×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

إرشاد القلوب (ج 1) / الصفحات: ٣٦١ - ٣٨٠

فإذا كان يوم القيامة كانت الصلاة ظلاًّ فوقه، وتاجاً على رأسه، ولباساً على بدنه، ونوراً يسعى به بين يديه، وستراً بينه وبين النار، وحجة للمؤمن بين يدي الله تعالى، وثقلا في الموازين، وجوازاً على الصراط، ومفتاحاً للجنة لأنّ الصلاة تكبير وتحميد وتسبيح وتمجيد وتقديس وتعظيم وقراءة ودعاء، وانّ أصل الأعمال كلّها الصلاة لوقتها(١).

وقال عليه السلام: اعلموا رحمكم الله انّكم على أعلام بيّنة، والطريق نهج إلى دار السلام، وأنتم في دار مستعتب على مهل وفراغ، والصحف منشورة، والأقلام جارية، والأبدان صحيحة، والألسن مطلقة، والتوبة مسموعة، والأعمال مقبولة(٢).

وعن حذيفة بن اليمان رفعه عن رسول الله صلى الله عليه وآله: انّ قوماً يجيئون يوم القيامة ولهم من الحسنات أمثال الجبال، فيجعلها الله هباءً منثوراً ثمّ يؤمر بهم إلى النار، فقال سلمان: إحكهم(٣) لنا يا رسول الله، فقال: امّا انّهم قد كانوا يصومون ويصلّون ويأخذون اهبّة من الليل، ولكنّهم كانوا إذا عرض لهم شيء من الحرام وثبوا عليه(٤).

وقال عليه السلام: ألا فاذكروا هادم اللذات، ومنغّص الشهوات، وقاطع الاُمنيات عند المشاورة للأعمال القبيحة، واستعينوا بالله على أداء واجب حقّه، وما لا يحصى من اعداد نعمه واحسانه.

وقال عليه السلام: رحم الله امرأ تفكّر واعتبر، واعتبر فأبصر، فكأنّ ما هو كائن من الدنيا عمّا قليل لم يكن، وكأنّ ما هو كائن من الآخرة عن قليل لم يزل، وكلّ

١- عنه البحار ٨٧: ١٦١ ضمن حديث ٥٢.

٢- نهج البلاغة: الخطبة ٩٤; عنه البحار ٧١: ١٩٠ ح٥٦.

٣- في "ج": صفهم.

٤- مجموعة ورام ١: ٦١; مستدرك الوسائل ١١: ٢٨ ح١٣٠١٤.

٣٦١

معدود منقص، وكلّ متوقع آت، وكلّ آت قريب دان(١).

وقال عليه السلام: ألا وانّ الآخرة قد أقبلت والدنيا قد أدبرت ولكلٍّ منها بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، وانّ كلّ واحد(٢)سيلحق باُمّه يوم القيامة، وانّ اليوم عمل بلا حساب وغداً حساب بلا عمل.

وقال عليه السلام: إنّ النساء نواقص الايمان، نواقص الحظوظ، نواقص العقول، فأمّا نقصان ايمانهنّ فقعودهنّ عن الصلاة والصوم أيام حيضهنّ، وأمّا نقصان حظوظهنّ فمواريثهنّ بالانصاف من مواريث الرجال، لقوله تعالى: {للذكر مثل حظّ الاُنثيين}(٣)، وأمّا نقصان عقولهنّ فشهادة الامرأتين منهنّ كشهادة الرجل الواحد، فاتّقوا شرار النساء وكونوا من خيارهنّ على حذر، ولا تطيعوهنّ في المعروف حتّى لا يطمعن في المنكر(٤).

وقال أمير المؤمنين عليه السلام: عجبت للبخيل يستعجل الفقر الذي منه هرب، ويفوته الغنى الذي إيّاه طلب، فيعيش في الدنيا عيش الفقراء، ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء، وعجبت للمتكبّر الذي كان بالأمس نطفة ويكون غداً جيفة. وعجبت لمن شكّ في الله وهو يرى خلق الله، وعجبت لمن نسى الموت وهو يرى من يموت، وعجبت لمن أنكر النشأة الاُخرى وهو يرى النشأة الاُولى، وعجبت لعامر دار الفناء وتارك دار البقاء(٥).

وقال صلى الله عليه وآله: من آذى جاره حرّم الله عليه ريح الجنّة ومأواه جهنّم وبئس المصير، ومن ضيّع حقّ جاره فليس منّا(٦).

١- البحار ٧٣: ١١٩ ضمن حديث ١٠٩ عن كتاب عيون الحكم والمواعظ.

٢- في "ج": ولد.

٣- أمالي الصدوق، حديث المناهي; عنه البحار ٧٦: ٣٣٥ ح١.

٤- نهج البلاغة: الخطبة ٨٠; عنه البحار ٣٢: ٢٤٧ ح١٩٥.

٥- مجموعة ورام ١: ٦٢; معالم الزلفى: ١٣٤.

٦- أمالي الصدوق، حديث المناهي; عنه البحار ٧٤: ١٥٠ ح٢.

٣٦٢

وقال صلى الله عليه وآله: من مشى إلى ذي قرابة بنفسه وماله ليصل رحمهأعطاه الله عزوجل أجر مائة شهيد، وله بكلّ خطوة أربعون ألف حسنة، ومحى عنه أربعون ألف سيّئة، ورفع له من الدرجات مثل ذلك، وكان كأنّما عبد الله عزوجل مائة سنة صابراً محتسباً. ومن كفى ضريراً حاجة من حوائج الدنيا، ومشى له فيها حتّى يقضي له حاجته، أعطاه الله براءة من النفاق، وبراءة من النار، وقضى له سبعين ألف حاجة من حوائج الدنيا، ولا يزال يخوض في رحمة الله حتّى يرجع(١).

وسئل النبي صلى الله عليه وآله: ما أثقل من السماء، وما أغنى من البحر، وما أوسع من الأرض، وما أحرّ من النار، وما أبرد من الزمهرير، وما أشدّ من الحجر، وما أمرّ من السمّ؟

فقال صلى الله عليه وآله: البهتان على البريء أثقل من السماء، والحق أوسع من الأرض، وقلبٌ قانعٌ أغنى من البحر، وسلطانٌ جائرٌ أحرّ من النار، والحاجة إلى اللئيم أبرد من الزمهرير، وقلب المنافق أشدّ من الحجر، والصبر في الشدّة أمرّ من السمّ.

وقال عليه السلام: ستة أشياء حسنة ولكنّها من ستّة أحسن: العدل حسن وهو من الاُمراء أحسن، والصبر حسن وهو من الفقراء أحسن، والورع حسن وهو من العلماء أحسن، والسخاء حسن وهو من الأغنياء أحسن، والتوبة حسنة وهي من الشباب أحسن، والحياء حسن وهو من النساء أحسن. وأمير لا عدل له كغمام لا غيث له، وفقير لا صبر له كمصباح لا ضوء له، وعالم لا ورع له كشجرة لا ثمر لها، وغني لا سخاء له كمكان لا نبت له، وشاب لا توبة له كنهر لا ماء له، وامرأة لا حياء لها كطعام لا ملح له.

وعن رسول الله صلى الله عليه وآله: من تاب ولم يغيّر لسانه فليس بتائب،

١- أمالي الصدوق، حديث المناهي; عنه البحار ٧٦: ٣٣٥ ح١.

٣٦٣
٣٦٤

عدوّك(١).

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنّ الله تعالى ينظر إلى هذه الاُمة بالعلماء والفقراء، والعلماء ورثتي والفقراء أحبّائي، وخلق الله الخلق من طين الأرض وخلق الأنبياء والفقراء من طين الجنة، فمن أراد أن يكون في عهد الله فليكرم الفقراء(٢).

وقال عليه السلام: سراج الأغنياء في الدنيا والآخرة الفقراء، ولولا الفقراء لهلك الأغنياء، ومثل الفقراء مع الأغنياء كمثل عصى في يد أعمى.

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لعن الله من أكرم الغنيّ لغناه، ولعن الله من أهان الفقير لفقره، ولا يفعل هذا إلاّ منافق، فمن أكرم الغني لغناه وأهان الفقير لفقره سمّى في السماوات عدوّ الله وعدوّ الأنبياء، لا يُستجاب له دعوة ولا تقضى له حاجة.

وقال عليه السلام: الفقر ذلّ في الدنيا وفخر في الآخرة، والغنى فخر في الدنيا وفقر في الآخرة، فطوبى لمن كان فخره في الآخرة.

وقال عليه السلام: المنّان على الفقراء ملعون في الدنيا والآخرة، والمنّان على أبويه واخوته بعيد من الرحمة بعيد من الملائكة، قريب من النار، لا يستجاب له دعوة، ولا تقضى له حاجة، ولا ينظر الله إليه في الدنيا والآخرة.

وقال عليه السلام: من آذى مؤمناً فقيراً بغير حقّ فكأنّما هدم مكة عشر مرّات والبيت المعمور، وكأنّما قتل ألف ملك من المقرّبين.

وقال عليه السلام: حرمة المؤمن الفقير أعظم عند الله من سبع سماواتوسبع أرضين والملائكة والجبال وما فيها.

١- نهج البلاغة: قصار الحكم ٢٩٥; عنه البحار ٧٤: ١٦٤ ح٢٨.

٢- معالم الزلفى: ١٣ و١٤.

٣٦٥

وعن أمير المؤمنين عليه السلام قال: الفتوة أربعة: التواضع مع الدولة، والعفو مع القدرة، والنصيحة مع العداوة، والعطية بلا منّة.

وقال عليه السلام: أكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق، وخير ما أعطى الإنسان الخلق الحسن، وخير الزاد ما صحبه التقوى، وخير القول ما صدقه الفعل.

وقال عليه السلام: من فعل خمسة أشياء فلابدّ له من خمسة، ولابد لصاحب الخمسة من النار، الأوّل: من شرب المثلث فلابدّ له من شرب الخمر، ولابدّ لشارب الخمر من النار، الثاني: من لبس الثياب الفاخرة فلابدّ له من الكبر، ولابدّ لصاحب الكبر من النار.

الثالث: من جلس على بساط السلطان فلابد أن يتكلّم بهوى السلطان، ولابدّ لصاحب الهوى من النار، الرابع: من جالس النساء فلابدّ له من الزنا، ولابدّ للزاني من النار، الخامس: من باع واشترى من غير فقه فلابدّ له من الربا، ولابدّ لآكل الربا من النار(١).

وقال عليه السلام: الحرمة(٢) من الفاسق محال، والشفقة من العدوّ محال، والنصيحة من الحاسد محال، والهيبة من الفقر محال، والوفاء من المرأة محال(٣).

وقال عليه السلام: من مشى في طلب العلم خطوتين، وجلس عند العالمساعتين، وسمع من العلم كلمتين، أوجب الله له جنّتين(٤)، كما قال تعالى: {ولمن خاف مقام ربّه جنّتان}(٥).

١- مجموعة ورام ١: ١٤.

٢- في "ب": الحرفة.

٣- الخصال: ٢٦٩ ح٥ باب ٥; عنه البحار ٧٤: ١٩٤ ح١٨ نحوه.

٤- معالم الزلفى: ١٣.

٥- الرحمن: ٤٦.

٣٦٦

وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا يكمل ايمان المؤمن حتّى يكون فيه أربع خصال: يحسن خلقه، وتسخو(١) نفسه، ويمسك الفضل من قوله، ويخرج الفضل من ماله(٢).

وعن الصادق عليه السلام قال: إنّ الله يحبّ الجمال والتجمّل ويكره البؤس والتباؤس، وانّ الله عزوجل إذا أنعم على عبد نعمة أحبّ أن يرى عليه أثرها، قيل: وكيف ذلك؟ قال: ينظف ثوبه، ويطيب ريحه، ويجصّص داره، ويكنس أفنيته، حتّى انّ السراج قبل مغيب الشمس ينفي الفقر، ويزيد في الرزق(٣).

وعن الصادق عليه السلام قال: ما كان ولا يكون إلى يوم القيامة رجل مؤمن إلاّ وله جار يؤذيه(٤).

وقال عليه السلام: إنّ الرجل ليموت والداه وهو عاق لهما، فيدعو الله لهما من بعدهما فيكتبه من البارّين(٥).

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أيّوب ألا أدلّك على عمل يرضى الله، قال: بلى يا رسول الله، قال: أصلح بين الناس إذا تفاسدوا، وأحبب بينهم إذا تباغضوا(٦).

وقال عليه السلام: لاُخبرنّكم على من تحرم النار غداً، على كلّ هيّن ليّن قريب سهل(٧).

وقال عليه السلام: خمس كلمات في التوراة ينبغي أن تكتب بماء الذهب،

١- في "ج": يصلح.

٢- أمالي الطوسي: ١٢٥ ح٩ مجلس ٥; عنه البحار ٦٧: ٢٩٧ ح٢٢.

٣- أمالي الطوسي: ٢٧٥ ح٦٤ مجلس ١٠; عنه البحار ٧٦: ١٤١ ح٥.

٤- أمالي الطوسي: ٢٨٠ ح٧٧ مجلس ١٠.

٥- مجموعة ورام ١: ٢٨٨.

٦- مجموعة ورام ١: ٦، وفيه: يا أبا أيوب.

٧- أمالي الصدوق: ٢٦٢ ح٥ مجلس ٥٢; عنه البحار ٧٥: ٥١ ح٤.

٣٦٧

أوّلها: حجر الغصب في الدار رهن على خرابها، والغالب بالظلم هو المغلوب، وما ظفر من ظفر الاثم به، ومِنْ أقلّ حق الله عليك أن لا تستعين بنعمه على معاصيه، ووجهك ماء جامد يقطر عند السؤال فانظر عند من تقطره.

وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ثلاثة تستغفر لهم السماوات والأرضون والملائكة والليل والنهار: العلماء والمتعلّمون والأسخياء، وثلاثة لا ترد دعوتهم: المريض والتائب والسخي، وثلاثة لا تمسّهم النار: المرأة المطيعة لزوجها، والولد البار بوالديه، والسخي بحسن خلقه.

وثلاثة معصومون من ابليس وجنوده: الذاكرون لله عزوجل، والباكون من خشية الله تعالى، والمستغفرين بالأسحار، وثلاثة رفع الله عنهم العذاب يوم القيامة: الراضي بقضاء الله، والناصح للمسلمين، والدال على الخير، وثلاثة على كثيب المسك الأذفر يوم القيامة لا يهولهم فزع ولا ينالهم حساب: رجل قرأ القرآن ابتغاء وجه الله، ورجل أمّ بقوم وهم عنه راضون، ورجل أذّن في مسجد ابتغاء وجه الله.

وثلاثة يدخلون الجنة بغير حساب: رجل يغسل قميصه ولم يكن له بدل، ورجل لم يطبخ على مطبخ قدرين، ورجل كان عنده قوت يوم فلم يهتمّ لغد، وثلاثة يدخلون النار بغير حساب: شيخ(١) زان، وعاق الوالدين، ومدمن الخمر.

وقيل: دخل ابراهيم بن أدهم البصرة، فاجتمع الناس إليه وقالوا: يا أبا اسحاق قال الله تعالى: {اُدعوني أستجب لكم}(٢) ونحن ندعوا له فلا يُستجاب لنا، قال: يا أهل البصرة لأنّ قلوبكم قد صارت في عشرة، أوّلها: عرفتم الله فلم تؤدّوا حقّه، الثاني: قرأتم كتاب الله فلم تعملوا به، الثالث: قلتم نحبّ رسول الله وتركتم سنّته.

١- في "ب" و "ج": أشمط. والشمط: بياض شعر الرأس يخالط سواده، والرجل أشمط.

٢- غافر: ٦٠.

٣٦٨

الرابع: قلتم انّ الشيطان لنا عدوّ فوافقتموه، الخامس: قلتم نحبّ الجنّة فلم تعملوا لها. السادس: قلتم انّ الموت حقّ فلم تتهيّؤوا له، السابع: انتبهتم من النوم فاشتغلتم باغتياب اخوانكم، الثامن: أكلتم نعمة الله فلم تؤدّوا شكرها، التاسع: قلتم نخاف من النار ولم ترهبوا منها، العاشر: دفنتم موتاكم فلم تعتبروا بهم.

قيل: نادى أمير المؤمنين عليه السلام بأهل القبور من المؤمنين والمؤمنات فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فسمعنا صوتاً يقول: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته يا أمير المؤمنين، فقال: نخبركم بأخبارنا أم تخبرونا بأخباركم؟ فقالوا: اخبرنا بأخباركم يا أمير المؤمنين، فقال: أزواجكم قد تزوّجوا(١)، وأموالكم قسّمها ورّاثكم، وحشر في اليتامى أولادكم، والمنازل الذي شيّدتم وبنيتم سكنها أعداؤكم، فما أخباركم؟.

فأجابه مجيب: قد تمزّقت الأكفان، وانتشرت الشعور، وتقطّعت الجلود، وسالت الأحداق على الخدود، وتنازلت المناخر والأفواه بالقيح والصديد، وما قدّمناه وجدناه، وما أنفقناه ربحناه، وما خلّفناه خسرناه، ونحن مرتهنون بالأعمال، نرجوا من الله الغفران بالكرم والامتنان.

١- في "ب": تزوّجت.

٣٦٩

الباب الرابع والخمسون
في العقل وأنّ به النجاة

عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنّ الله تعالى خلق العقل من نور مخزون في سابق علمه الذي لم يطلع عليه نبي مرسل، ولا ملك مقرّب، فجعل العلم نفسه، والفهم روحه، والزهد رأسه، والحياء عينه، والحكمة لسانه، والرأفة همّه، والرحمة قلبه، ثمّ أنّه حشاه وقوّاه بعشرة أشياء: باليقين، والايمان، والصدق، والسكينة، والوقار، والرفق، والتقوى، والاخلاص، والعطيّة، والقنوع، والتسليم، والرضا، والشكر.

ثمّ قال له: أقبل فأقبل، ثمّ قال له: أدبر فأدبر، ثمّ قال له: تكلّم فتكلّم، فقال: الحمد لله الذي ليس له ضدّ ولا مثل ولا شبيه ولا كفو ولا عديل، الذي كلّ شيء لعظمته خاضع ذليل، فقال الله تعالى: وعزّتي وجلالي ما خلقت خلقاً أحسن منك، ولا أطوع لي منك، ولا أرفع ولا أشرف منك، ولا أعزّ عليّ منك. بك اُوحّد، وبك اُعبد، وبك اُدعى، وبك اُرتجى، وبك اُخاف، وبك اُبتغى، وبك اُحذر، وبك الثواب، وبك العقاب.

٣٧٠

فخرّ العقل عند ذلك ساجداً وكان في سجوده ألف عام، فقال تعالى: ارفع رأسك واسأل تعطى واشفع تشفّع، فرفع العقل رأسه فقال: الهي أسألك أن تشفعني فيمن جعلتني فيه، فقال الله تعالى للملائكة: اُشهدكم انّي قد شفّعته فيمن خلقته فيه(١).

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يكون المؤمن عاقلا حتّى تجتمع فيه عشر خصال: الخير منه مأمول، والشرّ منه مأمون، يستكثر قليل الخير من غيره، ويستقلّ كثير الخير من نفسه، لا يسأم من طلب العلم طول عمره، ولا يتبرّم بطلب الحوائج من قبله، الذلّ أحبّ إليه من العزّ، والفقر أحبّ إليه من الغنى، نصيبه من الدنيا القوت، والعاشرة لا يرى أحداً إلاّ قال: هو خير منّي وأتقى(٢).

وقال أمير المؤمنين عليه السلام: العقل ولادة، والعلم افادة، ومجالسة العلماء زيادة(٣).

وروي انّ جبرئيل عليه السلام هبط إلى آدم فقال: يا أبا البشر اُمرت أن اُخيّرك بين ثلاث، فاختر منهنّ واحدة ودع اثنتين، فقال له آدم: وما هم؟ فقال: العقل والحياء والايمان، فقال آدم: قد اخترت العقل، فقال جبرئيل للايمان والحياء: ارحلا، فقالا: اُمرنا أن لا نفارق العقل(٤).

قال مصنّف الكتاب رحمه الله: لكلّ أدب ينبوع، وأمير الفضل وينبوع الأدب العقل، جعله الله لمعرفته وللدين أصلا، وللملك والدنيا عماداً، وللسلامة من المهلكات معقلا، فأوجب لهم التكليف بكماله، وجعل أمر الدنيا مدبراً به، وألّف به بين خلقه مع اختلافهم ومتباين أغراضهم ومقاصدهم. وما استودع الله تعالى

١- الخصال: ٤٢٧ ح٤ باب ١٠; عنه البحار ١: ١٠٧ ح٣; ومستدرك الوسائل ١١: ٢٠٣ ح١٢٧٤٥.

٢- مجموعة ورام ٢: ١١٢; الخصال: ٤٣٣ ح١٧ باب ١٠; عنه البحار ١: ١٠٨ ح٤.

٣- كنز الكراجكي: ١٣ في العقل; عنه البحار ١: ١٦٠ ح٤٠; معالم الزلفى: ١٣.

٤- الكافي ١: ١٠ ح٢; روضة الواعظين: ٣ في ماهية العقول وفضلها.

٣٧١

أحداً عقلا إلاّ استنقذه به يوماً، والعقل أصدق مشير، وأنصح خليل، وخير جليس، ونعم وزير، وخير المواهب العقل وشرّها الجهل.

قال بعضهم:

إذا تمّ عقل امرئ تمّت اُمورهوتـمّ(١) أيـاديـه وتمّ ثـنـاؤه

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: العقل نور في القلب يفرق به بين الحقّ والباطل(٢). وجاء في قوله تعالى: {لينذر من كان حيّاً}(٣) قال: يعني من كان عاقلا.

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أعقل الناس أفضلهم، ومن لم يكن عقله أغلب خصال الخير فيه كان حمقه أغلب خصال الشرّ فيه، وكلّ شيء إذا كثر رخص إلاّ العقل إذا كثر غلى والعقل الصحيح ما حصلت به الجنة، والعاقل يألف العاقل، والجاهل يألف الجاهل.

ولقد أحسن من قال:

إذا لم يكن للمرء عقل يزينهولم يك ذا رأي سديد وذا أدب
فما هو إلاّ ذو قوائم أربعوإن كان ذا مال كثير وذا حسب

وروي انّه إذا استرذل الله عبداً أحصر عليه العلم والأدب(٤)، ولا يزال المرء في صحّة من عقله ودينه ما لم يشرب مسكر، وفي صحّة من مروّته ما لم يفعل الزلاّت، وفي فسحة من أمانته ما لم يقبل وصيّة ويستودع وديعة، وفي فسحة من عقله(٥) ما لم يؤمّ قوماً أو يرقى منبراً، وأشراف الناس العلماء، وساداتهم المتّقون، وملوكهم الزهّاد، وسخف منطق المرء يدلّ على قلّة عقله.

١- في "ج": تمّت.

٢- عنه معالم الزلفى: ١٥.

٣- عنه معالم الزلفى: ١٥.

٤- كنز العمال ١٠: ١٧٨ ح٢٨٩٢٧، وفيه: حظر عليه العمل.

٥- في "ج": فضله.

٣٧٢

وروي انّ الحسن بن عليّ عليهما السلام قام في خطبة له فقال: اعلموا انّ العقل حرز، والحلم زينة، والوفاء مروّة، والعجلة سفه، والسفه ضعف، ومجالسة أهل الزنا شين، ومخالطة أهل الفسوق ريبة، ومن استخفّ باخوانه فسدت مروّته.

وما يهلك إلاّ المرتابون، وينجوا المهتدون الذين لم يتهموا الله في آجالهم طرفة عين ولا في أرزاقهم، فمروّتهم كاملة وحياؤهم كامل، يصبرون حتّى يأتي الله لهم برزق، ولا يبيعون شيئاً من دينهم ومروّاتهم بشيء من الدنيا، ولا يطلبون شيئاً منها بمعاصي الله.

ومن عقل المرء ومروّته انّه يسرع إلى قضاء حوائج اخوانه وإن لم ينزلوها به، والعقل أفضل ما وهب الله تعالى للعبد، إذ به النجاة في الدنيا من آفاتها وسلامته في الآخرة من عذابها.

وروي انّهم وصفوا رجلا عند رسول الله صلى الله عليه وآله بحسن عبادته، فقال: انظروا إلى عقله، فإنّما يجزي الله العباد يوم القيامة على قدر عقولهم، وحسن الأدب دليل على صحّة العقل.

٣٧٣

الباب الخامس والخمسون
فيما سأل رسول الله صلى الله عليه وآله ليلة المعراج
وهي خاتمة الكتاب

روي عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام، انّ النبي صلى الله عليه وآله سأل ربّه سبحانه ليلة المعراج فقال: يا ربّ أيّ الأعمال أفضل؟ فقال الله عزوجل: ليس شيء أفضل عندي من التوكّل عليّ، والرضا بما قسّمت، يا محمّد وجبت محبّتي للمتحابّين فيّ، ووجبت محبّتي للمتقاطعين(١) فيّ، ووجبت محبّتي للمتواصلين فيّ، ووجبت محبّتي للمتوكّلين عليّ.

وليس لمحبّتي علم ولا غاية ولا نهاية، كلّما رفعت لهم علماً وضعت لهم علماً، اُولئك الذين نظروا إلى المخلوقين بنظري إليهم، ولم يرفعوا الحوائج إلى الخلق، بطونهم خفيفة من أكل الحلال، نعيمهم في الدنيا ذكري ومحبّتي ورضائي عنهم.

يا أحمد إن أحببت أن تكون أورع الناس فازهد في الدنيا وارغب في الآخرة، فقال: إلهي كيف أزهد في الدنيا؟ فقال: خذ من الدنيا خفّاً من الطعام والشراب واللباس، ولا تدخر لغد، ودم على ذكري، فقال: يا ربّ وكيف أدوم على

١- في "ب": للمتعاطين.

٣٧٤

ذكرك؟ فقال: بالخلوة عن الناس، وبغضك الحلو والحامض، وفراغ بطنك وبيتك من الدنيا.

يا أحمد احذر أن تكون مثل الصبي إذا نظر إلى الأخضر والأصفر، وإذا اُعطي شيئاً من الحلو والحامض اغترّ به، فقال: يا ربّ دلّني على عمل أتقرّب به إليك، قال: اجعل ليلك نهاراً، واجعل نهارك ليلا، قال: يا ربّ كيف ذلك؟ قال: اجعل نومك صلاة، وطعامك الجوع.

يا أحمد وعزّتي وجلالي ما من عبد ضمن لي بأربع خصال إلاّ أدخلته الجنّة: يطوي لسانه فلا يفتحه إلاّ فيما يعنيه، ويحفظ قلبه من الوسواس، ويحفظ علمي ونظري إليه، ويكون قرّة عينه الجوع.

يا أحمد لو ذقت حلاوة الجوع والصمت والخلوة وما ورثوا منها، قال: يا ربّ ما ميراث الجوع؟ قال: الحكمة، وحفظ القلب، والتقرّب إليّ، والحزن الدائم، وخفّة المؤنة بين الناس، وقول الحق، ولا يبالي عاش بيسر أم بعسر، يا أحمد هل تدري بأيّ وقت يتقرّب العبد إليّ؟ قال: لا يا ربّ، قال: إذا كان جائعاً أو ساجداً.

يا أحمد عجبت من ثلاثة عبيد: عبد دخل في الصلاة وهو يعلم إلى من يرفع يديه وقدّام من هو وهو ينعس، وعجبت من عبد له قوت يوم من الحشيش أو غيره وهو يهتمّ لغد، وعجبت من عبد لا يدري أنا راض عنه أم ساخط عليه وهو يضحك.

يا أحمد إنّ في الجنّة قصراً من لؤلؤة فوق لؤلؤة، ودرّة فوق درّة، ليس فيها فصم(١) ولا وصل، فيها الخواص، أنظر إليهم كلّ يوم سبعين مرّة فاُكلّمهم كلّما نظرت إليهم، وأزيد في ملكهم سبعين ضعفاً، وإذا تلذّذ أهل الجنة بالطعام والشراب

١- في "ج": قصم، والقصم ـ بالقاف ـ: هو أن ينكسر الشيء فيبين، يقال منه: قصمت الشيء إذا كسرته حتّى يبين. والفصم ـ بالفاء ـ: فهو أن ينصدع الشيء من غير أن يبين. (لسان العرب)

٣٧٥

تلذّذ اُولئك بذكري وكلامي وحديثي، قال: يا ربّ ما علامة اُولئك؟ قال: مسجونون قد سجنوا ألسنتهم من فضول الكلام، وبطونهم من فضول الطعام.

يا أحمد إنّ المحبّة لله هي المحبّة للفقراء والتقرّب إليهم، قال: ومن الفقراء؟ قال: الذين رضوا بالقليل، وصبروا على الجوع، وشكروا الله تعالى على الرخاء، ولم يشكوا جوعهم ولا ظمأهم، ولم يكذبوا بألسنتهم، ولم يغضبوا على ربّهم، ولم يغتمّوا على ما فاتهم، ولم يفرحوا بما أتاهم.

يا أحمد محبّتي محبّة الفقراء، فادن الفقراء وقرّب مجلسهم منك ادنك، وأبعد الأغنياء وأبعد مجلسهم عنك فإنّ الفقراء أحبّائي.

يا أحمد لا تتزيّن بلبس اللباس، وطيب الطعام، وطيب(١) الوطأ، فإنّ النفس مأوى كلّ شر، وهي رفيق كلّ سوء تجرّها إلى طاعة الله وتجرّك إلى معصيته، وتخالفك في طاعته وتطيعك فيما يكره، وتطغى إذا شبعت، وتشكو إذا جاعت، وتغضب إذا افتقرت، وتتكبّر إذا استغنت، وتنسى إذا كبرت، وتغفل إذا أمنت، وهي قرينة الشيطان، ومثل النفس كمثل النعامة تأكل الكثير وإذا حمل عليها لا تطير، ومثل الدّفلي(٢) لونه حسن وطعمه مرّ.

يا أحمد ابغض الدنيا وأهلها، واحبّ الآخرة وأهلها، قال: يا ربّ ومن أهل الدنيا ومن أهل الآخرة؟ قال: أهل الدنيا من كثر أكله وضحكه ونومه وغضبه، قليل الرضا، لا يعتذر إلى من أساء إليه، ولا يقبل عذر من اعتذر إليه، كسلان عند الطاعة، شجاع عند المعصية، أمله بعيد وأجله قريب، لا يحاسب نفسه، قليل الفقه(٣)، كثير الكلام، قليل الخوف، كثير الفرح عند الطعام، وانّ أهل الدنيا لا يشكرون عند الرخاء، ولا يصبرون عند البلاء، كثير الناس عندهم قليل،

١- في "ب" و "ج": لين.

٢- الدِّفلي: شجر مرّ أخضر حسن المنظر، يكون في الأودية، وفي الصحاح: نبت مرّ. (لسان العرب)٣- في "ب": النفقة، وفي "ج": المنفعة.

٣٧٦

يحمدون أنفسهم بما لا يفعلون، ويدّعون بما ليس لهم [ويتكلّمون بما يتمنّون](١)، ويذكرون مساوئ الناس.

يا أحمد إنّ عيب أهل الدنيا كثير، فيهم الجهل والحمق، لا يتواضعون لمن يتعلّمون منه، وهم عند أنفسهم عقلاء، وعند العارفين حُمقاء.

يا أحمد إنّ أهل الخير [وأهل الآخرة](٢) رقيقة وجوههم، كثير حياؤهم [قليل حمقهم](٣)، كثير نفعهم قليل مكرهم، الناس منهم في راحة وأنفسهم منهم في تعب، كلامهم موزون، محاسبين لأنفسهم متعبين(٤) لها، تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، أعينهم باكية وقلوبهم ذاكرة، إذا كتب الناس من الغافلين كتبوا من الذاكرين.

في أوّل النعمة يحمدون وفي آخرها يشكرون، دعاؤهم عند الله مرفوع، وكلامهم مسموع، تفرح بهم الملائكة، ويدور دعاؤهم تحت الحجب، يحبّ الربّ أن يسمع كلامهم [كما تحبّ الوالدة الولد](٥)، ولا يشغلهم عنه طرفة عين، ولا يريدون كثرة الطعام، ولا كثرة الكلام، ولا كثرة اللباس، الناس عندهم موتى والله عندهم حيّ كريم، يدع المدبرين كرماً، ويزيد المقبلين تلطّفاً، قد صارت الدنيا والآخرة عندهم واحدة.

يا أحمد هل تعرف ما للزاهدين عندي؟ قال: لا يا رب، قال: يبعث الخلق ويناقشون الحساب وهم من ذلك آمنون، إنّ أدنى ما اُعطي الزاهدين في الآخرة أن أعطيهم مفاتيح الجنان كلّها حتّى يفتحون أيّ باب شاؤوا، ولا أحجب عنهم

١- أثبتناه من "ج".

٢- أثبتناه من "ج".

٣- أثبتناه من "ب" و "ج".

٤- في "ج": متعيّبين.

٥- أثبتناه من "ج".

٣٧٧

وجهي، ولاُنعمهم بألوان التلذّذ من كلامي، ولأجلسنّهم في مقعد صدق، واُذكّرهم ما صنعوا وتعبوا في دار الدنيا. وأفتح لهم أربعة أبواب: باب تدخل عليهم الهدايا منه بكرة وعشيّاً، وباب ينظرون منه إليّ كيف شاؤوا بلا صعوبة، وباب يطّلعون منه إلى النار فينظرون إلى الظالمين كيف يعذّبون، وباب يدخل عليهم منه الوصائف والحور العين.

قال: يا ربّ من هؤلاء الزاهدون الذين وصفتهم؟ قال: الزاهد هو الذي ليس له بيت يخرب فيغم لخرابه، ولا له ولد يموت فيحزن لموته، ولا له شيء يذهب فيحزن لذهابه، ولا يعرفه انسان يشغله عن الله طرفة عين، ولا له فضل طعام يُسأل عنه، ولا له ثوب ليّن.

يا أحمد وجوه الزاهدين مصفرّة من تعب الليل وصوم النهار، ألسنتهم كلال من ذكر الله تعالى، قلوبهم في صدورهم مطعونة من كثرة صمتهم، قد أعطوا المجهود من أنفسهم لا من خوف نار ولا من شوق جنّة، ولكن ينظرون في ملكوت السماوات والأرض فيعلمون أنّ الله سبحانه أهلٌ للعبادة.

يا أحمد هذه درجة الأنبياء والصدّيقين من اُمتك واُمّة غيرك، وأقوام من الشهداء، قال: يا ربّ أيّ الزهّاد أكثر، زهّاد اُمّتي أم زهّاد بني اسرائيل؟! قال: إنّ زهّاد بني اسرائيل في زهّاد اُمّتك كشعرة سوداء في بقرة بيضاء، فقال: يا ربّ وكيف ذلك وعدد بني اسرائيل أكثر؟ قال: لأنّهم شكّوا بعد اليقين، وجحدوا بعد الاقرار، قال النبي صلى الله عليه وآله: فحمدت الله وشكرته ودعوت لهم بالحفظ والرحمة وسائر الخيرات.

يا أحمد عليك بالورع فإنّ الورع رأس الدين ووسط الدين وآخر الدين، إنّ الورع يقرّب إلى الله تعالى.

يا أحمد إنّ الورع زين المؤمن، وعماد الدين، إنّ الورع مثله مثل السفينة، كما

٣٧٨

أنّ في البحر لا ينجو إلاّ من كان فيها كذلك لا ينجو الزاهدون إلاّ بالورع.

يا أحمد ما عرفني عبد فخشع لي إلاّ خشع له [كلّ شيء](١).

يا أحمد الورع يفتح على العبد أنواع العبادة، فيكرم به العبد عند الخلق، ويصل به إلى الله عزوجل.

يا أحمد عليك بالصمت فإنّ أعمر مجلس قلوب الصالحين والصامتين، وانّ أخرب مجلس قلوب المتكلّمين بما لا يعنيهم.

يا أحمد إنّ العبادة عشرة أجزاء سبعة(٢) منها طلب حلال، فإذا طيّبت مطعمك ومشربك فأنت في حفظي وكنفي، قال: يا ربّ ما أوّل العبادة؟ قال: أوّل العبادة الصمت والصوم، قال: يا ربّ وما ميراث الصوم؟ قال: يورث الحكمة، والحكمة تورث المعرفة، والمعرفة تورث اليقين، فإذا استيقن العبد لا يبالي كيف أصبح بعسر أم بيسر.

وإذا كان العبد في حالة الموت يقوم على رأسه ملائكة بيد كلّ ملك كأس من ماء الكوثر وكأس من الخمر، يسقون روحه حتّى تذهب سكرته ومرارته، ويبشّرونه بالبشارة العظمى، ويقولون له: طبت وطاب مثواك، إنّك تقدم على العزيز الكريم الحبيب القريب.

فتطير الروح في أيدي الملائكة فتصعد إلى الله تعالى في أسرع من طرفة عين، ولا يبقى حجاب ولا ستر بينها وبين الله تعالى، والله تعالى إليها مشتاق، وتجلس على عين عند العرش، ثمّ يقال لها: كيف تركت الدنيا؟ فتقول: الهي وعزّتك وجلالك لا علم لي بالدنيا، أنا منذ خلقتني خائف منك.

فيقول الله تعالى: صدقت عبدي كنت بجسدك في الدنيا وروحك معي، فأنت

١- أثبتناه من "ج".

٢- في "ج": تسعة.

٣٧٩

بعيني سرّك وعلانيتك، سل اُعطك، وتمنّ عليّ فاكرمك، هذه جنّتي فتبحبح(١) فيها، وهذا جواري فاسكنه، فتقول الروح: الهي عرّفتني نفسك فاستغنيت بها عن جميع خلقك، وعزّتك وجلالك لو كان رضاك في أن اُقطّع ارباً ارباً واُقتل سبعين قتلة بأشدّ ما يُقتل بها الناس، لكان رضاك أحبّ إليّ.

الهي كيف أعجب بنفسي وأنا ذليل إن لم تكرمني، وأنا مغلوب إن لم تنصرني، وأنا ضعيف إن لم تقوّني، وأنا ميت إن لم تحيني بذكرك، ولولا سترك لافتضحت أوّل مرّة عصيتك، الهي كيف لا أطلب رضاك وقد أكملت عقلي حتّى عرفتك، وعرفت الحق من الباطل، والأمر من النهي، والعلم من الجهل، والنور من الظلمة؟! فقال الله عزوجل: وعزّتي وجلالي لا حجبت بيني وبينك في وقت من الأوقات، كذلك أفعل بأحبّائي.

يا أحمد هل تدري أيّ عيش أهنى، وأيّ حياة أبقى؟ قال: اللّهم لا، قال: أمّا العيش الهنيّ فهو الذي لا يفتر صاحبه عن ذكري، ولا ينسى نعمتي، ولا يجهل حقّي، يطلب رضاي ليله ونهاره، وأمّا الحياة الباقية فهي التي يعمل لنفسه حتّى تهون عليه الدنيا، وتصغر في عينه، وتعظم الآخرة عنده، ويؤثر هواي على هواه، ويبغي مرضاتي، ويعظّمني حقّ عظمتي، ويذكر عملي به، ويراقبني بالليل والنهار عند كلّ سيّئة ومعصية.

وينقي قلبه عن كلّ ما أكره، ويبغض الشيطان ووساوسه، ولا يجعل لابليس على قلبه سلطاناً وسبيلا، فإذا فعل ذلك أسكنت قلبه حبّاً حتّى أجعل قلبه لي، وفراغه واشتغاله وهمّه وحديثه من النعمة التي أنعمت بها على أهل محبّتي من خلقي، وأفتح عين قلبه وسمعه حتّى يسمع بقلبه وينظر بقلبه إلى جلالي وعظمتي.

واُضيّق عليه الدنيا، واُبغّض إليه ما فيها من اللذات، واُحذّره الدنيا وما فيها

١- التبحبُح: التمكن في الحلول والمقام، وقد بَحْبَحَ وتَبَحْبَحَ إذا تمكّن وتوسّط المنزل والمقام. (لسان العرب)

٣٨٠