×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

إرشاد القلوب (ج 2) / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٥ فارغة
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

[ المقدّمة ](١)


لله تـحت قـباب العرش طائفةأخفاهم عن عيون الناس إجلالا
هم السلاطين في أطمار مسكنةجـرّوا على الفلك الدوّار أذيالا
هذى المكارم لا ثوبان من عدنخـيطا قميصاً فعادا بعد اسمالا
هذى المكارم لا قـعبان من لبنشيـبا بـماء فـعادا بعد أبوالا

مرفوعاً إلى أبي الجارود قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: يا ابن رسول الله هل تعرف مودّتي لكم، وانقطاعي إليكم، وموالاتي إيّاكم؟ قال: فقال: نعم، قال: فقلت: إنّي أسألك عن مسألة تجيبني فيها، فإنّي مكفوف البصر، قليل المشي، ولا أستطيع زيارتكم كلّ حين.

قال: هات حاجتك، قلت: أخبرني بدينك الذي تدين به أنت وأهل بيتك لأدين الله به، قال: إن كنت اقتصرت الخطبة فقد أعظمت المسألة، والله لأعطينّك

١- ليست هذه المقدّمة ـ على الظاهر ـ من أصل الكتاب، لأنّها أوّلا: لم ترد في نسخة "ج"، وثانياً: فيها أبيات للحافظ رجب البرسي، وهو من علماء المائة التاسعة، فيكون متأخّراً عن المؤلّف رحمه الله، والظاهر أنّها من اضافة النسّاخ، والله العالم.

٦

ديني ودين آبائي تدين الله به: "شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً رسول الله، والإقرار بما جاء من عند الله، والولاية لوليّنا، والبراءة من عدوّنا، والتسليم لأمرنا، وانتظار قائمنا، والاجتهاد والورع"(١).

وقال أمير المؤمنين عليه السلام: إنّا نجد الرجل يحدّث، فلا يخطئ بلام ولا واو، خطيباً مصعقاً، وقلبه أشدّ ظلمةً من الليل المظلم، ونجد الرجل لا يستطيع يعدّ عمّا في قلبه بلسانه، وقلبه يزهر كما يزهر المصباح.

مرفوعاً إلى يحيى بن زكريّا الأنصاري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من سرّه أن يستكمل الايمان كلّه فليقل: القول منّي في جميع الأشياء قول آل محمد في جميع ما أسرّوا، وفيما أعلنوا، وفيما بلغني عنهم، وفيما لم يبلغني(٢).

مرفوعاً إلى جابر قال: قال أبو جعفر عليه السلام: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: حديث آل محمد صعب مستصعب، لا يؤمن به إلاّ ملك مقرّب، أو نبيّ مرسل، أو عبد امتحن الله قلبه للايمان، فما ورد عليكم من حديث آل محمد فلانت له قلوبكم، وعرفتموه فاقبلوه. وما اشمأزّت منه قلوبكم وأنكرتموه، فردّوه إلى الله وإلى الرسول وإلى القائم من آل محمد، وإنّما الهلاك أن يحدّث أحدكم بشيء فلا يحتمله، فيقول: والله ما كان هذا، والله ما كان هذا، والانكار هو الكفر(٣).

مرفوعاً إلى بعض أصحابنا قال: كتبت إلى أبي الحسن صاحب العسكر عليه السلام: جعلت فداك ما معنى قول الصادق عليه السلام "حديثنا لا يحتمله ملك مقرّب، ولا نبيّ مرسل، ولا مؤمن امتحن الله قلبه للايمان".

فجاء الجواب: إنّما معنى قول الصادق عليه السلام، أي لا يحتمله ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل ولا مؤمن، انّ الملك لا يحتمله حتّى يخرجه إلى ملك غيره، والنبي

١- الكافي ٢: ٢١ ح١٠; عنه البحار ٦٩: ١٤ ح١٥.

٢- مختصر بصائر الدرجات: ٩٣; عنه البحار ٢٥: ٣٦٤ ح٢.

٣- الكافي ١: ٤٠١ ح١; وبصائر الدرجات: ٤٠ ح١ باب ١١; عنه البحار ٢: ١٨٩ ح٢١.

٧

لا يحتمله حتّى يخرجه إلى نبيّ غيره، والمؤمن لا يحتمله حتّى يخرجه إلى مؤمن غيره، فهذا معنى قول جدّي عليه السلام(١).

شعراً لبعضهم:


أينشق قيصوم الحجاز وشيخهفتى لم يكن قدمن فيه ينادي
ومن لم يجد يوماً سعاد وحسنهافيعذر وإن لم يهو حسن سعاد

شعراً لمولانا رجب رحمه الله:


هم القوم آثار النبوّة منهمتلوح وأعلام الإمامة تلمع
مهابط وحي الله خزّان علمهوعندهم غيب المهيمن مودع
إذا جلسوا للحكم فالكلّ أبكموإن نطقوا فالدهر اذن ومسمع
وإن ذكروا فالكون ندّ ومندكّله أرج من طيبهم يتضوّع
وإن بادروا فالدهر يخفق قلبهلسطوتهم والأسد في الغاب تجزع
وإن ذكر المعروف والجود في الورىفبحر نداهم زاخر يتدفّع
أبوهم سماء المجد والاُمّ شمسهنجوم لها برج الجلالة مطلع
وجدّهم خير البريّة أحمدنبيّ الهدى الطهر الشفيع المشفّع
فيا نسب كالشمس أبيض واضحويا شرف من هامة النجم أرفع
فمن مثلهم إن عدّ في الناس مفخرأعد نظراً يا صاح إن كنت تسمع
ميامين قوّامون عزّ نظيرهمولاة هداة للرسالة منبع
فلا فضل إلاّ حين يذكر فضلهمولا علم إلاّ عنهم حين يرفع
ولا عمل ينجي غداً غير حبّهمإذا قام يوم البعث للخلق مجمع
فيا عترة المختار يا راية الهدىإليكم غداً في موقفي أتطلّع
مددت يدي بالذلّ في باب عزّكمفحاشاكم أن تدفعوها وتمنعوا

١- معاني الأخبار: ١٨٨ ح١; عنه البحار ٢: ١٨٤ ح٦ نحوه.

٨


أتيتكم مستردفاً من نوالكمبحقّكم يا ساداتى لا تضيّعوا
ووحدة لحدي آنسوها بنوركمفعبدكم من ظلمة القبر يجزع
ولو أنّ عبداً جاء في الله جاهداًبغير ولاء آل العبا ليس ينفع
خذوا بيد الأبدال عبد ولائكمفمَن غيركم يوم القيامة يشفع
جعلتكم يا آل طه وسيلتيفنعم معاذ في المعاد ومفزع
وكربة موتي فاحضروها وامنعواعدوّي أن يغتالني أو يروّع
وإن خفّ ميزاني فإنّي بحبّكمبني الوحي في رجح الموازين أطمع
عليكم سلام الله يا راية الهدىفويل لعبد غيرها جاء يتبع

لأبي نواس:


لا تحسبيني هويت الطهر حيدرةلفضله وعلاه في ذوي النسب
ولا شجاعته في يوم معركةولا التلذّد في الجنّات من أرب
ولا البراءة من نار الجحيم ولارجوت انّ ليوم الحشر يشفع بي
لكن عرفت هو السرّ الخفيّ فإنأذعته حلّلوا قتلي وكُفّر بي
يصدّهم عنه داء لا دواء لهكالمسك يعرض عنه صاحب الكلب

وقيل فيه أيضاً:


لا تلمني في ترك مدح عليّأنا أدرى بالحال منك وأخبره
رجل ما عرفه إن رمت إلاّ اللهوالمصطفى قل الله أكبر
انّ أهل السماء والأرض في العجزسواء عن حصر أوصاف قنبر](١)

١- إلى هنا تمّت المقدّمة، والتي نقلناها من "الف" و "ب".

٩

[ باب ]
[ في فضائله عليه السلام ]


بسم الله الرحمن الرحيم

عن النبي صلّى الله عليه وآله أنّه قال: لأخي عليّ بن أبي طالب فضائل لا تحصى كثرة، فمن ذكر فضيلة من فضائله مقرّاً بها، غفر الله له ما تقدّم من ذنوبه(١)وما تأخّر، ومن كتب فضيلة من فضائله لم تزل الملائكة تستغفر له ما بقي لذلك الكتاب رسم، ومن استمع إلى فضيلة من فضائله غفرت له ذنوبه التي اكتسبها بالسماع، ومن نظر إلى فضيلة من فضائله غفرت له ذنوبه التي اكتسبها بالنظر(٢).

وقال صلّى الله عليه وآله: حبّ عليّ عبادة، والنظر إلى عليّ عبادة، ولا يقبل الله ايمان عبد إلاّ بولايته والبراءة من أعدائه(٣).

وقال رسول الله صلّى الله عليه وآله: لو أنّ الغياض(٤) أقلام، والبحر مداد،

١- في "ج": ذنبه.

٢- المناقب للخوارزمي: ٣٢ ح٢; عنه كشف الغمة ١: ١٠٩; وفي أمالي الصدوق: ١١٩ ح٩ مجلس ٢٨; عنه البحار ٣٨: ١٩٦ ح٤; وأيضاً في مائة منقبة: ١٥٤ رقم ١٠٠; ونهج الحق: ٢٣١.

٣- المناقب للخوارزمي: ٣٢ ذيل حديث ٢; عنه كشف الغمة ١: ١٠٩.

٤- الغياض: جمع غيضة، وهي الشجر الملتفّ. (لسان العرب)

١٠

والجنّ حسّاب، والانس كتّاب، ما أحصوا فضائل عليّ بن أبي طالب عليه السلام(١).

ولا شك أنّ فضائله وحاله في الشرف والكمال، لا يعرفه إلاّ الله سبحانه ورسوله صلّى الله عليه وآله، كما قال صلّى الله عليه وآله: "ما عرفك يا علي حقّ معرفتك إلاّ الله وأنا" ولهذا السبب سمّي النبيّ وعليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام بالخمسة الأشباح، لأنّ الناس لا يعرفون ماهيّتهم وصفاتهم لجلال شأنهم، وارتفاع منازلهم، كالشبح الذي لا تعرف حقيقته.

وقال بعض الفضلاء ـ وقد سئل عن علي عليه السلام ـ فقال: ما أقول في شخص أخفى فضائله أعداؤه حسداً له، وأخفى أولياؤه فضائله خوفاً وحذراً على أنفسهم، وظهر فيما بين هذين فضائل طبقت الشرق والغرب، {يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله الاّ أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون}(٢).

وقد اشتهرت فضائله عليه الصلاة والسلام حتّى رواها المخالف والمؤالف(٣)، وقد أحببت أن اُورد هذه الفضائل من طريقهم مع أنّها مشهورة من طريقنا، لتأكيد الحجّة عليهم، وكما قال:


ومليحة شهدت بها ضرّاتهاوالحسن ما شهدت به الضرّات(٤)

١- المناقب للخوارزمي: ٣٢ ح١; عنه كشف الغمة ١: ١٠٩; وفي كنز الفوائد: ١٢٨ و١٢٩; عنه البحار ٤٠: ٧٠ ح١٠٥; وابن شاذان في المائة منقبة: ١٥٣ رقم ٩٩.

٢- التوبة: ٣٢.

٣- ولنعم ما قيل:


ما زلتَ في درجات المجد مرتقياًتسمو وينمي بك الفرعان من مضرا
حتّى بهرت فلا تحفى على أحدإلاّ على أحد لا يبصر القمرا

وكما قيل:


أعد ذكر نعمان لنا انّ ذكرههو المسك ما كرّرته يتضوّع

٤-

هو الفتى إن تصف أدنى خلائقهفيا لها قصة في شرحها طول

١١


[ومناقب شهد العدو بفضلهاوالفضل ما شهدت به الأعداء](١)

وقد روي عن أخطب خوارزم ـ وهو من أعظم مشايخ أهل السنّة ـ عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: لمّا خلق الله تعالى آدم ونفخ فيه من روحه عطس فقال: الحمد لله، فأوحى الله تعالى: حمدني عبدي، وعزّتي وجلالي لولا عبدان اُريد أن أخلقهما في دار الدنيا ما خلقتك.

قال: الهي فيكونان منّي؟ قال: نعم، يا آدم ارفع رأسك وانظر، فرفع رأسه فإذا مكتوب على العرش: "لا إله إلاّ الله، محمد نبيّ الرحمة، وعليّ مقيم الحجة، من عرف حق عليّ زكى وطاب، ومن أنكر حقّه لعن وخاب، أقسمت بعزّتي وجلالي أن اُدخل الجنّة من أطاعه وإن عصاني، وأقسمت بعزّتي وجلالي أن اُدخل النار من عصاه وإن أطاعني"(٢).

وروي أيضاً عن أخطب خوارزم، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: يا عبد الله أتاني ملك فقال: يا محمد سل من أرسلنا قبلك من رسلنا على ما بعثوا، قال: قلت: على ما بعثوا؟ قال: على ولايتك وولاية عليّ بن أبي طالب(٣).

وروى أيضاً باسناده إلى ابن عباس قال: سئل النبي صلّى الله عليه وآله عن الكلمات التي تلقّاها آدم من ربّه فتاب عليه، قال: سأله بحقّ محمد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين إلاّ تبت عليّ، فتاب عليه(٤).

ومن كتاب المناقب لأهل السنّة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله:

١- أثبتناه من "ج".

٢- المناقب للخوارزمي: ٣١٨ ح٣٢٠; عنه كشف اليقين: ٧; وفي البحار ٢٧: ١٠ ح٢٢.

٣- المناقب للخوارزمي: ٣١٢ ح٣١٢; عنه كشف اليقين: ٦; وفي البحار ٢٦: ٣٠٧ ح٧٠.

٤- عنه كشف اليقين: ١٤; ومناقب ابن المغازلي: ٦٣ ح٨٩; وفي البحار ٢٤: ١٨٣ ح٢٠; ينابيع المودّة: ٢٨٣.

١٢

كنت أنا وعليّ نوراً بين يدي الله عزوجل من قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف سنة، فلمّا خلق الله آدم سلك ذلك النور في صلبه، فلم يزل الله عزوجل ينقله من صلب إلى صلب حتّى أقرّه في صلب عبد المطلب.

ثمّ أخرجه من صلب عبد المطلب وقسّمه قسمين، قسم في صلب عبد الله وقسم في صلب أبي طالب، فعليّ منّي وأنا منه، لحمه لحمي، ودمه دمي، فمن أحبّه فيحبّني، ومن أبغضه فيبغضني وأبغضه(١).

وروى صاحب كتاب بشائر المصطفى صلّى الله عليه وآله، عن يزيد(٢) بن قعنب، قال: كنت جالساً مع العباس بن عبد المطلب، وفريق من بني عبد العزى بازاء بيت الله الحرام، إذ أقبلت فاطمة بنت أسد اُمّ أمير المؤمنين عليه السلام، وكانت حاملا به تسعة أشهر، فأخذها الطلق، فقالت: يا ربّ إنّي مؤمنة بك وبما جاء من عندك من رسل وكتب، وإنّي مصدّقة بكلام جدّي ابراهيم الخليل عليه السلام، وإنّه بنى البيت العتيق، فبحقّ الذي بنى هذا البيت، والمولود الذي في بطني إلاّ ما يسّرت عليّ ولادتي.

قال يزيد بن قعنب: فرأيت البيت قد انشقّ من ظهره، فدخلت وغابت عن أبصارنا، وعاد إلى حاله، فرمنا أن ينفتح لنا قفل الباب فلم ينفتح، فعلمنا انّ ذلك من أمر الله تعالى.

ثمّ خرجت في اليوم الرابع وعلى يدها أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، ثمّ قالت: إنّي فضّلت على من تقدمني من النساء، لأنّ آسية بنت مزاحم عبدت الله سرّاً في موضع لا يحب الله أن يُعبد فيه إلاّ اضطراراً، وانّ مريم بنت

١- المناقب للخوارزمي: ١٤٥ ح١٧٠; عنه كشف اليقين: ١١; ونحوه كفاية الطالب: ٣١٥; وفي البحار ٣٥: ٣٣ ح٣٠.

٢- هكذا في المصادر ونسخة "ج"، وفي "الف" و "ب": زيد.

١٣
١٤

وأمير المؤمنين عليه السلام بلغ في هذه الاُصول الغاية، وتجاوز النهاية.

أمّا العلم: فوصل إليه حيث قال النبي صلّى الله عليه وآله: أنا مدينة العلم وعليّ بابها(١).

وقال صلّى الله عليه وآله: قسّمت الحكمة عشرة أجزاء، فأعطي عليّ تسعةوالناس جزءاً واحداً(٢).

وقال صلّى الله عليه وآله: أقضاكم عليّ(٣)، والقضاء يستدعي العلم.

وقال أمير المؤمنين عليه السلام في حقّ نفسه: لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً(٤).

وقال عليه السلام: اندمجت على مكنون علم لو بُحت به لاضطربتم اضطرابالأرشية في الطوى(٥) البعيدة(٦).

وقال عليه السلام: والله لو كسرت(٧) لى الوسادة لحكمت بين أهل التوراةبتوراتهم، وبين أهل الانجيل بانجيلهم، وبين أهل الزبور بزبورهم، وبين أهل الفرقان بفرقانهم(٨).

وهذا يدلّ على أنّه بلغ في كمال العلم إلى أقصى ما تبلغ إليه القوّة البشرية، واختصاصه بعلوم ليس في قوى غيره من الصحابة الوصول إليها، وقوله عليه السلام: انّ هاهنا لعلماً جمّاً لا أجد له حملة.

١- اُنظر صحيح الترمذي ٥: ٦٣٧ ح٣٧٢٣; وكفاية الطالب: ٢٢٠; وكنز العمال ١١: ٦١٤ ح٣٢٩٧٨; وكشف الغمة ١: ١١١.

٢- المناقب للخوارزمي: ٨٢ ح٦٧; عنه كشف الغمة ١: ١١١.

٣- المناقب للخوارزمي: ٨١ ح٦٦; عنه كشف الغمة ١: ١١٠.

٤- المناقب لابن شهر آشوب ٢: ٣٨; والبحار ٤٠: ١٥٣ ح٥٤.

٥- الأرشية: جمع رشاء بمعنى الحبل، والطوى: جمع طويّة وهي البئر، والبئر البعيدة: العميقة.

٦- نهج البلاغة: الخطبة رقم ٥.

٧- في "ج": ثنيت.

٨- راجع البحار ٣٥: ٣٩١ ح١٤.

١٥

وهذا يدلّ على وصوله في العلم إلى مرتبة لا يمكن لأحد من المخلوقات من الملائكة والبشر الوصول إليها سوى رسول الله صلّى الله عليه وآله، لكونه نفسه بآية المباهلة، فإنّ الله تعالى جعل فيها نفس رسول الله صلّى الله عليه وآله نفس عليّ عليه السلام حيث قال: {وأنفسنا وأنفسكم}(١)، والمراد به نفس عليّ عليه السلام كما نقله جمهور المفسّرين.

وليس المراد الحقيقة، لأنّ الاتحاد محال فيحمل على أقرب المعاني وهو المواساة له في جميع الوجوه الممكنة، وثبت له عليه السلام حينئذ جميع ما ثبت للرسول صلّى الله عليه وآله من الفضائل العلمية والعملية ما خلا النبوّة، لقوله صلّى الله عليه وآله: "لا نبيّ بعدي"، وكفى بهذه الآية دليلا واضحاً، وبرهاناً لائحاً على فضائله عليه السلام.

وقد روى المخالف والمؤالف ما ظهر عنه عليه السلام من الفتاوى المشكلة، والقضايا الصعبة التي عجز عنها كلّ من عاصره، وراجعوه في أكثر الأحكام، وقضوا بقوله، وعملوا بفتواه.

فمن ذلك انّ عمر اُتي بامرأة قد زنت وهي حامل فأمر برجمها، فقال له عليّ عليه السلام: إن كان لك عليها سلطان فليس لك سلطان على ما في بطنها، فأمر بتركها وقال: لولا عليّ لهلك عمر(٢).

ومنها انّه اُتي بامرأة قد زنت وهي مجنونة فأمر برجمها، فقال له علي عليه السلام: رفع القلم عن ثلاثة: المجنون حتّى يفيق، والنائم حتّى يستيقظ، والغلام حتّى يحتلم، فقال: لولا عليّ لهلك عمر(٣).

ومنها انّه أرسل إلى امرأة فخافت منه فأجهضت، فاستفتى الناس فكلّ قال

١- آل عمران: ٦١.

٢- كشف الغمة ١: ١١٠ نحوه.

٣- مناقب الخوارزمي: ٨٠ ح٦٤; عنه كشف الغمة ١: ١١٠; والبحار ٣٠: ٦٨١ نحوه.

١٦

له: ليس عليك بأس، فسأل علياً عليه السلام فقال: أرى أنّ الدية على عاقلتك، فقبل فعمل بقوله(١).

ومنها انّه اُتي بامرأة قد ولدت لستّة أشهر فأمر برجمها، فنهاه عليه السلام وتلا قوله تعالى: {وحمله وفصاله ثلاثون شهراً}(٢) مع قوله تعالى: {وفصاله في عامين}(٣) فأمر بتخليتها(٤).

ومنها انّه لم يعرفوا حدّ المسكر حتّى قال هو عليه السلام: إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وإذا افترى فاجلدوه حد المفتري، فجلدوه ثمانين جلدة. وتعديد قضاياه العجيبة، وفتاويه الصعبة الغريبة أكثر من أن تحصى، ولاشك أنّ أهل العلم كافة ينسبون إليه.

أمّا علم الكلام فأصله أبو هاشم بن محمد بن الحنفية الذي استفاده منه عليه السلام، وأمّا علم الأدب فهو الذي قسّم الكلام إلى ثلاثة أضرب، وأمر أبا الأسود بوضعه بعد أن نبّهه على أصله، وأمّا علم التفسير فأصله ابن عباس تلميذ عليّ عليه السلام، وأمّا علم الفصاحة، فهو عليه السلام علّم الناس الخطب والكلام الفصيح.

وأمّا الفقه، فانتساب الشيعة إليه ظاهر، وأبو حنيفة كان تلميذ الصادق عليه السلام، والشافعي قرأ على محمد بن الحسن الشباني تلميذ أبي حنيفة، وأحمد تلميذ الكاظم عليه السلام، ومالك قرأ على ربيعة الرأي، وربيعة الرأي قرأ على عكرمة، وعكرمة قرأ على ابن عباس تلميذ عليّ عليه السلام.

١- البحار ٤٠: ٢٥٠ ح٢٥ باختلاف.

٢- الأحقاف: ١٥.

٣- لقمان: ١٤.

٤- المناقب لابن شهر آشوب ٢: ٣٦٥; عنه البحار ٤٠: ٢٣٢ ح١٢ نحوه، وتوضيح ذلك: انّ أقلّ الحمل أربعون يوماً وهو زمن انعقاد النطفة، وأقلّه لخروج الولد حيّاً ستّة أشهر، وذلك لأنّ النطفة تبقى في الرحم أربعين يوماً، ثمّ تصير علقة أربعين يوماً، ثمّ تصير مضغة أربعين يوماً، ثمّ تتصوّر في أربعين يوماً، وتلجها الروح في عشرين يوماً، فذلك ستة أشهر، فيكون الفطام في أربعة وشهراً، فيكون الحمل في ستة أشهر.

١٧

فقد روى المخالف والمؤالف والخاص والعام قول النبي صلّى الله عليه وآله: "أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ انّه لا نبيّ بعدي" فإنّه يدلّ على أنّه كلّما كان لرسول الله من الفضائل والكمالات فإنّها ثابتة لعليّ عليه السلام سوى درجة النبوّة، وهذا كلّه دليل على إمامته لقوله تعالى: {هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنّما يتذكّر اُولوا الألباب}(١).

وأمّا العفّة: فقد كان فيها الآية الكبرى، والمنزلة العظمى، ويكفيه في التنبيه على حاله مطالعة كلامه في نهج البلاغة، نحو كتابه إلى عثمان بن حنيف الأنصاري عامله بالبصرة، وقد بلغه انّه دُعي إلى وليمة قوم فأجاب إليها، وقوله فيه:

"فانظر يا ابن حنيف إلى ما تقضمه(٢) من هذا المطعم(٣)، فما اشتبه عليك علمه فالفظه، وما أيقنت بطيب وجهه فنل(٤) منه، ألا وإنّ لكلّ مأموم إماماً يقتدي به ويستضيء بنور علمه، ألا وإنّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه(٥)، ومن مطعمه بقرصيه، ألا وإنّكم لا تقدرون على ذلك ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفّة وسداد(٦).

وقوله عليه السلام: ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفّى هذا العسل، ولباب هذا القمح، ونسائج هذا القزّ(٧)، ولكن هيهات هيهات أن يغلبني هواي، ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة، ولعلّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في

١- الزمر: ٩.

٢- قَضِمَ ـ كسمع ـ: أكل بطرف أسنانه، والمراد الأكل مطلقاً.

٣- في المصدر: المقضم، وهو المأكل.

٤- في "ب": فكل.

٥- الطِمر ـ بالكسر ـ: الثوب الخلق البالي.

٦- نهج البلاغة: الكتاب ٤٥; عنه البحار ٤٠: ٣٤٠ ح٢٧.

٧- القزّ: الحرير.

١٨

القرص، ولا عهد له بالشبع، أأقنع [من نفسي](١) بأن يقال: أمير المؤمنين، ولا اُشاركهم في مكاره الدهر، وجشوبة(٢) العيش(٣).

وقوله عليه السلام فيه: وأيم الله يميناً أستثني فيها بمشيّة الله لاُروضنّ نفسيرياضة تهش معها إلى القرص مطعوماً، وتقنع بالملح مأدوماً(٤).

إلى غير ذلك من كلامه عليه السلام، ولا شك أنّه عليه السلام كان أزهد الناس، لم يشبع من طعام قط، وكان يلبس الخشن، ويأكل جريش الشعير، وإذا ائتدم فبالملح، فإن ترقّى فبنبات الأرض، فإن ترقّى فباللبن.

روي عن سويد بن غفلة، قال: دخلت على عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فوجدته جالساً وبين يديه إناء فيه لبن أجد ريح حموضته، وفي يديه رغيف أرى قشار الشعير في وجهه وهو يكسره بيده ويطرحه فيه، فقال: اُدن فأصب من طعامنا، فقلت: إنّي صائم.

فقال عليه السلام: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول: من منعه الصيام من طعام يشتهيه كان حقّاً على الله تعالى أن يطعمه من طعام الجنّة، ويسقيه من شرابها، قال: فقلت لفضّة وهي قريب منه قائمة: ويحك يا فضة ألا تتّقين الله في هذا الشيخ بنخل(٥) هذا الطعام من نخاله التي فيه.

قالت: قد تقدّم إلينا أن لا ننخل له طعام، قال: ما قلت لها؟ فأخبرته، فقال: بأبي واُمّي من لم ينخل له طعام ولم يشبع من خبز البر ثلاثة أيام حتّى قبضه الله

١- أثبتناه من المصدر.

٢- في المصدر: أو أكون اُسوة لهم في جشوبة العيش، والجشوبة: الخشونة.

٣- نهج البلاغة: كتاب ٤٥; عنه البحار ٤٠: ٣٤٠ ح٢٧.

٤- المصدر نفسه.

٥- في "ج": ألا تنخلين.

١٩

تعالى(١).

وروي عن عدي بن ثابت قال: اُوتي أمير المؤمنين عليه السلام بفالوذج، فأبى أن يأكل منه وقال: شيء لم يأكل منه رسول الله صلّى الله عليه وآله لا اُحبّ أن آكل منه(٢).

وكان عليه السلام يجعل جريش الشعير فيوعاء ويختم عليه، فقيل له في ذلك، فقال عليه السلام: أخاف هذين الولدين أن يجعلا فيه شيئاً من زيت أو سمن(٣).

فانظر أيّها المنصف إلى شدّة زهده وقناعته، فإنّ ايراده الحديث وقوله: "من منع نفسه من طعام يشتهيه" دليل على رضاه بمطعمه، وكونه عنده طعاماً مشتهى يرغب فيه من يراه، وقد طلّق الدنيا ثلاثاً وقال لها: غرّي غيري لا حاجة لي فيك، قد طلّقتك ثلاثاً لا رجعة لي فيك(٤).

فدلّ ذلك على أنّه أزهد الناس بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله، وإذا كان أزهد الناس كان أفضلهم، فدلّ ذلك أيضاً على أنّه هو الإمام، لقبح تقديم المفضول على الفاضل.

وأمّا الشجاعة: فإنّه لا خلاف بين المسلمين وغيرهم أنّ علياً عليه السلام كان أشجع الناس بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله، وأعظمهم بلاء في الحروب، تعجبت من حملاته ملائكة السماء، وبسبب جهاده ثبتت قواعد الإسلام، وجعل رسول الله صلّى الله عليه وآله ضربته لعمرو بن عبدود العامري يوم الخندق أفضل من أعمال اُمّته إلى يوم القيامة(٥).

١- المناقب للخوارزمي: ١١٧ ح١٢٩; عنه كشف الغمة ١: ١٦٢; وفي البحار ٤٠: ٣٣٠ ح١٣.

٢- المناقب للخوارزمي: ١١٩ ح١٣١; عنه كشف الغمة ١: ١٦٣.

٣- عنه البحار ٦٦: ٣٢٢ ضمن حديث ١.


لها أحاديث من ذكراك يشغلهاعن الشراب ويلهيها عن الزاد

٤- نهج البلاغة: قصار الحكم ٧٧; عنه البحار ٤٠: ٣٤٥ ح٢٨.

٥- قال ابن شهر آشوب في المناقب ٢: ٢٩٨، تحت عنوان "معجزاته في نفسه": ويروى وثبته أربعون ذراعاً إلى عمرو، ورجوعه إلى خلف عشرون ذراعاً، وذلك خارج عن العادة.

٢٠