×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

إرشاد القلوب (ج 2) / الصفحات: ٦١ - ٨٠

مكانكم وإن قُتلنا عن آخرنا، فإنّما نؤتى من موضعكم.

واشتدّت الحرب ودارت رحاها ولواء المسلمين بيد عليّ عليه السلام، وهو قدّام النبي صلّى الله عليه وآله يضربهم بسيفه بين يديه، ولواء الكفّار بيد طلحة بن أبي طلحة العبدي من بني عبد الدار، وكان يُسمّى كبش الكتيبة، فتلاقى هو وعلي عليه السلام وتقاربا، واختلفت بينهما ضربتان، فضربه عليّ عليه السلام على مقدّم رأسه فبدرت عينه وصاح صيحة عظيمة، وسقط اللواء من يده، وأخذه آخر من بني عبد الدار فقتله.

ولم يزل عليه السلام يقتل واحداً بعد واحد حتّى قتل منهم سبعة، ثمّ أخذ اللواء عبدٌ لهم اسمه صواب، وكان من أشدّ الناس، فضرب عليّ عليه السلام يده [اليمنى](١) فقطعها، فأخذ اللواء بيده اليسرى فضربه عليها فقطعها، فأخذ اللواء على صدره وجمع ساعديه عليه ويداه مقطوعتان، فضربه عليّ عليه السلام على رأسه فسقط صريعاً وانهزم القوم، وأكبّ المسلمون على الغنائم.

ورأى أصحاب الشعب الناس يغتنمون، فخافوا فوات الغنيمة، فاستأذنوا رئيسهم في أخذ الغنائم فقال: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله أمرني أن لا أبرح من موضعي(٢) هذا، فقالوا: إنّما قال ذلك وهو لا يدري انّ الأمر يبلغ ما ترى، ومالوا إلى الغنائم وتركوه.

فحمل عليه خالد بن الوليد فقتله، وجاء من ظهر النبي صلّى الله عليه وآله، فنظر إليه وقد حفّ به أصحابه، فقال لمن معه: دونكم هذا الذي تطلبون، فحملوا عليه حملة رجل واحد ضرباً بالسيوف، وطعناً بالرماح، ورمياً بالنبال، ورضخاً بالحجارة.

١- أثبتناه من "ج".

٢- في "ج": مكاني.

٦١

وجعل أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله يقاتلون عنه حتّى قُتل منهم سبعون رجلا، وانهزم الباقون، وبقي النبي صلّى الله عليه وآله وما زال من موضعه شبراً واحداً، وباشر القتال بنفسه، ورمى صلّى الله عليه وآله حتّى فنيت نباله، وكان تارة يرمي بقوسه وتارة يرمي بالحجارة.

وأصاب عتبة بن أبي وقاص بشفتيه ورباعيته، وضرب ابن قميّة على كريمته الشريفة، فلم يصنع سيفه شيئاً إلاّ وهن الضربة بثقل السيف، ثمّ وقع صلّى الله عليه وآله في حفرة مغشيّاً عليه وحجب الله أبصار المشركين عنه، وصاح صائح بالمدينة: قُتل رسول الله صلّى الله عليه وآله، فاختلفت(١) القلوب وخرجت فاطمة صلوات الله وسلامه عليها صارخة.

قال أمير المؤمنين عليه السلام: لمّا انهزم الناس عن رسول الله صلّى الله عليه وآله لحقني من الجزع ما لم أملك نفسي، وكنت أمامه أضرب بسيفي المشركين، فرجعت أطلبه فلم أره، فقلت: ما كان رسول الله صلّى الله عليه وآله ليفر، وما رأيته في القتلى وأظنّه رفع من بيننا إلى السماء.

فكسرت جفن سيفي وقلت: لاُقاتلنّ به حتّى اُقتل، وحملت على القوم فأفرجوا، فإذا أنا برسول الله صلّى الله عليه وآله قد وقع مغشيّاً عليه، فنظر إليّ وقال: ما فعل الناس يا عليّ؟ فقلت: كفروا يا رسول الله وولّوا الدبر وأسلموك إلى عدوّك، فنظر إلى كتيبة قد أقبلت فقال: ردهم عنّي، فحملت عليهم أضربهم يميناً وشمالا حتّى قتلت منهم هشام بن اُميّة المخزومي وانهزم الباقون.

وأقبلت كتيبة اُخرى فقال لي صلّى الله عليه وآله: احمل على هذه، فحملت عليهم وقتلت منهم عمر بن عبد الله الجمحي وانهزموا أيضاً، وجاءت اُخرى فحملت عليها وقتلت منها بشر بن مالك العامري وانهزموا.

١- في "ج": فانخلعت.

٦٢

ولم يزل عليه السلام يُقاتل في ذلك اليوم ويفرّق جموع القوم عن رسول الله صلّى الله عليه وآله حتّى أصابه في رأسه ووجهه وبدنه سبعون جراحة وهو قائم وحده بين يدي رسول الله صلّى الله عليه وآله لا يغفل عنه طرفة عين، فقال له صلّى الله عليه وآله: يا عليّ أما تسمع مديحك في السماء، إنّ ملكاً اسمه رضوان ينادي بين الملائكة:


لا سيف إلاّ ذو الفقارولا فتى إلاّ عليّ(١)

ورجع الناس إلى النبي صلّى الله عليه وآله، وكان جبرئيل عليه السلام يعرج إلى السماء في ذلك اليوم وهو يقول: "لا سيف إلاّ ذو الفقار، ولا فتى إلاّ عليّ" وسمعه الناس كلّهم، وقال جبرئيل عليه السلام: يا رسول الله قد عجبت الملائكة من حسن مواسات أمير المؤمنين عليّ لك بنفسه، فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله: وما يمنعه من ذلك وهو منّي وأنا منه، فقال جبرئيل عليه السلام: وأنا منكما(٢).

وذكر أهل السير قتلى اُحد من المشركين، فكان جمهورهم مقتولين بسيف أمير المؤمنين عليه السلام، وكان الفتح له وسلامة رسول الله صلّى الله عليه وآله من المشركين بسببه(٣)، ورجوع الناس إلى النبي صلّى الله عليه وآله بمقامه وثباته.

يذبّ عنه بسيفه دونهم، ويبذل نفسه العزيزة في نصرته، وتوجّه العتاب من الله تعالى إلى جميعهم لموضع الهزيمة، والملائكة في السماء مشغولون بمدحه، متعجّبون من مقامه وثباته وسطوته، فصلّى الله على مجهول القدر.

الثالثة: غزاة الأحزاب.

وهي غزاة الخندق، وبيانها انّ جماعة من اليهود جاؤوا إلى أبي سفيان

١- ارشاد المفيد: ٤٦; عنه البحار ٢٠: ٨٦ ح١٧; ونحوه كشف الغمة ١: ١٩٤.

٢- ارشاد المفيد: ٤٦; عنه البحار ٢٠: ٨٥ ح١٧.

٣- في "ج": بسبب سيفه.

٦٣

لعلمهم بعداوته للنبي صلّى الله عليه وآله وسألوه المعونة، فأجابهم وجمع لهم قريشاً وأتباعها من كنانة وتهامة وغطفان وأتباعها من أهل نجد، واتّفق المشركون مع اليهود، وأقبلوا بجمع عظيم، ونزلوا من فوق المسلمين ومن أسفلهم، كما قال الله تعالى: {إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم}(١).

فاشتدّ الأمر على المسلمين، وكان سلمان رضي الله عنه قد أشار بحفر الخندق، فَحُفِرَ وخرج النبي صلّى الله عليه وآله بالمسلمين وهم ثلاثة آلاف والمشركون مع اليهود يزيدون على عشرين ألفاً، وجعلوا الخندق بينهم وبين المسلمين.

وركب عمرو بن عبدود ومعه فوارس من قريش وأقبلوا حتّى وقفوا على أضيق مكان في الخندق، ثمّ ضربوا خيلهم فاقتحمته وصاروا بين الخندق والمسلمين، فخرج إليهم عليّ بن أبي طالب عليه السلام فقال عمرو: هل من مبارز؟ فقال عليّ عليه السلام: أنا له يا رسول الله، فقال له النبي صلّى الله عليه وآله: إنّه عمرو، فسكت.

فقال عمرو: هل من مبارز؟ فقال عليّ عليه السلام: أنا له يا رسول الله، فقال: إنّه عمرو، فسكت، ونادى عمرو ثالثة فقال علي عليه السلام: أنا له يا رسول الله، فقال: إنّه عمرو، فسكت، وكلّ ذلك يقوم عليّ عليه السلام فيأمره النبي صلّى الله عليه وآله بالثبات انتظاراً لحركة غيره من المسلمين، وكأنّ على رؤوسهم الطير لخوفهم من عمرو.

وطال نداء عمرو بطلب المبارزة، وتتابع قيام أمير المؤمنين عليه السلام، فلمّا لم يقدم أحد من الصحابة قال النبي صلّى الله عليه وآله: اُدن منّي يا عليّ، فدنا منه، فنزع عمامته من رأسه وعمّمه بها وأعطاه سيفه وقال: امض لشأنك، ودعا له ثمّ

١- الأحزاب: ١٠.

٦٤

قال: برز الايمان كلّه إلى الشرك كلّه.

فسعى عليّ عليه السلام نحو عمرو حتّى انتهى إليه، فقال له: يا عمرو إنّك كنت تقول: لا يدعوني أحد إلى ثلاث إلاّ قبلتها أو واحدة منها، قال: أجل، قال عليه السلام: إنّي أدعوك إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمداً رسول الله، وأن تسلم لربّ العالمين.

قال: يا ابن أخي أخّر هذا عنّي، فقال عليه السلام: أما أنّها خير لك لو أخذتها، ثمّ قال عليه السلام: هاهنا اُخرى، قال: وما هي؟ قال عليه السلام: ترجع من حيث أتيت، قال: لا، تحدّث(١) نساء قريش عنّي بذلك أبداً، قال عليه السلام: فهاهنا اُخرى، قال: وما هي؟ قال عليه السلام: اُبارزك وتبارزني.

فضحك عمرو وقال: إنّ هذه الخصلة ما كنت أظنّ أحداً من العرب يطلبها منّي، وأنا أكره أن أقتل الرجل الكريم مثلك، وقد كان أبوك نديماً لي، فقال عليه السلام: وأنا كذلك، ولكنّي احبّ أن أقتلك ما دمت أبيّاً للحق.

فحمى عمرو ونزل عن فرسه وضرب وجهه حتّى نفر، وأقبل على أمير المؤمنين عليه السلام مصلتاً سيفه وبدره بضربة، فنشب السيف في ترس عليّ عليه السلام، فضربه أمير المؤمنين عليه السلام(٢).

قال جابر الأنصاري رحمه الله: وتجاولا وثارت بينهما فترة، وبقيا ساعة طويلة لم أرهما ولا سمعت(٣) لهما صوتاً، ثمّ سمعنا التكبير فعلمنا أنّ علياً عليه السلام قد قتله، وسرّ النبي صلّى الله عليه وآله سروراً عظيماً لما سمع صوت أمير المؤمنين عليه السلام بالتكبير، وكبّر وسجد لله تعالى شكراً، وانكشف الغبار وعبر أصحاب عمرو الخندق، وانهزم عكرمة بن أبي جهل وباقي المشركين، فكانوا كما

١- في بعض المصادر: إذاً تتحدّث، وفي بعضها الاخر: لا تتحدّث.

٢- كشف اليقين: ١٣٣; وكشف الغمة ١: ٢٠٣; وارشاد المفيد: ٥٣ و٥٤; عنه البحار ٢٠: ٢٥٥ ح١٩.

٣- في "ج": لم نرهما ولا سمعنا لهما.

٦٥

قال الله تعالى: {وردّ الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً}(١).

ولما قتله عليّ عليه السلام احتزّ رأسه وأقبل نحو النبي صلّى الله عليه وآله ووجهه يتهلل، فألقى الرأس بين يدي النبي صلّى الله عليه وآله، فقبّل النبي صلّى الله عليه وآله رأس عليّ عليه السلام ووجهه، وقام أكابر الصحابة فقبّلوا أقدامه عليه السلام، وقال له عمر بن الخطاب: هلاّ سلبته درعه فما لأحد درع مثلها؟ فقال: إنّي استحييت أن أكشف سوأة ابن عمّي(٢)، وكان ابن مسعود يقرأ من ذلك اليوم كذا: "وكفى الله المؤمنين القتال بعليّ وكان الله قوياً عزيزاً".

وقال النبي صلّى الله عليه وآله ذلك اليوم في حقّه عليه السلام: لمبارزة عليّ عمرو بن عبدود العامري أفضل من عبادة اُمّتي إلى يوم القيامة.

وقال ربيعة السعدي: أتيت حذيفة بن اليمان فقلت: يا أبا عبد الله أنا لنتحدّث عن عليّ عليه السلام ومناقبه، فيقول لنا أهل البصرة: إنّكم تفرطون في عليّ، فهل أنت محدّثي(٣) بحديث؟

فقال حذيفة: يا ربيعة وما تسألني عن عليّ عليه السلام، والذي نفسي بيده لو وضع جميع أعمال اُمّة(٤) محمد صلّى الله عليه وآله في كفّة ميزان منذ بُعث محمد صلّى الله عليه وآله إلى يوم يقوم الناس، ووضع عمل عليّ عليه السلام في الكفّة الاُخرى(٥) لرجح عمل عليّ على جميع أعمالهم.

فقال ربيعة: هذا الذي لا يُقام له ولا يُقعد له، فقال حذيفة: يا لكع وأين كان أبو بكر وعمر وحذيفة وجميع أصحاب محمد صلّى الله عليه وآله يوم عمرو بن

١- الأحزاب: ٢٥.

٢- ارشاد المفيد: ٥٥; عنه البحار ٢٠: ٢٥٧ ح١٩; وكشف الغمة ١: ٢٠٥.

٣- في "ب" و "ج": تحدّثني.

٤- في "ج": أصحاب.

٥- في "ج": الثانية.

٦٦

عبدود وقد دعا إلى المبارزة فأحجم الناس كلّهم ما خلا علياً عليه السلام، فإنّه برز إليه فقتله، والذي نفس حذيفة بيده لعمله ذلك اليوم أعظم أجراً من عمل أصحاب محمد صلّى الله عليه وآله إلى يوم القيامة(١).

وقالت اُخت عمرو ـ وقد نُعي إليها أخوها ـ: من ذا الذي اجترأ عليه؟ فقالوا: عليّ بن أبي طالب، فقالت: لم يعد يومه(٢) إلاّ على يد كفو كريم، لا رقأت دمعتي إن هرقتها عليه، قتل الأبطال، وبارز الأقران، وكانت منيّته على يد كريم قومه، وما سمعت أفخر من هذا يا بني عامر، وأنشدت:


لو كان قاتل عمرو غير قاتلهلكنت أبكي عليه دائم الأبد
لكن قاتله من لا نظير لهوكان يُدعى قديماً بيضة البلد(٣)

الرابعة: غزاة خيبر.

وكان الفتح فيها بأمير المؤمنين عليه السلام أيضاً، لأنّ النبي صلّى الله عليه وآله حاصر اليهود بخيبر بضعاً وعشرين ليلة، ففي بعض الأيّام فتحوا الباب وكان قد خندقوا على أنفسهم خندقاً، وخرج مرحب بأصحابه يتعرّض للحرب.

فدعا النبي صلّى الله عليه وآله أبا بكر وأعطاه الراية في جمع من المسلمين والمهاجرين فانهزم، فلمّا كان من الغد أعطاها عمر، فسار بها غير بعيد، فأقبل عليه مرحب ثمّ انهزم، فقال النبي صلّى الله عليه وآله: آتوني بعليّ، فقيل: إنّه أرمد العين، قال: أرونيه تروني رجلا يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله، كرّار غير فرّار(٤).

١- الارشاد للمفيد: ٥٤; عنه البحار ٢٠: ٢٥٦ ح١٩; وكشف الغمة ١: ٢٠٤.

٢- في "ب" و "ج": موته.

٣- الارشاد للمفيد: ٥٧; عنه البحار ٢٠: ٢٦٠ ح١٩; وكشف الغمة ١: ٢٠٦.

٤- قال حسّان بن ثابت في ذلك:


وكان عليّ أرمد العين يبتغيدواءً فلمّا لم يحسّ مداويا
شفاه رسول الله منه بتفلةفبورك مرقيّاً وبورك راقيا
وقال ساُعطي الراية اليوم صارماًكميّاً محبّاً للرسول مواليا
يحبّ إلهي والإله يحبّهبه يفتح الله الحصون الأوابيا
فأصفى بها دون البريّة كلّهاعليّاً وسمّاه الوزير المواخيا

٦٧
٦٨

الخامسة: غزاة [ذات] السلسلة.

وخبر هذه الغزاة انّه جاء أعرابي إلى النبي صلّى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله انّ جماعة من العرب اجتمعوا بوادي الرمل على أن يبيّتوك بالمدينة، فأمر بالصلاة جامعة فاجتمعوا وعرّفهم وقال: من لهم؟ فابتدرت جماعة من أهل الصفة وغيرهم عدّتهم ثمانون وقالوا: نحن، فَوَلِّ(١) علينا من شئت.

فاستدعى أبا بكر [وقال: امض](٢) فمضى وتبعه القوم، فهزموه وقتلوا جمعاً كثيراً من المسلمين، وانهزم أبو بكر وجاء إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله، فبعث عمر فهزموه أيضاً، فساء النبي صلّى الله عليه وآله ذلك، فقال عمرو بن العاص: ابعثني يا رسول الله فإنّ الحرب خدعة ولعلّي أخدعهم، فأنفذه مع جماعة فلمّا صاروا(٣) إلى الوادي خرجوا إليه، فهزموه وقتلوا من أصحابه جماعة.

ثمّ دعا أمير المؤمنين عليه السلام، ثمّ بعثه إليهم ودعا له وخرج معه مشيّعاً له إلى مسجد الأحزاب، وأنفذ معه جماعة منهم أبو بكر وعمر وعمرو بن العاص، فسار بهم نحو العراق منكبّاً عن الطريق حتّى ظنّوا انّه يريد بهم غير ذلك الوجه، ثمّ أخذهم(٤) على طريق غامضة، واستقبل الوادي من فمه.

وكان عليه السلام يسير الليل ويكمن النهار، فلمّا قرب من الوادي أمر أصحابه أن يخفوا حسّهم(٥)، وأوقفهم مكاناً وتقدّم أمامهم ناحية، فلمّا رأى عمرو بن العاص فعله لم يشك في كون الفتح له، فخوّف أبا بكر وقال: إنّ هذه أرض ذات ضباع وذئاب، كثيرة الحجارة، وهي أشد علينا من بني سليم، والمصلحة أن نعلوا

١- في "ج": أمّر.

٢- أثبتناه من "ج".

٣- في "ب": صعدوا.

٤- في "ج": اتّجه بهم.

٥- في "ج": يخفوا أصواتهم.

٦٩

الوادي، وأراد فساد الحال على أمير المؤمنين عليه السلام حسداً له وبغضاً، وأمره أن يقول ذلك لأمير المؤمنين عليه السلام.

فقال له أبو بكر فلم يجبه أمير المؤمنين عليه السلام بحرف واحد، فرجع أبوبكر وقال: والله ما أجابني بحرف واحد، فقال عمرو بن العاص لعمر بن الخطاب: امض أنت إليه فخاطبه، ففعل فلم يجبه أمير المؤمنين عليه السلام، فقال عمرو: أنضيّع أنفسنا؟! انطلقوا بنا نعلوا الوادي، فقال المسلمون: إنّ النبي صلّى الله عليه وآله أمرنا أن لا نخالف علياً، فكيف نخالفه ونسمع قولك؟.

فما زالوا حتّى طلع الصبح(١)، فكبس القوم وهم غافلون، فأمكنه الله منهم ونزل جبرئيل عليه السلام على النبي صلّى الله عليه وآله بسورة {والعاديات ضبحاً * فالموريات قدحاً * فالمغيرات صبحاً}(٢) السورة، قسماً منه تعالى بخيل أمير المؤمنين عليه السلام، وعرّفه الحال.

ففرح النبي صلّى الله عليه وآله وبشّر أصحابه بالفتح وأمرهم باستقبال أمير المؤمنين عليه السلام، فخرجوا والنبي صلّى الله عليه وآله يقدمهم، فلمّا رأى أمير المؤمنين عليه السلام النبي صلّى الله عليه وآله ترجّل عن فرسه، فوقف بين يديه وقال النبي صلّى الله عليه وآله: لولا انّني أشفق أن تقول فيك طوائف من اُمّتي ما قالت النصارى في المسيح لقلت اليوم فيك مقالا لا تمرّ بملأ منهم إلاّ أخذوا التراب من تحت قدميك [للبركة](٣)، اركب فإنّ الله ورسوله عنك راضيان(٤).

وسمّيت هذه الغزاة ذات السلاسل لأنّه أسّر منهم وقتل منهم، وأتى بالاُسارى منهم مكتفين بالحبال كأنّهم في السلاسل.

١- في "ج": الفجر.

٢- سورة العاديات.

٣- أثبتناه من "ج".

٤- ارشاد المفيد: ٨٦; عنه البحار ٢١: ٧٧ و٧٩ ح٥; وكشف الغمة ١: ٢٣٠.

٧٠

وأمّا الثاني: وهو مواطن جهاده بعد الرسول صلّى الله عليه وآله، فإنّه ابتلى وامتحن بحرب الناكثين والمارقين والقاسطين كما أمره(١) النبي صلّى الله عليه وآله.

وبيان هذه الحروب على سبيل الاختصار انّه بعد أن آل الأمر إليه صلوات الله عليه وبايعه المسلمون، نهض طلحة والزبير ونكثا بيعته وانحازا(٢) إلى عائشة، واجتمعوا إلى قتاله وتوجّهوا إلى البصرة، وانضمّ إليهم منها خلق كثير وخرجوا ليحاربوه.

فخرج عليه السلام وردعهم فلم يرتدعوا، ووعظهم فلم ينزجروا(٣) بل أصرّوا على القتال، فقاتلهم حينئذ حتّى قتل منهم ستة عشر ألف وسبعمائة وتسعين وكانوا ثلاثين ألفاً، وقُتل من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام ألف وسبعون رجلا وكانوا عشرين ألفاً، وهذه الواقعة تُسمّى واقعة الجمل، وهي حربه للناكثين، وبعد ذلك اشتغل بوقعة صفين وحربه مع معاوية، وهي جهاد القاسطين.

وهذه الحروب من الوقائع العظام التي لا يكاد أن يضطرب لها فؤاد الجليد(٤)، ويشيب منها رأس اللبيب(٥)، وبقي عليه السلام يكابد هذه الواقعة ثمانية عشر شهراً، وقتل فيها من الفريقين على أقلّ الروايات مائة ألف وخمسة وسبعون ألفاً من أهل الشام، وعشرون ألفاً(٦) من أهل العراق.

وفي ليلة الهرير من هذه الوقعة ـ وهي أشدّ أوقاتها ـ قُتل من الفريقين ستّة وثلاثون ألفاً، وقتل عليه السلام بانفراده خمسمائة وثلاثة وعشرون فارساً(٧)، لأنّه

١- في "ج": أخبره.

٢- في "ب": صارا.

٣- في "ب" و "ج": فلم يتّعظوا.

٤- في "ج": الجنين.

٥- في "ج": الوليد.

٦- في "ج": خمسة وعشرون ألفاً.

٧- في "ب": قتيلا.

٧١

كان عليه السلام كلّما قتل فارساً أعلن بالتكبير، فاُحصيت تكبيراته في تلك الليلة فكانت خمسمائة وثلاث وعشرين تكبيرة، بخمسمائة وثلاثة وعشرين قتيلا، وعرفوا قتلاه نهاراً بضرباته فإنّها كانت على وتيرة واحدة، إن ضرب طولا قدّ أو عرضاً قطّ، وكانت كلّها مكواة.

وروي أنّه عليه السلام في تلك الليلة فتق درعه لثقل ما كان يسيل من الدم على ذراعه(١)، وفي صبيحة هذه الليلة انتظم أمر أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام ولاحت لهم امارات الظفر ولاحت لهم علامات النصر، وزحف مالك الأشتر حتّى ألجأهم إلى معسكرهم، ولم يبق إلاّ أخذهم وقبض معاوية.

فلما رأى عمرو بن العاص الحال على هذه قال لمعاوية: نرفع المصاحف وندعوهم إلى كتاب الله، فقال: أصبت، فرفعوها فرجع القرّاء من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام عن القتال، وأقبلوا إليه وهم أربعة آلاف فارس كأنّهم السد من الحديد، وقالوا: ابعث ردّ الأشتر عن قتال هؤلاء.

فقال لهم: إنّها خديعة ابن العاص وشيطنته وهؤلاء ليسوا من رجال القرآن، فلم يقبلواوقالوا: لابدّ أن تردّالأشتر وإلاّقتلناك أو سلّمناك إليهم، فأنفذ عليه السلام يطلب الأشتر، فقال: قد أشرفت على الفتح وليس هذا وقت طلبي، فعرّفه اختلال أصحابه، فرجع وعنّف القرّاء وسبّهم وسبّوه، وضرب وجه دوابهم فلم يرجعوا.

ووضعت الحرب أوزارها، فبعث إليهم أمير المؤمنين عليه السلام وقال لهم: لماذا رفعتم المصاحف؟ قالوا: للدعاء إلى العمل بمضمونها، وأن نقيم حَكَماً وتقيموا حَكَماً ينظران في هذا الأمر، ويقرّان الحق مقرّه، فتبسّم أمير المؤمنين عليه السلام تعجباً وقال: يا ابن أبي سفيان أنت تدعوني إلى العمل بكتاب الله، وأنا كتاب الله(٢)

١- لاحظ كشف الغمة ١: ٢٥٥.

٢- في "ج": كتابه.

٧٢

الناطق، إنّ هذا لهو العجب العجيب والأمر الغريب.

ثمّ قال لاُولئك القرّاء: إنّها حيلة وخديعة فعلها ابن العاص لمعاوية، فلم يسمعوا وألزموه بالتحكيم، فعيّن معاوية عمرو بن العاص وعيّن أمير المؤمنين عبد الله بن العباس، فلم يوافقوا، قال: فالأشتر، فأبوا واختاروا أبا موسى الأشعري، فقال عليه السلام: أبو موسى ضعيف العقل وهواه مع غيرنا، فقالوا: لابدّ منه وحكّموه.

فخدع أبو موسى وحمله على خلع أمير المؤمنين عليه السلام وانّه يخلع معاوية، وأمره بالتقدّم حيث هو أكبر سنّاً، فصعد أبو موسى المنبر وخطب ونزع أمير المؤمنين عليه السلام من الخلافة، ثمّ قال: قم يا عمرو فافعل كذلك.

فقام وصعد المنبر وخطب وأقرّ الخلافة في معاوية، فشتمه أبو موسى وتلاعنا، فقال علي عليه السلام لأصحابه القرّاء العبّاد الذين غلبوا على رأيه بالتحكيم: ألم أقل لكم انّها حيلة فلا تنخدعوا بها، فلم تقبلوا؟ قالوا لعنهم الله: ما كان ينبغي لك أن تقبل منّا، فأنت قد عصيت الله بقبولك منّا ولاطاعة لمن عصى الله.

وخرجوا من الكوفة مصرّين على قتاله، وأمّروا عليهم عبد الله بن وهب وذا الثدية وقالوا: ما نريد بقتالك إلاّ وجه الله والدار الآخرة، فقرأ عليه السلام: {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون انّهم يُحسنون صنعاً}(١).

ثمّ التحم القتال، فحمل عليهم أمير المؤمنين عليه السلام حملة واحدة، فلم يكن(٢) إلاّ ساعة حتّى قتلوا بأجمعهم سوى تسعة أنفس فإنّهم هربوا، وقتل من أصحاب عليّ عليه السلام تسعة، عدد مَنْ سلم من الخوارج، وكان عليه السلام قد

١- الكهف: ١٠٣ و ١٠٤.

٢- في "ج": فلم تمض.

٧٣

أخبر من قبل القتال بأنّا نقتلهم(١) ولا يُقتل منّا عشرة ولا يسلم منهم عشرة.

فهذه وقعة النهروان وهو قتاله عليه السلام للخوارج المارقين الذين قال النبي صلّى الله عليه وآله في حقّهم: إنّهم شرّ الخلق والخليقة، يقتلهم خير الخلق والخليقة، وأعظمهم عند الله يوم القيامة وسيلة(٢).

[الجمع بين الفضائل المتضادّات]

ومن فضائله صلوات الله عليه التي انفرد بها من المشاركة فيها، انّه جمع بين الفضائل المتضادّات، وألّف بين الكمالات المتباينات(٣).

فإنّه كان يصوم النهار ويقوم الليل مع هذه المجاهدات التي ذكرناها، ويفطر على اليسير من جريش الشعير بغير إدام كما قلناه في صفة زهده، ومن يكون بهذه الحال يكون ضعيف القوّة، وأمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام كان مع ذلك أشدّ الناس قوّة، وانّه قلع باب خيبر وقد عجز عن حملها سبعون نفراً من المسلمين، ورمى بها(٤) أذرعاً كثيرة ثمّ أعادها إلى مكانها بعد أن وضعها على الخندق جسراً.

وكان أكثر الوقت في الحروب يباشر قتل النفوس، ومَنْ هذا حاله يكون شديد اللقاء عبوس الوجه، وأمير المؤمنين عليه السلام كان مع ذلك رحيماً رقيق القلب، حسن الأخلاق، طلق الوجه، حتّى نسبه بعض المنافقين إلى الدعابة لشرف

١- في "ب": نقاتلهم.

٢- راجع البحار ٣٣: ٣٣١ ح٥٧٧; عن كشف الغمة ١: ١٥٨.

٣- قال صفيّ الدين الحلى المتوفي في المائة الثامنة:


جُمعت في صفاتك الأضدادولهذا عزّت لك الأنداد
زاهد حاكم حليم شجاعفاتك ناسك فقير جواد
شيم ما جمعن في بشر قطولا حاز مثلهنّ العباد
خُلُق يخجل النسيم من اللطفوبأس يذوب منه الجماد
جلّ معناك أن تحيط بهالشعر ويحصي صفاتك النقاد

٤- في "ب": دحا بها.

٧٤

أخلاقه صلوات الله عليه.

وهذه الفضائل قد وردت من طريق الخصم ولم يمكنه اخفاؤها لشهرتها من طريقهم وطريقنا(١)، وجميعها يدلّ على إمامته فكيف من طريق أهل البيت عليهم السلام.

إنّ علماء الشيعة رضوان الله عليهم قد ألّفوا في فضائله والأدلّة على إمامته كتباً كثيرة لا تُحصى، من جملتها كتاب واحد من جملة تصانيف الشيخ الأعظم، والبحر الخضم، ينبوع الفضائل والحكم، جمال الإسلام والمسلمين، الحسن بن يوسف بن المطهّر الحلي قدّس الله نفسه الزكية، سمّاه بكتاب "الألفين" فيه ألف دليل من الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ـ كما قال سبحانه وتعالى ـ، وألف دليل من سنّة النبي صلّى الله عليه وآله على إمامة عليّ بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه.

ولولم يكن من الدلائل على إمامته سوى العصمة والنص من النبي صلّى الله عليه وآله لكان كافياً، وذلك لأنّ الإمام إذا لم يكن معصوماً لجاز عليه الخطأ، فيحتاج إلى امام آخر يردّه عن خطائه، ويلزم التسلسل وهو محال لأنّ السبب المحوج إلى الإمام جواز الخطأ على الاُمّة، فلا يجوز أن يكون الإمام كذلك وإلاّ لانتفت الفائدة من إمامته.

ولأنّ الإمام حافظ للشرع، فلولم يكن معصوماً لجاز عليه الاخلال بشيء من الشرع والزيادة فيه، فلا يكون الشرع محفوظاً.

١- قال الشاعر:


صفات أمير المؤمنين مَنِ اقْتفىمدارجها أقنته ثوب ثوابه
صفات جلال ما اغتدى بلبانهاسواه ولا حلّت بغير جنابه
تفوّقها طفلا وكهلا فأينعتمعاني المعالي فهي ملئ إهابه
مناقب من قامت به شهدت لهبازلافه من ربّه واقترابه
مناقب لطف الله أنزلها لهوشرّف ذكراه بها في كتابه

٧٥

ولأنّ الإمام مع جواز المعصية عليه امّا أن يتّبع أو لا، فإن اتّبع لزم التعاون على الاثم المنفي بقوله تعالى: {ولا تعاونوا على الاثم والعدوان}(١) أو لا يتّبع فلا يكون إماماً لعدم الفائدة، ومع هذا فالإمامة لطف من الله تعالى، والله تعالى حكيم فلا يختار إلاّ المعصوم، فحينئذ يجب أن يكون الإمام بعد النبي صلّى الله عليه وآله بلا فصل عليّ بن أبي طالب عليه السلام للاجماع على عصمته عليه السلام دون غيره.

وأمّا النصّ فكثير تواترت به الشيعة خلفاً عن سلف انّ النبي صلّى الله عليه وآله نصّ عليه بالخلافة نصّاً جليّاً، كقوله: أنت الخليفة من بعدي، سلّموا عليه بامرة المؤمنين، اسمعوا له وأطيعوا، إلى غير ذلك من الأخبار.

وأمّا الدلائل على إمامته كقوله تعالى: {يا أيّها الذين آمنوا اتّقوا الله وكونوا مع الصادقين}(٢) أي المعلوم منهم الصدق، ولا يعلم الصدق إلاّ من المعصوم، ولا معصوم ممّن قيل بإمامته إلاّ هو، فتعيّن للإمامة.

ومنها انّ أبا بكر والعباس كانا كافرين فلا يصلحان للإمامة لقوله تعالى: {لا ينال عهدي الظالمين}(٣) فتعيّن هو لها.

ومنها انّ غيره ظالماً لكونه كافراً، والركون إلى الظالم منهيّ عنه لقوله تعالى: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا}(٤) فتعيّن هو لها.

ومنها قوله تعالى: {إنّما وليّكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون}(٥) والولي هو الأولى بالتصرّف، كقولهم: لا نكاح إلاّ بولي، والسلطان وليّ من لا وليّ له، فلا يخلو امّا أن يكون المراد بالذين

١- المائدة: ٢.

٢- التوبة: ١١٩.

٣- البقرة: ١٢٤.

٤- هود: ١١٣.

٥- المائدة: ٥٥.

٧٦

آمنوا الجمع أو البعض، والأوّل باطل وإلاّ لكان الولي والمولّى عليه واحداً، ولأنّه قيّده بايتاء الزكاة حال الركوع وهو وصف له لم يحصل للكل، فتعيّن أن يكون المراد البعض، وحينئذ يكون هو علياً عليه السلام.

لأنّ كلّ من قال المراد بالآية البعض قال انّه عليّ عليه السلام، فلو قيل غيره مع انّ المراد به البعض كان خرقاً للاجماع، ولأنّ علياً عليه السلام مراد بالاجماع، امّا على قول من يقول المراد به الجميع فدخوله ظاهر لأنّه سيّدهم، وأمّا على قول الآخر فظاهر.

ومنها خبر الغدير المشهور وسيأتي، ومنها قوله تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واُولي الأمر منكم}(١) وليس المراد بذلك الجميع وإلاّ لكان المطاع والمطيع واحداً، فتعيّن أن يكون البعض وهو المعصوم لاستحالة الترجيح من غير مرجح، ولا معصوم سواه فيكون هو المطاع.

ومن أعجب الأشياء انّ علياً عليه السلام ما زال في زمن النبي صلّى الله عليه وآله أميراً والياً مستخلفاً مطاعاً، وولاّه المدينة، واستقضاه على اليمن، وأخذ(٢)الراية واللواء في جميع الحروب، ولم يكن في عسكر غاب النبي صلّى الله عليه وآله عنه إلاّ كان هو الأمير عليه، واستخلفه حين هاجر في مكة في قضاء ديونه، وردّ ودائعه، وحمل نسائه وأهله.

وبات على فراشه، وبذل نفسه وقاية له مع انّ غيره لم يستصلح لشيء من ذلك في حياة النبي صلّى الله عليه وآله مع كونه ظهيراً له، وعزل عن تبليغ براءة ولم يستصلح لها، ولما استخلفته عائشة في الصلاة سأل من المصلّي؟ فقيل له: أبو بكر، فخرج متّكئاً على عليّ والفضل بن العباس فزحزحه وصلّى، وكان اُسامة أميراً

١- النساء: ٥٩.

٢- في "ج": وأعطاه.

٧٧

عليه وعلى عمر وعثمان، ولم يكن عليّ فيه.

فليت شعري كيف يفوّض إليه أمر الاُمّة مع انّه لم يصلح لتفويض البعض اليسير، ويترك من استصلحه صلّى الله عليه وآله لأكثر الاُمور وشدائد الوقائع؟ انّ هذا لشيء عجاب، أعاذنا الله وإيّاكم من اتّباع الهوى، والاغترار بالأباطيل والمنى بمحمد وآله الطاهرين.

فصل
يذكر فيه طرف من فضائله عليه السلام من طرق أهل البيت عليهم السلام


روي عن ابن عباس قال: سأل رجل رسول الله صلّى الله عليه وآله عن عمل يدخل به الجنّة، قال: صلّ المكتوبات، وصم شهر رمضان، واغتسل من الجنابة، وأحب عليّاً وأولاده، وادخل الجنّة من أيّ باب شئت.

فوالذي بعثني بالحقّ لو صلّيت ألف عام، وصمت ألف عام، وحججت ألف حجة، وغزوت ألف غزوة، وعتقت ألف رقبة، وقرأت التوراة والانجيل والزبور والفرقان، ولقيت الأنبياء كلّهم، وعبدت ا لله مع كلّ نبيّ ألف عام، وجاهدت معهم ألف غزوة، وحججت مع كلّ نبيّ ألف حجّة، ثمّ مت ولم يكن في قلبك حبّ علي وأولاده أدخلك [الله] النار مع المنافقين.

ألا فليبلغ الشاهد الغائب قولي في عليّ عليه السلام، فإنّي لم أقل في عليّ إلاّ بأمر جبرئيل عليه السلام، وجبرئيل لا يخبرني إلاّ عن الله عزوجل، وإنّ جبرئيل عليه السلام لم يتّخذ أخاً في الدنيا إلاّ عليّاً، ألا من شاء فليحبّ ومن شاء فليبغض، فإنّ الله سبحانه اتّخذ(١) على نفسه أن لا يخرج مبغض عليّ بن أبي طالب من النار أبداً.

١- في "ج": حتم.

٧٨

وروي عن الصادق عليه السلام يقول: من أحبّنا لله وأحبّ محبّنا لا لغرض دنيا يصيبه منه، وعادى عدوّنا لا لاحنّة كانت بينه وبينه، ثمّ جاء يوم القيامة وعليه من الذنوب مثل رمل عالج وزبد البحر غفرها الله تعالى له(١).

وعنه عليه السلام: انّ الله تعالى ضمن للمؤمن(٢) ضماناً، قال: قلت: وما هو؟قال: ضمن له إن أقرّ لله بالربوبيّة، ولمحمّد صلّى الله عليه وآله بالنبوّة، ولعليّ عليه السلام بالامامة، وأدّى ما افترض الله عليه، أن يسكنه في جواره، قال: قلت: والله هذه الكرامة التي لا تشبهها كرامة الآدميين، ثمّ قال أبو عبد الله عليه السلام: اعملوا قليلا تنعموا كثيراً(٣).

وباسناده عن الرضا عليّ بن موسى، عن أبيه، عن جدّه، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: حبّنا أهل البيت يكفّر الذنوب، ويضاعف الحسنات، والله تعالى ليتحمّل عن محبّينا أهل البيت ما عليهم من مظالم العباد إلاّ من كان منهم على اصرار وظلم للمؤمنين، فيقول للسيّئات: كوني حسنات(٤).

وروي عن الحسين بن عليّ عليهما السلام قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: ألزموا مودّتنا أهل البيت فإنّه من لقى الله يوم القيامة وهو يودّنا دخل الجنّة بشفاعتنا، والذي نفسي بيده لا ينفع عبداً عمله إلاّ بمعرفته حقّنا(٥).

وروي باسناده إلى ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله

١- أمالي الطوسي: ١٥٦ ح٢٥٩; عنه البحار ٢٧: ٥٤ ح٧.

٢- في "ب" و "ج": للمؤمنين.

٣- أمالي الطوسي: ١٥٠ ح٢٦٦; عنه البحار ٦٧: ١٤٦ ح٢.

٤- أمالي الطوسي: ١٦٤ ح٢٧٤; عنه البحار ٦٨: ١٠٠ ح٥.

٥- أمالي الطوسي: ١٨٦ ح٣١٤; عنه البحار ٢٧: ١٧٠ ح١٠; ونحوه في المحاسن ١: ١٣٤ ح١١٨.

٧٩

يقول: أعطاني الله خمساً وأعطى علياً خمساً، أعطاني جوامع الكلم وأعطى علياً جوامع العلم، وجعلني نبيّاً وجعل عليّاً وصيّاً، وأعطاني الكوثر وأعطى عليّاً السلسبيل، وأعطاني الوحي وأعطى علياً الإلهام، وأسرى بي إليه وفتح له أبواب السماء حتّى رأى ما رأيت ونظر ما نظرت إليه..

ثمّ قال: يا ابن عباس من خالف علياً فلا تكوننّ ظهيراً له ولا وليّاً، فوالذي بعثني بالحق ما يخالفه أحد إلاّ غيّر الله ما به من نعمة، وشوّه خلقه قبل إدخاله النار، يا ابن عباس لا تشك في عليّ فإنّ الشك فيه كفر يُخرج عن الايمان، ويوجب الخلود في النار(١).

وروي عن جابر بن عبد الله قال: أتيت رسول الله صلّى الله عليه وآله فقلت: يا رسول الله من وصيّك؟ قال: فأمسك عنّي عشراً لا يجيبني، ثمّ قال: يا جابر ألا اُخبرك عمّا سألتني؟ فقلت: بأبي واُمّي أنت [يا رسول الله](٢) والله لقد سكتّ عنّي حتّى ظننت إنّك وجدت عليَّ.

فقال: ما وجدت عليك يا جابر ولكن كنت أنتظر ما يأتيني من السماء، فأتاني جبرئيل فقال: يا محمد ربّك يقول لك: "إنّ عليّ بن أبي طالب وصيّك وخليفتك على أهلك واُمّتك، [وأمينك](٣) والذائد عن حوضك، وهو صاحب لوائك يقدمك إلى الجنّة".

فقلت: يا نبيّ الله أرأيت من لا يؤمن بهذا أقتله؟ قال: نعم يا جابر، ما وضع هذا الموضع إلاّ ليتابع عليه، فمن تابعه كان معي غداً، ومن خالفه لم يرد عليّ الحوض أبداً(٤).

١- أمالي الطوسي: ١٨٨ ح٣١٧; عنه البحار ١٦: ٣٢٢ ح١٢; ونحوه الخصال: ٢٩٣ ح٥٧ باب الخمسة.

٢- أثبتناه من "ج".

٣- أثبتناه من "ج".

٤- أمالي الطوسي: ١٩٠ ح٣٢١; عنه البحار ٣٨: ١١٤ ح٥٢; وأمالي المفيد: ١٠٨ المجلس الحادي والعشرون.

٨٠