×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

إرشاد القلوب (ج 2) / الصفحات: ٢١ - ٤٠

ونزل جبرئيل عليه السلام يوم بدر وسمعه المسلمون كافة وهو يقول: "لا سيف إلاّ ذو الفقار، ولا فتى إلاّ علي"، ووقائعه مشهورة عند الخاص والعام في زمن النبي صلّى الله عليه وآله وبعده في حرب الجمل وصفين والنهروان.

روى الخوارزمي قال: كان أبطال المشركين إذا نظروا إلى عليّ عليه السلام في الحرب عهد بعضهم إلى بعض(١).

وبالجملة فشجاعته مشهورة عند جميع الناس حتّى صارت تضرب بها الأمثال، وإذا كان أشجع الناس كان أفضلهم لقوله تعالى: {وفضّل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً}(٢) فيكون هو الإمام لقبح تقديم المفضول على الفاضل.

وأمّا العدالة: فقد بلغ فيها الغاية القصوى، ويكفيك في التنبيه عليها كلامه في نهج البلاغة أيضاً لأخيه عقيل الذي لم يكن عنده أحد أحبّ إليه منه، وهو قوله عليه السلام: والله لئن أبيت على حَسَك السعدان مسهّداً(٣)، واُجَرُّ في الأغلال مصفّداً(٤)، أحبّ إليّ من أن ألقى الله ورسوله ظالماً لبعض العباد، أو غاصباً لشيء من الحطام، وكيف أظلم أحداً لنفس تسرع إلى البلاء قفولها، ويطول في الثرى حلولها.

والله لقد رأيت عقيلا وقد أملق(٥) حتّى استماحني من برّكم صاعاً، ورأيت

١- عنه كشف اليقين: ٨٤; وفي المناقب لابن المغازلي: ٧٢ ح١٠٦; وقال الراغب في محاضرات الاُدباء (٣: ١٣٨): قيل: كانت قريش إذا رأت أمير المؤمنين في كتيبة تواصت خوفاً منه.

٢- النساء: ٩٥.

٣- كأنّه عليه السلام يريد من الحسك الشوك، والسعدان: نبت ترعاه الابل له شوك تشبه به حلمة الثدي، والمسهّد ـ من سهّده ـ: إذا أسهره.

٤- المصفّد: المقيّد.

٥- أملق: افتقر أشدّ الفقر.

٢١

صبيانه شعث الألوان من فقرهم كأنّما سوّدت وجوههم بالعِظلم(١)، وعاودني مؤكّداً، وكرّر عليّ مردداً، فأصغيت إليه سمعي، فظنّ انّي أبيعه ديني، وأتبع قياده مفارقاً طريقتي.

فأحميت له حديدة ثمّ أدنيتها من جسمه ليعتبر، فضجّ ضجيج ذي دنف من ألمها، وكاد أن يحترق من ميسمها، فقلت له: ثكلتك الثواكل يا عقيل، أتئنّ من حديدة أحماها انسانها للعبه، وتجرّني إلى نار سجّرها جبّارها لغضبه، أتئنّ من الأذى ولا أئنّ من لظى.

وأعجب من ذلك طارق طرقنا بملفوفة في وعائها(٢)، ومعجونة قد شنئتُها(٣) كأنّها عجنت بريق حيّة أو قيئها، فقلت: أصلة أم زكاة أم صدقة، فذلك محرّم علينا أهل البيت، قال: لا ذا ولا ذا، ولكنّها هدية.

فقلت: هبلتك الهوابل(٤)، أعن دين الله أتيتني لتخدعني، أمختبط أنت، أم ذي جنّة، أم تهجر، والله لو اُعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلته، وانّ دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها، ما لعليّ ونعيم يفنى، ولذّة لا تبقى، نعوذ بالله من سبات العقل وقبح الزلل، وبه نستعين(٥).

فهذه اُصول الفضائل وأمّا فروع الفضائل التي له عليه السلام فغير متناهية، روي عن النبي صلّى الله عليه وآله انّه قال: من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في تقواه، وإلى ابراهيم في حلمه، وإلى موسى في هيبته، وإلى عيسى في عبادته

١- العظلم: سواد يُصبغ به.

٢- الملفوفة: نوع من الحلواء، أهداها الأشعث بن قيس إلى علي عليه السلام.

٣- شنئتها: كرهتها.

٤- في المصدر و "ج": الهبول.

٥- نهج البلاغة: الخطبة ٢٢٤; عنه البحار ٤١: ١٦٢ ح٥٧.

٢٢

فلينظر إلى عليّ بن أبي طالب(١).

فأثبت له ما تفرّق فيهم من الفضل والكمال الذي هو المراد من كلّ واحد منهم، وروى ذلك البيهقي أيضاً في كتابه باسناده عن رسول الله صلّى الله عليه وآله، فجلّ من أنعم عليه بالعلم والخلق والعُلى، وجميع ما تشتت في الورى.


ليس من الله بمستنكرأن يجمع العالم في واحد

فصل
[في عبادته وزهده]


واعلم انّه إذا نظرت إلى العبادة وجدته أعبد الناس بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله، منه تعلّم الناس صلاة الليل والتهجّد والأدعية المأثورة، ولقد كان يُفرش له بين الصفَّين والسهام تتساقط حوله، وهو لا يلتفت عن ربّه ولا يغيّر عادته [ولا يفتر عن عبادته](٢).

وكان إذا توجّه إلى الله تعالى توجّه بكلّيته، وانقطع من الدنيا نظره وما فيها حتّى لا يبقى يدرك الألم، لأنّهم كانوا إذا أرادوا اخراج الحديد والنشاب من جسده الشريف تركوه حتّى يصلّي، فإذا اشتغل بالصلاة وأقبل على الله تعالى أخرجوا الحديد من جسده ولم يحسّ به، فإذا فرغ من صلاته يرى ذلك فيقول لولده الحسن عليه السلام: إن هي إلاّ فعلتك يا حسن.

ولم يترك صلاة الليل قط حتّى في ليلة الهرير، وكان عليه السلام يوماً في حرب صفّين مشتغلا بالحرب والقتال وهو مع ذلك بين الصفَّين يراقب الشمس،

١- كشف الغمة ١: ١١١ عن فضائل الصحابة للبيهقي; ومناقب الخوارزمي: ٨٣ ح٧٠.

٢- أثبتناه من "ج".

٢٣

فقال له ابن عباس: يا أمير المؤمنين ما هذا الفعل؟ قال عليه الصلاة والسلام: أنظر إلى الزوال حتّى نصلّي(١)، فقال له ابن عباس: وهل هذا وقت صلاة؟ إنّ عندنا لشغلا بالقتال عن الصلاة، فقال عليه السلام: على ما نقاتلهم؟ إنّما نقاتلهم على الصلاة(٢).

وبالجملة انّ العبادات الخمس: الصلاة والزكاة والصوم والحجّ والجهاد، فقد أتى بها جميعاً، وبلغ الغاية في كلّ واحد منها، ومقاماته العظيمة في التهجّد والخشوع والخوف من الله تعالى لم يسبقه إليها سوى رسول الله(٣)، حتّى أنّه عليه السلام قال:

١- في "ب": اُصلّي.

٢- عنه البحار ٨٣: ٢٣ ح٤٣.

ولله درّ القائل:


يسقي ويشرب لا تلهيه نشوتهعن النديم ولا يلهو عن الكأس
أطاعه سكره حتّى تمكّن منفعل الصحاة فهذا أفضل الناس

٣- روى المجلسي في البحار ٤١: ١١ ح١، عن هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير قال: كنّا جلوساً في مجلس في مسجد رسول الله صلّى الله عليه وآله، فتذاكرنا أعمال أهل بدر وبيعة الرضوان، فقال أبو الدرداء: يا قوم ألا اُخبركم بأقلّ القوم مالا، وأكثرهم ورعاً، وأشدّهم اجتهاداً في العبادة؟ فقالوا: من؟ قال: أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام.

قال: فوالله إن كان في جماعة أهل المجلس إلاّ معرض عنه بوجهه، ثمّ انتدب له رجل من الأنصار فقال له: يا عويمر لقد تكلّمت بكلمة ما وافقك عليها أحد منذ أتيت بها، فقال أبو الدرداء: يا قوم إنّي قائل ما رأيت وليقل كلّ قوم منكم ما رأوا، شهدت عليّ بن أبي طالب بشويحطات النجار وقد اعتزل عن مواليه واختفى ممّن يليه، واستتر بمغيلات النخل، فافتقدته وبَعُدَ عليّ مكانه، فقلت: لحق بمنزله، فإذا أنا بصوت حزين ونغمة شجيّ وهو يقول: "إلهي إن طال في عصيانك عمري وعظم في الصحف ذنبي، فما أنا مؤمّل غير غفرانك، ولا أنا براج غير رضوانك".

فشغلني الصوت واقتفيت الأثر، فإذا هو عليّ بن أبي طالب عليه السلام بعينه، فاستترت له وأخملت الحركة، فركع ركعات في جوف الليل الغابر، ثمّ فرغ إلى الدعاء والبكاء والبثّ والشكوى، فكان ممّا به الله ناجاه أن قال: "إلهي اُفكّر في عفوك فتهون عليّ خطيئتي، ثمّ أذكر العظيم من أخذك فتعظم عليّ بليّتي"، ثمّ قال: "آه إن أنا قرأت في الصحف سيّئة أنا ناسيها وأنت محصيها فتقول: خذوه، فيا له من مأخوذ لا تنجيه عشيرته، ولا تنفعه قبيلته، يرحمه الملأ إذا اُذن فيه بالنداء" ثمّ قال: "آه من نار تنضج الأكباد والكلى، آه من نار نزّاعة للشوى، آه من غمرة ملهبات لظى".

قال: ثمّ أنعم في البكاء، فلم أسمع له حسّاً ولا حركة، فقلت: غلب عليه النوم لطول السهر، اُوقظه لصلاة الفجر، قال أبو الدرداء: فأتيته فإذا هو كالخشبة الملقاة، فحرّكته فلم يتحرّك، وزويته فلم ينزو، فقلت: "إنّا لله وإنّا إليه راجعون" مات والله عليّ بن أبي طالب، قال: فأتيت منزله مبادراً أنعاه إليهم، فقالت فاطمة عليها السلام: يا أبا الدرداء ما كان من شأنه ومن قصّته؟ فأخبرتها الخبر، فقالت: هي والله يا أبا الدرداء الغشية التي تأخذه من خشية الله، ثمّ أتوه بماء فنضحوه على وجهه حتّى أفاق ونظر إليّ وأنا أبكي، فقال: ممّا بكاؤك يا أبا الدرداء؟ فقلت: ممّا أراه تنزله بنفسك، فقال: يا أبا الدرداء فكيف لو رأيتني ودُعي بي إلى الحساب، وأيقن أهل الجرائم بالعذاب، واحتوشتني ملائكة غلاظ، وزبانية فظاظ، فوقفت بين يدي الملك الجبّار، قد أسلمني الأحبّاء، ورحمني أهل الدنيا، لكنت أشدّ رحمة لي بين يدي من لا تخفى عليه خافية، فقال أبو الدرداء: فوالله ما رأيت ذلك لأحد من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله.

٢٤

الجلسة في الجامع خير لي من الجلسة في الجنّة، فإنّ الجنّة فيها رضى نفسي والجامع فيه رضى ربي.

أفلا تنظروا إلى ما وصفه ضرار بن ضمرة الليثي من مقاماته عليه السلام حيث(١) دخل على معاوية فقال له: صف لي عليّاً، فقال: أولا تعفيني من ذلك؟ فقال: لا أعفيك، فقال: كان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا، ويحكم عدلا، يتفجّر العلم من جوانبه، وتنطق(٢) الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل ووحشته.

كان والله غزير العبرة، طويل الفكرة، يقلّب كفّه، ويحاسب(٣) نفسه، ويناجي ربّه، يعجبه من اللباس ما خشن، ومن الطعام ما جشب، كان والله فينا كأحدنا، يدنينا إذا أتيناه، ويجيبنا إذا سألناه، وكنّا مع دنوّه منّا وقربنا منه لا نكلّمه لهيبته، ولا نرفع أعيننا إليه لعظمته، فإن تبسّم فعن(٤) مثل اللؤلؤ المنظوم.

يعظم أهل الدين، ويحبّ المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل

١- في "ج": حين.

٢- في "ج": تنطلق.

٣- في "ج": يخاطب.

٤- في "ج": ظهر أسنانه.

٢٥

سدوله(١)، وغارت نجومه، وهو قائم في محرابه، قابض على لحيته، يتململ تململ السليم(٢)، ويبكي بكاء الحزين، فكأنّي الآن أسمعه وهو يقول: يا دنيا دنية أبي تعرّضت؟ أم بي تشوّقت؟ هيهات هيهات غرّي غيري، لا حاجة لي فيك، قد بنتك(٣) ثلاثاً لا رجعة لي فيها، فعمرك قصير، وخطرك يسير، وأملك حقير، آه آه من قلّة الزاد، وبُعد السفر، ووحشة الطريق، وعظم المورد.

فوكفت دموع معاوية على لحيته، فنشفها بكمّه، واختنق القوم بالبكاء، ثمّ قال: كان والله أبو الحسن كذلك، فكيف صبرك عنه يا ضرار؟ قال: صبر من ذبح واحدها(٤) على صدرها، فهي لا ترقئ عبرتها، ولا تسكن حرارتها، ثمّ قام فخرج وهو باك، فقال معاوية: أما انّكم لو فقدتموني لما كان فيكم من يثني عليّ مثل هذا الثناء، فقال بعض من كان حاضراً: الصاحب على قدر صاحبه(٥).

وروي أنّه عليه السلام لمّا كان يفرغ من الجهاد يتفرّغ لتعليم الناس والقضاء بينهم، فإذا تفرّغ من ذلك اشتغل في حائط له يعمل فيه بيده، وهو مع ذلك ذاكراً لله تعالى جلّ جلاله(٦).

وروى الحكم بن مروان، عن جبير بن حبيب قال: نزل بعمر بن الخطاب نازلة قام لها وقعد وترنح وتقطر، ثمّ قال: معاشر المهاجرين ما عندكم فيها؟ قالوا: يا عمر أنت المفزع والمهرع، فغضب ثمّ قال: {يا أيّها الذين آمنوا اتّقوا الله وقولوا قولا سديداً}(٧) أما والله أنا وإيّاكم لنعرف أين نجدتها والخبير بها.

١- السدول جمع السدل، شبّه ظلم الليل بالأستار المسدولة.

٢- تململ: تقلّب، والسليم: من لدغته الحيّة.

٣- في "ب" و "ج": طلّقتك.

٤- في "ج": ولدها.

٥- عنه البحار ٤١: ١٢٠ ح٢٨; ونحوه كنز الفوائد: ٢٧٠.

٦- عنه مستدرك الوسائل ١٣: ٢٥ ح١٤٦٣٦.

٧- الأحزاب: ٧٠.

٢٦
٢٧

فصل
[في حلمه وجوده وحسن خلقه واخباره بالغيب واجابة دعائه]


ومن فضائله عليه السلام الحلم، والكرم، والجود، والسخاء، وحسن الخلق، واخباره بالغيب، واجابة دعائه بسرعة، فجلّ من أنعم عليه بالفضل الجسيم، والرتبة العالية، والمنزلة العظيمة، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

وأمّا الحلم: فكان عليه السلام من أكثر الناس حلماً، لم يقابل مسيئاً بإساءته، ولقد عفى عن أهل البصرة بعد أن ضربوا وجهه بالسيف، وقتلوا أصحابه، وردّ عائشة إلى المدينة، وأطلق عبد الله بن الزبير بعد الظفر به على عداوته وتأليبه(١) عليه وشتمه له على رؤوس الخلائق، وصفح عن مروان بن الحكم يوم الجمل مع شدّة عداوته.

وأمّا الكرم: فقد بلغ فيه الغاية القصوى التي لم تحصل لغيره صلوات الله عليه، روى الثعلبي في تفسيره عن أبي ذر الغفاري قال، وذكر في أوّل الحديث من طريقنا انّ عبد الله بن عباس كان على شفير زمزم وهو يقول: سمعت النبي صلّى الله عليه وآله يقول ـ وهو يكرّر الأحاديث ـ إذ أقبل رجل معتمّ بعمامة وقد غطّى أكثر وجهه بها، وكان ابن عباس لا يقول: "قال رسول الله صلّى الله عليه وآله" إلاّ قال ذلك الرجل: "قال رسول الله صلّى الله عليه وآله".

فقال له ابن عباس: بالله عليك من أنت؟! فكشف العمامة عن وجهه وقال: أيّها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا جندب بن جنادة أبو ذر الغفاري، سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله بهاتين وإلاّ صُمّتا ـ يعني اُذنيه ـ ورأيته بهاتين ـ يعني عينيه ـ وإلاّ عميتا يقول: "عليّ قائد البررة، عليّ قاتل الكفرة،

١- في "ج": تألّبه.

٢٨

منصورٌ من نَصَرَه، مخذولٌ من خَذَلَه، ملعونٌ من جَحَدَ ولايته".

أما إنّي صلّيت مع رسول الله صلّى الله عليه وآله صلاة الظهر، فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد شيئاً، فرفع السائل يده إلى السماء وقال: اللّهمّ اشهد إنّي سألت في مسجد رسول الله فلم يُعطني أحد شيئاً.

وكان أمير المؤمنين عليه السلام راكعاً، فأومى إليه بخنصره اليمنى ـ وكان يتختّم فيها ـ فأقبل السائل حتّى أخذ الخاتم من خنصره، والنبي صلّى الله عليه وآله يشاهد، فلمّا فرغ من صلاته رفع رأسه إلى السماء وقال:

"اللّهمّ إنّ موسى سألك فقال: ربّ اشرح لي صدري، ويسّر لي أمري، واحلل عقدة من لساني، يفقهوا قولي، واجعل لي وزيراً من أهلي، هارون أخي، اُشدد به أزري، وأشركه في أمري، اللّهمّ فأنزلت عليه قرآناً ناطقاً {سنشدّ عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطاناً فلا يصلون إليكما بآياتنا}(١)، اللّهمّ فأنا محمد نبيّك وصفيّك، اللّهمّ فاشرح لي صدري، ويسّر لي أمري، واجعل لي وزيراً من أهلي، عليّاً أخي، اُشدد به ظهري".

قال: فما استتمّ رسول الله صلّى الله عليه وآله حتّى نزل جبرئيل عليه السلام من عند الله تعالى وقال: يا محمد إقرأ، قال: وما أقرأ؟ قال: إقرأ {إنّما وليّكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون}(٢)(٣).

وروي أنّ أمير المؤمنين عليه السلام دخل مكّة في بعض حوائجه، فوجد أعرابياً متعلّقاً بأستار الكعبة وهو يقول: يا من لا يحويه مكان، ولا يخلو منه مكان، بلا كيفية كان، اُرزق الأعرابي أربعة آلاف درهم.

١- القصص: ٣٥.

٢- المائدة: ٥٥.

٣- راجع الطرائف: ٤٧ ح٣٩; والعمدة: ١١٩ ح١٥٨; وكشف الغمة ١: ٣١٧ عن تفسير الثعلبي.

٢٩

قال: فتقدّم إليه أمير المؤمنين عليه السلام فقال: ما تقول يا أعرابي؟ فقال الأعرابي: مَن أنت؟ قال: عليّ بن أبي طالب، قال: أنت والله حاجتي، قال عليه الصلاة والسلام: سل يا أعرابي، قال: أريد ألف درهم للصداق، وألف درهم أقضي بها ديني، وألف درهم أشتري بها داراً، وألف درهم أتعيّش بها، قال عليه السلام: أنصفت يا أعرابي، إذا خرجت من مكّة فسل عن داري بمدينة الرسول صلّى الله عليه وآله.

فأقام الأعرابي اُسبوعاً بمكّة، وخرج في طلب أمير المؤمنين عليه السلام إلى المدينة، ونادى: من يدلّني على دار أمير المؤمنين عليه السلام، فلقيه الحسين(١)عليه السلام فقال: أنا أدلّك على دار أمير المؤمنين.

فقال له الأعرابي: من أبوك؟ قال: أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، قال: من اُمّك؟ قال: فاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمين، قال: من جدّك؟ قال: رسول الله صلّى الله عليه وآله محمد بن عبد الله بن عبد المطّلب، قال: من جدّتك؟ قال: خديجة بنت خويلد، قال: من أخوك؟ قال: الحسن بن عليّ(٢)، قال: قد أخذت الدنيا بطرفيها، امش(٣) إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقل له: انّ الأعرابي صاحب الضمان بمكّة على الباب.

فدخل الحسين عليه السلام وقال: يا أبت أعرابي بالباب يزعم أنّه صاحب ضمان بمكّة، قال: فخرج عليه السلام وطلب سلمان الفارسي رحمة الله عليه وقال له: يا سلمان اُعرض الحديقة التي غرسها لي رسول الله صلّى الله عليه وآله على التجار، فدخل سلمان السوق وعرض الحديقة، فباعها باثني عشر ألف درهم، وأحضر

١- في "ج": الحسن عليه السلام.

٢- في "ج": الحسين بن علي بن أبي طالب.

٣- في "ب": امض.

٣٠

المال وأحضر الأعرابي، فأعطاه أربعة آلاف درهم وأربعون درهم للنفقة.

ووقع الخبر إلى فقراء المدينة، فاجتمعوا إليه والدراهم مصبوبة بين يديه، فجعل عليه السلام يقبض قبضة فيعطي رجلا رجلا حتّى لم يبق له درهم واحد منها، ودخل منزله فقالت فاطمة عليها السلام: يا ابن عم بعت الحديقة التي غرسها لك رسول الله صلّى الله عليه وآله والدي؟ قال: نعم بخير منها عاجلا وآجلا.

قالت له: جزاك الله في ممشاك، ثمّ قالت: أنا جائعة وابناي جائعان ولا شك أنّك مثلنا، فخرج عليّ عليه السلام ليقترض شيئاً يخرجه على عياله، فجاء رسول الله صلّى الله عليه وآله وقال: يا فاطمة أين ابن عمّي؟ فقالت له: خرج يا رسول الله، فقال صلوات الله عليه وآله: هاك هذه الدراهم فإذا جاء ابن عمّي فقولي له يبتاع لكم بها طعاماً.

وخرج رسول الله صلّى الله عليه وآله، فجاء عليّ عليه السلام وقال: جاء ابن عمّي فإنّي أجد رائحة طيبة؟ قالت: نعم، وناولته الدراهم وكانت سبعة دراهم سود هجرية، وذكرت له ما قال صلّى الله عليه وآله، فقال: يا حسن قم معي.

فأتيا السوق فإذا هما برجل واقف وهو يقول: من يقرض الوفي المليّ؟ فقال: يا بني أعطيه الدراهم، فقال: بلى والله يا أبت، فأعطاه عليه السلام الدراهم ومضى إلى باب رجل يستقرض منه شيئاً، فلقيه أعرابي ومعه ناقة، قال: اشتر منّي هذه الناقة، قال: ليس معي ثمنها، قال: فإنّي أنظرك بها، قال: بكم يا أعرابي؟ قال: بمائة درهم، قال عليه السلام: خذها يا حسن.

فأخذها ومضيا عليهما السلام، فلقيه أعرابي آخر فقال: يا علي أتبيع الناقة؟ قال عليه السلام: وما تصنع بها؟ قال: أغزو عليها أوّل غزوة يغزوها ابن عمّك، قال له عليه السلام: إن قبلتها فهي لك بلا ثمن، قال: معي ثمنها، فبكم اشتريتها؟ قال: بمائة درهم، قال الأعرابي: فلك سبعون ومائة درهم، فقال عليه السلام: خذها يا

٣١

حسن وسلّم الناقة إليه، والمائة للأعرابي الذي باعنا الناقة، والسبعون لنا نأخذ منها شيئاً.

فأخذ الحسن عليه السلام الدراهم وسلّم الناقة، قال عليه السلام: فمضيت أطلب الأعرابي الذي ابتعت منه الناقة لأعطيه الثمن، فرأيت رسول الله صلّى الله عليه وآله في مكان لم أره فيه قبل ذلك على قارعة الطريق، فلمّا نظر إليّ صلّى الله عليه وآله تبسّم وقال: يا أبا الحسن أتطلب الأعرابي الذي باعك الناقة لتوفّيه ثمنها؟

فقلت: إي والله فداك أبي واُمّي، فقال: يا أبا الحسن الذي باعك الناقة جبرئيل، والذي اشتراها منك ميكائيل، والناقة من نوق الجنّة، والدراهم من عند ربّ العالمين المليّ الوفيّ(١).

وروى الثعلبي وغيره من المفسّرين: انّ الحسن والحسين مرضا، فعادهما جدّهما رسول الله صلّى الله عليه وآله وعادهما عامة العرب، فقالوا: يا أبا الحسن لو نذرت لولديك نذراً، فقال عليه السلام: إن برئ ولداي ممّا بهما صمت ثلاثة أيّام شكراً لله تعالى، وقالت فاطمة عليها السلام مثل ذلك، وقالت جاريتها فضّة: إن برئ سيّداي ممّا بهما صمت ثلاثة أيّام شكراً لله عزوجل.

فاُلبسا العافية وليس عند آل محمد لا قليل ولا كثير، فآجر عليّ عليه السلام نفسه ليلة إلى الصبح يسقي نخلا بشيء من شعير، وأتى به لمنزله، فقامت(٢) فاطمة صلوات الله عليها إلى ثلثه، فطحنته واختبزت منه خمسة أقراص لكلّ واحد منهم قرصاً.

وصلّى أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام صلاة المغرب مع رسول الله صلّى

١- أمالي الصدوق: ٣٧٧ ح١٠ مجلس ٧١; عنه البحار ٤١: ٤٤ ح١ باختلاف قليل.

٢- في "ج": فقسّمت.

٣٢

الله عليه وآله، ثمّ أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه، فجاء مسكين فوقف بالباب وقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد، مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنّة، فسمعه عليّ عليه السلام فقال: أطعموه حصّتي، فقالت فاطمة عليها السلام والباقون كذلك، فأعطوه(١) الطعام ومكثوا يومهم وليلتهم لم يذوقوا إلاّ الماء القراح.

فلمّا كان اليوم الثاني طحنت فاطمة عليها السلام ثلثاً آخر واختبزته، وأتى أمير المؤمنين عليه السلام من صلاة المغرب مع رسول الله صلّى الله عليه وآله ووضع الطعام بين يديه، فأتى يتيم من أيتام المهاجرين وقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد، يتيم من أيتام المهاجرين، استشهد والدي يوم العقبة، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنّة، فسمعه عليّ وفاطمة عليهما السلام [والباقون](٢)فأعطوه الطعام ومكثوا يومين وليلتين لم يذوقوا إلاّ الماء القراح.

فلمّا كان اليوم الثالث قامت فاطمة عليها السلام إلى الثلث الباقي وطحنته واختبزته، وصلّى عليّ عليه السلام مع النبي صلّى الله عليه وآله المغرب ثمّ أتى المنزل، فوضع الطعام بين يديه فجاء أسير فوقف بالباب وقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد، تأسرونا ولا تطعمونا، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنّة، فإنّي أسير محمد صلّى الله عليه وآله، فسمعه عليّ عليه السلام فآثره وآثروه معه ومكثوا ثلاثة أيّام بلياليها لم يذوقوا شيئاً إلاّ الماء.

فلمّا كان اليوم الرابع وقد وفوا بنذرهم أخذ أمير المؤمنين عليه السلام الحسن بيده اليمنى والحسين بيده اليسرى وأقبل نحو رسول الله صلّى الله عليه وآله وهم يرتعشون كالفراخ من شدّة الجوع، فلمّا بصر بهما النبي صلّى الله عليه وآله قال:

١- في "ج": فأطعموه.

٢- أثبتناه من "ج".

٣٣

يا أبا الحسن ما أشد ما يسوؤني ما أرى بكم، انطلقوا بنا إلى ابنتي فاطمة.

فانطلقوا إليها وهي في محرابها تصلّي، وقد لصق بطنها بظهرها من شدّة الجوع، فلمّا رآها النبي صلّى الله عليه وآله قال: وا غوثاه، بالله يا أهل بيت محمد تموتون جوعاً، فهبط جبرئيل عليه السلام وقال: خذ يا محمد هنّأك الله تعالى في أهل بيتك، قال: وما آخذ يا جبرئيل؟ قال: فاقرأ: {هل أتى على الإنسان}السورة(١).

ومن كان أكرم الناس كان أفضل، فيكون هو الإمام دون غيره.

وأمّا الجود والسخاء: فقد بلغ فيه ما لم يبلغه أحد، جاد بنفسه والجود بالنفس أقصى غاية الجود.

روى أبو سعيد الخدري قال: لمّا خرج رسول الله صلّى الله عليه وآله إلى الغار أوحى الله عزوجل إلى جبرئيل وميكائيل: إنّي قد آخيت بينكما، وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر، فأيّكما يؤثر صاحبه بالحياة؟ فكلاهما اختار وأحبّ الحياة، فأوحى الله عزوجل إليهما: أفلا كنتما مثل عليّ بن أبي طالب، آخيت بينه وبين محمد فبات على فراشه يقيه بنفسه، اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوّه.

وكان جبرئيل عند رأسه، وميكائيل عند رجليه، وجبرئيل ينادي: من مثلك؟ بخ بخ من مثلك يا ابن أبي طالب؟! يباهي الله بك الملائكة، وأنزل الله عزوجل في حقّه: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رءوف بالعباد}(٢)، وإذا كان كذلك وجب أن يكون هو الإمام دون غيره.

١- راجع الطرائف: ١٠٧ ح١٦٠ عن تفسير الثعلبي، وفي شواهد التنزيل ٢: ٣٩٤ ح١٠٤٢; والمناقب للخوارزمي: ٢٦٧ ح٢٥٠; عنه كشف الغمة ١: ٣٠٧; وتفسير فرات: ٥١٩ ح٦٧٦; عنه البحار ٣٥: ٢٤٩ ح٧; وكفاية الطالب: ٣٤٥; والكشّاف ٤: ٦٧٠; ومصادر اُخر.

٢- اُنظر كفاية الطالب: ٢٣٩; والعمدة: ٢٣٩ ح٣٦٧; والطرائف: ٣٧ ح٢٧ عن الثعلبي; وأيضاً كشف الغمة ١: ٣١٦; ونور الأبصار: ١٧٥; والبحار ١٩: ٣٨ ح٦; والآية في سورة البقرة: ٢٠٧.

٣٤

وأمّا حسن الخلق: فقد بلغ فيه الغاية القصوى حتّى نسبه أعداؤه إلى الدعابة، وممّا يدلّ على ذلك مساواته للرسول صلّى الله عليه وآله الاّ النبوّة، وقد مدح سبحانه نبيّه صلّى الله عليه وآله بقوله: {وإنّك لعلى خلق عظيم}(١) فكذا يجب أن يكون علياً عليه السلام لمساواته له صلّى الله عليه وآله.

وأمّا اخباره بالغيب: فكثير وهي معجزة عظيمة دالّة على إمامته عليه السلام، لأنّها لم تتيسّر لأحد من اُمّة محمد صلّى الله عليه وآله غير عليّ عليه السلام.

منها أنّه لمّا بويع بذي قار قال: يأتيكم من قبل الكوفة ألف رجل لا ينقصون رجلا ولا يزيدون رجلا، يبايعون على الموت، آخرهم اُويس القرني، قال ابن عباس: فأحصيت المقبلين فنقصوا واحداً، فبينما أنا اُفكّر إذ أقبل اُويس القرني(٢).

ومنها انّ رجلا جاء إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين إنّي مررت بوادي القري فرأيت خالد بن عرفطة قد مات فاستغفر له، فقال عليه السلام: إنّه لم يمت ولا يموت حتّى يقود جيش ضلالة، صاحب لوائه حبيب بن جماز، فقام رجل من تحت المنبر فقال: يا أمير المؤمنين إنّي لك شيعة وإنّي لك محبّ، قال: ومن أنت؟ قال: أنا حبيب بن جماز.

فقال عليه السلام: إيّاك أن تحملها ولتحملنّها فتدخل بها من هذا الباب، وأومئ بيده إلى باب الفيل، فلمّا مضى أمير المؤمنين عليه السلام، ومضى الحسن ابنه عليه السلام من بعده، وكان من أمر الحسين عليه السلام ما كان، بعث ابن زياد بعمر بن سعد إلى الحسين عليه السلام، وجعل خالد بن عرفطة على مقدمته،

١- القلم: ٤.

٢- الارشاد: ١٦٦; عنه البحار ٤٢: ١٤٧ ح٧.

٣٥

وحبيب بن جماز صاحب رايته، فسار بها حتّى دخل المسجد من باب الفيل(١).

ومنها اخباره عن قتل نفسه الشريفة صلوات الله عليه، وقال: والله لتخضبنّ هذه من هذه، ووضع يده على رأسه ولحيته(٢).

ومنها اخباره بصلب ميثم التمار وطعنه بحربة عاشر عشرة على باب دار عمرو بن حريث، وأراه النخلة التي يُصلب على جذعها، وكان ميثم يأتيها ويصلّي عندها ويقول لعمرو بن حريث: إنّي مجاورك فأحسن جواري، فصلبه عبيد الله بن زياد وطعنه بحربة(٣).

ومنها انّه قال لأصحابه لما رفع معاوية المصاحف: إنّهم لم يريدوا القرآن فاتّقوا الله وامضوا على بصائركم، فإن لم تفعلوا تفرّقت بكم السبل وندمتم حيث لا ينفعكم الندامة، وكان كما أخبر(٤).

ومنها انّه أخبر بقتل ذي الثدية، فلم يُر بين القتلى، فقال: والله ما كذبت وما كُذبت فاختبروا القتلى، فاختبروهم فوجدوه في النهر، وشقّ عن ثوبه فوجد سلعة على كتفه كثدي المرأة، ينجذب كتفه إذا جذبت، ويرجع إذا تركت(٥).

ومنها انّه اُخبر عن الخوارج بعبور النهر فقال: والله ما عبروا، ثمّ اُخبر ثانية وثالثة فقال: والله ما عبروا وما يعبرون حتّى يقتل منهم بعدد هذه الاجمة، قال جندب بن عبد الله الأزدي: والله لئن كانوا قد عبروا وإلاّ أكون أوّل من يقاتله، فلمّا وصلوا إليهم لم يجدوهم عبروا، فقال: يا أخا الأزد أتبيّن لك الأمر، فلمّا قتل

١- الارشاد: ١٧٣; ومناقب ابن شهر آشوب ٢: ٢٧٠ في اخباره بالبلايا والمنايا; عنه البحار ٤١: ٣١٣ ح٣٩; وكشف اليقين: ٧٩; وشرح نهج البلاغة ٢: ٢٨٧.

٢- الارشاد: ١٦٨; عنه البحار ٤٢: ١٩٢ ح٦.

٣- الارشاد: ١٧٠; عنه البحار ٤٢: ١٢٤ ح٧; شرح النهج لابن أبي الحديد ١: ٢١٠.

٤- الارشاد: ١٦٧; عنه البحار ٣٣: ٣١١ ح٥٦١.

٥- البحار ٤١: ٣٣٩ ح٥٩; عن شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٢: ٢٧٥.

٣٦

الخوارج قطعوا الاجمة وتركوا على كلّ قتيل قصبة فلم تزد عليهم ولا نقصت عنهم(١).

ومنها انّه خرج ذات ليلة من مسجد الكوفة متوجّهاً إلى داره قد مضى هزيع(٢) من الليل ومعه كميل بن زياد ـ وكان من خيار شيعته ومحبّيه ـ فوصل في الطريق إلى باب رجل يتلو القرآن في ذلك الوقت، ويقرأ قوله تعالى: {أمّن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربّه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنّما يتذكّر اُولوا الألباب}(٣) بصوت شجيّ حزين.

فاستحسن كميل ذلك في باطنه، وأعجبه حال الرجل من غير أن يقول شيئاً، فالتفت إليه صلوات الله عليه وقال: يا كميل لا يعجبك طنطنة الرجل انّه من أهل النار، سأنبئك فيما بعد.

فتحيّر كميل لمكاشفته له على ما في باطنه، ولشهادته لدخول النار(٤) مع كونه في هذا الأمر وتلك الحالة الحسنة ظاهراً في ذلك الوقت، فسكت كميل متعجباً متفكّراً في هذا الأمر، ومضى مدّة متطاولة إلى أن آل حال الخوارج إلى ما آل، وقاتلهم أمير المؤمنين عليه السلام، وكانوا يحفظون القرآن كما اُنزل.

فالتفت أمير المؤمنين عليه السلام إلى كميل بن زياد وهو واقف بين يديه والسيف في يده يقطر دماً، ورؤوس اُولئك الكفرة الفجرة محلّقة على الأرض، فوضع رأس السيف على رأس من تلك الرؤوس وقال: يا كميل {أمّن هو قانت آناء الليل} أي هو ذلك الشخص الذي كان يقرأ في تلك الليلة فأعجبك حاله،

١- الارشاد: ١٦٧; عنه البحار ٤١: ٢٨٤ ح٣.

٢- في "ج": ربع.

٣- الزمر: ٩.

٤- في "ج" شهادته للرجل بالنار.

٣٧

فقبّل كميل قدميه واستغفر الله(١)، فصلّى الله على مجهول القدر.

ومنها انّه لما اشترى عليه السلام ميثم التمار من امرأة أخبره بأنّ اسمه سالم، فقال عليه السلام: انّ رسول الله صلّى الله عليه وآله أخبرني بأنّ أباك سماك ميثماً فارجع إليه، فقال ميثم: صدقت [يا مولاي]، ثمّ أخبره بأنّ عبيد الله بن زياد يصلبه، كما تقدّم الحديث(٢).

وأخبر رشيد الهجري بقطع يديه ورجليه وصلبه، ففعل به ذلك زياد بن النضر(٣)، وأخبر عليه السلام مزروع بن عبد الله بأنّه يصلب بين شرفتين من شرف المسجد فصلب هناك(٤)، وأخبر بأنّ الحجاج يقتل كميل بن زياد(٥).

وأخبر قنبراً بذبحه فذبحه الحجاج(٦)، وقال للبراء بن عازب: انّ ولدي الحسين يقتل وأنت حيّ لا تنصره، فقتل وهو حيّ ولم ينصره، وكان يظهر الندم على ذلك(٧)، وأخبر بقتل الحسين عليه السلام ومصرعه وقبره لمّا توجّه إلى صفين، وكان كما قال(٨).

وأخبر عليه السلام بأنّه يعرض على أصحابه سبّه، فأباحه لهم دون البراءة منه فوقع ما أخبر به(٩)، وأخبر بقطع يد جويرية بن مسهر ورجله وصلبه على جذع، ففعل به ذلك في أيام معاوية وزياد بن أبيه(١٠)، وأخبر بعمارة بغداد(١١)،

١- عنه البحار ٣٣: ٣٩٩ ح٦٢٠.

٢- الارشاد: ١٧٠; والبحار ٤١: ٣٤٣; عن شرح نهج البلاغة ١: ٢١٠.

٣- الارشاد: ١٧١; نهج الحق: ٢٤٢; وشرح نهج البلاغة ١: ٢١١.

٤- الارشاد: ١٧٢; عنه البحار ٤١: ٢٨٥ ح٥; مناقب ابن شهر آشوب ٢: ٢٧٢.

٥- الارشاد: ١٧٢.

٦- الارشاد: ١٧٣; نهج الحق: ٢٤٢.

٧- الارشاد: ١٧٤; ومناقب ابن شهر آشوب ٢: ٢٧٠; عنه البحار ٤١: ٣١٥ ح٤٠.

٨- الارشاد: ١٧٥; عنه البحار ٤١: ٢٨٦ ح٦.

٩- الارشاد: ١٦٩.

١٠- البحار ٤١: ٣٠١ ح٣١ عن الخرائج; وفي نهج الحق: ٢٤٢.

١١- البحار ٤١: ١٢٥ عن مناقب ابن شهر آشوب; ونهج الحق: ٢٤٣.

٣٨

وملك بني العباس وذكر أحوالهم وأخذ المغول الملك منهم(١).

وإخباره بالغيب كثير يطول بذكره الكتاب، وهذا مما يدلّ على علوّ شأنه، وارتفاع محلّه، واتّصال نفسه الشريفة الطاهرة بعالم الغيب.

وأمّا إجابة دعائه: فكثير، منها انّه دعا فردّت عليه الشمس مرّتين، احداهما في زمن النبي صلّى الله عليه وآله.

روت اُمّ سلمة، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأبي سعيد الخدري، وجماعة من الصحابة بأنّ النبي صلّى الله عليه وآله كان ذات يوم في منزله وعليّ عليه السلام بين يديه إذ جاءه جبرئيل عليه السلام يناجيه عن الله تعالى، فلمّا تغشّاه الوحي توسّد فخذ أمير المؤمنين عليه السلام، فلم يرفع رأسه حتّى غابت الشمس، ولم يتمكّن أمير المؤمنين عليه السلام من صلاة العصر، فاضطرّ عليه السلام لأجل ذلك أن صلّى العصر جالساً، يومئ لركوعه وسجوده إيماءً.

فلمّا أفاق رسول الله صلّى الله عليه وآله من تغشّيه(٢) قال لأمير المؤمنين عليه السلام: فاتتك صلاة العصر؟ فقال: لم أستطع أن اُصلّيها قائماً لمكانك يا رسول الله، والحالة التي كنت عليها في استماع الوحي.

فقال له صلّى الله عليه وآله: اُدع الله ليرد عليك الشمس حتّى تصلّيها قائماً في وقتها، فإنّ الله تعالى يجيبك لطاعتك لله ولرسوله، وسأل أمير المؤمنين عليه السلام الله تعالى في ردّ الشمس، فردّت عليه حتّى صارت في موضعها من السماء وقت العصر، فصلّى أمير المؤمنين عليه السلام ثمّ غربت(٣).

١- شرح نهج البلاغة ٢: ١٢٥ و٢٤١; نهج الحق: ٢٤٣.

٢- في "ج": غشيته.

٣- كشف الغمة ١: ٢٨٥; كشف اليقين: ١١١; ارشاد المفيد: ١٨٢; ونحوه مناقب الخوارزمي: ٣٠٦ ح٣٠١; ومناقب ابن شهر آشوب ٢: ٣١٦; عنه البحار ٤١: ١٧٤ ح١٠; كفاية الطالب: ٣٨٥.

٣٩

وأمّا الثانية بعد النبي صلّى الله عليه وآله لمّا رجع من صفين، وأراد عبور الفرات ببابل، واشتغل جمع من أصحابه بتعبير دوابهم ورحالهم، وصلّى عليه السلام بنفسه في طائفة معه العصر، فلم يفرغ الناس من عبورهم الماء حتّى غربت الشمس، ففاتت الصلاة كثيراً منهم، وفات الجمهور فضل الجماعة معه.

فتكلّموا في ذلك، فلمّا سمع كلامهم فيه سأل الله تعالى بردّ الشمس عليه ليجتمع كافة أصحابه على صلاة العصر في وقتها، فأجابه الله سبحانه إلى ردّها عليه، فهال الناس ذلك وأكثروا التسبيح والتهليل والاستغفار(١)(٢).

ومنها لما زاد ماء الكوفة وخاف أهلها الغرق وفزعوا إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فركب بغلة رسول الله صلّى الله عليه وآله وخرج والناس معه حتّى أتى شاطئ الفرات، فنزل عليه السلام وأسبغ الوضوء وصلّى منفرداً بنفسه والناس يرونه، ثمّ دعا الله سبحانه بدعوات سمعها أكثرهم.

ثمّ تقدّم إلى الفرات متوكئاً على قضيب بيده وضرب صفحة الماء وقال: انقص باذن الله تعالى ومشيئته، فغاض الماء حتّى بدت الحيتان في قعر الفرات، فنطق كثير منها بالسلام عليه بامرة المؤمنين، ولم ينطق منها أصناف من السموك، وهي الجري والمارماهي والزمار، فتعجّب الناس من ذلك وسألوه عن علّة ما نطق

١- كشف الغمة ١: ٢٨٦; وكشف اليقين: ١١٣; وارشاد المفيد: ١٨٢; ومناقب ابن شهر آشوب ٢: ٣١٨; عنه البحار ٤١: ١٧٤ ح١٠.

٢- قال العلامة رحمه الله في كتاب "كشف اليقين": كان بعض الزهّاد يعظ الناس، فوعظ في بعض الأيام وأخذ يمدح علياً عليه السلام، فقاربت الشمس الغروب وأظلم الاُفق، فقال مخاطباً للشمس:


لا تغربي يا شمس حتّى ينقضيمدحي لصنو المصطفى ولنجله
واثني عنانك إذ عزمت ثناءهأنسيت يومك إذ رددت لأجله
إن كان للمولى وقوفك فليكنهذا الوقوف لخيله ولرجله

فوقفت الشمس وأضاء الاُفق حتّى انقضى المدح، وكان ذلك بمحضر جماعة كثيرة تبلغ حدّ التواتر، واشتهرت هذه القصة عند الخواص والعوام.

٤٠