×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

من حقي أن أكون شيعية / الصفحات: ٤١ - ٦٠

كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم وأستغفر لهم وشاورهم …}

أما قوله تعالى {وأمرهم شورى بينهم، ومما رزقناهم ينفقون}

فالكلام فيها بنفس ما تقدم لأن الخطاب كان شاملاً للرسول أيضاً فمن الممنوع عقلاً وشرعاً أن يعقد الصحابة مشورة من دون الرسول هو بينهم، فإذا تحتم دخول الرسول معهم وهو الحاكم المطاع فتخرج الشورى حينها عن موضوع تعين الحاكم كما تقدم في الآية الأولى، فتكون الآية حثت على الشورى فيما يمت إلى شؤون المؤمنين بصلة لا فيما هو خارج عن حوزة أمرهم.

أما كون تعين الأمام داخلاً في أمورهم، فهذا هو أول الكلام وعلى أقل تقدير إذ لا ندرى هل أن أمر الإمام هو من شؤون المؤمنين أم من شؤون الله سبحانه، ومع هذا الترديد لا يصح التمسك بالآية.

فهذه الآيات التي ذكرتيها لا يستفاد منها أكثر من رجحان التشاور بين المؤمنين في أمورهم، كما أن التشاور لا يمكن أن يكون في القضايا التي ورد فيها تحديد شرعي فليس لأحد صلاحية في قبالة تشريعات الله تعالى، قال تعالى {وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة} القصص ٦٨وقال:{وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضلّ ضلالاً مبيناً} الاحزاب٣٦.

…فالآيتان أجنبيتان تماماً عن موضوع القيادة، وبالتالي دليلكِ هذا ساقط ولا ينهض بأي حال من الأحوال لإثبات المدعى.

٤١
أليس كذلك؟

قلت: هذا الكلام يبدو في ظاهره وجيه، مع أنه يشوبه نوع من الغرابة فلم أسمع من قبل بمثل هذا الاستدلال، ولكن كل ما أفهمه، أن اختلاف أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) رحمة..

اختلاف أمتي رحمة

عذراً يا عزيزتي أن الحديث الذي ذكرتيه ليس بهذا الفهم، والوارد في تفسيره عند أهل البيت (عليهم السلام) كما جاء في كتاب أسمه علل الشرائع (أنه قيل للأمام الصادق (عليه السلام): أن قوماً يروون أن رسول الله قال: (اختلاف أمتي رحمة)، فقال: صدقوا، فقيل إذا كان اختلافهم رحمة فاجتماعهم عذاب، قال (عليه السلام): ليس حيث تذهب وذهبوا، إنما أراد قول الله عز وجل {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون}١٢٢التوبة.واختلاف أهل البلدان إلى نبيهم ثم من عنده إلى بلادهم رحمة.. فالاختلاف في البلدان لا في الدين لان الدين واحد، وهذا ما تؤكده كتب اللغة فقد جاء في المنجد: أختلف إلى المكان، تردد أي جاء المرة بعد الأخرى.وهذا ما يقبله العقل والشرع قال تعالى:{واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا}١٠٣آل عمران، وقوله تعالى:{ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم..} ٤٦الأنفال، وقال: ل {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص}٤ الصف، وقال تعالى {إنما المؤمنون أخوة}٤الحجرات.

الديمقراطية مبدأ إسلامي وعقلائي

قلت: حسناً يا خالي إذاً أنتم الشيعة الإمامية، لا تعترفون

٤٢
بمبدأ الشورى في الفكر الإسلامي وإذا كان الأمر كذلك، فلما المصلحون والمجددون يقولون: أن بنيان الحكم في الإسلام مبني عل أسس الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير، ولم يكن ذلك من فراغ، وإنما استناداً للطريق الذي شرعه الإسلام لانتخاب الحاكم بالشورى والاختيار الحر، وهذا ما أجمع عليه كل العقلاء مسلمون وغير مسلمين.

خالي: أولاً إن الديمقراطية بصورتها الحالية لم تكن هي المبدأ الذي أتفق عليه كل العقلاء.

وثانياً: أن الديمقراطية بالفهم الإسلامي هي رقابة مشتركة بين الحاكم والرعية من أجل تطبيق قيم ومبادئ سامية، وليست هي الفوضى التي تنتج من الأتباع المطلق لرغبات الشعب، وإنما هي مساعي مشتركة بين الحاكم والرعية لتطبيق شرع الله.

ثالثاً: إن الديمقراطية يمكن أن تقبل في إطار خاص وليس مطلقاً، أي في الأمور التي تعتبر من اختصاصات البشر، لا في الأمور التي هي من شأن الله سبحانه وتعالى، فالحا كمية الحقيقية لله تعالى {أن الحكم ألا لله}، والله هو الخالق، والخالقُ مالك، والمالك هو الحاكم، ولا يجوز للمملوك أن يتصرف في حق المالك ألا بأذن المالك، وقد جرت سنة الله سبحانه وتعالى باصطفاء الخلفاء والحكام الذين يمثلون حكومته في الأرض، قال تعالى:{أني جاعلك في الأرض خليفة}وقال تعلى {وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا}وقال:{أني جاعلك للناس إماما وقال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين}وهذا غير الآيات التي تحدثت عن اصطفاء الله للخلفاء، فأمر الحكم هو من اختصاص الله عز وجل، فلا تجري فيه الديمقراطية.

٤٣

الديمقراطية لا تصلح في المجتمع القبلي

رابعاً: ولو سلمنا جدلاً أن الديمقراطية يمكن أن تكون طريق لاختيار الحاكم، لكنها لا تفيد مع ذلك المجتمع الجاهلي الذي لم يعرف في طول تاريخه معنى الشورى، فان الأنظمة التي كانت سائدة هي الأنظمة القبلية، والتقسيمات العشائرية، التي لا تعترف ألا بقانون القوة.

قلت: لكن النبي (صلى الله عليه وسلم) سعى سعياً حثيثاً لمحو الروح القبلية وإذابة الفوارق العشائرية، وجمع ذلك الشتات في بوتقة الإيمان الموحد.

خالي: نعم هذا صحيح، ولكن ليس من الممكن أن ينقلب النظام القبلي في مدة ثلاث وعشرين عاماً إلى نظام موحد إسلامي فقد كان لا يرى إلا الانتساب إلى القبلية فخراً له، والأدلة على ذلك كثيرة، فقد نقل البخاري في صحيحه (تنازع مهاجري مع أنصاري، فصرخ الأنصاري (يا معشر الأنصار) وصرخ المهاجري (يا معشر المهاجرين)(٢)، ولما سمع النبي ذلك، قال: (دعوها فإنها دعوة ميتة). ولولا قيادته الحكيمة (صلى الله عليه واله وسلم) لخُضّب وجه الأرض بدماء المسلمين من المهاجرين والأنصار. وكم حدثت أمثال تلك الحوادث، حتى قال فيهم النبي (يا معشر المسلمين، أبد عوى الجاهلية، وأنا بينكم..)، وحتى تتأكد مما قلته لك أرجع إلى أي كتاب في التاريخ، لترى الصورة الحقيقية للمجتمع الأول، ولا تفهم من ذلك إني أشكك في مجتمع الرسول (صلى الله عليه واله وسلم)، وكلما أقصده أن النظرة المثالية ليست واقعية.

٢ - ج٥ صـ١١٩ـ،بات غزوة بني المصطلق.

٤٤
.

قلت: ليس كل ما جاء في كتب التاريخ حقيقة.

خالي: عفواً لا تعتمدي على الكلمات المطلقة، ليس كل ما في التاريخ حقيقة، هذا الكلام عليكِ وليس معكِ، لأن السلف الذين تدافعين عنهم أنتِ لم تعيشي معهم، وكل ما تعرفينه عنهم هو عبر التاريخ، هذا أولاً، وثانياً: أن هنالك روايات في الصحاح التي تعترفون بصحتها تكشف أن المجتمع الأول لم يكن مثالياً كما تتخيلين، واليك هذه الحادثة التي جاءت في صحيح البخاري في قصة الإفك كمثال وليس حصراً. قال النبي (ص) وهو على المنبر: يا معشر المسلمين من يعذرني في رجل قد بلغني عنه أذاه في أهلي، والله ما علمت على أهلي إلا خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت منه إلا خيراً وما يدخل على أهلي إلا معي.

قالت عائشة: فقال سعد بن معاذ أخو بني عبد الأشهل فقال: أنا يا رسول الله أعذرك، فإن كان من الأوس ضربت عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا.

قالت عائشة: فقام رجل من الخزرج وهو سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً ولكن احتملته الحمية، فقال سعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله ولو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل.

فقال أسيد بن حضير، وهو أبن عم سعد بن معاذ، لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله، لتقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين.

قالت عائشة: فصار الحيان (الأوس والخزرج) حتى هموا أن يقتتلا ورسول الله (صلى الله عليه واله وسلم)، قائم على المنبر، ولم يزل رسول الله يخفضهم (أي يهدئهم) حتى سكتوا.

٤٥
فعليك أن تتدبر، هذا هو الحال ورسول الله بينهم، فكيف الحال بعد وفاته؟!

واسمحي لي أن أتجاسر قليلاً وأقول لك، أن فرض الديمقراطية في مثل هذا المجتمع هرطقة فاضحة.

وذلك لأن العمليات الانتخابية التي يفترض إجراؤها تحت مظلة الديمقراطية تستلزم وعياً ونظرا للمصالح والمفاسد وتقويماً للطرق السليمة التي تفيد المجتمع في ارتقائه وتكامله، وتجربة في الحياة السياسية.وهذا كله يستدعي أرضية ثقافية وفكرية نشطة لدى أبناء الشعب وفي غير تلك الصورة يكون فرض الديمقراطية ضرباً من اللاواقعية.

قلت: بقدر ما أنك تجد شواهد على بدوية ذلك المجتمع، فأن الشواهد على وجود نماذج طيبة كثيرة جداً في التاريخ، وليس من الأنصاف أن تتمسك بالشواهد السلبية دون الإيجابية، فمجرد وجود تلك النماذج الإيجابية كافٍ لصيرورة نظام الشورى.

خالي: أنا لا أنكر تلك النماذج الإيجابية بل أفتخر بها، ولكن ليس هذا مربط الفرس، فأن القضية تدور مدار الشرعية للشورى، والمدعى قائم على نفي الشرعية عنها، إذ لا يعقل أن تكون الشورى هي الطريق الذي حدده الشرع، في حين أنه لا توجد رواية واحدة عن الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) يتحدث فيها عن الشورى، وهذا خلاف المفترض، حيث كان من اللازم أن يبين الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) كيفية الشورى وحدودها وآلياتها، في حين أن الأحاديث التي تتحدث عن السواك وفوائده لا تقل عن الخمسة والثلاثين حديثاً.

٤٦

إجماع الصحابة على خلافة أبي بكر

قلت: في كلامك نسبة كبيرة من الوجاهة، وقد يصل إلى حد الإقناع لولا أنه معارض بإجماع الصحابة الذين أستقر رأيهم على خلافة أبي بكر في سقيفة بني ساعدة، وقد أعطى رسول الله هذا الإجماعَ الشرعيةَ بقوله (لا تجتمع أمتي على الخطأ).

خالي: بغض النظر عن الكلام حول حجية الإجماع والنقاش الدائر حوله، فأن إجماع الصحابة على خلافة أبي بكر لا يخلوا من أشكال، لأن القدر المتيقن من حجية الإجماع، هو الإجماع الغير مخروق إي الإجماع الذي لم يخالفه مخالف، وهذا غير متحقق.

قلت: أن الإجماع ينعقد برؤوس القوم وزعمائهم وهذا متحقق، ولا عبرة بغيرهم.

خالي: أن الذين تخلفوا عن بيعة أبي بكر لم يكونوا من صغار القوم كما زعمتِ، بل هم أعاظم الصحابة، وإليك منهم على سبيل المثال لا الحصر؛ فروة بن عمرو وهو ممن تخلف عن بيعة أبي بكر، وكان ممن جاهد مع رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) وكان يتصدق من نخله بألف ساق كل عام، وكان سيداً وهو من أصحاب علي، وممن شهد معه يوم الجمل(٣)..، وجاء في أسد الغابة شهد العقبة وبدراً وما بعدهما(٤)؛ وممن تخلف أيضاً خالد بن سعيد الأموي هو ممن أسلم قديماً فكان ثالثاً أو رابعاً وقيل خامس من أسلم، وقال أبن قتيبة في

٣ - وقد ذكر ذلك الزبير بن بكار في الموفقيات ص٥٩٠.

٤ - أسد الغابة ج٤ص١٧٨.

٤٧
المعارف: (أسلم قبل إسلام أبي بكر)(٥) وسعد بن عبادة، وحذيفة بن اليمان وخزيمة بن ثابت وأبو بريدة الاسلمي وسهل بن حنيف وقيس بن سعد وأبو أيوب الأنصاري، وجابر بن عبد الله، وغيرهم وكل هؤلاء من الصحابة العظماء كما تعلم، هذا بالإضافة إلى أبي زر وسلمان والزبير وأبي بن كعب والمقداد.

بيعة علي لأبي بكر كافية في المقام

قلت: كلامك مقنع وقد تفاجأت فعلاً بهذه الأسماء، ولكنه معارض، بمبايعة علي لأبي بكر وهذا كافي لأنه مدار الخلاف.

خالي: لم تكن مبايعة علي لأبي بكر متفق عليها، فقد تواتر في كتب التاريخ والصحاح والمسانيد تخلف علي ومن معه عن بيعة أبي بكر وتحصنهم بدار فاطمة، ومن ذلك ما رواه البلاذري وقال: بعث أبو بكر عمر بن الخطاب إلى علي حين قعد عن بيعته وقال: ائتني به بأعنف العنف، فلما أتاه جرى بينهم كلام، فقال علي لعمر: أحلب حلباً لك شطره، والله ما حرصك على إمارته اليوم ألا ليؤثرك غداً.

لذلك قال أبو بكر في مرض موته: أما أني لا أسي على شيء من الدنيا، ألا على ثلاث فعلتهن وددت أني تركتهن إلى قوله.. فأما الثالث التي فعلتها فوددت أني لم أكشف بيت فاطمة عن شيء، وأن كانوا قد أغلقوه على حرب.

وقد ذكر المؤرخون ممن دخل في دار فاطمة.

١-عمر بن الخطاب.

٥ - ص١٢٨.

٤٨
٢-خالد بن الوليد.

٣-عبد الرحمن بن عوف.

٤-ثابت بن قيس.

٥-زياد بن لبيد.

٦-محمد بن مسلمة.

٧-زيد بن ثابت.

٨-سلمة بن أسلم.

٩-أسيد بن حضير.

وقد ذكروا في كيفية كشف بيت فاطمة انه: (غضب رجال من المهاجرين في بيعة أبي بكر منهم علي بن أبي طالب والزبير، فدخلا بيت فاطمة ومعهما السلاح.

وذكر المؤرخون أيضاً قد بلغ أبا بكر وعمر أن جماعة من المهاجرين والأنصار قد اجتمعوا مع علي بن أبي طالب في منزل فاطمة بنت رسول الله، وأنهم اجتمعوا على أن يبايعوا عليا. فبعث إليهم أبو بكر عمر ليخرجهم من بيت فاطمة، وقال له: أن أبوا فقاتلهم.

فأقبل عمر بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار، فلقيتهم فاطمة فقالت: يا بن الخطاب أجئت لتحرق دارنا؟!

قال عمر: نعم، أو تدخلوا في ما دخلت فيه الأمة.

وفي أنساب الأشراف، فتلقته فاطمة علي الباب فقالت: يا ابن الخطاب أتراك محرقاً على بابي؟!

قال عمر نعم.

وعلى ذلك أنشد حافظ إبراهيم شاعر النيل قائلاً

وقولة لعلي قالها عمرأكرم بسامعها أعظم بُملقيها
حرقتُ دارك لا أبقي عليك بهاإن لم تبايع وبنت المصطفى فيها

٤٩

ما كان غير أبي حفص يفُوه بهاأمام فارس عدنان وحاميها

قلت: وأنا مندهشة لم أسمع بهذا من قبل، فهل يمكن أن تنقلب الأمة حتى على بنت رسول الله (ص)، ولكن يا خالي إذا تجاوزت هذه الحادثة مع أنه مما لا يمكن تجاوزه، وإنما لفتح الباب أمام الحوار وسلمتُ بما حدث، فأنه لا يتجاوز أن يكون موقفاً مخالفاً لموقف الصحابة الذين اجتمعوا في السقيفة وارتأوا الشورى حلاً، وهذا ليس كافٍ لسلب صحة الشورى، وأهل السنة على هذا الرأي.

أحداث السقيفة

خالي: أن الكلام كان عن الإجماع وما ذكرته لك كافٍ لإبطاله، هذا أولاً، وثانياً أن الشورى بما هي شورى ليست حجة وغير ملزمة، كما اثبتنا ذلك في أول الكلام، وثالثاً: أن الشورى لم تكن موجودة على المستوى العملي، فأن مجريات الأحداث لا توحي بوجود شورى. وإليك ما جاء في السقيفة من رواية عمر بن الخطاب قال: إنه كان من خبرنا حين توفي رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، أن الأنصار اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة وخالف عنا علي والزبير ومن معهما، فقلتُ لأبي بكر: أنطلق بنا إلى إخواننا الأنصار. فانطلقنا حتى أتيناهم، فإذا رجل مزّمل فقالوا هذا سعد بن عبادة يوعك.

فلما جلسنا قليلاً تشهد خطيبهم فأثني على الله ثم قال: أما بعد، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام وانتم معشر المهاجرين رهط.

فأراد عمر أن يتكلم عندما سمع خطيب سعد بن عبادة لكن أبو بكر منعه، فتكلم هو، يقول عمر: والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل، حيث

٥٠
قال: ما ذكرتم فيكم من خير فانتم له أهل ولن يصرف عنكم هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسباً وداراً، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين أي عمر وأبوعبيدة، فبايعوا إيهما شئتم.

وأخذ أبو بكر بيد عمر وبيد أبو عُبيدة.

فقال قائلٌ من الأنصار: أنا جذيلها المحكك وعُذيقها المرجب.. منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش.

فكثر اللغط وارتفعت الأصوات.

فخاف عمر من الاختلاف، فقال لأبي بكر: أبسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون، ثم بايعته الأنصار وهذا مختصر ما جرى في السقيفة(٦).

علي مع الحق والحق مع علي

والأمر الأهم من ذلك، أن علياً (ع) لم يكن طرفاً في قبالة أهل الشورى كما زعمتِ، لان علياً (ع) ركن الحق والحقيقة والحق يدور معه حيثما دار.

قلت: ولماذا؟.. الحق يدور مع علي حيثما دار، هذا الكلام في غاية التهافت، ولا يمكن أن يقبله جاهل فضلاً عن عالم، كيف

٦ - وللتفصيل أرجعي إلى كتب التاريخ مثل الطبري في ذكره حوادث بعد الرسول، وابن الأثير ج٢ص١٢٥ وتاريخ الخلفاء لابن قتيبه ج١ص٥ وسيرة بن هشام ج٤ص٣٣٦ وغيرها مثل الطبقات وكنز العمال والعقد الفريد وتاريخ الذهبي واليعقوبي والموفقيات للزبير بن بكار وكتاب السقيفة لأبي بكر الجوهري وشرح النهج.

٥١
يدور الحق مدار إنسان، فإذا قُبل هذا الكلام يمكن أن يقبل للرسل الذين عصمهم الله، أما في غيرهم فمخالف للشرع، كما قال رسول الله (كل أبن آدم خطّاء وخير الخطّائين التوابين) وهذا من المسلمات العقلية قبل الشرعية، فأن العقلاء يجوزون الخطأ حتى على الرجال الذين بلغوا مستوى من الكمال البشري.

خالي: أولاً: يا عزيزتي أن هذا الكلام ليس متهافت كما تفضلت، لان العقل لا يمانع أن يكون الحق يدور مدار إنسان، بل حتى الإمكان العلمي والعملي لا يخالف ذلك، أما على المستوى العقلي، فأن العقل لا يحكم باستحالة شيء إلا إذا رجع لمبدأ التناقض وهذه منتفية بالضرورة، وأما على المستوى العلمي فالعلم يقول أن في الإنسان قوة عقلية تدله للصواب وغرائز وشهوات تجره للخطأ، فإذا غلّب الإنسان قوته العقلية لا يمكن أن يرتكب الخطأ، وأما من الناحية العملية يكفيك الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم أجمعين، فليس في الأمر تهافت.

وثانياً: أن هذا الكلام لا يخالف الشرع كما تفضلتِ، قال تعالى:{ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره}فأن الله يحاسب الإنسان على مثقال ذرة (وهي أصغر ما يمكن أن يعبر بها) من الشر، فإذا كان الإنسان ليس قادراً على أن لا يرتكب مثقال ذرة فلماذا يحاسبه الله، قال تعالى {لا يكلف الله نفساً ألا وسعها} فمعنى ذلك أن عدم ارتكاب الذرة من الخطأ هي من سعة الإنسان واستطاعته، وهذا دليل على أن كل إنسان يمكن أن يكون معصوماً، وإذا سلمت بذلك كما هو واضح، فهل يا ترى لم يتحقق ذلك أبداً في طول التاريخ الإسلامي؟ وهو بالتأكيد تحقق لأن الله لم يضع هذا الأمر عبثاً، وإنما واقعاً،

٥٢
لان هذه الآية ليست مثالية وإنما لها نماذج واقعية تكون حجة على البشر، فهل يا ترى هنالك نموذجاً يكون مصداقاً لهذه الآية غير علي بن أبي طالب (عليه السلام) الذي أتفق على فضله جميع المسلمين.

وثالثاً: قال تعالى {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} جاء في تفسير الرازي لهذه الآية، أن الله أوجب طاعة أولي الأمر على سبيل الجزم وكل من يأمر الله بطاعته على سبيل الجزم لابد أن يكون معصوماً، وألا يجتمع الأمر والنهي في موضع واحد وهذا محال؛ وبتقرير آخر، أن الله أمر بالطاعة المطلقة لأولي الأمر من غير تخصيص، فإذا كان يتصور منهم الخطأ، فأننا بطريقة غير مباشرة نرتكب الخطأ، فنكون أمرنا بارتكاب الخطأ، وقد نهانا الله عنه، فيكون بذلك أجتمع الأمر والنهي في موضع واحد وهذا محال، فإذاً لابد أن يكون أولو الأمر معصومين، فيا ترى من هم المعصومون الذين أمرنا الله بطاعتهم؟

قلت لكي أقطع عليه الطريق:... الرسول طبعاً.

خالي (مبتسماً): مهلاً يا بنت أختي لا تتعجلي..

قلت: نعم، نعم أنا أسفة.. واصل كلامك.

خالي: والإجابة على ذلك هو قوله تعالى {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}أن في هذه الآية تأكيد من الله عز وجل على تطهير أهل البيت من الرجس، وهو كل ذنب صغيراً كان أم كبيراً، وهذه هي العصمة بعينها، فيكون معنى الآية (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأهل البيت)، وقد ذكرت لك ذلك من قبل ولكن لتأكيد الفائدة وتعميمها.

رابعاً: قال: قال رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم): (علي

٥٣
كتاب من حقي أن أكون شيعيّة للسيدة أم محمد علي المعتصم (ص ٥٤ - ص ٦٧)
٥٤

الشورى في الواقع العملي

هذا من جهة ومن جهة أخرى، أننا إذا تنازلنا عن كل ما قلناه في علي عليه السلام، ونظرنا إلى الشورى والإجماع الذي تحتجين به، فهنالك عدة إشكاليات على أهل السقيفة، وهي تتمثل في الريبة التي تلف زمان السقيفة ومكانها، حيث السقيفة لم تكن هي المكان الذي يصلح لانعقاد مثل هذا الأمر الهام جداً وكان من الممكن أن ينعقد في مسجد رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم)، وثانياً، الزمان الذي انعقدت فيه الشورى فأنه لا يخلوا من خبث واضح، فأن الرسول مازال مسجى لم يدفن بعد، فأي مسلم له غيرة على الإسلام يقبل ذلك.

والإشكال الآخر، إذا سلمنا أن للإجماع حجة، فأن هذا الإجماع لم ينعقد، لعدم حضور كل الصحابة وعلى الأقل أهل المدينة، وكان فيهم كبار الصحابة، ثم أن الطريقة التي جرت بها الشورى خالية حتى من أبسط الأخلاقيات، لشدة المهاترات التي جرت بينهم، كقول عمر لسعد عندما أجتمع الناس لمبايعة أبي بكر، وكادوا يطئون سعد بن عبادة، فقال أناس من أصحاب سعد: اتقوا سعداً لا تطئوه، فقال عمر (اقتلوه قتله الله إنه صاحب فتنة)، ثم قام على رأس سعد وقال له: لقد هممت أن أطاك حتى تندر عضوك، فاقبل عليه قيس بن سعد وأخذَ بلحية عمر قائلاً: والله لوحصصت منه شعرة ما رجعت وفي فيك واضحة، ثم تكلم سعد بن عبادة مناديا وخاطب عمر: أما والله لو أن بي قوة ما، أقوى على النهوض لسمعت مني في أقطارها وسككها زئيراً يُوجحرك وأصحابك، أما والله لألحقنك بقوم كنت فيهم تابعاً غير متبوع..)(١٠)

١٠ - ذكرها الطبري ج٣ص٤٥٥.

٥٥
فبالله عليكِ، لأي شي أستحق سعد القتل، ولم يكن يدعو إلا إلى نفسه كما دعا غيره؟

ولماذا كان صاحب فتنة؟ وقد دعا للشورى التي أمر بها الإسلام كما تدعون.

عدالة الصحابة

قلت: للأنصاف يا خالي قد أدهشني هذا الكلام، ولكنني لا يمكن أن أصدق ذلك على الصحابة، وكأني أراك متحاملاً عليهم، وألا ما حفظت كل هذه الشواهد في مثالبهم، ومما يجعلني أشكك في كلامك أن مثل هذه الأفعال كيف تصدر من الصحابة الذين رباهم الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم.

خالي: لا يا عزيزتي، لم يكن في الأمر تحامل، وما أنا ألا دارس للتاريخ، وقد سجل لنا التاريخ أن الصحابة فعلوا ما فعلوا.

ثم من قال أن مجرد الصحبة عاصمة من الخطأ؟ فالصحابة هم مجتمع بشري يحمل الصالح والطالح، وكون هنالك رسول أتفق وجوده مع وجودهم هذا ليس كافٍ أن ينقل كل ذلك المجتمع من قمة الجاهلية إلى قمة العدالة، وكم هنالك مجتمعات عاش بينها عشرات الأنبياء لم يمنعهم ذلك من عذاب الله، فبنوا إسرائيل كانوا يقتلون في اليوم والليلة سبعين نبياً، قال تعالى {أكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم...}.

أما لماذا فعلوا، فهذا بحث آخر.

قلت: ما هي نظرتكم إلى الصحابة بكل أمانة؟

خالي: ننظر إليهم كما نظر إليهم القرآن والأحاديث الشريفة.

قلت: وكذلك أهل السنة يقولون، أن القرآن نزههم من كل سوء وبايعوه على الموت وصاحبوه بصدق في القول والعمل،

٥٦
وهي أحد الأصول التي ندين بها.

خالي: هذه نظرتهم لا نظرة القرآن، لان القرآن قسم الصحابة إلى ثلاثة أقسام..

الأول: الصحابة الأخيار الذين عرفوا الله ورسوله حق المعرفة، ولم ينقلبوا بعده، بل ثبتوا على العهد، وقد مدحهم الله جل جلاله في كتابه العزيز، وقد أثنى عليهم رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) في العديد من المواقع، ونحن الشيعة نذكرهم باحترام وتقديس ونترضى عليهم.

القسم الثاني: هم الصحابة الذين اعتنقوا الإسلام وأتبعوا رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) أما رغبة أو رهبة، وهؤلاء كانوا يمنون إسلامهم على رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) وكانوا يؤذونه في بعض الأوقات ولا يمتثلون لأوامره ونواهيه بل يجعلون لآرائهم مجالاً في مقابل الرسول، حتى نزل القرآن بتوبيخهم مرة وتهديدهم أخرى، وقد فضحهم الله في عديد من الآيات وحذرهم رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) في عديد من الأحاديث النبوية ونحن الشيعة لا نذكر هؤلاء إلا بأفعالهم.

القسم الثالث: فهم المنافقون الذين صحبوا رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) نفاقاً، وقد أنزل الله فيهم سورة كاملة وذكرهم في العديد من المواقع وتوعدهم بالدرك الأسفل من النار، وهؤلاء يتفق الشيعة والسنة على لعنهم والبراءة منهم.

قلت: من أين أتيت بهذا التقسيم، وقد قال تعالى {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريبا}، فهذه الآية تفيد الإطلاق على كل من تبع الرسول (صلى الله عليه وسلم) وتصفهم بالإيمان وإنزال السكينة، ماعدا المنافقين فهم

٥٧
خارجين تخصصاً.

خالي: أولاً أن (المؤمنين) هنا ليست لفظ قصد منه الإطلاق أي مطلق المؤمنين، وإنما صفة مخصصة ومقيد لكل من تبع الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) إي ليس كل من تبع الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) وإنما المؤمنون منهم.

ثانياً: لو رجعتِ إلى الآية الأخرى التي تحدثت عن بيعة الشجرة في نفس السورة وبالتحديد الآية رقم ١٠، تجدين أن الله لم يجعل رضاه مطلقاً وإنما جعله مرهون ومشروط بعدم النكث، قال تعالى:{إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسُيؤتيه أجراً عظيماً} والآية أوضح من أي تفسير، فهذه الآية تبين أن هناك قسمان من الصحابة.

قسم نكث ولم ينل رضا الله.

وقسم أوفى بما عاهد الله فنال رضاه.

قلت: تحليلك للأمور رائع ولكن ماذا تقول في قوله تعالى:{محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطاه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً} فما رأيك في هذه الآية الصريحة في عدالة الصحابة، وقد فسرَ بعضهم قوله (يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار) يعجب المؤمنين ويغيظ الشيعة، لأنهم يعادون الصحابة.

خالي (وهو مبتسماً): أولاً كون بعض من أرتأى وقالوا ما قالوا فأن هذا ليس ملزماً لنا، كما أنه افتراء على الله ورسوله

٥٨
لأنه لا يتعدى كونه تفسيراً بالرأي.

وثانياً: أنا أسألك، ما معنى المعية هنا؟ هل هي معية الزمان؟ أم معية المكان؟ أم معية من نوع آخر؟

إن كان المقصود بهذه المعية هو معية الزمان والمكان، فأبو جهل وسجاح والأسود العنسي، والمنافقين كانوا معه وكذلك المشركون، من الواضح أن لا يكون المقصود ذلك، وإنما معية من نوع آخر، وهي من كان معه على المنهج ومؤيداً وثابتاً على ما عاهد الله عليه، والدليل على ذلك ذيل الآية {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم} فمنهم، تفيد التبعيض، وهذا هوا عين الصواب، وألا دخل في المعية أولئك المنافقون الذين مردوا على النفاق كما جاء في قوله تعالى {وممن حولك من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم}، كما أن الحديث عن المنافقين يفتح أمامنا سؤالاً عريضاً، كيف أنقطع النفاق بمجرد انقطاع الوحي؟ فهل كانت حياة النبي (صلى الله عليه واله وسلم) سبباً في نفاق المنافقين؟ أو موته (صلى الله عليه واله وسلم) سبباً في إيمانهم وعدالتهم؟ كل هذه الأسئلة يدعوا إليها الواقع التاريخي الذي لم يذكر لنا شي عنهم بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) مع أنهم كانوا يشكلون خطراً على الأمة الإسلامية، قال تعالى {قاتل الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} ولم يثبت لنا التاريخ أن رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) قاتل المنافقين، فهل يا ترى من الذي قاتل المنافقين، غير علي (عليه السلام) وخاصة أن الكتاب والسنة أثبت بقاء المنافقين على نفاقهم، بل هم الأكثرية الذين شكلوا تيار الانقلاب بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) قال تعالى {وما محمد ألا رسول قد خلت من قبله

٥٩
الرسل أفئن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين} ولا يخفى عليكِ أن قوله {الشاكرين} دلالة على الأقلية، لقوله تعالى {وأكثرهم للحق كارهون}وقال {وقليل من عبادي الشكور}.

قلت: قد زدتني حيرة على حيرتي، كيف يكون كل هذا في الصحابة، فكيف تفسر تلك الحروب التي قدم فيها الصحابة أرواحهم، وضربوا لنا أروع الأمثال في التضحية، فيمكن أن ينافق الإنسان في كل شيء ألا في هلاك نفسه.

خالي: لا تحتاري، فأن مجتمع الرسول كان مجتمعاً بشرياً فيه الصالح والطالح، ولا يمكن أن يكون مجرد وجود الرسول بينهم كافٍ لعصمة مجتمع بأكمله، والآيات القرآنية حاكمة بذلك كما تقدم، وغيرها كقوله تعالى {إذا يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله ألا غرورا} والعطف في الآية دالِ على أن الذين في قلوبهم مرض غير المنافقين، وقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا..}، ومن المعلوم أن الفاسق المقصود كان من الصحابة، أما قولك كيف ضحوا بأنفسهم، فأن مثل هذا السؤال لا تتوقف الإجابة عليه على كونهم مؤمنين، والتاريخ والواقع خير شاهد على ما قلت، فكم من حروب دارت وكم من جماعات ضحوا، فهل نحكم على الجميع بالإيمان، فهناك المكره وهناك من فرض عليه الواقع أمراً محكوماً، والحروب التي كانت قبل الإسلام خير دليل، ومع ذلك أنا لا أرمي الذين حاربوا مع رسول الله بأنهم كانوا مجبرين، مع أنه كان هناك المجبور والمنافق كشهيد الحمار، إنما أقول حتى المؤمن حقاً لا تعني حربه مع رسول الله عاصمة له من الانحراف بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) فأن مجموعة كبيرة من

٦٠