×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

من حقي أن أكون شيعية / الصفحات: ٨١ - ١٠٠

الشعائر الحسينية

حسمت لي تلك النقاشات مع بعض الإطلاع أحقية المذهب الشيعي بجدارة، ولم يكن بيني وبين الإلتزام الكامل إلا بعض الإشكالات الطفيفة التي لا تمس بالجوهر، مثل بعض الممارسات الشيعية في شهر محرم من اللطم على الصدور وضرب الرؤوس بالسيوف، فسألت خالي وأنا مستنكرة لهذا الأمر، كيف يجوز الشيعة فعل ذلك، ورسول الله (ص) يقول: (ليس منا من شق الجيوب ولطم الخدود ودعا بدعوة الجاهلية).

خالي: أولاً هذا نقاش فقهي داخل الدائرة الشيعية، ما يعني أن الشيعة ملزمون باستنباط أحكامهم الشرعية فيما ورد عندهم من الأحاديث المروية عن رسول الله (ص) وأهل البيت (ع)، والحديث الذي ذكرتِه هو من أحاديث أهل السنة فهو ملزم لهم وليس للشيعة، كما تقول القاعدة ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم.

وثانياً: إذا سلمنا بهذا الحديث فهو بعيد كل البعد عن مورد الاستدلال والاعتراض، فالحديث يتكون من ثلاث محاور أساسية فإن اجتمعت في موضوع واحد تتعلق به الحرمة والنهي، وهي (شق الجيوب - ولطم الخدود - ودعوة الجاهلية) والدليل على الاقتران هو رف العطف فإن كان شق الجيب لوحده حرام وكذا لطم الخد لكان من المفترض استخدام رف (أو) فيكون الحدين (.. من شق الجيوب أو لطم الخدود أو دعا بدعوة الجاهلية) فبالتالي لا تنصب الحرمة على شق الجيب إلا بعنوان دعوة الجاهلية أما من شق جيبه بل شق كل ملابسه، ولطم خده لأي سبب يراه أو مصلحة يجلبها لنفسه أو حتى عبثاً، ولم يدعوا بدعوة الجاهلية، لا يكون ملاماً أو معاتباً، وأكثر ما يقال فيه إذا لم يكن هناك حكمة عقلائية إنه

٨١
مجنون، فإذاً ليس شق الجيب ولطم الخد بمعزل عن دعاء الجاهلية، هو الذي تدور عليه الحرمة، وإنما تتحقق الحرمة ويتعلق النهي عن هذه التصرفات مع الدعاء بدعوة الجاهلية، وكذلك لا يكون الأمر محصوراً في شق الجيب ولطم الخد، فالذي يضرب رأسه ويشد شعره ويدعو بدعوة الجاهلية كذلك يشمله الحديث ومن هنا كان محور الحرمة ومناط الحكم هو دعوة الجاهلية مع شق الجيب أو ضرب الرأس أو أي تصرف آخر، و إلا حكمنا بجواز من يحثوا التراب على رأسه ويدعوا بدعوة الجاهلية، فالحديث بعيد عن تصرفات الشيعة أيام محرم، لأنهم لا يدعون بدعوة الجاهلية، فهم لا يدعون اللآت والعزة ومنات وهبل، ولا يدعون باسم العصبية القبلية ولا كل العادات التي ذمها الإسلام، وإنما يدعون بدعوة الإسلام، ودعوة التوحيد ويبكون على مصائب أهل البيت التي هي مصائب الإسلام، فالحديث بعيد عنهم.

قلت: ولكن ليس هناك أحد من كل العقلاء يستحسن ما يفعله الشيعة بل يستقبحونه، ألا يكفي حكم العقلاء لتحريمه.

خالي: أولاً: إذا نظرنا إلى حكم العقل بعيداً عن العقلاء فإن العقل لا يرى فيه قبحاً لأن العقل إذا نظر إلى أمر نظر له وهو مجرد عن كل العناوين وكل الاعتبارات فإذا جردنا هذه التصرفات من كل عناوينها، لا يتمكن العقل من الحكم عليها لأنها من الأمور الغير ذاتية القبح أو الحسن كالعدل والظلم وإنما من الأمور التي يدور حكم العقل فيها مع العنوان، فمثلاً (الضرب) كموضوع إذا نظرنا له بعيداً عن أي اعتبار ليس هو قبيحاً وليس هو حسناً، فإذا كان الضرب مع عنوان التأديب فهو حسن، والضرب نفسه مع عنوان الإيذاء والظلم فهو قبيح، فبالتالي الحسن والقبح يدور مدار العنوان، كذلك بعض الشعائر

٨٢
الحسينية، فهي أما أن تكون بعنوان أحياء أمر أهل البيت وبالتالي أحياء الإسلام، وإما بأي عنوان سلبي آخر، فإن كانت بالأول فهي حسنة وإن كان بالثاني فهي قبيحة، وأظن أن الأمر واضح أن هذه الشعائر بالقصد الأول.

أما حكم العقلاء فهو دائر مدار المصلحة العامة من الفعل أو المفسدة، ولا يرى العقلاء أي مفسدة في أن يقوم مجموعة من الناس بشعيرة معينة لمصلحة تخصهم، كما لا يرى مانع أن يخترع مجوعة من الناس احتفالاً يعظمون فيه أمراً ما، مثلاً كأس العالم في كرة القدم الذي يقوم كل أربعة سنوات بإجراء منافسات دولية ينشغل بها كل العالم، فلا يستقبح العقلاء هذا الأمر.

أما حكم العرف والذوق والميل والحب والكراهية كلها عناوين لا يمكنها تشكيل معيار لمحاكمة أي قضية، فإذا كان هناك عرف لا يحبذ الشعائر الحسينية فهناك عرف آخر يحبذها بل يحترمها، وكذا الحب والكراهية فما تحبينه أنتِ يكرهه الآخر، فمن الخطأ أن نحاكم الشيعة برغباتنا الخاصة.

قلت: ولكن الأمر يصل إلى حد الضرر كضرب الرؤوس بالسيوف، وهذه مفسدة واضحة لأن فيها ضرر، وقد نها رسول الله (ص) عنه وقال: (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام).

خالي: إذا نظرنا إلى هذا الحديث وأمعنا فيه النظر نجد إن الاستدلال بهذا الحديث يكون كالتالي (كل ضرر حرام، وضرب الرأس بالسيف ضرر، إذاً هو حرام) وهذا قياس منطقي واضح فإذا كان (كل إنسان يموت، وزيد إنسان، إذاً زيد حتماً يموت)، أليس كذلك.

قلت: نعم فكيف تجوزونه إذاً

٨٣
.

خالي: مهلاً ولا تتعجلي، حتى يكون هذا الأمر صحيحاً والقياس تاماً لا بد أن تكون الكبرى سليمة كما يسمونها في المنطق وهي (كل ضرر حرام) فهل كل ضرر على إطلاقه حرام، فإذا كان كذلك لتوقفت كل الحياة وليست الشعائر الحسينية لوحدها لأن الضرر نسبي، فكل فعل يفعله الإنسان فيه ضرر، ففي الأكل ضرر كما قال رسول الله (ص) ما ملأ بن آدم وعاء أشر من بطنه، و في عدمه ضرر، والنوم الكثير ضرر والقليل كذلك وفي القراءة ضرر وفي عدمها ضرر، وكذلك هناك أفعال في فعلها ضرر وفي تركها منفعة ولكنها ليست حرام بإجماع الأمة، مثل أكل بعض المأكولات الضارة كالشحوم، والفلفل الحار، والسكر الأبيض وعشرات الأسماء فمع أمكان الإنسان التخلي عنها إلا أنه ليس ملزماً، وباختصار ليس هنالك فعل إلا فيه ضرر، مما يدعونا إلى التفكير في معنى الضرر المقصود في الحديث، وهنا نتعرف على أن الضرر نوعين ضرر حتمي وضرر غير حتمي أو بمعنى ضرر مسموح به وضرر غير مسموح به، فالضرر الحرام المقصود في الحديث هو الضرر الحتمي بمعنى حتماً يؤدي إلى هلاك الإنسان مثل أن يشرب الإنسان كأس من السم، أما الضرر الغير حتمي هو أن يشرب الإنسان مثلاً كأساً من القهوة، فمع أنه فيه نسبة من الضرر إلا أنه ضرر مأذون به قاطعته قائلة: ولكن في ضرب الرأس بالسيف ضرر حتمي فمن الممكن أن تصادف الضربة شريان مما يؤدي إلى النزف المتواصل فيؤدي إلى موته.

خالي: هذا الاحتمال غير وارد ولا يعول عليه، لأن الاحتمال نوعان، احتمال عقلائي واحتمال غير عقلائي، والفرق بين الأثنين أن الأول احتمال قائم على مجموعة من المبادئ العلمية

٨٤
والثاني عكسه، فمن المحتمل أن يقع هذا البيت على رؤوسنا فهل نركض خارج الغرفة.

قلت: لا وأنا ضاحكة لأن هذا مجرد احتمال سخيف.

خالي: وإذا قال لك مهندس مختص بأن أعمدت البيت لا يمكنها حمل هذه الغرفة أكثر من يوم مثلاً فهل تغادرينها؟

قلت: نعم وإذا بقيت أكون رميت بنفسي في التهلكة.

خالي: هذا هو بالضبط الفرق بين الاحتمالين، فقولك من المحتمل أن تقطع الضربة شريان، هو كالقول من المحتمل أن تصدمك سيارة إذا عبرتِ الشارع، فهل تتوقفين عن العبور.

قلت: لكن يا خالي، إذا نظر إنسان إلى منظرهم وهم مضرجين بالدماء في منظر تشمئز منه القلوب وخاصة غير المسلم، مما يجعله يستهجن هذا الدين الذي يجعل أتباعه غارقين في الدماء.

خالي: نعم معكِ حق أن هذا المنظر الذي يخرج به المطبرون كما يسمونهم، منظر تشمئز منه القلوب، ولكن ليس عليهم عتاب، ولكي تعرفي ذلك لا بد لنا النظر في الجذر الثقافي الذي يرتكز عليه التطبير، فهو لا يعدوا كونه عملاً فنياً ولوحةً أبداعيةً تحاول أن تقترب من مأساة كربلاء، فإذا أحضرنا مجموعة من الرسامين وكلفناهم برسم واقعة كربلاء، فما هي اللوحات التي تتوقعين أن يرسموها، غير رؤوس مقطعة وأيادي مبتورة وخيام محرقة ونساء مفجوعة، فهل يحق لنا أن نعاتبهم على تلك الرسومات ونقول كان أجدر بكم أن ترسموا لنا حدائق ومياه وزهور، فالقبح إذاً ليس في اللوحة وإنما القبح في الواقع الذي حاولت أن تجسده اللوحة، وإن صدق ذلك على اللوحة الورقية يصدق أيضاً على اللوحة التي يشترك مجموعة من الناس في إخراجها كالعمل الدرامي مثلاً، فهذا الموكب

٨٥
الدرامي الذي يتكون من مجموعة من الناس لابسين الأكفان وهي ملطخة بالدماء وحاملين السيوف، حقاً منظراً تشمئز منه النفوس ولكن ليس القبح فيه وإنما القبح في ذلك الواقع التاريخي وفي تلك المعركة المفجعة فالمأساة ليست في التطبير وإنما هي في كربلاء، فهل نغير حقيقة كربلاء أيضاً.

قلت: هذا الكلام بصورته النظرية مقنع ولكن عملياً أرى أنه بعيد، فأنا لا أتصور أن يدفعني أمر للقيام بضرب رأسي بالسيف.

خالي: الفعل يصدر من الإنسان عندما تكون هناك تهيئة نفسية تناسب الفعل، فإذا لم تتحقق فإن الدوافع النظرية ليست كافية، فكثير من الأمور نعتقد بها نظرياً لكن لا نمارسها إلا إذا كانت هناك تهيئة نفسية، فمثلاً ضرورة الأكل مقدمة نظرية ولكن لا يقدم الإنسان على الأكل إلا إذا كان جائعاً مما تستعد نفسه للقيام بالأكل، وكذا الأمثلة كثيرة، فنحن خلافنا مع الذين يستنكرون هذه الشعائر خلاف نظري وليس عملي فلم نطلب منهم المشاركة، ومن هنا كان النقاش النظري ضرورياً معهم، أما التهيئة النفسية فتحتاج إلى مقدمات من نوع آخر، فمثلاً الصوت الجميل في تلاوة القرآن يخلق جواً تهيج معه النفس مما يجعلها تبكي، وكذا الأغاني فإنها تطرب النفس فتكون مقدمة للرقص، وكذلك في محرم عندما يعيش الإنسان أجواء كربلاء ويستنشق روائح تلك الدماء الزاكيات، وتعلوا النداءات بثارات الحسين وتدق طبول الحرب تهيئ الإنسان نفسياً للقيام بتلك الشعائر التي تكون تعبيراً صادقاً لما يجول في نفسه من حب للإمام الحسين عليه السلام.

٨٦

الحسين (ع) الدمعة الجارية

ترددت كثيراً في تسجيل تجربتي الأولى مع الإمام الحسين (ع)، وكلما أبدأ بالكتابة تهرب الكلمات من تحت سنان قلمي، وتبقى المأساةمكتومة في داخل نفسي فلا معين أطيل معه العويل و البكاء ولا جَزُوعٍ فأساعد جزعهُ إذا خلأ، فتمتزج البسمة عندي بالدمعة ويحتل الحزن مكان الفرحة، وتتبدل كل أهازيج البشرى بأنين الحزن الدائم، ففي ميلاده سكبت عبرة.. ومازالت تلك العبرة.. وفي استشهاده وفي ذكراه تعلوا العبرة.. فللحسين مجداً مكتوب من الأزل الأبدي لا ينال إلا بالدمع الأحمر (يا حسين أعلم أن لك عند الله أجراً لا تبلغه إلا بالشهادة).

قبل أن أعيش في رحاب التشيع وأهتدي إلى مذهب أهل البيت (ع) لم أكن أعرف عن الحسين إلى ما درسناه في المدارس، وهي قصة مجتزأة تعبر عن الكبت الدائم لقضية كربلاء، أذكر أنني كنت في الرابعة الإبتدائي فحاول الأستاذ تبعاً للمنهج أن يطوي كل ذلك التاريخ في قوله أن يزيد قتل الإمام الحسين عليه السلام وأولاده وسبى نساءه، في معركة تسمى كربلاء، فسألت طالبة مسيحية بدهشة كيف تجوزون قتل ابن بنت نبيكم؟، فدمعت عيناي دون أن أشعر فكانت تلك أول دمعة في مصاب الإمام الحسين (ع)، فقال الأستاذ ذلك قدر الله على هذه الأمة......

قدر الله أم غدر الأمة التي لم تحفظ رسول الله في ذريته وهو القائل (أوصيكم الله في أهل بيتي) وقال الله تعالى في حقهم) قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى) أيقتل روحي له الفداء في أبشع صورة مرت على تاريخ البشرية وهو الذي قال فيه رسول الله (ص) (حسين مني وأنا من حسين أحب الله

٨٧
من أحب حسينا) وقال (الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة) و (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) وعندما قال رجل للحسين (ع) وهو راكب على ظهر رسول الله (ص) نعم المركب مركب، فقال رسول الله: ونعم الراكب هو، فالأمة التي تجرأت على قتل الحسين (ع) هي نفسها يمكنها قتل الرسول.

فبقت تلك الدمعة وحيدة حتى جاء اليوم الذي عشت فيه مأساةكربلاء بتفاصيلها، حيث ما تزال ظلالها الحزينة ترافق ظلي إلى اليوم، تاركة أثاراً عميقة في نفسي، كنا في شهر محرم الحرام في السيدة زينب والسواد يغطي الساحات و الكل حزين يهتف يا لثارات الحسين، فانتقل بي الزمان حتى كأني أرى كربلاء بأم عيني صورة لا تحكى ومنظر لا يصور، عشت لحظات في فيافي دمائها الحمراء أواسي نساء الهاشميات فبكيت معهن حتى نبض الدمع مني وحينها رجع صدى النفس يردد يا ليتنا كنا معك فنفوز فوزاً عظيماً.

فعاشوراء لم تمت بل هي حاضرة في وجدان هذه الأمة، يلوح من أريج دمائها الذاكية الصمود والإباء، وفي أعتابها شموخ الإيمان على الكفر، وفي لهواتها انتصار الحق على الباطل، وعلى أشراف أبوابها كان نهج الحق وراية العدل ترفرف مدى الأزمان فكل أيامنا عاشوراء وكل بقعة من بقاع الأرض كربلاء، فهي أعظم من أن تكون حبيسة التاريخ، وأكبر من أن يكون الزمان قيدا على عنفوان تحديها فهي شاهدا حيا على كل العصور.

فعام ٦١ للهجرة هو بداية المأساة ولكن لم يكن هو النهاية فلم تزل حاضرة بكل ماساتها عبر السنين، ففي كربلاء يتجلى الإسلام بأسمى معانيه، وتضيق عندها المسافة بين الإنسان

٨٨