×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

منهاج الكرامة في معرفة الإمامة / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ١١ فارغة
كتاب منهاج الكرامة في معرفة الإمامة للعلامة الحلي (ص ١ - ص ٢٦)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

مقدمة المؤسسة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين المعصومين، لا سيما الإمام الأول، أبو الحسن، علي بن أبي طالب أمير المؤمنين وسيد الوصيين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين من بدء الخليقة إلى قيام يوم الدين.

وبعد، فإن مؤسستنا مؤسسة عاشوراء للتحقيق والدراسات الإسلامية، ما زالت جادة في إحياء آثار العلماء الأبرار، ونشر التراث الاسلامي الأصيل، وتنوير أفكار العالم بما رفدنا به المحققون الأفذاذ من علماء أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإخراج المصادر إلى عالم النور بالشكل الذي يتناسب معها ومع متطلبات العصر الحديث.

ولعل من أهم المواضيع - إن لم يكن أهمها على الإطلاق - في حياة المسلمين، هو موضوع الإمامة، ذلك الموضوع الذي دار حوله الخلاف والجدل بعنف وشدة مباشرة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بل قبيل وفاته بلحظات، بل في حياته صلى الله عليه وآله وسلم لكن تحت شتى الأغطية ومختلف الأعذار.

وكنتيجة حتمية، انقسم المسلمون إلى فرقتين، إحداهما - وهي الحقة - توكد أن الله ورسوله نصا على الإمام بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وجعلا عليا أمير المؤمنين إماما وخليفة وعلما وهاديا، خصوصا في يوم الغدير، عند الرجوع من حجة الوداع، حيث الوداع، حيث نزل قوله تعالى (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من

١٢
الناس) [ المائدة: ٦٧ ] وثانيتهما تنفي ذلك بما وسعها من تمحلات وتأويلات.

ويبرز في هذا المجال الحساس كتاب (منهاج الكرامة في معرفة الإمامة) كأروع ما كتب وأمتن ما سطر علميا وثقافيا، على يد أحد أكبر علماء الإسلام - أعني العلامة الحلي - في ظرف من أهم وأدق الظروف وأكثرها تأثيرا على المستقبل.

لقد التزم المؤلف أن يلزم خصومه الفكريين عبر ذكر دلائل الإمامة، وإمامة أمير المؤمنين عليه السلام بالذات، من كتب العامة، ليكون ذلك أقوى لحجته وأدحض لحجتهم، فجاء الكتاب رائعا في نظامه ومن الفرائد في بابه.

وهاهنا رأت المؤسسة أن تنيط مسؤولية تحقيق هذا السفر الرائع بالأستاذ عبد الرحيم مبارك، فقام الأستاذ حفظه الله بهذه المهمة على أحسن وجه، فترسم خطى المؤلف، حيث خرج مطالب الكتاب من كتب العامة، بعد أن ضبط المتن وقابله على النسخ التي اعتمدها، فجاء (منهاج الكرامة مضبوطا محققا ممنهجا، مطبوعا بالشكل اللائق به والمناسب لأهميته.

حيا الله العاملين لإحياء آثار مذهب آل محمد عليهم السلام، وسدد الله الأقلام لحماية الإسلام، ونسأله تعالى أن يعيننا ويمدنا بالصواب والتوفيق، إنه نعم المولى ونعم النصير.


وما من كاتب إلا ستبقىكـتابـته وإن فـنيت يداه
فلا تكتب بكفك غير شئيسرك في القيامة أن تراه

مشهد المقدسة           
١٨ / محرم الحرام / ١٤٢١ هـ. ق.

١٣
بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة المحقق

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد المصطفى خاتم النبيين، وعلى آله الطيبين الطاهرين المعصومين.

يمتاز الحديث في مناقب أهل النبي عليهم السلام بنكهة خاصة، إذ يدور حول أناس طهرهم رب العزة، وخدمتهم الملائكة، وأشاد بذكرهم نبي الرحمة في كل موقف تسنى له فيه ذلك، وكان صلى الله عليه وآله كما هو المنتظر من نبي الرحمة، يؤكد على أمته باقتفاء آثار أهل البيت وتوليهم، والتبري من أعدائهم، فوصفهم تارة بسفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها هلك، وبباب حطة من دخله كان آمنا، ومن خرج عنه كان كافرا، وقال بأنهم الثقل الأصغر الذي خلفه في أمته مع الثقل الأكبر: القرآن، وأخبر بأنهما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض، ووصفهم بأنهم حبل ممدود من السماء إلى الأرض.

وكان من دأبه (صلوات الله عليه وآله) - وهو نبي الهدى - أن ينبه أمته إلى هذا الأمر الخطير، وأن يدلها على الصراط الذي يضمن نجاتها وفوزها في الدنيا والآخرة. وكان في هذا المجال يصدر جملة من الوصايا العامة تنصب في هذا المسار، وجملة من الوصايا الخاصة، بضرورة اتباع علي أمير المؤمنين وتوليه وتولي ولده من بعده.

ومن جملة الأحاديث التي يمكن عدها من النصف الأول الحديث المعروف: الأئمة من قريش(١)، وحديث جابر بن سمرة المشهور (اثنا عشر قيما من قريش لا يضرهم عداوة

(١) أنظر سنن البيهقي ٨: ١٤٣ عن أبي نعيم الفقيه، مناقب الشافعي: ١٨ و ١٩ و ٢٧ عن أنس، الصواعق المحرقة:

١١ عن علي.

١٤
من عاداهم(١) وفي لفظ: " خليفة " وفي لفظ آخر " أميرا " وحديث ابن مسعود " اثنا عشر عدة نقباء بني إسرائيل " ٢ وحديث " من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية " ٣.

فقد أكد صلى الله عليه وآله أن الأئمة من قريش، ثم بين بأن الأئمة اثنا عشر لا يزيدون ولا ينقصون، لا تضرهم عداوة من عاداهم، ثم حذر أمته بأن من يموت منهم ولم يعرف إمام زمانه، فميتته جاهلية.

وأما الوصايا الخاصة في أهل بيته عليهم السلام، وعلى الأخص في شأن أخيه ووصيه خليفته من بعده، أمير المؤمنين عليه السلام، فقد ورد بعضها في هذا الكتاب الشريف.

وكان من نهجه صلى الله عليه وآله التزام الحكمة في دعوته لأمته، مقتفيا في ذلك السبيل الذي

(١) أنظر المعجم الكبير للطبراني: ٢ / الأحاديث ١٧٩١، ١٧٩٢، ١٧٩٣، ١٧٩٤، ١٧٩٥، ١٧٩٦، ١٧٩٧، ١٧٩٨، ١٧٩٩، ١٨٠٠، ١٨٠١، ١٨٠٨، ١٨٠٩، ١٨٤٩، ١٨٥٠، ١٨٥١، ١٨٥٢، ١٨٧٥، ١٨٧٦، ١٨٨٣، ١٨٩٦، ١٩٢٣، ١٩٢٦، ١٩٦٤، ٢٠٠٧، ٢٠٥٩، ٢٠٦٠، ٢٠٦١، ٢٠٦٢، ٢٠٦٣، ٢٠٦٧، ٢٠٦٨، ٢٠٦٨، ٢٠٦٨، ٢٠٦٩، ٢٠٧٠، ٢٠٧١، ٢٠٧٣، (٣٦ حديثا) ومجمع الزوائد للهيثمي ٥: ١٩١.

(٢) رواه أحمد في مسنده، ١: ٣٩٨، وأبو يعلى الموصلي في مسنده ٩: ٢٢٢ / ٥٣٢٢ والطبراني في معجمة الكبير ١٠:

١٠٣١٠ وابن كثير في تفسيره ٢: ٣٢ في تفسير الآية ١٢ من سورة المائدة: وقال: والظاهر أن منهم المهدي المبشر به في الأحاديث الواردة بذكره، كما رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين ٤: ٥٠١ والهيثمي في مجمع الزوائد: ٥: ١٩٠.

(٣) ورد هذا الحديث في مصادر العامة بألفاظ مختلفة، ففي مسند أحمد ٤: ٩٦ بسنده عن معاوية ورد بلفظ من مات بغير إمام، مات ميتة جاهلية ووراه بهذا اللفظ ابن أبي الحديد في شرح النهج ٩: ١٤٧.

وفي طبقات ابن سعد: ٥: ١٤٤ بسنده عن ابن عمرو ورد - ضمن حديث - بلفظ " من مات ولا بيعة عليه مات ميتة جاهلية "، ورواه بهذا اللفظ الطبراني في معجمة الأوسط، ١: ١٧٥ / ٢٢٧، والمتقي الهندي في كنز العمال: ١ / الحديث ٤٦٤

ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه: ١٥: ٣٨ عن عبد الله بن عامر بلفظ من مات ولا طاعة عليه، مات ميتة جاهلية، ورواه البخاري في. تاريخه الكبير ٦: ٤٤٥ / ٢٩٤٣ بلفظ من مات وليست عليه طاعة، مات ميتة جاهلية.

ورواه بلفظ قريب من هذا، كل من أحمد في مسنده ٣: ٤٤٦، والهيثمي في كشف الأستار ٢: ٢٥٢ / ١٦٣٦.

١٥
أرشده إليه الرب الجليل، وكان يلاحظ من بعض النفوس بوادر تمرد لا تحمد عقباها، وكان يصرح لبعض أزواجه " لولا أن قومك حديثو عهد بالجاهلية وأخاف أن ينكر قلوبهم، لأمرت بالبيت فهدم فأدخلت فيه ما أخرج منه... " وفي حديث " لولا حداثة عهد قومك بالكفر لهدمت الكعبة فإنهم تركوا منها سبعة أذرع في الحجر ضاقت بهم النفقة... "(١).

لكن البعض - مع ذلك كله - كان يضيق ذرعا بتعاليم النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ويعلن تمرده.

بل يكذب النبي صراحة ويطالبه بدليل من السماء على أن توليته عليا هي من عند الله لا من عند نفسه، وأي دليل كان يريد هذا البائس؟! أن يرمى بحجارة من السماء!!(٢)

وعلى الرغم من أن النبي صلى الله عليه وآله كان يعين مصداق الإمام الذي يموت من لا يعرفه ميتة جاهلية، ويعلن أن عليا مع الحق والحق مع علي وأنه مع القرآن، والقرآن معه، ويعهد إليه أنه " لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق ". ويؤاخيه في قضية المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، ويجعله منه بمنزلة هارون من موسى وبمنزلة الرأس من الجسد، إلا أن البعض كان يلزم النبي على سيرته هذه، ربما لأنهم فسروا ذلك على أساس أن النبي كأني يتحيز لعلي عليه السلام وأنه كان في ذلك متبعا هوى نفسه فقالوا عنه أنه غوى في حب ابن عمه، حتى تصدي الحق الرد عليهم في قوله جل من قائل (ما ضل صاحبكم وما غوى).

ولامه البعض على مناجاته عليا دونهم، فقال لهم: " ما أنا انتجيته ولكن الله انتجاه " ولاموه على سده أبوابهم الشارعة إلى مسجده وتركه باب علي مشرعا فبين لهم أن الله قد فعل ذلك.

وجاء بعضهم من إحدى الغزوات فشكى عليا، فأعرض عنه النبي وجاءه آخر وآخر حتى بان الغضب في وجهه صلى الله عليه وآله فقال: ما بال أقوام يبغضون عليا؟! من أبغض عليا فقد أبغضني ومن فارق عليا فقد فارقني إن عليا مني وأنا منه... الحديث وقال: " أنا

(١) أنظر صحيح البخاري ٢: ١٨ الفردوس للديلمي ٣: ٣٥٨ - ٣٥٩ مسند أحمد ٦: ٥٧ / ٢٣٧٧٦.

المعجم الأوسط للطبراني ١٠: ١٧٧ / ٩٣٨٢، ٧ / ٦٢٤٧، ٨: ١٨٤ / ٧٣٧٥.

(٢) أنظر قصة الحارث بن النعمان الفهري في ص ١١٧ من هذا الكتاب.

١٦
وعلي من شجرة واحدة، والناس من شجر شي " وكان النبي صلى الله عليه وآله يستعين على القوم أحيانا ببعض الأمور الغيبية كما في قصة الطائر الذي أهدي إليه، فدعا ربه أن يأتيه بأحب خلقه إليه يأكل معه من ذلك الطائر - وأنس خادمه يسمع - ثم طريق الباب ففتحه أنس، فرأى أن القادم علي عليه السلام فرده وقال له بأن النبي مشغول بأمر ما، فانصرف علي ثم عاد فرده أنس، ثم عاد ثالثة فسمع النبي كلامه ودعاه واعتذر أنس عن فعله بأنه أحب أن يكون ذلك الرجل أحد الأنصار!!

وكما في قصة النجم الذي هوى فجأة من السماء حيث كان النبي قد قال لأصحابه بأن من هوى النجم في دار فهو وصية، فهرع القوم يفتشون البيوت، فوجدوا النجم قد هوى في بيت علي.

ويخبرهم - وقد بعث فلانا وفلانا بالراية فرجعا فارين يجبن كل منهما أصحابه وهم يجبنونه - بأنه سيبعث غدا بالراية رجلا كرارا غير فرار يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، لا يرجع حتى يفتح الله على يديه. ثم يأتي الغد وتمتد الأعناق، ويتطلع من يتطلع، ويصرح أحدهم بأنه لم يحب الإمارة كما أحبها ذلك اليوم، ثم يفوه النبي صلى الله عليه وآله بالقول الفصل:

أين علي؟ فيقال: إنه أرمد يشتكي عينه، فيمسح النبي لي عينيه بريقه، ويعطيه الراية، فيذهب ويقتل بطل خيبر " مرحب " الفارس الأشوس الذي طالما انخلعت أفئدة الفرسان من سماع اسمه، ويقتلع باب خيبر فيجعلها جسرا تعبر عليه الفرسان، ويعود بالنصر المؤزر كما وعد رسول الله صلى الله عليه وآله.

ويبعثه مرة في إحدى الغزوات، فيهبط جبرئيل على النبي ويخبره بنصر أمير المؤمنين، ويصف له المعركة التي دارت بينه وبين أعدائه في آيات سورة " العاديات " فيخبر النبي صلى الله عليه وآله أصحابه بذلك، ثم يعود الجيش فيتضح لمن في قلبه مرض أن السماء هي التي بشرت بنصر علي، ونقلت تفاصيل وقعته الظاهرة.

وينزل عليه جبرئيل تارة فيقرا عليه (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) فيدخل النبي صلى الله عليه وآله فيصادف السائل عند

١٧
باب المسجد فيسأله عمن أعطاه، فيجيب أنه سأل فلم يعطه أحد شيئا. وأن أمير المؤمنين عليه السلام أشار له وهو راكع فتصدق بخاتمه.

ويشاهد القوم أن السماء قد أضافت إلى أوسمة علي وساما جديدا. وأنها قد أخبرت بفعل علي فور تحققه. ثم يأتي آخر فيتصدق بمائة وخمسين خاتما في مناسبات مختلفة. رجاء أن تنزل فيه آية، إلا أن هذا البعض لا يفهم أصول التعامل مع السماء وأن الله تعالى ينظر إلى نية المرء لا إلى عمله فقط، فيثيب من يعمل عملا لله تعالى وفي الله، دون أن ينتظر شيئا: تماما كفعلهم (صلوات الله عليهم) الذي حكته السماء في قصة لنذر، وقوله (لا نريد منكم جزاء ولا شكورا إنا نخاف من ربنا يوم عبوسا قمطريرا) والحديث في هذا المجال طويل وطويل.

لقد عاش النبي صلى الله عليه وآله وهو يوصي بالعترة الطاهرة. ورقد على فراش الموت وطلب من صحبه كتفا ودواة كي يكتب لهم كتابا لن يضلوا من بعده أبدا، فاتهمه بعضهم بأنه قد هجر، وقال آخر: حسبنا الله!

ونتساءل: ما معنى هذا القول؟ ألا يعني أن هذا القائل خاف أن يكتب النبي صلى الله عليه وآله في وصيته للأمة بالتمسك بكتاب الله وبالعترة، اللذين لو تمسك القوم بهما لما ضلوا أبدا، وفطن هذا القائل إلى الفقرة الأخيرة من كلام النبي " لن تضلوا من بعده أبدا " فأدرك أن النبي موص بالعترة بلا ريب فجهر بما في صدره: حسبنا كتاب الله!

ونتساءل من جديد: لماذا تنكر هؤلاء للعترة؟ وكيف تجاسروا على بيت بضعة الرسول، وقادوا عليا كالجمل المخشوش؟! أفيشك أحد أن فاطمة ماتت وهي غاضبة عليهما؟! وأنها أوصت بدفنها ليلا، وأن لا يحضرها أحد من القوم؟ أفيشك أحد أنها مطهرة أيشك امرؤا أن النبي صلى الله عليه وآله قال: بأنها بضعة منه، وأن الله يرضى لرضاها ويغضب لغضبها؟!

ونتساءل - والقلوب حرى - أكان النبي الله عليه وآله يهجر - والعياذ بالله - حين أمر أمته بالتمسك بالثقلين؟! وحين أخبر أمته أن أهل بيته كسفينة نوح ينبغي أن يفزعوا إليها لينجوا

١٨
من عواصف الاختلاف وأمواج الفتن المتلاطمة؟!

أكان كذلك يوم المباهلة حين جعل عليا كنفسه، وجعل الحسن والحسين أبناءه، وفاطمة نساءه؟!

أكان كذلك حين رفع يد علي بمرأى ومسمع من الألوف الغفيرة القافلة من مكة، فجعله أولى بهم من أنفسهم وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه! أكان كذلك حين كان يقف عند باب فاطمة وعلي عليهما السلام تسعة أشهر فيناديهم أن يقوموا للصلاة، ويقرأ آية التطهير النازلة في حقهم؟!

أكان كذلك حين آخى بين المهاجرين والأنصار، فاستبقى عليا لنفسه، وآخاه دونهم؟!

ونسأل: أبرهن هذا القائل: حسبنا كتاب الله " ومن سبقه وتلاه في الخلافة أنهم عالمون بما في كتاب الله، مستغنون عنا العترة؟ أم أن هذا القائل لما رأى رسول الله مسجى وقد فارق الحياة، قال: من أن محمدا مات قتلته بسيفي هذا، وإنما رفع إلى السماء كما رفع عيسى بن مريم.

ثم يحضر أبو بكر فيتلوا عليه (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل) فيصرح بأنه كأنه لم يسمع هذه الآية من قبل!!(١)

أعكف هذا القائل على كتاب الله يتلوه ليلة ونهاره أم ألهاه عنه وعن سنة النبي وحديثه الصفق في الأسواق كما يقول(٢)

لقد أجهد هذا القائل نفسه حتى حفظ سورة البقرة في اثنتي عشرة سنة، فلما ختمها نحر جزورا(٣).

وكان كثيرا ما يبتلى زمن خلافته بمسائل يحكم فيها يعلمه، ثم يسأل أمير المؤمنين عليه السلام عنها، فيدله على طريق الصواب، حتى قال المرة تلو المرة " لولا علي لهلك عمر ".

(١) الملل والنحل ١: ١٥، وسيرة ابن هشام ٤: ٦٥٥ - ٦٥٦.

(٢) تفسير القرطبي ١٤: ١٢٦.

(٣) الدر المنثور للسيوطي ١: ٢١.

١٩
أما عن سنة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله التي وصفها صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه... "(١)، فقد منع هذا القائل الناس من التحديث بأحاديث السنة النبوية مطلقا(٢)، وأصدر أمره بحبس ابن مسعود وأبي الدرداء وأبي مسعود الأنصاري، فقال: قد أكثرتم الحديث عن رسول الله(٣).

ومنع الناس من نقل الحديث، بحجة اختلاطه القرآن(٤).

وهكذا كانت سيرة صاحبيه حتى وصل الأمر إلى معاوية ففتح باب تزوير الأحاديث على مصراعيه، ومنع من التحديث بمناقب أمير المؤمنين عليه السلام، وبعث إلى عماله في البلدان آمرا بلعنه على المنابر.

وخلال هذه المسيرة الطويلة، كان هناك رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، رجال حملوا الأرواح على الأكف وباعوها رخيصة لأجل المبدأ، رجال وصفهم النبي الكريم في خطابه لأميرهم، أمير المؤمنين عليه السلام: يا علي أنت وشيعتك خير البرية "(٥). وقال: " يا علي إذا كان يوم القيامة أخذت بحجزة الله عز وجل وأخذت أنت بحجزتي، وأخذ ولدك بحجزتك وأخذ شيعة ولدك بحجزهم فترى أين يؤمر بنا! "(٦).

ومن هؤلاء الرجال الذين نذروا أنفسهم لخدمة الدين وإعلاء كلمة الحق، العلامة الحلي قدس الله الله نفسه الزكية، فسلام عليه يوم ولد، ويوم مات ويوم يبعث حيا.

أسأل الله - وهو أكرم مسؤول - أن يصلي على محمد وآل محمد وأن يغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، وأن يغفر لي ولوالدي ويتغمدهما بكرمه وعفوه ومنه،

(١) مسند أحمد ٤: ١٣١ / ١٦٧٢٢.

(٢) تذكرة الحفاظ ١: ٧ - ٨.

(٣) تذكرة الحفاظ ١: ٧.

(٤) طبقات ابن سعد: ٣: ٢٨٦ - ٢٨٧.

(٥) ينابيع المودة للقندوزي ٢: ٤٥٢.

(٦) الفردوس للديلمي ٥: ٣٢٤ / ٨٣٢٤.

٢٠