×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

من حقي أن أكون شيعية / الصفحات: ٢١ - ٤٠

كتاب من حقي أن أكون شيعيّة للسيدة أم محمد علي المعتصم (ص ٢١ - ص ٣٩)
٢١
بحفظه؟ وكيف يكون الشيء محفوظاً بين هذا الشتات؟

عشت أسلي نفسي بتلك الصورة القديمة، وأقنعها بذلك الواقع الموروث، لحظات هي التي يسكن فيها روعي عندما أنشغل بأمور الدنيا، ولكن ما زال شبح الموت يلاحقني، ويخنقني حتى لا يكاد يسع صدري أنفاسي، فأتوجه إلى الله بقلب كأنه ليس بقلبي.. قلب لا يرى في الوجود غير نفسي وربي فأجد في المناجاة حلاوة لا يمكن أن يتذوقها ذهني، فتصيح أعماق كياني أنت الحق ياربي، ولكن كيف الوصول إليك وقد أظلمت من الشك نفسي؟!..

وكأن نداءاً يخترق أذني... أقتحم المجهول، فذاك الشك هو الطريق إلى المطلوب، وتلك الصورة الجميلة هي استرسال مع المجهول، فالاطمئنان أما أن يكون حقيقة مبنية على العلم وحينها تزول الجبال ولا يزول، وإما خداع للنفس سرعان ما يزول، وهذا هو خداع ألذات الذي كثيراً ما ينخدع فيه الناس فأول حقيقة علمية تشكلت عندي في تلك المرحلة إن الإسلام يمكن أن يقع فيه الاختلاف بسبب المنهجيات المتعددة ودوافع الفهم المختلفة، فقد أثرت الظروف السياسية والاجتماعية على طول الحقب التاريخية في إفراز مدارس متباينة كلها تنتسب إلى الإسلام، حتى أصبح الصراع العقائدي حالة شبه طبيعية في المنظومة الإسلامية، كانت هذه الحقيقة بمثابة مفتاح مهم لأنها تمثل في البدء الاعتراف بالواقع مما يؤهلني في خوض غمار البحث بدل أن يغمض الإنسان عينيه ويمني نفسه بمثالية الواقع والحقيقة الأخرى هي أن كل هذه المذاهب لا يمكن أن تكون ممثلة لحقيقة واحدة وهي الإسلام المحمدي، إلا إذا أعترف العقل بإمكانية اجتماع المتناقضين وهو محال، في حين إن هذا

٢٢
الخلاف لم يكن شكلي في بعض الرسوم الخارجية بعيداً عن المضمون والجوهر كما يمني البعض نفسه، وإنما خلاف يبتدئ من المسائل الفقهية التي تمثل شعار الإنسان المسلم مروراً ببعض المفاهيم الجوهرية التي تتشكل منها الانتماءات المذهبية انتهاءً بعمق المفاصل العقدية المتمثلة في التوحيد.

فمن هنا لا يصح القول أن كل الطرق مؤدية إلى روما، كما لا تصح الادعاءات المطلقة لكل مذهب بأنه هو الحق وغيره باطل وضلال، فلا عقلية التسامح الصوفي ولا عقلية الجمود المذهبي هي الحاكم في بناء البحث العلمي.

فاللا منطق والقفز على مدركات العقل حالة سلبية لم تكرس فقط الفوضى المذهبية فقد امتدت يداها لتعبث في واقعنا الحياتي حتى أدمّنا روائح التخلف وعشنا في ركام الواقع خوفاً من المجهول.

فكيف تكون كل المذاهب على حق والحق واحد لا يتعدد؟! وحكم العقل يقتضي أن يكون هنالك طريق واحد يمثل دين محمد (ص) والعجب كل العجب أن يتفق الفرقاء على وجود فرقة ناجية من بين الفرق، فقد أكد رسول الله (ص) بقوله (ستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة) ألا يكون ذلك حافزاً على تنبيه العقل، وإيقاظه من حجب الموروث، فكيف يكتفي كل إنسان بما ورث من المذاهب ثم يمني نفسه بالنجاة، ألا يحفز ذلك الإنسان على ضرورة البحث الجدي لمعرفة الفرقة الناجية التي بشر بها رسول الله (ص).

فهل هناك ضرورة إذاً للبحث في المذاهب لاختيار الطريق عن يقين دون تقليد؟ أم هل هو المصير المحتوم بمصير الآباء والأجداد …؟

٢٣
وما هو السبيل إذا لم يكن المصير محتوماً؟

السبيل هو الحقيقة الثالثة التي أعانتني في مواصلة الطريق وهي الانفتاح والحوار مع الجميع، فالإيمان بهذه الحقيقة يكشف ذلك الستار المضروب عن كل المصاعب التي صنعها الإيمان باللامعقول، ولذا كان الحوار سنة الله، فلا بد أن يكون هو الحاكم لنتمكن من فرز الحق عن الباطل والعلم عن اللا علم، ومن هنا نرفض كل الدعاوى القائمة على التحجر ونكران الآخر لا لشيء إلا لأنه هو الآخر، فإن كان الحوار شعاراً يتغنى به الجميع، فلماذا ينغلق صاحب كل مذهب على مذهبه؟ ولماذا لا يكون النقاش والحوار هو الثقافة السائدة بين كل مذاهب الإسلام؟ ألم يقل تعالى {قل هاتوا برهانكم أن كنتم صادقين}

ولذا كان الحوار أول ركيزة منهجية أرتكز عليها القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، بداية من خلق آدم والحوار مع إبليس للسجود لسيدنا آدم قال تعالى {إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين، فسجد الملائكة كلهم أجمعون، إلا إبليس أستكبر وكان من الكافرين، قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي، استكبرت أم كنت من العالين قال، أنا خير منه خلقتني من نار وخلقتني من طين، قال فأخرج منها فإنك رجيم}سورة ص، إلى عهد خاتم الأنبياء محمد (ص) الذي فتح باب الحوار مع المشركين وأهل الكتاب مع كونه يمثل الحق المطلق قال تعالى {إنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال …}

هذا هو منهج القرآن في التعامل مع الخصم فيجعل لهما كامل الحرية في الاستدلال والبرهنة، وهذا الأسلوب يقودنا

٢٤
لاستعمال عقولنا المقفلة دائماً بحجة أن آباءنا على هذا المذهب قال تعالى {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤكم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون} سورة البقرة.

… داية الطريق

رسمت لي هذه الحقائق الثلاثة معالم الطريق، ولكنها لم تخرجني من تلك الحيرة فما زلت أتخبط بين الجبهة الإسلامية والوهابية والإرث الصوفي الذي درج عليه أغلبية المجتمع، إلى أن اكتشفت الحقيقة الرابعة وهي أن السودان لا يمثل كل الإرث الإسلامي فهناك مذاهب ومدارس لا عهد للسودانيين بها، بقدر ما كانت هذه الحقيقة بسيطة إلا أنها وسعت إطار البحث أمامي، وحينها تذكرت سلطنة عمان والإباضية فيها، فمن هم؟ وما هي عقيدتهم؟ لم أجد في الموروث السوداني أجابة عنها إلا أنهم هم الخوارج الذين حاربهم الإمام علي (ع) وندمت على تلك السنوات التي قضيتها بينهم ولم تمر على خاطري تلك الأستفهامات، وهكذا بدأت تطرق سمعي بعض التسميات، التكفير والهجرة، البلاغ والدعوة، الشيعة... فهل ياترى يسعفني العمر لمعرفة كل تلك المذاهب ومن ثم أختار الحق من بينها؟ سؤال شكل عندي يأساً وإحباطاً، فهذا بحر لا شاطئ له، حتى اكتشفت من فرط التأمل الحقيقة الخامسة وهي أن الخلاف بين كل المذاهب التي تنتسب إلى الإسلام بدأ من نقطة واحدة ثم اتسعت الزاوية حتى انفرجت لتشمل كل هذا التباين المذهبي، مما جعل البحث بينهم مستحيل، فكان التفكير السليم يقتضي بداية البحث من تلك النقطة حيث كان الخلاف محصوراً وبمعرفة ممثل الحق في تلك اللحظة يمكنني التدرج

٢٥
معه إلى هذه اللحظة، فشكلت هذه الحقيقة حقيقة أخرى وهي إن الإسلام في زمن رسول الله (ص) كان ديناً واحداً من غير أي مفاهيم متباينة ولم يدب الخلاف في الأمة إلا بعد رحيل رسول الله (ص) إلى الرفيق الأعلى، فكانت هذه بداية فرط العقد فرسول الله (ص) كان سداً منيعاً أمام التفرقة والاختلاف، فخطر في بالي تصور عجيب..

لما لم يخلقنا الله تعالى في زمن الرسول (ص) لكي نلتف حوله ونضمن بذلك نجاتنا؟ ولم لم يجعل الله الرسول حياً يرزق إلى زمننا زمن الريب والشك لكي يسد الطريق أمام كل المرتابين؟ وإذا كان الموت هو القدر المحتوم حتى للرسل، فلما لم يجعل لنا الرسول وسيلة تكون لنا ضمانة من الاختلاف من بعده؟ هذه الإستفهامات الحائرة كانت هي الخطوات التي أوصلتني إلى درب الأمان، فتحول البحث من داخل المذاهب إلى تاريخ الإسلام ودراسة نشوء المذاهب، ولكن أحدثت هذه النقلة أزمة جديدة وهي اقتحام المقدس وحرمة نبش المقابر فتلك أمة قد سبقت لا نسأل عما فعلوا، فكان هذا أكبر حاجز وقف بيني وبين بداية البحث بعد أن عرفت بداية الطريق، فوقفت في ذلك الطريق أنظر هنا وهناك.. لعلي أجد من المارة من هو متجهاً إلى مقصودي فيشجعني لاقتحام ذلك التاريخ.

.. وطرق التشيع بابنا

وفي غمرة تلك الهواجس التي تتزاحم على خاطري كان في بيتنا ازدحاماً من نوع آخر، فقد بدأ الأهل بحزم أغراضهم بقصد السفر إلى قريتنا في شمال السودان، فهناك مناسبة زواج أبن عمي وفي تلك المناسبة تجتمع كل العائلة قادمة من كل

٢٦
مدن السودان، فظروف العمل تفرق البيت الواحد وتفصل الأحبة عن الأحبة، خاصة أن المسافات في السودان بين المدن كبيرة ويتعسر على الأهل مقابلة بعضهم إلا في بعض المناسبات.

ففرحة اللقاء بالأهل والأقارب أسكنت ذلك البركان الذي يتنفس في أعماقي، وازدهرت الحياة من جديد في ناظري، وفي طول الطريق لم أفكر إلا في أخوالي وأعمامي وخالاتي وعماتي..، لعل بين أحضانهم الدافئة اطفي آلام الألم والشك والحيرة، ولعل ذكريات الطفولة بين بيوتات القرية القديمة الواقعة بين ضفاف النيل وخدرة النخيل وبين السلسلة الجبلية كأنه عقد ألتف حول عنقها ليجعل منها عروساً للنيل أو يجعلها آية لسحر الطبيعة الفاتنة التي تجلى الباري في صنعها، فلعل روحي تعشق جمال الخالق وتسرح به بعيداً فتنتابها جذبة صوفي تنكشف معه الحقيقة.

ثم جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن، وانكسرت تلك الريشة التي كادت أن ترسم لي عطلة بعيدة عن كل ما يهيج نفسي، فصراع الأديان وصراع النفس مع الاختيار لم أكن أتوقع أن يلحقني في تلك القرية النائية ويطرق باب بيتنا، ومن الطارق يا ترى.. شيء غير مألوف.. وشخص غير معروف.. من.. ؟ الشيعة.. نحن في السودان ليس في النجف أو طهران... أم مع تغير الزمان تتغير أيضاً البلدان؟.

لا.. لم تتغير البلدان والطارق من السودان، فهو خالي، ومجموعة أخرى من أقاربي، فقد كان صادق احساسي فالتغير الذي لاحظته في خالي في سلوكه وكلامه لم يكن معهوداً، فقد كان شاباً عصرياً منفتحاً على الحياة كل ما كان يشغله دراسته الجامعية، فتبدلت تلك الصورة بهذه الصورة ناسكاً عابداً لا

٢٧
يتحدث إلا في أمر الدين.

..فقلت أصدقني القول يا خالي أهو الدين الذي غير ذاك الحال؟

قال: الشيعة..

قلت: ماذا؟

قال: الشيعة.

نعم الشيعة.. فكانت تلك الكلمات هي صوت دقات الباب.

من هم الشيعة

أسترسل خالي في الحديث مبيناً من هم الشيعة، واضعاً إصبعه على أسس الخلاف بينهم وبين أهل السنة، ومدى أحقيتهم في هذا الخلاف، فقد كنت لا أعرف عنهم إلا أنهم هم الذين يدعون بأن الرسول (ص) بعد وفاته لم يترك الأمر شورى، وإنما قام بتعين الإمام على u خليفة من بعده، وما جرى في التاريخ من خلافة سيدنا أبي بكر وعمر ما هو إلا غصب لحق الإمام علي u الشرعي.

فقد أكد خالي أن الخلاف المذهبي هو خلاف في عمق آليات الفهم الديني ولذا كان أيمان الشيعة بأهل البيت كمرجعية معصومة لقطع الطريق أمام دواعي الخلاف الديني،، فالضرورة العقلية قاضية بأن وحدة المرجعية هي كفيلة بجمع الصفوف وحل التباين، فإذا كان الله حريصاً على هداية الناس وهو كذلك فقد أرسل الأنبياء والرسل وأيدهم بمعجزاته حرصاً على هداية الناس، فلما تجاهل هذه الحقيقة العقلية الحاكمة بضرورة وجود مرجعية معصومة، ألا يكون لنا حجة يوم القيامة إذا سألنا عن سبب تفرقنا إلى مذاهب بأن نقول لم تجعل لنا علماً هادياً نقتدي به ونلجأ إليه كما كان يفعل الصحابة في

٢٨
عهد رسول الله (ص)، فجوهر الخلاف بين السنة والشيعة في هذا النقطة المحورية، حيث يدعي الشيعة أن حكمة الله تقتضي أن ينصب لنا الله إماماً من بعد الرسول (ص)، ألا تجدين في نفسك إن كان هناك مثلاً عشر أشخاص ينوون القيام بعمل ما، فإن كان هناك قائد من بينهم يلجأون إليه ويأتمرون بأمره ألا يكفل ذلك وحدتهم وجمع صفهم، أما إذا كان كل واحد منهم يعمل برأيه فسوف ينقلب جمعهم إلى عشرة طرق كل فريق بما لديه فرح، فنقطة بداية الخلاف بين السنة والشيعة في هذا الأمر تمسك الشيعة بضرورة حكم العقل ولم يعترف السنة بذلك الحكم، ولا تعتقدي أن هذا الحكم العقلي بعيد عن الحكم الشرعي، فالقرآن أيضاً قاضياً بهذا الحكم، ألا يكفيك في هذا الأمر أن الله لم يوكل للبشر اختيار أنبياءهم بل هو الذي ينتجب ويصطفي من عباده ما يشاء، فإن لم يكن للبشر خيرة في تنصيب من يخصه الله بالنبوة والرسالة كذلك ليس لهم الخيرة في تعين من يقوم بأمر دينه ألم يقل تعالى (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا) فالجاعل هو الله، فهذه هي سنة الله ولن تجدِ لسنته تحويلا، ثم أن أساس الخلاف في هذه الأمة هو فيما بعد الرسول (ص)، فأهل السنة والشيعة متفقون بشكل ما على الإيمان بالله والرسول، والخلاف كل الخلاف في ما بعد الرسول (ص) وقد ذكرت لكِ أن الضرورة العقلية حاكمة في هذا الحال بأن يكون لنا أمام من بعد الرسول وقد حكم القرآن أيضاً بهذه الضرورة في قوله تعالى (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول....) فقد بينت هذه الآية ثلاثة محاور أساسية وهي الله، والرسول، وولي الأمر، فلم تستثنِ هذه الآية موضوع الإمامة مما يعني إن الدين لا يكتمل إلا بهذه المحاور الأساسية، وإذا تدبرتِ في هذه الآية بشكل أعمق تكتشفين حقائق أكثر
٢٩
بعداً، فإذا نظرنا إلى لفظة أطيعوا نجد أنها تكررت في الآية مرتين المرة الأولى توجب الطاعة لله، والثانية توجب الطاعة للنبي، فلما تكررت إذاً؟فإن كانت الطاعة لله وللرسول واحدة كان بالامكان العطف (أطيعوا الله ورسوله) من غير لفظة طاعة جديدة، ويتحقق بذلك المعنى، ولكن هذه دلالة على الفرق بين الطاعتين فطاعة الله عبادة وطاعة الرسول امتثال لأوامره، هذا ما يقودنا إلى الاستفسار عن عدم تكرار لفظة الطاعة مرة ثالثة في أولي الأمر، فلو أستخدم القرآن لفظة ثالثة (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأطيعوا أولي الأمر) لدلل على الفرق بين الطاعتين وحين لم يستخدم ذلك بل عطف طاعة أولي الأمر على طاعة الرسول علمنا إن طاعة أولي الأمر هي عين طاعة الرسول (ص) وهي طاعة على سبيل الجزم والحتم، هذا ما يقودنا إلى حقيقة عميقة وهي عصمة أولي الأمر وإلا كيف يأمرنا الله بالطاعة المطلقة لمن هو يرتكب المعاصي فيكون أمراً من الله بالمعصية التي نهي عنها الله، فيجتمع بذلك الأمر والنهي في موضع واحد وهو محال فتعين بذلك عصمة أولي الأمر، وبذلك يكون رسم الله لنا معياراً نتعرف به على ولاة أمورنا وهو العصمة، وبهذا تسقط خلافة كل أمام أدعى الخلافة وهو غير معصوم، فالخلفاء الراشدون لم يدعوا العصمة لأنفسهم فضلاً على أدعاء الآخرين، فمن هذه النقطة الجوهرية أنطلق الفهم الشيعي يبحث عن ولاة الأمر الذين عصمهم الله من الخطأ، ولم يجد الشيعة بنص القرآن غير أهل البيت عليهم السلام الذين طهرهم الله من الرجس، وقال تعالى في حقهم (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس...) فقد حصر الله في هذه الآية أهل البيت وخصهم بالطهارة من كل رجس ودنس أو بمعنى آخر عصمهم
٣٠
من الخطأ، وبمعرفة المعصومين نكون قد عرفنا من هم أئمتنا وولاة أمورنا في تلك الآية، فتكون الطاعة واجبة على كل مسلم لله تعالى وللرسول (ص) ولأهل البيت عليهم السلام، وبذلك رسم لنا القرآن طريقنا من بعد الرسول (ص) وهو موالاة أهل البيت عليهم السلام ومودتهم كما أمر الله بقوله (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى)، ومن هنا جاءت الأحاديث متواترة عن رسول الله (ص) توجب أتباع أهل البيت عليهم السلام كقوله (أني تارك فيكم ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض وعترتي أهل بيتي إن العليم الخبير أنبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض) فحصر هذا الحديث مسار الأمة من بعد الرسول وهو في أتباع الكتاب والعترة، فعندما رأى الشيعة هذه النصوص تشيعوا لأهل البيت وتابعوهم فالتشيع يعني أتباع أهل البيت عليهم السلام، ولا تتصوري أن الفكر الشيعي وليد ذهنية ابتكرت فكرة الإمامة في ظروف تاريخية معينة وإنما هو امتداد طبيعي لحركة الرسالة الإسلامية، وقد كان الصحابة الذين يوالون الإمام علي أمثال أبي ذر وسلمان والمقداد يسمونهم بشيعة علي (ع) كما أكد الرسول (ص) هذا المفهوم وجذّر هذا المصطلح في عقلية الأمة الإسلامية بمجموعة أحاديث بشّر بها شيعة علي بالفوز بالجنة وأكدت أنهم هم الفرقة الناجية كقول رسول الله (ص) (من أراد أن يحيى حياتي ويموت مماتي ويدخل جنة عدن التي وعدني ربي فليوالي علي بين أبي طالب من بعدي ويوالي وليه ويقتدي بأهل بيتي فإنهم خلقوا من طينتي ورزقوا فهمي وعلمي ويل للقاطعين فيهم صلتي لا أنالهم الله شفاعتي) وقول الرسول (ص) (يا علي أنت وشيعتك على منابر من نور مبيضة وجوههم حولي) (يا
٣١
علي أنت وشيعتك هم الفائزون) وغيرها من الأحاديث التي رسمت للأمة طريقها، فهذا هو التشيع باختصار وأنا أدعوكِ إلى التأمل في ما قلته لكِ ويكون والحوار بيننا ممتداً.

توقف الزمن أمامي وأنا أستمع إلى هذا الكلام.. أرتسمت على محياي الدهشة.. وبدا علي السكون.. ولكنه في الواقع هز نفسي بعنف وكأنه أقترب بأنامله حول عنقي ليحبس بكلماته أنفاسي، فهل سحب خالي بهذا الكلام البساط من تحت أقدام كل المذاهب.. لكنه بدأ من النقطة التي وقفت عندها في مفترق الطريق، فلعله هو العابر الذي كنت أنتظره ليسلي وحدتي ويربط على قلبي لكي أقتحم تلك الصفحات التي ختمت بحبر التقديس.

ولكن سرعان ما لملمت أشتات ذهني وحزمت أمر نفسي، قائلة: لا يمكن تجاوز كل ذلك الزخم الفكري في الموروث الإسلامي وما أبدعت فيه عبقريات العقل المسلم بهذه الكلمات، فالأمر موقوف على كثير من البحث والنقاش.

قاطعني قائلاً: أنا لم أطلب منك تحديد موقف بهذا الكلام، كما أنني لا أؤمن بسياسة التلقين وتمرير الأفكار فكل ما ذكرته توضيح عام وما زال البحث والنقاش بيننا.

قلت: الأمر بحاجة إلى تركيز أكثر وأنا لا جد إن المكان مناسب في وسط هذه الضجة وزغاريد الفرحة، فمن المناسب أن ننتظر بعد أن تهدأ الأمور وأجد الفرصة الكافية لاستجماع نفسي لطرح الحوار نقطة بعد نقطة.

قال: لا بأس بهذا الاقتراح، فأنا موجود متى طلبتِ مني الحوار.

٣٢

الفصل الثاني... الخلافة بين النص والشورى


ودّعتُ خالي بعد تلك الجلسة العابرة، ودخلت مع النساء في معمعة الزواج، بين ضجيج النسوة وصراخ الأطفال ولكنها لم تحجب عن سمعي تلك الكلمات التي سمعتها عن خالي فما زالت تتردد في أذني، فعزمت على أعداد العدة فلا يمكن الاستهانة بهذا الكلام كما لا يمكن الاستهانة بمقدرة خالي العلمية فقد أدهشني فعلاً بتلك الكلمات التي كانت تنساب على لسانه من غير جهد وتكلف.

بعد الانتهاء من مراسيم الزواج وفي مساء يوم من الأيام،، دعوت خالي لإكمال الحوار وقد سجلت مجموعة أدلة تنقض ما قاله خالي، فوافق بترحاب، بشرط أن يكون النقاش مع مجموعة لتعم الفائدة.

وفي جو من الهدوء والسكينة وتحت ضوء القمر، اجتمعنا أنا وأخوتي وبنات خالتي، وبدأ الحوار مع خالي.

قلت: أولاً وقبل كل شيء تعلم إن كل من لا يؤمن بخلافة أبي بكر وعمر وعثمان فهو كافر، والشيعة لا يؤمنون بذلك ويعتبرون أن الخليفة من بعد الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) هو علي فحسب، وفي هذا الكلام تجاوز على الخلفاء و

٣٣
كذبٌ وافتراء على الله ورسوله (صلى الله عليه وسلم) وطعناً في الصحابة، وتسقيطاً لمكانة أبي بكر وعمر وعثمان -رضوان الله تعالى عليهم.

خالي: لعل الله منّ على بكِ حتى اهتدي على يديكِ إن كنتُ ضالاً، فقد قال رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) [ وأيم الله لئن يهدي الله على يديك رجلاً خير لك مما طلعت الشمس عليه وغربت ].

وقال تعالى: (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً).

فتعالِ، أكشفِ لي المستور، وأنيري دربي للحقيقة، ولكن أرجو منكِ يا بنت أختي بأن تنتهجي طريق الحكمة والدليل، فنحن قوم نميل مع الدليل أينما مال، قال تعلى (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين)، وقال تعالى (ادع إلى سبيل ربك بالحكة والموعظة الحسنة)، وقال أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب (عليه السلام) [ رحم الله امرئً سمع حكماً فوعى، ودعي إلى رشاد فدنا وأخذ بحجزة هاد فنجا ].

وعندها أطرقت رأسي خجلاً، وقلت سامحني يا خالي ولكن الحوار ليست فيه اعتبارات، وأنت صادق في ما قلت وما عليك إلا مواصلة النقاش ولكن عليك ذكر دليل الشيعة على أن الإمام علي قد نص عليه من قبل الله تعالى؟

خالي: إذا كنت مدير مدرسة أو شركة وطرأ عليك سفر، فهل تغادرين هذه المدرسة أو تلك الشركة بدون تعيين أي وكيل؟

قلت: طبعاً لا، وليست هذه صفة أي أداري عاقل.

خالي: أذن فهل خرج رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) من هذه الدنيا بدون وضع أي حلٍ لامته، فهل كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يجهل بما سيقع من بعده من حروب وفتن واختلافات؟ وهل يعقل أن رسول الله (صلى الله عليه

٣٤
واله وسلم) هذه الشخصية العملاقة التي بنت أعظم حضارة في تاريخ الإنسانية يترك هذه الحضارة، من غير تعين من يرعى شؤونها.

أو ليس من الواجب على الرسول أن يكون حريصاً على العباد، فيختار إليهم من يكون أمامهم في أمور الدين والشريعة؟ أو ليس هو القائل (ستفترق أمتي ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار ألا واحدة).

حاشا رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) أن يترك أمته سدي، وهو العالم بما سيجري بعده، وقد أثبت التاريخ أن رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) كان إذا أراد أن يخرج من المدينة إلى غزوة كان لا يخرج حتى يجعل خليفة، وقد ذكر البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عندما خرج لغزوة تبوك خلف علي ابن أبي طالب على المدينة وقال له: يا علي ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، فيتضح من ذلك أن رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) قد وضع حلاً لأمته.. أليس كذلك؟

قلت: أنا لا أعترض على شي مما قلت، فأن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لم يخرج من هذه الدنيا حتى وضع حلاً.. ولكن لا يعني هذا، أن يكون الحل الذي وضعه هو النص على الإمامة.

خالي: إذن ما هو الحل؟

قلت: الحل هو الشورى بين المسلمين.

خالي: أذن خلاصة هذا الكلام أن رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) كان يعلم بما سيجري من بعده، وأنه قد وضع حلاً لامته.. ولكن اختلفنا في نوعية ذلك الحل، فانتم تقولون أن

٣٥
الحل الذي وضعه الرسول (صلى الله عليه وسلم) هو الشورى بين المسلمين.. أما الشيعة، فقد ذهبت إلى أن الحل هو النص والتعيين من قبل الله تعالى ورسوله، وقد أثبتوا بما لا يدع مجالاً للشك أن الرسول عين من بعده علي وأهل بيته.

الشورى هي الحل

قلت: أن الأدلة على الشورى واضحة في آيات الله تعالى، ولا أدري كيف تغافل عنها الشيعة، فهل هناك نص أوضح من قوله تعالى (و أمرهم شورى بينهم) وقوله: (وشاورهم في الأمر).

فأن الظاهر من هذه الآيات، هو إعطاء الشرعية للأمة في انتخاب خليفتها، وليست لك حجة مما ينتج من هذا الانتخاب من اختلاف، لان من ميزات شريعتنا الغراء أن الاختلاف مسموح به، بل هو رحمة كما قال رسول الله (اختلاف أمتي رحمة)، هذه من أعظم القيم الإسلامية و هي إقرار مبدأ الديمقراطية.

كما أن الواقع العملي لسيرة المسلمين وخاصة سيرة السلف الصالح قد أجمعوا على هذا المبدأ، وأن أول شورى حدثت في التاريخ، أسفرت عن أعظم حضارة بقيادة الخلفاء كانت نتاج مبدأ الشورى، وهذا ما أراده رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، وهو القائل لا تجتمع أمتي على ضلال، وهذا للأمة فماذا يكون الحال إذا كان المجمعون هم الصحابة الذين زكاهم الله عز وجل ومدحهم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، فلم تكن يا خالي خلافة أبي بكر خارجة عن الدين، بل هي الدين بعينه.

وإذا كنت في شك مما قلتُ لك، تكون قد خالفت أهل البيت

٣٦
الذين تدعون التمسك بهم، لان علي ابن أبي طالب بنفسه بايع أبا بكر ولم يخالفه، وإذا كانت الخلافة له، لما سكت وبايع أبا بكر وكان على الأقل أحتج عليهم وذكرهم بأن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قد نص عليه، ولكن حدث عكس ذلك، فقد أقر علي مبدأ الشورى كما جاء في هذا النص كتبته من كتاب يرجعه إلى نهج البلاغة (وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فان اجتمعوا على رجل وسموه إماما كان ذلك لله رضا، فإن خرج من أمرهم بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منهم فإن أبى قاتلوه على أتباعه غير المسلمين) ولعل علي كان يدري أناساً يأتون من بعده يدعون أن الإمامة حق له دون غيره ولذلك سطر هذه الكلمات حتى تكون حجة عليهم مدى الدهر.

هذا من جهة علي، أما من جهة الصحابة فالأمر أوضح، لأنهم لم يبايعوا على، ولوا كان هناك نصاً عليه لم يتخذوا دونه بدلا، و لا يمكن أن يقبل إن كل الصحابة قد تواطئوا على علي، وهم الذين مدحهم الله في كتابه (محمد رسول الله واللذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً..) وكما قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم.

فإذا كان الصحابة لم يبايعوا علياً فهذا دليل قوي على أنه لا يوجد أي نص، إذ لو كان هناك ثمة نص لألتزم به الصحابة الكرام.

ثم بالله عليك، إذا كانت الإمامة نصاً ألهياً وهي بهذه الدرجة من الخطورة كما تدعون وتطبلون على ذلك لماذا لم تذكر في القران الكريم؟

لماذا لم يذكر أسم علي كما ذكر أسم محمد (صلى الله عليه

٣٧
وسلم)، بل لم يترك حتى إشارة واضحة محكمة في ذلك الخصوص؟

فهذا يدل على أن القضية هي قضية شورى بين المسلمين، ولست القضية نص كما تدعي وتذهب.

أبو بكر هو الخليفة الذي نص عليه رسول الله

.. وإن تنـازلنا وسلمنا للشيعة أن الخليفة لابد أن يكون منصوصاً عليه، فحينها تكون الكفة مع أبي بكر الصديق.

خالي: متعجباً …أبو بكر؟

قلت: أجل، الصديق..

خالي: نورينا، كيف ذلك؟؟

قلت: عن علي رضي الله عنه قال (دخلنا على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقلنا: يا رسول الله أستخلف علينا قال: إن يعلم الله فيكم خيراً يول عليكم خيركم، فقال علي رضي الله تعالى عنه: فعلم الله فينا خيراً فولى علينا خيرنا أبا بكر رضي الله عنه).. وعن علي أبن أبي طالب أيضاً: (أتت امرأة إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فأمر أن ترجع إليه فقالت: إن جئت ولم أجدك كأنها تقول الموت، قال إن لم تجديني فأتي أبا بكر).. وعن ابن عمر قال (سمعت رسول الله يقول: يكون خلفي أثنا عشر خليفة أبو بكر لا يلبث ألا قليلا).. وعن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) اقتدوا بالذي بعدي أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.

هذا بالإضافة إلى قوله تعلى (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين..) فأن هذه الآية نازلة في حق أبي بكر الصديق.

فكانت النتيجة طبيعية، أن يعين رسول الله (صلى الله عليه

٣٨
وسلم) أبا بكر كما عينه إماماً ليصلي بالمسلمين.

الاستدلال بآيات الشورى باطل

خالي: انتهيتِ؟

قلت: أجل، وهل بعد هذا الكلام من زيادة، وابتسمتُ قائلةً: قطعت جهيزة قول كل خطيب، ولو كان للشيعة ربع هذه الأدلة لقلنا أنهم تأولوا، ولوجدنا لهم عذراً.

خالي: هوني عليكِ يا بنت أختي زادني الله وإياكِ بصيرة في الحق.. وهدانا الله إلى طريق الهدى والصراط المستقيم.

حججك يا عزيزتي قوية ومنطقية ولكن عندي عدة أسئلة وبعض الشبهات حول ذلك فإن أجبت عنها، كان الصواب معك.

قلت: بوجه مستبشر، وبلهفة تفضل.. تفضل.

خالي: ذكرتِ أن الحل والمنهجية التي وضعها الرسول (صلى الله عليه وسلم) لأمته بعد وفاته هي الشورى بين المسلمين. وإستدليتِ بالآيتين المباركتين (وشاورهم في الأمر) (وأمرهم شورى بينهم).

قلت: أجل، هو ذلك.

خالي: حسناً من هو المخاطب بقوله تعالى (وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله).

قلت: المخاطب هو الرسول.

إذن فالخطاب في الآية متوجه إلى الحاكم الذي استقرت حكومته أليس كذلك.

قلت: وبعد ثوان من الصمت، لم أفهم ذلك.

خالي: بما أن الرسول كان هو الحاكم الشرعي، وخطاب الآية متوجه له، فلا يمكن أن تكون الآية مؤسسة لنظرية

٣٩
كتاب من حقي أن أكون شيعيّة للسيدة أم محمد علي المعتصم (ص ٤٠ - ص ٥٣)
٤٠