسول يستدلّ على المرسِل، وهنا المرسِل هو الكامل المطلق فلابدّ وأن يكون الرسول أقرب الخلق إليه، ومَن هكذا صفته أنّى للبشر اختياره، مهما بلغوا من كمال إلاّ أن يكونوا على حدّ المعرِّف نفسه، فتنتفي حينئذ فائدة بعثه، فالمرسِل يجب أن يكون هو الذي يختار المعرِّف ; لأنّه هو وحده العارف به وهناك نماذج عديدة لمحاولات البشر في تعيين مصيرهم وطريقهم للسعادة ولكنها بائت بالفشل.

فالاختيار إذن لله وحده، متعلّق به كإله وربّ لنا، يستحيل أن يتعلّق بغيره، وفي ذلك يقول الله سبحانه بأوضح بيان: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}(١) فالخلق والاختيار له سبحانه {مَا كَانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ}

١- سورة القصص: ٦٨.

٢٨
فالاختيار شأن خاصّ بالله، فيجب التسليم المطلق لاختيار الله ـ سبحانه ـ وإلاّ وقعنا في دائرة الشرك بالله، فمن اختار معرِّفاً وهادياً دون الرجوع لله سبحانه، فهو مشرك بالله تعالى، معنى ذلك أنّ رحمة الله تقتضي إرسال المعرِّف، وتعريفه لخلقه ; لتكتمل الحجّة عليهم، وتنقطع أعذارهم.

٢٩

علامات المعرِّف


ثمّة أمران يعرف بهما المعرِّف ـ هذا مع كماله في نفسه، وأهليته لذلك، وهذا غنيّ عن البيان ـ وهما: ادّعاؤه الرسالة، وإتيانه بالمعجز، وهو البيّنة على دعواه، فلو تمّ الأمران وجب التسليم لذيهما بلا أدنى ريب.

وهذا المعرِّف الذي يأتي بالرسالة مقترنة بالآية (المعجزة) يسمّى بـ (الرسول) فإذا انتهت مدّة حياته في الدنيا قام مقامه من يسمّى بـ (الإمام)، فالمعرِّف هو: رسول الله وهو ميلاد الرسالة وبدؤها، وإمام وهو استمرار وامتداد للرسول والرسالة، ولابدّ وأن يكون كاملا كمال الرسول، واختياره كذلك أمر مختص بالله تعالى كما هو الحال في اختيار الرسول.

قد تستفسر: هل يجب أن يكون الإمام بهذه الصفة؟ وبأيّ دليل؟

والجواب على ذلك واضح بعد ما تقدّم بيانه حيث الاختلاف طبيعة لازمة من اجتماع البشر، نظراً لتفاوت العقول، ورحمة الله وحكمته تقتضيان وجود معرِّف يعرِّفهم وجه الحق والصواب فيما اختلفوا فيه، ونفس البيان آنف الذكر يرد هنا.

٣٠
فاتضح أنّ الإمام يجب أن يكون أكمل أهل زمانه، وإلاّ انتقض الغرض، وانتفت فائدة نصبه، إذن عدم وجود الإمام معناه عمليّاً موت الرسالة وهلاك البشر، وعدم كونه كاملا يؤدّي إلى نفس النتيجة، فوجود الإمام الكامل هو المتعيّن.

إذن وجب أن يكون هناك معرِّف طالما هناك بشر سواء كان رسولا أو إماماً.

قال صاحبي: هناك فرق بين الرسول والإمام، فالرسول يأتي بكتاب فيه تبيان كلّ ما تحتاجه اُمّته، فوجود الإمام زائد عن الحاجة، فقبل الرسول لم يكن هناك كتاب يرجع إليه عند الاختلاف، فألحّت الحاجة إلى وجوده وقد أورث أمّته هذا الكتاب، يرجعون إليه في قضاياهم ومنازعاتهم، فقياس حاجة البشر إلى إمام بحاجتهم إلى رسول قياس مع الفارق.

قلت: إذا كان الكتاب كافياً في حسم النزاعات، وتبيين الحقائق بلا مبيّن فما الذي حدث بعد وفاة أو استشهاد النبي؟ ما الذي حدث في أمّته؟ فقد وقع اختلاف صارخ في القضايا الأصليّة والمصيرية، فضلا عن القضايا الفرعيّة والثانوية، هذا مع ادّعائهم كافّة الاعتصام بالكتاب، وإسناد معارفهم إليه!

إنّ وجود الكتاب مع عدم اقترانه بشارح ومترجم لمعانيه المرادة لا يصدر من حكيم، خاصّة إذا كانت لغته في أعلى قمّة البلاغة والفصاحة والمعارف الإلهيّة، نعم قد يفهم منه بعض القضايا الإجماليّة

٣١
على سبيل اليقين، ولكن في الأمور التفصيليّة كافّة أقصى ما يمكن أن يوصل إليه لا يرقى إلى أدنى درجات اليقين، فلا بدّ من وجود عالم بالكتاب المنزل، يكون هو المرجع في فهمه، ولأنّ غيره من بقيّة البشر ليس لديهم العلم بالكتاب فلا يمكن لهم بحال من الأحوال اختيار العالم به، فالجهل بالمعلوم جهل بالعالم به.

اذن اختيار العالم المرجع الذي هو الإمام لا يخلو إمّا من منزلِ الكتاب سبحانه أو الرسول المنزَل عليه ; لأنّه هو وحده من دون بقيّة البشر عالم بمن هو أعلم بالكتاب، وحيث إنّ الرسول لا يفعل ولا يقول إلاّ بأمر من الله سبحانه فيكون تعيينه للإمام بعده بأمر الله سبحانه وتعالى.

فقال لي صاحبي: ما قلته أمر كلّي وقاعدة عامّة تنطبق على كلّ العصور، وما قلته في ذلك لا غبار عليه، فما جئت به أقوى الحجج، وأكمل البراهين، نوّر الله قلبك كما أنرت قلبي، وأذهب عنك الشكّ والشبهة وآثارهما، كما أذهبت ذلك عن قلبي، غير أنّي أريد معرفة هذا الأمر بعد نبيّنا ورسولنا الأعظم محمّد (عليه السلام) إذ معنى ما ذكرت استمرار وجود المعرِّف بعد رسولنا (صلى الله عليه وآله) معيّناً من قبل الله سبحانه وتعالى.

ثم قال: من هو أكمل أهل زمان الرسول (صلى الله عليه وآله)؟ أليس هو أبو بكر؟ ولكن ما قلته من شرط الكمال غير متحقّق فيه، وهو مقرّ بذلك، فكيف يستخلف الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من هذه صفته؟ وأين المعرِّف في زمننا هذا؟

٣٢
فقلت: وضعت يدك يا صاحبي على الجرح الأعظم، وذكرت المصاب الجلل، وإنّي بتوفيق الله عزّ ذكره لمبيّن لك هذا الأمر بواضح البيان، ومبرهن لك الحق بأظهر برهان، بما لا يدع لك مجالا للشكّ أو الشبهة، ولله الحمد في الأولى والآخرة.

ولكن أسألك بالله ـ عزّ وجلّ ـ أن تسمع كلامي بتفكّر، ولا تجعل لهوى أو عصبيّة سبيلا على عقلك، وأن تدعو الله أن يريك الحق حقاً، ويرزقك اتباعه، وأن يريك الباطل باطلا، ويرزقك اجتنابه، وهو وحده الموفّق والهادي.

٣٣

صفات المعرِّف ومصاديقه


أوّلا: قال أصدق القائلين ـ وقوله شفاء من كلّ داء ـ: {وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}(١) يستفاد من هذه الآية الكريمة ما يلي:

أ ـ إنّ الإمامة عهد من الله سبحانه بما لا يدع مجالا لاختيار بشري، فهي جعل من قبله سبحانه: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً} وهذا كقوله سبحانه في موضع آخر: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}(٢).

ب ـ إنّ هذا العهد وهذا الجعل لا ينال الظالمين سواء كان ظلم النفس، أو ظلم الغير، بأيّ درجات الظلم كما هو معنى الإطلاق من الآية.

ثانياً: قال سبحانه {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ}(٣).

١- سورة البقرة: ١٢٤.

٢- سورة القصص: ٦٨.

٣- سورة الأعراف: ١٨١.

٣٤
والمستفاد منها أنّ ثمّة خلقاً من البشر على امتداد خطّ البشريّة وحيثما كانوا مهمّتهم هداية الخلق، وبسط العدل فيهم، والفعل المضارع {يَهْدُونَ} شاهد على ذلك، وللتدليل على هذا المعنى قال تعالى {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاْخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْر فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ}(١).

{وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ}(٢) {مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ}(٣) وغيرها من الدلائل والإشارات كقوله تعالى {إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْم هَاد}(٤) {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ}(٥). فكلّها دلائل على عدم خلوّ الأمم على طول خطّ وجودها من منذر أو هاد.

وهذه الأمّة التي تهدي الناس إلى الحق، وتبسط فيهم العدل إنّما يهدون بأمر من قبل الله. سبحانه وتعالى، ولذا قال سبحانه {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}(٦) فجعل

١- سورة آل عمران: ١١٣، ١١٤، ١١٥.

٢- سورة الاعراف: ١٥٩.

٣- سورة المائدة: ٦٦.

٤- سورة الرعد: ٧.

٥- سورة البقرة: ١٢٨.

٦- سورة السجدة: ٢٤.

٣٥
الأئمّة من قبله سبحانه، والهداية إنّما هي بأمره سبحانه وفمن كان كذلك وجب اتّباعه، لذا قال تعالى {أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}(١).

ثالثاً: قال تعالى {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ}(٢) والمستفاد من الآية أنّ الله سبحانه وتعالى قد اصطفى من هذه الأمّة عباداً، واختارهم اختياراً ; ليرثوا علم الكتاب الكريم، وليكونوا أهلا لحمله، وهم السابقون بالخيرات. فالمستفاد من مجموع ما ذكر أنّ الإمامة عهد من الله لا يعطى لظالم، فالإمامة تعهد إلى أناس قد اصطفوا من قبله ـ سبحانه ـ ليهدوا بأمره الخلق إلى الحق، ومعنى ذلك أنّ الإمام يشترط فيه أعلى درجات الطهارة، وهي المعبّر عنها بـ (العصمة) وهي عدم الظلم في الآية الأولى، والاصطفاء في الثانية، وأعلى درجات العلم ; إذ لا يعقل الهداية إلى الحق بلا علم به، مع أنّ شرط العصمة وحده كاف، إذ معنى العصمة الكمال، فبعد انقضاء حياة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لابدّ من وجود المعرِّف بعده ; ليبيّن لنا حقائق الكتاب ومعارفه بعده والرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وهذا المعرِّف (الإمام) يجب أن يكون معصوماً عن الظلم، وعالماً بالكتاب كلّه.

١- سورة يونس: ٣٥.

٢- سورة فاطر: ٣٢.

٣٦
وطالما الأمر كذلك فوجب في الحكمة الإلهية تعريفهم لنا ; لئلاّ نضلّ، وهو الغاية، فلنرى إذن من هم أئمتنا بعد رسولنا الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم).

قال سبحانه: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}(١) والذكر هو الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو القرآن، والدليل على الأوّل قوله تعالى: {قَدْ أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً * رَسُولا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللهِ مُبَيِّنَات لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ}(٢).

والدليل على الثاني قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(٣). وكلا المعنيين مراد ; فأهل القرآن عدله، على أعلى مستوى من الكمال الذي يناسب كلام اللّه، فأهل القرآن على علم كامل به، ومن هذه صفته فلابدّ وأن يكون على أعلى قمّة الطهارة.

فأهل القرآن هم مطهّرون وهذا هو المطابق للآية الكريمة {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا}(٤) فالمطهّرون هم المصطفَوْن من العباد، وهم الأمة الذين يهدون بالحق وبه يعدلون ; لأنّ من يعرف الحقّ معرفة كاملة، هم أهل الكتاب الذين أُورثوه، والمطهّرون المصطفون من قبل الله سبحانه، فمَن مِن الأمّة المطهّرون والمصطفون من قبل الله؟

١- سورة النحل: ٤٣.

٢- سورة الطلاق: ١٠، ١١.

٣- سورة الحجر: ٤.

٤- سورة فاطر: ٣٢.

٣٧
لا نجد في كتاب الله سبحانه سوى آية واحدة تعرّضت لتعريف المطهّرون من هذه الأمّة، وهم أهل الذكر أي الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) «وهو المعنى الثاني من الذكر، والآية هي: قال تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}(١) فحصر الله سبحانه إرادة إذهاب الرجس عن فئة محدّدة وهم أهل البيت (عليهم السلام) والرجس القذارة والإثم مطلقاً، وللتأكيد قال تعالى {وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} لئلاّ يدع سبحانه مجالا للقيل والقال، فهي طهارة مطلقة خاصّة بهم (أهل البيت) وأهل البيت وضّحهم لنا القرآن نفسه في الآية الكريمة: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ}(٢) والابتهال إنّما يقبل من الصادق المخلص المطهّر، فالرسول (صلى الله عليه وآله) أتى بأطهر الأمّة، ولو كان هناك من هو أطهر ممّن أتى بهم لما أتى بهم، وهو في معرض الابتهال ودعاء للتفريق بين الحق والباطل، وقد أتى بأمر من قبله ـ سبحانه وتعالى ـ فالله أعلم بالشاكرين.

فأتى (صلى الله عليه وآله وسلم) بمن هو بمنزلة نفسه، والنساء والأبناء هؤلاء هم أهل بيته، وكما قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ

١- سورة الأحزاب: ٣٣.

٢- سورة آل عمران: ١٦.

٣٨
وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}(١) فقد بيّنهم لنا بفعله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأجمع الرواة أنّ من اصطحبهم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) للمباهلة كانوا أربعة نفر لا غير وهو الخامس (صلى الله عليه وآله وسلم): علي، وفاطمة، والحسن، والحسين (عليهم السلام) فأنفسنا هو علي (عليه السلام).

(ونساءنا) هي فاطمة (عليها السلام) و (أبناءنا) هما الحسن والحسين (عليهما السلام) وما ورد في تفسير آية التطهير كان المطهّرون هم الخمسة (عليهم السلام) انظر من مصادر أهل السنة التي روت هذا المعنى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأسانيد صحيحة: صحيح مسلم(٢)، سنن الترمذي(٣)، مسند أحمد بن حنبل(٤)، الأربعين في مناقب أمّهات المؤمنين لابن عساكر الشافعي(٥)، المستدرك للحاكم النيشابوري(٦)، وغيرها من المصادر الكثيرة.

فمن كان مطهّراً من قبله «تعالى» كيف نجرؤ ونقدّم عليه غيره، وكيف نثق بمعارف من أخذ عن غيرهم علوم دينه وإذا كان لدينا

١- سورة النحل: ٤٤.

٢- صحيح مسلم ٧: ١٣٠، باب فضائل أهل البيت:.

٣- سنن الترمذي ٥: ٣٦١، ما جاء في فضل فاطمة:، و٥: ٣٢٨، كتاب تفسير القرآن.

٤- مسند أحمد ١٨: ٣١٤، وأخرجه ابو يعلى الموصلي في مسنده ١٢: ٣٤٤، والطبراني في المعجم الكبير ٣: ٥٣، وابن عساكر في تاريخ دمشق ١٣: ٢٠٣ و١٤: ١٤١.

٥- الأربعين في مناقب أمّهات المؤمنين: ١٠٦.

٦- المستدرك على الصحيحين ٣: ١٤٧.

٣٩
الكامل كيف نتركه ونتوجّه إلى الناقص!

{وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ}(١) فهل هناك في الأمّة أمّة يهدون بالحق وبه يعدلون غير أهل البيت (عليهم السلام) وقد تسأل ومن الإمام بعدهم (عليهم السلام) إلى زمننا هذا؟

والجواب: أنّ القرآن أوضح لنا القائم مقام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنّه لابدّ أن يكون كاملا مطلقاً، ولمّا كان هذا البيت أطهر بيت وجب أن يكون باقي الأئمّة (عليهم السلام) منه، وقد دلّنا على ذلك قول المطهّرين (عليهم السلام) فلمّا ثبت أنّ الخمسة هم المطهّرون وجب اتّباعهم وتصديقهم في كلّ ما يقولونه، وقد بيّنوا لنا الأئمّة من بعدهم، فوجب تصديقهم، فكان كلّ إمام ينصّ على من يليه، ولتأكيد الحجّة كان للإمام الكرامة والآية التي تثبت دعواه الإمامة، وكان ذلك كاف بحدّ ذاته لإمامته بلا نصّ. وغير ذلك، فلم يثبت أنّ واحداً منهم تعلّم على يد أحد، بل هم الأعلم دونهم، ولم يكن لأحد فيهم مغمز ولا مهمز، وكان فضلهم عميماً على الكلّ بلا استثناء، وقد صرّح المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) بأسمائهم في أكثر من مقام، بل صرّح صلوات الله عليه وآله بألقابهم أيضاً.

١- سورة يوسف: ١٠٦.

٤٠