×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

إرشاد القلوب (ج 2) / الصفحات: ٣٦١ - ٣٨٠

[ باب ]
[ في صفات أعدائه ](١)


وأمّا صفات أعدائه وما نُسب إليهم من المثالب وكثرة الخطايا والمعايب فكثيرة جداً، مرّ بعضها في الكتاب ونذكر أيضاً منها جملة يسيرة نختم بها الكتاب.

فمنها ما تضمّنه خبر وفاة الزهراء عليها السلام، قرّة عين الرسول، وأحبّ الناس إليه، مريم الكبرى، والحوراء التي أفرغت من ماء الجنّة من تفاحة من صلب رسول الله صلى الله عليه وآله(٢) التي قال في حقّها رسول الله صلى الله عليه وآله: إنّ

١- انّ هذا الباب حُذف من النسخة المطبوعة الموجودة في الأسواق، وجاءت في جميع النسخ الخطية، وكذلك أورده العلاّمة المجلسي في البحار ٣٠: ٣٤٧ ح١٦٤ فلاحظ، وقال في ذيل الحديث: إنّما أوردت هذا الكلام لاشتماله على بعض الأخبار الغريبة، وإن كان في بعض ما احتجّ به وهن أو مخالفة للمشهور، فسيتّضح لك حقيقة الأمر في الأبواب الآتية، والله الموفّق.

٢- ورد هذا الخبر بطرق مختلفة في عدّة مصادر، منها: ميزان الاعتدال ٢: ٥١٨; نظم درر السمطين: ١٧٧; ذخائر العقبى: ٣٦; فرائد السمطين ١: ٥٠ تحت رقم ٣٨١; الدر المنثور ٤: ١٥٣ في سورة الاسراء; المستدرك على الصحيحين ٣: ١٦٩.

٣٦١

الله يرضى لرضاك يا فاطمة ويغضب لغضبك(١)، وقال عليه وآله السلام: فاطمة بضعة منّي من آذاها فقد آذاني(٢).

وروي أنّه لمّا حضرتها الوفاة قالت لأسماء بنت عميس: إذا أنا متّ فانظري إلى الدار فإذا رأيت سجفاً(٣) من سندس من الجنّة قد ضرب فسطاطاً في جانب الدار، فاحمليني وزينب واُمّ كلثوم فاجعلوني من وراء السجف وخلّوني وبين نفسي(٤).

فلمّا توفّيت عليها السلام وظهر السجف حملتها وجعلتها وراءه، فغسلت وكفنت وحنطت بالحنوط، وكان كافوراً أنزله جبرئيل عليه السلام من الجنّة في ثلاث صرر، فقال: يا رسول الله ربّك يقرؤك السلام ويقول لك: هذا حنوطك وحنوط ابنتك وحنوط أخيك عليّ مقسوم أثلاثاً، وانّ أكفانها وماءها وأوانيها من الجنّة، وانّها أكرم على الله تعالى أن يتولّى ذلك منها أحد غيرها.

وروي انّها توفّيت عليها السلام بعد غسلها وتكفينها وحنوطها لأنّها طاهرة لا دنس فيها، وانّه لم يحضرها إلاّ أمير المؤمنين عليه السلام، والحسن، والحسين، وزينب، واُمّ كلثوم، وفضّة جاريتها، وأسماء بنت عميس، وانّ أمير المؤمنين عليه السلام أخرجها ومعه الحسن والحسين في الليل وصلّوا عليها، ولم

١- قد ورد هذا الحديث بطرق مختلفة في مصادر الشيعة والسنة، منها: مستدرك الحاكم ٣: ١٦٧ ح٤٧٣٠; مناقب الإمام عليّ عليه السلام للمغازلي: ٣٥١ ح٤٠١; ذخائر العقبى للمحبّ الطبري: ٣٩; المعجم الكبير للطبراني ٢٢: ٤٠١ ح١٠٠١; وغيرها.

٢- صحيح البخاري ٤: ٢١٠ باب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وآله; الجامع الصحيح للترمذي ٥: ٣٥٩ ح٣٩٥٩; المسند لأحمد بن حنبل ٤: ٣٢٦; المعجم الكبير للطبراني ٢٢: ٤٠٥ ح١٠١٤; مستدرك الحاكم ٣: ١٩٥ ح١٠١٣.

٣- السجف: الستر.

٤- في البحار: خلّوا بيني وبين نفسي.

٣٦٢

يعلم بها أحد ولا حضروا وفاتها، ولا صلّى عليها أحد من سائر الناس غيرهم، لأنّها عليها السلام أوصت بذلك وقالت: لا تصلّي عليّ اُمّة نقضت عهد الله وعهد أبي رسول الله صلى الله عليه وآله في أمير المؤمنين عليّ، وظلموني حقّي، وأخذوا ارثي، وحرقوا صحيفتي التي كتبها إليّ أبي بملك فدك، وكذبوا شهودي، وهم ـ والله ـ جبرئيل وميكائيل وأمير المؤمنين واُمّ أيمن.

وطِفْتُ عليهم في بيوتهم وأمير المؤمنين يحملني ومعي الحسن والحسين ليلا ونهاراً، آتي منازلهم اُذكّرهم الله بالله وبرسوله ألاّ تظلمونا ولا تغصبونا حقّنا الذي جعله الله لنا، فيجيبونا ليلا ويقعدون عن نصرتنا نهاراً. ثمّ ينفذون إلى دارنا قنفذاً ومعه عمر وخالد بن الوليد ليخرجوا ابن عمّي علياً إلى سقيفة بني ساعدة لبيعتهم الخاسرة، فلا يخرج إليهم متشاغلا بوصاة(١) رسول الله صلى الله عليه وآله وبأزواجه وبتأليف القرآن، وقضى ثمانين ألف درهم وصّاه بقضائها عنه عداتاً وديناً، فجعلوا الحطب الجزل على بابنا وأتوا بالنار ليحرقونا(٢).

فأخذت(٣) بعضادة الباب وناشدتهم بالله وبأبي عليه السلام أن يكفّوا عنّا وينصرفوا(٤)، فأخذ عمر السوط من يد قنفذ مولى أبي بكر فضرب به عضدي، فالتوى السوط على عضدي حتّى صار كالدملج، وركل الباب برجله فردّه عليّ وأنا حامل، فسقطت لوجهي والنار تستعر، وسفع(٥) وجهي بيده حتّى انتثر قرطي من اُذني، فجاءني المخاض فأسقطت محسناً قتيلا بغير جرم(٦)، فهذه اُمّة تصلّي عليّ

١- في البحار: بما أوصاه به.

٢- في البحار: ليحرقوه ويحرقونا.

٣- في البحار: فوقفت.

٤- في البحار: وينصرونا.

٥- سَفَعَ فلانٌ فلاناً: لطمه وضربه. (القاموس)

٦- وفي ذلك كلّه يقول العلاّمة محمد حسين الاصفهاني:


لكن كسر الضلع ليس ينجبرالاّ بصمصام عزيز مقتدر
إذ رضّ تلك الأضلع الزكيّةرزيّة لا مثلها رزيّة
ومن نبوع الدم من ثدييهايعرب عظم ما جرى عليها
وجاوزوا الحدّ بلطم الخدّشلّت يد الطغيان والتعدي
فاحمرّت العين وعين المعرفةتذرف بالدمع على تلك الصفة
ولا تزيل حمرة العين سوىبيض السيوف يوم ينشر اللوى
وللسياط رنّة صداهافي مسمع الدهر فما أشجاها
والأثر الباقي كمثل الدملجفي عضد الزهراء أقوى الحجج
ولست أدري خبر المسمارسل صدرها خزانة الأسرار
والباب والجدار والدماءشهود صدق ما به خفاء

٣٦٣
٣٦٤

الله صلى الله عليه وآله، ومضوا من فورهم إلى البقيع فوجدوا فيه أربعين قبراً جدداً، فاشتبه عليهم قبرها عليها السلام بين تلك القبور، فضجّ الناس ولام بعضهم بعضاً وقالوا: لم تحضروا وفاة بنت نبيّكم ولا الصلاة عليها، ولا تعرفوا قبرها فتزوروه، فقال أبو بكر: هاتوا من ثقاة المسلمين ينبش هذه القبور حتّى تجدوا قبرها، فنصلّي عليها ونزورها.

فبلغ ذلك أمير المؤمنين عليه السلام، فخرج من داره مغضباً وقد احمرّ وجهه وقامت عيناه ودرّت أوداجه، وعلى يده قباه الأصفر الذي لم يكن يلبسه إلاّ في كلّ كريهة، يتوكّأ على سيفه ذي الفقار حتّى ورد البقيع، فسبق الناس النذير فقال لهم: هذا عليّ قد أقبل كما ترون، يقسم بالله لأن بحث من هذه القبور حجر واحد لأضعنّ السيف على غابر الاُمّة، فولّى القوم هاربين قطعاً قطعاً.

ومنها ما فعله الأوّل من التآمر على الاُمّة من غير أن أباح الله له ذلك ولا رسوله، ولا مطالبته جميعهم بالبيعة له والانقياد إلى طاعته طوعاً وكرهاً، وكان ذلك أوّل ظلم ظهر في الإسلام بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله، إذ كان هو وأولياؤه جميعاً مقرّين بأنّ الله عزوجل ورسوله صلى الله عليه وآله لم يولّياه ذلك، ولا أوجبا طاعته ولا أمرا ببيعته(١).

وطالب الناس بالخروج إليه ممّا كان يأخذه رسول الله صلى الله عليه وآله من الأخماس والصدقات والحقوق الواجبات، ثمّ تسمّى بخلافة رسول الله صلى الله عليه وآله وقد علم هو ومن معه من الخاص والعام انّ رسول الله صلى الله عليه وآله لم يستخلفه، فقد جمع بين الظلم والمعصية والكذب على رسول الله صلى الله

١- وممّا يدلّ على عدم أهليّته للخلافة قول صاحبه الثاني: "كانت بيعة أبي بكر فلتة، وقى الله المسلمين شرّها، فمن عاد مثلها فاقتلوه"، ورد هذا النص أو ما يقاربه في عدّة مصادر، منها: تاريخ الخلفاء للسيوطي: ٦٧; صحيح البخاري، باب رجم الحبلى ٥: ٢٠٨; السيرة الحلبية ٣: ٣٦٣; الصواعق المحرقة ٥: ٥ و٨ و٢١; تاريخ الطبري ٣: ٢١٠.

٣٦٥

عليه وآله، وقد قال صلى الله عليه وآله: من كذب عليّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النار(١).

ولمّا امتنع طائفة من الناس في دفع الزكاة إليه وقالوا: انّ رسول الله صلى الله عليه وآله لم يأمر بدفع ذلك إليك، فسمّاهم أهل الردة وبعث إليهم خالد بن الوليد في جيش، فقتل مقاتلهم وسبى ذراريهم واستباح أموالهم، وجعل ذلك فيئاً للمسلمين، وقتل خالد بن الوليد رئيس القوم مالك بن نويرة، وأخذ امرأته فوطأها من ليلته تلك، واستحلّ الباقون فروج نسائهم من غير استبراء.

وقد روى أهل الحديث جميعاً بغير خلاف عن القوم الذين كانوا مع خالد انّهم قالوا: أذّن مؤذّننا وأذّن مؤذّنهم، وصلّينا وصلّوا وتشهّدوا، فأي ردة هاهنا مع ما رووه جميعاً انّ عمر قال لأبي بكر: كيف تقاتل قوماً يشهدون أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمداً رسول الله، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: اُمرت أن اُقاتل الناس حتّى يقولوا لا إله إلاّ الله وانّي محمد رسول الله، فإذا قالوها حقنوا دماءهم وأموالهم؟!

فقال: لو منعوني عقالا ممّا كانوا يدفعونه إلى رسول الله لقاتلتهم ـ أو قال لجاهدتهم ـ وكان هذا فعلا فضيعاً في الإسلام وظلماً عظيماً، فكفى بذلك خزياً وكفراً وجهلا، وإنّما أخذ عليه عمر بسبب قتل مالك بن نويرة، لأنّه كان [بين عمر و](٢) بين مالك خلّة أوجبت العصبيّة له من عمر(٣).

ثمّ رووا جميعاً انّ عمر لما ولّي جمع من بقى من عشيرة مالك، واسترجع ما

١- كنز العمال: ح٢٩١٦٨.

٢- أثبتناه من البحار.

٣- راجع تاريخ الطبري ٣: ٢٨٠; والفتوح لابن أعثم ١: ٢٥; والصراط المستقيم للبياظي: ٢٧٩ الباب الثاني عشر; والغدير ٧: ١٥٩; والملل والنحل ١: ٢٥; الإمامة والسياسة ١: ٢٣.

٣٦٦

وجد عند المسلمين من أموالهم وأولادهم ونسائهم، وردّ ذلك جميعاً عليهم، فإن كان فعل أبي بكر بهنّ خطأ فقد أطعم المسلمين الحرام من أموالهم، وملكهم العبيد الأحرار من أبنائهم، وأوطأهم فروجاً حراماً من نسائهم، وإن كان ما فعله حقّاً فقد أخذ عمر نساء قوم ملكوهنّ بحق، فانتزعهنّ من أيديهم غصباً وظلماً، وردّهم إلى قوم لا يستحقّونهنّ بوطئهنّ حراماً من غير مباينة وقعت، ولا أثمان دفعت إلى من كنّ عنده في تملّكه. فعلى كلا الحالين قد أخطئا جميعاً أو أحدهما، لأنّهما أباحا للمسلمين فروجاً حراماً، وأطعماهم طعاماً حراماً من أموال المقتولين على دفع الزكاة إليه، وليس له ذلك على ما تقدّم ذكره.

ومنها تكذيبه لفاطمة صلوات الله عليها في دعواها فدك(١)، وردّ شهادة اُمّ أيمن مع انّهم رووا جميعاً انّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال: اُمّ أيمن امرأة من أهل الجنّة، وردّ شهادة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وقد رووا جميعاً انّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال: عليّ مع الحق والحق مع عليّ يدور معه حيث ما دار، وأخبرهم أيضاً بتطهير عليّ وفاطمة من الرجس عن الله تعالى، فمن توهّم انّ علياً وفاطمة يدخلان ـ بعد هذه الأخبار عن الله عزوجل ـ في شيء من الكذب والباطل فقد كذّب الله، ومن كذّب الله كفر بغير خلاف.

ومنها قوله في الصلاة: لا يفعل خالد ما اُمر(٢)، فهذه بدعة يقارنها كفر، وذلك انّه أمر خالداً بقتل أمير المؤمنين عليه السلام إذا هو سلّم من صلاة الفجر، فلمّا قام في الصلاة ندم على ذلك وخشى إن فعل خالد ما أمر به من قتل عليّ عليه السلام أن تهيج عليه فتنة لا يقومون لها، فقال: لا يفعل خالد ما اُمر قبل أن يسلّم، وكان

١- راجع شرح النهج لابن أبي الحديد ٤: ٨٠ و٨٢; والصواعق: ٢٢; السيرة الحلبية ٣: ٣٦٢; على ما في نهج الحق: ٢٦٥; والصراط المستقيم: ٢٨٢ باب١٢; مجمع الزوائد للهيثمي ٩: ٣٩.

٢- راجع كتاب سليم: ٢١٤; عنه البحار ٢٨: ٣٠٥; مناقب ابن شهر آشوب ٢: ٢٩٠.

٣٦٧

الكلام في الصلاة بدعة والأمر بقتل عليّ عليه السلام كفر.

ومنها انّهم رووا عنه بغير خلاف انّه قال وقت وفاته: ثلاث فعلتها ووددت انّي لم أفعلها، وثلاث لم أفعلها ووددت أنّي فعلتها، وثلاث أغفلت المسألة عنها ووددت انّي سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عنها. أمّا الثلاث التي وددت انّي لم أفعلها فبعث خالد بن الوليد إلى مالك بن نويرة وقومه المسمّين بأهل الردة، وكشف بيت فاطمة عليها السلام وإن كان اغلق على حرب...، واختلف أولياؤه في باقي الخصال فأهملنا ذكرها وذكرنا ما اجتمعوا عليه(١).

فقد دلّ قوله: انّي لم أكشف بيت فاطمة بنت رسول الله...، انّه أغضب فاطمة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: انّ الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك، فقد أوجب بفعله هذا غضب الله عليه بغضب فاطمة، وقال صلى الله عليه وآله: فاطمة بضعة منّي من آذاها فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله عزوجل، فقد لزمه أن يكون قد آذى الله ورسوله بما لحق فاطمة عليها السلام من الأذى بكشف بيتها، وقال الله عزوجل:

{إنّ الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة}(٢).

وأمّا الثلاث التي ودّ أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وآله عنها فهي: الكلالة ما هي، وعن الجد ما له من الميراث، وعن الأمر لمن هو بعده ومن صاحبه. وكفى بهذا الاقرار على نفسه خزياً وفضيحةً لأنّه شهر نفسه بالجهل بأحكام الشريعة، ومن كان هذا حاله كان ظالماً فيما دخل فيه من الحكومة بين المسلمين بما

١- ورد هذا الكلام بنصوص مختلفة متّحدة المعنى، منها: تاريخ الطبري ٢: ٣٥٣ في ذكر أسماء قضاته وكتابه...; تاريخ اليعقوبي ٢: ١٣٧; شرح النهج لابن أبي الحديد ٢: ٤٥-٤٧; الصراط المستقيم: ٣٠١ باب١٢; الخصال: ١٧١-١٧٣ ح٢٨٨ باب٣; عنه البحار ٣٠: ١٢٢ ح٢; مروج الذهب ٢: ٣٠٢; الإمامة والسياسة: ٢٤.

٢- الأحزاب: ٥٧.

٣٦٨

لا يعلمه، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون.

وقوله: انّي وددت انّي سألت رسول الله صلى الله عليه وآله لمن الأمر بعده ومن صاحبه، فقد أقرّ وشهد على نفسه بأنّ الأمر لغيره وانّه لا حقّ له فيه، لأنّه لو كان له فيه حقّ لكان قد علمه من الله عزوجل ومن رسوله صلى الله عليه وآله، فلمّا لم يكن له فيه حق لم يعلم لمن هو بزعمه، وإذا لم يكن له فيه حق ولم يعلم لمن هو فقد دخل فيما لم يكن له، وأخذ حقاً هو لغيره، وهذا يوجب الظلم والتعدّي وقال الله عزوجل: {ألا لعنة الله على الظالمين}(١)، وقال: والكافرون هم الظالمون.

ومنها ما وافقه عليه صاحبه الثاني انّه لما أراد أن يجمع ما تهيّأ له من القرآن أمر منادياً ينادي في المدينة: من كان عنده شيء من القرآن فليأتنا به، ثمّ قال: لا نقبل من أحد شيئاً إلاّ بشاهدي عدل، وهذا منهم مخالف لكتاب الله عزوجل، إذ يقول: {لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً}(٢).

فإن كان الرجل وصاحبه جهلا هذا من كتاب الله، وظنّا انّه لا يجوز(٣) لأحد من الناس أن يأتي بمثل هذا القرآن، فذلك غاية الجهل وقلّة الفهم، وهذا الوجه أحسن أحوالهما، ومن حلّ هذا المحلّ لم يجز أن يكون حاكماً بين المسلمين فضلا عن منزلة الامامة، وإن كانا قد علما ذلك من كتاب الله، ولم يصدّقا أخبار الله فيه، ولم يثقا بحكمه في ذلك، كانت هذه حالا توجب عليهما ما لا خفاء به على كلّ ذي فهم.

ولكن الأئمة من أهل البيت عليهم السلام قالوا: انّهما قصدا بذلك علياً عليه السلام، فجعلا هذا سبباً لترك قبول ما كان عليّ عليه السلام جمعه وألّفه من القرآن

١- هود: ١٨.

٢- الاسراء: ٨٨.

٣- لعلّ الأصح: يجوز.

٣٦٩

في مصحفه بتمام ما أنزل الله عزوجل على رسوله صلى الله عليه وآله منه، وخشيا أن يقبلا ذلك منه فيظهر ما يفسد عليهما عند الناس ما ارتكباه من الاستيلاء على اُمورهم، ويظهر فيه فضائح المذمومين بأسمائهم، وطهارة الفاضلين المحمودين بذكرهم، فلذلك قالا: لا نقبل القرآن من أحد إلاّ بشاهدي عدل.

هذا مع ما يلزم من يتولاّهما انّهما لم يكونا عالمين بتنزيل القرآن، لأنّهما لو كانا يعلمانه لما احتاجا أن يطلباه من غيرهما ببيّنة عادلة، وإذا لم يعلما التنزيل كان محالا أن يعلما التأويل، ومن لم يعلم التنزيل ولا التأويل كان جاهلا بأحكام الدين وبحدود ما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وآله، ومن كان بهذه الصفة خرج عن حدود من يصلح أن يكون حاكماً بين المسلمين أو اماماً لهم، ومن لم يصلح لذلك ثمّ دخل فيه فقد استوجب المقت من الله عزوجل، لأنّ من لا يعلم حدود الله يكون حاكماً بغير ما أنزل الله، وقال سبحانه: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فاُولئك هم الكافرون}(١).

ومنها انّ الاُمّة مجمعة على انّ رسول الله صلى الله عليه وآله ضمّه وصاحبه مع جماعة من المهاجرين والأنصار إلى اُسامة بن زيد وولاّه عليهما، وأمره بالمسير فيهم، وأمرهم بالمسير تحت رايته وهو أمير عليهم إلى بلاد الشام، ولم يزل رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: لينفّذ جيش اُسامة حتّى توفّي صلى الله عليه وآله في مرضه ذلك، وانّهما لم ينفّذا وتأخّرا عن اُسامة في طلب ما استوليا عليه من اُمور الاُمة(٢).

فبايع الناس لأبي بكر واُسامة معسكر في مكانه على حاله خارج المدينة،

١- المائدة: ٤٤.

٢- راجع في تخلّف القوم عن جيش اُسامة: الملل والنحل ١: ٢٣، وفيه: "جهّزوا جيش اُسامة لعن الله من تخلّف عنه"; السيرة الحلبيّة ٣: ٢٠٧; شرح النهج لابن أبي الحديد ١: ٥٣; الكامل في التاريخ ٢: ٢١٥; كنز العمال ٥: ٣١٢; تاريخ اليعقوبي ٢: ١١٣; صراط المستقيم: ٢٩٦ باب١٢.

٣٧٠

والاُمة مجمعة على انّ من عصى رسول الله وخالفه فقد عصى الله، ومن أطاع الرسول فقد أطاع الله بنصّ الكتاب العزيز، والاُمة أيضاً مجمعة على انّ معصية الرسول بعد وفاته كمعصيته في حياته، وانّ طاعته بعد وفاته كطاعته في حياته، وانّهما لم يطيعاه في الحالتين وتركا أمره بالخروج، ومن ترك أمر رسول الله صلى الله عليه وآله متعمّداً وخالفه وجب الحكم بارتداده.

ومنها انّه لمّا حضرته الوفاة جعل ما كان اغتصبه وظلم في الاستيلاء عليه لعمر من بعده(١)، وطالب الناس بالبيعة له والرضا به، كره في ذلك من كره ورغب من رغب، وقد أجمعوا في روايتهم انّ الغالب كان من الناس يومئذ الكراهة، فلم يفكّر في ذلك وجعله الوالي عليهم على كره منهم، وخوّفوه من الله عزوجل في توليته فقال: بالله تخوّفوني، إذا أنا لقيته قلت له: إنّي استخلفت عليهم خير أهلك(٢).

فكان هذا القول جامعاً لعجائب من المنكرات الفضيعات، أرأيت لو أجابه الله تعالى فقال: من جعل إليك ذلك، ومن ولاّك أنت حتّى تستخلف عليهم غيرك؟! فقد تقلّد الظلم في حياته وبعد وفاته.

ثمّ انّ قوله: أتخوّفوني بالله، اما هو دليل على الاستهانة بملاقاة الله تعالى، أو يزعم انّه زكيّ عند الله برئ من كلّ زلّة وهفوة، وهذا مخالفة لقوله تعالى، فإنّه قال: {فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتّقى}(٣) ثمّ انّه لم يكتف بذلك حتّى شهد لعمر انّه خير القوم، وهذا ممّا لا يصل إليه مثله ولا يعرفه.

ثمّ انّه ختم ذلك بالطامة الكبرى انّه أمر وقت وفاته بالدفن مع رسول الله

١- وفي ذلك يقول أمير المؤمنين عليه السلام في خطبته الشقشقية: فيا عجباً بينا هو يستقيلها في حياته إذ عَقَدَها لآخر بعد وفاته ـ لشدّ ما تشطّرا ضرعيها ـ فصيّرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها، ويخشن مسّها، ويكثر العثار فيها، والاعتذار منها....

٢- راجع الملل والنحل ١: ٢٥; تاريخ الطبري ٢: ٣٥٥.

٣- النجم: ٣٢.

٣٧١

صلى الله عليه وآله في بيته وموضع قبره، وجعل أيضاً بذلك سبيلا لعمر عليه، فإنّه فعل كما فعله وصيّرت العامة ذلك منقبة لهما بقولهم: ضجيعا رسول الله صلى الله عليه وآله، ومن عقل وميّز وفهم على انّهما قد جنيا على أنفسهما جناية لا يستقيلانها أبداً، وأوجبا على أنفسهما المعصية لله ولرسوله والظلم الظاهر الواضح، لأنّ الله سبحانه قد نهى عن الدخول إلى بيوت النبي إلاّ باذنه حيث يقول: {يا أيّها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلاّ أن يؤذن لكم}(١).

والحال في ذلك بعد وفاته كالحال في حياته إلاّ أن يخصّ الله عزوجل ذلك أو رسوله، فإن كان البيت الذي فيه قبر رسول الله صلى الله عليه وآله للرسول خاصة فقد عصيا الله بدخولهما بيته بغير اذن الرسول، وختما أعمالهما بمعصية الله في ذلك، وإن كان البيت من جملة التركة فامّا أن يكون كما زعموا انّه صدقة، أو يكون للورثة، فإن كان صدقة فحينئذ يكون لسائر المسلمين لا يجوز أن يختصّ واحد دون واحد، ولا يجوز أيضاً شراؤه من المسلمين ولا استيهابه.

وإن كان ميراثاً فليس هما ممّن يرث الرسول صلى الله عليه وآله، وإن ادّعى جاهل ميراث ابنتيهما من الرسول فإنّ نصيبهما تسع الثمن، لأنّ الرسول مات عن تسع نسوة وعن ولد للصلب، فلكلّ واحدة منها تسع الثمن، وهذا القدر لا يبلغ مفحص قطاة، وبالجملة فإنّهما غصبا الموضع حتّى تقع القسمة على تركة الرسول، ولا قسمة مع زعمهم انّ ما تركه صدقة.

وأمّا ما جعل أولياءه له فضيلة في آية الغار فهو أيضاً رذيلة، كما ذكر الشيخ المفيد ما حكاه الطبرسي في كتاب الاحتجاج، احتجاج الشيخ السديد المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان رحمة الله عليه.

حدّث الشيخ أبو عليّ الحسن بن معمر الرقي بالرملة في شوال سنة ثلاث

١- الأحزاب: ٥٣.

٣٧٢

وعشرين وأربعمائة، عن الشيخ المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان رضي الله عنه انّه قال: رأيت في المنام سنة من السنين كأنّي قد اجتزت في بعض الطرق، فرأيت حلقة دائرة فيها ناس كثير، فقلت: ما هذه؟ قالوا: هذه حلقة فيها رجل يعظ الناس، فقلت: من هو؟ قالوا: عمر بن الخطاب.

ففرّقت الناس ودخلت الحلقة وإذا أنا برجل يتكلّم على الناس بشيء لم أحصله، فقطعت عليه الكلام فقلت: يا شيخ أخبرني ما وجه الدلالة على فضل صاحبك أبي بكر عتيق بن أبي قحافة من قول الله تعالى: {ثاني اثنين إذ هما في الغار}(١) فقال: وجه الدلالة على فضل أبي بكر من هذه الآية ستة مواضع:

الأوّل: انّ الله تعالى ذكر النبي صلى الله عليه وآله وذكر أبا بكر ثانيه، وقال: {ثاني اثنين}.

الثاني: انّه وصفهما بالاجتماع في مكان واحد بتألّفه بينهما، فقال: {إذ هما في الغار}.

الثالث: انّه أضافه إليه بذكر الصحبة ليجمع بينهما فيما تقتضي الرتبة، فقال: {إذ يقول لصاحبه}.

الرابع: انّه أخبر عن شفقة النبي صلى الله عليه وآله ورفقه به لموضعه عنده، فقال: {لا تحزن}.

الخامس: انّه أخبر انّ الله معهما على حدّ سواء، ناصراً لهما ودافعاً عنهما، فقال: {إنّ الله معنا}.

السادس: انّه أخبر عن نزول السكينة على أبي بكر، لأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله لم تفارقه السكينة، فقال: {فأنزل الله سكينته عليه}، فهذه ستّة مواضع تدلّ على فضل أبي بكر من آية الغار، لا يمكنك ولا لغيرك الطعن فيها.

١- التوبة: ٤٠.

٣٧٣

فقلت له: خبرت كلامك في الاحتجاج لصاحبك، وانّي بعون الله سأجعل جميع ما أتيت به كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف، فأمّا قولك: فإنّ الله تعالى ذكر النبي صلى الله عليه وآله وجعل أبا بكر ثانيه، فهو اخبار عن العدد، لعمري لقد كانا اثنين فما في ذلك من الفضل، ونحن نعلم انّ مؤمناً ومؤمناً أو كافراً ومؤمناً اثنان، فما أرى لك في ذكر العدد طائلا تعتمده.

وأمّا قولك بأنّه وصفهما بالاجتماع في المكان، فإنّه كالأوّل لأنّ المكان يجمع المؤمن والكافر كما يجمع العدد المؤمنين والكافرين، وأيضاً فإنّ مسجد النبي صلى الله عليه وآله أشرف من الغار ولقد جمع المؤمنين والكافرين والمنافقين، وفي ذلك قوله عزوجل: {فمالِ الذين كفروا قبلك مهطعين * عن اليمين وعن الشمال عزين}(١)، وأيضاً فإنّ سفينة نوح عليه السلام قد جمعت النبي والشيطان والبهيمة، والمكان لا يدلّ على ما أوجبت من الفضيلة، فبطل وجهان.

وأمّا قولك انّه أضاف إليه بذكر الصحبة، فإنّه أضعف من الفضلين الأوّلين، لأنّ اسم الصحبة تجمع المؤمن والكافر، والدليل على ذلك قول الله تعالى: {قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثمّ من نطفة ثمّ سوّاك رجلا}(٢)وأيضاً فإنّ اسم الصحبة يُطلق بين العاقل وبين البهيمة، والدليل على ذلك كلام العرب كما قيل:


إنّ الحمار مع الحمار مطيةفإذا خلوت به فبئس الصاحب

وأيضاً فقد سمّوا الجماد مع الحي صاحباً قالوا ذلك في السيف، فقالوا:


زرت هنداً وذاك غير اختيانومعي صاحب كتوم اللسان

يعني السيف، فإذا كان اسم الصحبة تقع بين المؤمن والكافر وبين العاقل

١- المعارج: ٣٦-٣٧.

٢- الكهف: ٣٧.

٣٧٤

والبهيمة وبين الحيوان والجماد، فأيّ حجّة لصاحبك فيه.

وأمّا قولك: انّه قال: (لا تحزن) فإنّه وبال عليه ومنقصة له، ودليل على خطائه، لأنّ قوله: (لا تحزن) نهي وصورة النهي قول القائل لا تفعل، فلا يخلو امّا أن يكون الحزن وقع من أبي بكر طاعة أو معصية، فإن كان طاعة فإنّ النبي صلى الله عليه وآله لا ينهى عن الطاعات بل يأمر بها ويدعو إليها، وإن كان معصية فقد نهاه النبي صلى الله عليه وآله عنها، وقد شهدت الآية بعصيانه بدليل انّه نهاه.

وأمّا قولك انّه قال (انّ الله معنا) فإنّ النبي صلى الله عليه وآله أخبر انّ الله معه وعبّر عن نفسه بلفظ الجمع، كقوله: {إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون}(١) وقد قيل أيضاً في هذا أنّ أبا بكر قال: يا رسول الله حزني على أخيك عليّ بن أبي طالب ما كان منه، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: لا تحزن انّ الله معنا [أي] معي ومع أخي عليّ بن أبي طالب عليه السلام.

وأمّا قولك انّ السكينة نزلت على أبي بكر فإنّه ترك للظاهر، لأنّ الذي نزلت عليه السكينة هو الذي أيّده الله بالجنود، وكذا يشهد ظاهر القرآن في قوله تعالى: {فأنزل الله سكينته عليه وأيّده بجنود لم تروها}(٢) فإن كان أبو بكر هو صاحب السكينة فهو صاحب الجنود، وفي هذا اخراج النبي صلى الله عليه وآله من النبوّة على انّ هذا الموضع لو كتمته على صاحبك كان خيراً له، لأنّ الله تعالى أنزل السكينة على النبي صلى الله عليه وآله في موضعين كان معه قوم مؤمنون فشركهم فيها.

فقال في أحد الموضعين: {فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين

١- الحجر: ٩.

٢- التوبة: ٤٠.

٣٧٥

وألزمهم كلمة التقوى}(١) وقال في الموضع الآخر: {ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنوداً لم تروها}(٢) ولمّا كان في هذا الموضع خصّه وحده بالسكينة دلّ ذلك على انّه لم يكن عنده مؤمناً، لأنّه لو كان عنده مؤمناً شركه معه بالسكينة كما شرك من كان معه من المؤمنين في الموضعين الأوّلين، فدلّ اخراجه من السكينة على خروجه من الايمان، فلم يحر جواباً وتفرّق الناس(٣).

وأمّا صاحبه الثاني فقد حذا حذوه، وزاد عليه فيما غيّر من حدود الله تعالى في الوضوء والأذان والاقامة والصلاة وسائر أحكام الدين.

أمّا الوضوء، فقد قال عزّ من قائل: {يا أيّها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين}(٤) فقد جعل سبحانه وتعالى للوضوء حدوداً أربعة، حدّان منها غسل وحدّان منها مسح، فلمّا قدم الثاني بعد الأوّل جعل المسح على الرجلين غسلا وأمر الناس بذلك فاتّبعوه إلاّ فرقة الحق، وأفسد على من اتّبعه وضوءه وصلاته لفساد الوضوء، لأنّه على غير ما أمر الله(٥) من حدود الوضوء، وأجاز أيضاً المسح على الخفّين من غير أمر من الله ورسوله.

وأمّا الأذان والاقامة فأسقط منهما وزاد فيهما، أمّا الأذان فإنّه كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله "حيّ على خير العمل" باجماع العلماء وأهل المعرفة بالأثر والخبر(٦)، فقال الثاني: ينبغي لنا أن نسقط "حيّ على خير العمل" من

١- الفتح: ٢٦.

٢- التوبة: ٢٦.

٣- الاحتجاج ٢: ٦٠٧ ح٣٦١; عنه البحار ٢٧: ٣٢٧ ح١; وأورده الكراجكي في كنز الفوائد: ٢٠٢.

٤- المائدة: ٦.

٥- في البحار: على غير ما أنزل الله به....

٦- راجع في ذلك: سنن البيهقي ١: ٢٥٤-٥٢٥; السيرة الحلبية ٢: ١٠٥; ميزان الاعتدال ١: ١٣٩; لسان الميزان ١: ٢٦٨; البحار ٨٤: ١٧٩ ح١١; عن دعائم الإسلام ١: ١٤٥.

٣٧٦

الأذان لئلاّ يتّكل الناس على الصلاة فيتركوا الجهاد، فأسقط ذلك من الأذان والاقامة جميعاً لهذه العلّة بزعمه، فقبلوا ذلك منه واتبعوه عليه(١).

فلزمهم في حقّ النظر أن يكون عمر قد أبصر من الرشد في ذلك ما لم يعلمه الله عزوجل ولا رسوله صلى الله عليه وآله، لأنّ الله ورسوله قد أثبتا ذلك في الأذان والاقامة ولم يخافا على الناس ما خشيه عليهم عمر وقدّره فيهم، ومن ظنّ ذلك وجهله لزمه الكفر، فأفسد عليهم الأذان بذلك أيضاً لأنّه من تعمّد الزيادة أو النقيصة في فريضة أو سنّة فقد أفسدها.

ثمّ انّه بعد اسقاط ما أسقط من الأذان والاقامة من حيّ على خير العمل، أثبت في بعض الأذان زيادة من عنده وذلك في صلاة الفجر، زاد في الأذان "الصلاة خير من النوم" فصارت هذه البدعة عند من اتّبعه من السنن الواجبة لا يستحلّون تركها، فبدعة الرجل عندهم معمورة متّبعة معمول بها، يطالب من تركها بالقهر عليها، وسنّة رسول الله صلى الله عليه وآله عندهم مهجورة مطرحة يضرب من استعملها ويقتل من أقامها.

وجعل أيضاً الاقامة فرادى فقال: ينبغي لنا أن نجعل بين الأذان والاقامة فرقاً بيّناً، وكانت الاقامة على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله سبيلها كسبيل الأذان مثنى مثنى، وكان فيها "حيّ على خير العمل" مثنى، وكانت أنقص من الأذان بحرف واحد في آخرها، لأنّ في آخر الأذان "لا إله إلاّ الله" مرّتين وفي آخر الاقامة مرّة واحدة، وكان هذا هو الفرق فغيّره وجعل بينهما فرقاً من عنده.

فقد خالف الله ورسوله وزعم انّه قد أبصر من الرشد في ذلك، وأضاف من الحق ما لم يعلمه الله ورسوله، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كلّ محدثة

١- راجع دعائم الإسلام ١: ١٤٤; علل الشرائع ٢: ٥٦; عنه البحار ٨٤: ١٤٠ ح٣٤; الصراط المستقيم: ٢١ تتمّة الباب الثاني عشر.

٣٧٧

بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار. ولا شك انّه كلّ من ابتدع بدعة كان عليه وزرها ووزر العامل بها إلى يوم القيامة.

وأمّا الصلاة فقد أفسد من حدودها ما فيه الفضيحة والهتك لمذهبهم وهوانهم، رووا انّ تحريم الصلاة التكبير وتحليلها التسليم، وانّ الصلاة المفروضة على الحاضرين الظهر أربعاً، والعصر أربعاً، والمغرب ثلاثاً، والعشاء الآخرة أربعاً لا سلام إلاّ في آخر التسليم في الرابعة، وأجمعوا انّه من سلّم قبل التشهّد عامداً متعمّداً فلا صلاة له وقد لزمه الاعادة، وانّه من سلّم في كلّ ركعتين من هذه الصلوات الأربع عامداً غير ناس فقد أفسد صلاته، وعليه الاعادة.

فاستنّ الرجل لهم التشهّد الأوّل والثاني ما أفسد صلاتهم وأبطل عليهم تشهّدهم، فليس منهم أحد يتشهّد في صلاته قط ولا يصلّي من هذه الصلوات الأربع التي ذكرناها، وذلك انّهم يصلّون ركعتين ثمّ يقعدون للتشهّد الأوّل، فيقولون عوضاً عن التشهّد: "التحيّات لله، الصلوات الطيّبات، السلام عليك أيّها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين".

فإذا قالوا ذلك فقد سلّموا أتمّ سلام وأكمله، لأنّه إذا سلّم المصلّي على النبي وعلى نفسه وعلى عباد الله الصالحين لم يبق بعد هؤلاء من يجوز صرف التسليم إليه، فإنّ عباد الله الصالحين في جملتهم الأوّلون والآخرون والجنّ والانس والملائكة وأهل السماوات والأرض والأنبياء والأوصياء، وجميع المرسلين من الأحياء والأموات، ومن قد مضى ومن هو آت، فحينئذ يكون المصلّي منهم قد قطع صلاته الأربع ركعات بسلامه هذا.

ثمّ يقول بعد التسليم: "أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله" والتشهّد هو الشهادتان، والمصلّي منهم يأتي بالشهادتين بعد التسليم الذي ذكرناه منهم، فلزم انّه ليس منهم أحد يتشهّد في الصلاة إذا كان التسليم

٣٧٨

موجباً للخروج من الصلاة، ولا عبرة بالتشهّد بعد الصلاة، فهذا بيان فضيحتهم، وابطال اُصولهم، وفساد مذاهبهم، وهلاكهم وهلاك من استنّ بهم، ومن يقتدي بهم إلى يوم القيامة.

ثمّ أتبع ذلك بقوله آمين عند الفراغ من قراءة سورة الحمد، فصارت عند أوليائه سنّة واجبة حتّى أنّ من يتلقّن القرآن من الأعاجم وغيرهم وعوام الناس وجهالهم يلقنونهم من بعد قوله "ولا الضالين" آمين، فقد زيدوا آية في اُمّ الكتاب، وصار عندهم من لم يأت بها في صلاته وغير صلاته كأنّه قد ترك آية من كتاب الله عزوجل.

وقد أجمع أهل النقل عن الأئمة عليهم السلام عن أهل البيت انّهم قالوا: من قال آمين في صلاته فقد أفسد صلاته وعليه الاعادة، لأنّها عندهم كلمة سريانيّة معناها بالعربية: افعل، كسبيل من يدعو بدعاء فيقول في آخره: اللّهمّ افعل، ثمّ استنّ أولياؤه وأنصاره رواية متخرّصة عن النبي صلى الله عليه وآله أنّه كان يقول ذلك بأعلى صوته في الصلاة، فأنكر أهل البيت ذلك ولما رأينا أهل البيت عليهم السلام مجمعين على انكارها صحّ عندنا فساد اخبارهم فيها، لأنّ الرسول صلوات الله عليه وآله حكم بالاجماع لئلاّ(١) نضلّ ما تمسّكنا بأهل بيته، فتعيّن ضلالة من تمسّك بغيرهم.

وأمّا الدليل على خرص روايتهم انّهم مختلفون في الرواية، فمنهم من يروي: إذا أمّن الإمام فأمّنوا، ومنهم من يروي: إذا قال الإمام: {ولا الضالين} فقولوا: آمين، ومنهم من يروي رفع(٢) الصوت بها، ومنهم من يروي الاخفات بها، فكان هذا اختلافهم فيما وصفناه من هذه المعاني دليلا واضحاً ـ لمن فهم ـ على تخرّص

١- في البحار: أن لا نضلّ.

٢- في البحار: ندب رفع الصوت.

٣٧٩

روايتهم.

ثمّ أتبع ذلك بفعل من أفعال اليهود، وذلك عقد اليدين في الصدر إذا قاموا في الصلاة لأنّ اليهود تفعل في صلاتها ذلك، فلمّا رآهم الرجل يستعملون ذلك استعمله هو أيضاً اقتداءً بهم، وأمر الناس بفعل ذلك وقال: انّ هذا تأويل قوله تعالى: {وقوموا لله قانتين}(١) يريد بزعمه التذلّل والتواضع.

وممّا رووه عنه بلا خلاف انّه قال للرسول صلى الله عليه وآله يوماً: انّا لنسمع من اليهود أشياء فنستحسنها منهم فنكتب ذلك منهم، فغضب الرسول صلى الله عليه وآله وقال: أمتهوّدون(٢) أنتم يا ابن الخطاب؟! لو كان موسى حيّاً لم يسعه إلاّ اتّباعي(٣).

ومن استحسن ذلك في حياة الرسول من قول اليهود فاستحسانه بعد فقد الرسول أولى، وقد أنكر أهل البيت عليهم السلام ونهوا عنه نهياً مؤكّداً، وحال أهل البيت ما شرحناه من شهادة الرسول لهم بازالة الضلالة عنهم وعمّن تمسّك بهم.

فليس من بدعة ابتدعها هذا الرجل إلاّ أولياؤه متحفّظون بها، مواظبون عليها وعلى العمل بها، طاعنون على تاركها، وكلّ تأديب الرسول الذي قد خالفه الرجل ببدعه فهو عندهم مطرح متروك مهجور، يطعن على من استعمله وينسب عندهم إلى الاُمور المنكرات.

ولقد رووا جميعاً أنّ الرسول قال: لا تبركوا في الصلاة كبرك البعير، ولا تنقروا كنقر الديك، ولا تقعوا كإقعاء الكلب، ولا تلتفتوا كالتفات القرد، فهم لأكثر

١- البقرة: ٢٣٨.

٢- في البحار: أمتهوّكون، والتهوّك: التحيّر.

٣- راجع النهاية لابن الأثير ٥: ٢٨٢; ولسان العرب ١٢: ٤٠٠; على ما في تدوين السنّة: ٣٤٢-٣٤٦.

٣٨٠