×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

منهج الرشاد لمن أراد السداد / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٥ فارغة
كتاب منهج الرشاد للشيخ جعفر كاشف الغطاء (ص ١ - ص ٢٨)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

مقدمة المحقق

هذه الرسالة حصيلة مراسلة بين شخصيّتين كبيرتين تمثّلتا بالشيخ جعفر كاشف الغطاء ـ زعيم الطائفة الأمامية في عصره ـ، المتوفى سنة ١٢٢٨هـ / ١٨١٣م، وبين الأمير عبدالعزيز بن سعود ـ أحد قادة الحركة الوهابية في عهدها الأول ـ، المتوفى سنة ١٢١٨هـ /١٨٠٣م.

والسبب الذي دعا إلى تأليفها هو أنّ الأمير عبدالعزيز كتب رسالة إلى الشيخ كاشف الغطاء انتقد فيها الممارسات التي يطبقها زوار المراقد الدينية المقدسة، ـ وهي حسب العقيدة الوهابية تقارب الشرك في مقام التوحيد ـ، المبتنية على مفردات نظرية مثل الشفاعة، والتوسل، والاستغاثة.

ولمعرفة ما تنطوي عليه هذه الأوراق من مناقشة وجدل يتحتّم فهم الظروف التي كانت سائدة في منطقة الجزيرة، والتي بدأت تؤثر في المناطق المحيطة تأثيراً بالغاً وفعّالاً.

فقد كانت منطقة الجزيرة العربية سياسياً واقعة تحت نفوذ السيادة العثمانية (عدا مسقط)، كما كان حال الدول الأخرى مثل العراق، وبلاد الشام، ومصر. ولم تكن سيطرة الدولة العثمانية على هذه البلدان سيطرة فعلية حيث تكتفي من الولاة بتقديم المبالغ المناسبة دليلاً لخضوع الوالي لها.

وفي القرنين (الثاني عشر والثالث عشر الهجريين / الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين) بدأ النفوذ البريطاني يدخل منطقة الشرق لتأمين سلامة المواصلات التجارية بين الهند وانكلترا، ووصول بضائع شركة الهند الشرقية الانكليزية إلى موانىء الخليج.

وكانت إيران تحت سلطة الأفشاريين بعد سقوط الدولة الصفوية سنة ١١٣٥هـ / ١٧٢٢م.

وفي أوائل القرن الثالث عشر الهجري / التاسع عشر الميلادي أصبح نفوذ البريطانيين شبه منفرد في المنطقة لانشغال الدولتين الكبيرتين القاجارية والعثمانية بأوضاعهما الدالخلية المضطربة، والنزاعات المتكررة بينهما.

ففي هذا الوسط ظهرت الدعوة الوهابية، وامتدت بتحالف تمّ عام ١١٥٧هـ/١٧٤٤م بين الشيخ محمد بن عبدالوهاب، والأمير محمد بن سعود على أن يكون صاحب

٦
السيف حارساً للدين، وناصراً للسنّة، وان يستمر الداعية على الجهر بدعوته الأصلاحية الجديدة.

وقد استعت الأمارة في عهد محمد بن سعود(١) فشملت أكثر (نجد) حيث تكرّست فتوحاته على القرى المحيطة (بالدرعية)، والتي نجح في القضاء على زعاماتها المحلية ولم يبق خارجا عن قبضته سوى مدن الرياض، والأحساء، والقصيم.

وقد حكم محمد بن سعود عشرين عاماً حتى وفاته سنة ١١٧٩هـ / ١٧٦٥م حيث تولّى الحكم بعده ولده عبدالعزيز.

أمّا ولده (المعني بهذه الرسالة) عبدالعزيز بن محمد بن سعود فقد حكم (٣٩) عاماً وخلال هذه الفترة الزمنيّة اتسعت فتوحاته إتساعاً إمتدّ بسلطانه من شوطىء الفرات إلى رأس الخيمة، وعمان، ومن الخليج إلى أطراف الحجاز وعسير.

إن العلاقة الوهابية ـ الأثنا عشرية مرّت بمرحلتين:

الأولى: في حياة شيخ الوهابية محمد بن عبدالوهاب حتى وفاته عام ١٢٠٦هـ / ١٧٩٢م.

الثانية: ما بعد رحيل الأمام محمد بن عبدالوهاب، أي (خلال مرحلة حكم الأمير عبدالعزيز بن سعود (١٢٠٦هـ ـ ١٢١٨هـ).

ففي المرحلة الأولى لم تشهد المدن المقدسة الشيعيّة أيّ هجوم وهابي. والسبب يعود ـ كما ذكر صاحب العبقات ـ إلى علاقة الشيخ جعفر الطيبة مع الشيخ محمد بن عبدالوهاب. وبالرغم انّ المصادر التاريخية لم تشر إلى علاقة كهذه سوى ما ذكر في (العبقات)، فأنّ سياق الأحداث التاريخية يؤكد وجود علاقة بين الطرفين، ربّما إمتدت منذ إقامة الشيخ محمد بن عبدالوهاب أيام دراسته في بغداد، وبقيت حتى تولّي الشيخ كاشف الغطاء زعامة الطائفة الأمامية.

أمّا المرحلة الثانية ـ والتي تبدأ بعد وفاة الشيخ محمد بن عبدالوهاب ـ، فأنها إتّسمت بالحوار الدبلوماسي في سنيّها الأولى، لكنّها لم تستمّر على هذه الوتيرة بعد الغزو الوهابي لمدينة كربلاء عام ١٢١٦هـ، وإحلال الدمار والقتل فيها.

(١) كانت إمارة آل سعود لا تتعدى البلدتين، أو الثلاثة في زمن أبيه سعود بن محمد بن مقرن. وقد إتسعت الفتوحات بعد تولّي محمد بن سعود الزعامة سنة ١١٣٩هـ / ١٧٢٧م.
٧

وتتجلّى أهمية هذا الحوار في المراسلات التي دارت بين الأمير عبدالعزيز بن سعود والشيخ كاشف الغطاء، حيث كتب الأمير عبدالعزيز رسالة (نقل قسماً من مضامينها كاشف الغطاء)، وردّ عليها برسالة أشبه ما تكون بالمناقشة الشاملة لما ورد من الشبهات التي أثيرت حول الفكر الأمامي، ومما لم يرد منها أيضاً.

قد تميّز منهج كاشف الغطاء في رسالته بسمات، أهمّها:

١ ـ امتازت الرسالة بالموضوعية والصدق، والواقعية، وغزارة المعرفة، وقوّة الأستدلال، حيث نهج مؤلفها منهجاً عقلانياً متكاملاً ردّ فيه المنطق بالمنطق، والحجّة بالحجّة والبرهان، ممّا جعلها ـ على رغم أنّها نافت على القرنين من الزمن ـ رسالةً فتيةً ما زالت حجيتها قائمة، طريّة الأفكار، متينة المباني، عذبة المحاججة، خالية مما اعتاد عليه المؤلفون في مثل هذه الميادين من الخروج عن ذريعة العلم إلى ذرائع أخرى لا تتصل إلى نهج المعرفة بصلة.

٢ ـ يبدو أنّ كاشف الغطاء كان يدرك انّ الفتوحات الجديدة تهدد أمن المنطقة بكل عام، وستصل إلى العراق لضعف السلطة الحاكمة فيه، وانشغالها بالمشاكل الداخلية وغيرها. لذلك كان حديثه في الرد حديثا حاول من خلاله إقناع عبدالعزيز بن سعود ـ بما استطاع من إمكانات ـ بالرجوع عن معتقداته الدينيّة، والتخلّي عن نظريته المذهبية الت اعتنقها وتبّناها ـ على فرض الامكان ـ، أو احترام وجهات النظر المتغايرة ـ على فرض آخر ـ. لذلك كان خطابه إليه خطاباً يشعر أنّه خطاب صادر من سلطة دينيّة عليا إلى سلطة قتالية عليا.

وبالرغم من احترامه المتزايد للأمير الفاتح إلاّ أنّ (رسالته) لم تخل من واقعيّة في التعامل مع هذا الأمير، فقد حدّثه فيها باللغة المباشرة التي يفهمها هذا الأمير العربي. وكان يعزو تبنّيه للمذهب الوهابي إلى عدم خبرته في اختيار المذهب الذي عليه أنّ يتبّناه ويناضل من أجله، بسبب ضآلة معرفته الفكرية.

٣ ـ تناولت الرسالة ردّاً للشبهات التي نشرها الوهابيون، وقد رتّبها على مقدمة وفصول، مقاصد، وكان لا يملّ من تكرار كلمة ((أخي))، و((أقسم عليك)) ـ نهاية كلّ موضوع ـ بعد بيان النتيجة التي يتوصل إليها بعد إيراده جملة من الأحاديث النبويّة لعلّ ذكل يكون سببا لمراجعة المعتقد من جديد.

٤ ـ إستخدم في طيّات رسالته أسلوب الموعظة، وإلفات النظر إلى أنّ النفوذ الدنيوي

٨
مهما بلغ فانّه سيؤول إلى الزوال. وقد أطنب في اختيار بعض المرويات المتعلقة بنهاية الأنسان وفنائه في الفصل الثالث، تحت عنوان: (في حياة سائر الموتى).

٥ ـ نسب كاشف الغطاء نفسه في رسالته هذه إلى أنّه من تلامذة مدرسة (بغداد). وقد ذكر محمد حسين كاشف الغطاء انّ الشيخ جعفر أراد بذلك أن يظهر بمظهر أهل السنّة ليتوصل إلى أهدافه، ويقلع عبدالعزيز عما هو عليه. ولم يكن هذا الرأي موافقاً للصواب لعلم الأمير عبدالعزيز بهوية كاشف الغطاء، ومخاطبته الصريحة في رسالته التي إنتقد فيها زوار قبر الأمام علي في النجف.

ويمكن الأستنتاج أنّ العلاقة التي يشير إليها صاحب (العبقات) نفسه بين الشيخ كاشف الغطاء، وابن عبدالوهاب ينكم أن تكون ممتدّة إلى أيام تتلمذ الشيخ محمد ابن عبدالوهاب على يد شيوخ الحنابلة البغداديين. فأراد كاشف الغطاء أن يظهر أمام عبدالعزيز بن سعود أنه بمنزلة شيخه الذي نهض بأعباء الدفاع عن فكره، ونشر معتقداته بالقوّة.

٦ ـ لمّا كان المذهب الوهابي يعتمد على صحاح الأحاديث السنّية، فقد التزم كاشف الغطاء في نقل أحاديثه، ومناقشاته على الصحاح فقط، ولم يتطرّق إلى غيرها من كتب الحديث. كما نقل أقوال كبار علماء السنّة في بحثه، ولم يتطرّق إلى كتب الحديث الشيعيّة سوى ما نقله فقط عن كتاب الأحتجاج للشيخ الطبرسي في حديث عام يتصل بالمجادلة بين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبعض المناوئين له من العصر الجاهلي.

٧ ـ كتبت هذه الرسالة في سنة ١٢١٠هـ / ١٧٩٥م أي في حياة العلامة السيد مهدي بحر العلوم الذي توفي سنة ١٢١٢هـ / ١٧٩٧م. وكانت المرجعيّة في هذه المرحلة مقسّمة بين عدد من المجتهدين، حيث تخصص بحر العلوم بالتدريس، وكاشف الغطاء بالزعامة والفتيا، والشيخ حسين نجف بالصلاة جماعة، مما يبرهن على انحصار مرجعيّة التقليد السياسية والدينيّة في شخص كاشف الغطاء دون غيره من المجتهدين الكبار من طبقته.

لقد كان الشيخ كاشف الغطاء مدركاً المتغيرات السياسية، والصراع القائم بين القوى المتنازعة على الخليج فحاول أن يظهر النجف مركزاً مستقلاً عن مدار صراعات دول المنطقة، وأن يجنّب المرجعية الدينيّة العليا من الدخول في هذا الصراع.

ومن هنا يمكن تفسير العلاقة الودّية التي أقامها مع شيخ الوهابية بالمكاتبة مرّة، وبتقديم الهدايا مرّة أخرى، ونجاحه في حفظ الكيان الشيعي بعيداً عن المتغيرات السياسية التي

٩
شهدتها المنطقة.

وبمقدار النجاح الذي حققه كاشف الغطاء مع الشيخ عبدالوهاب، فأنّه أراد أن ينحو المنحى نفسه مع وريثه الأمير عبدالعزيز بن سعود، وهو وإن نجح في تحييده قرابة العقد من الزمن إلاّ أنّ ذلك لم يمنع ابن سعود من غزو مدينة كربلاء المقدسة عام ١٢١٦هـ، ونهب (الكنوز) المودعة في حرم الأمام الحسين بن علي عليه السلام، وقتل أهالي البلدة قتلة مأساوية شنعاء.

إنّ الهجوم الوهابي على (كربلاء) عام ١٢١٦هـ لم يكن مستهدفاً الشيعة بمقدار ما كان يهدف إلى إحلال الفوضى في الأمبراطورية العثمانية، وتهديد سلامتها وسرقة الخزائن التي ملأها ملوك الهند والفرس بنفائس الجواهر في النجف وكربلاء.

وبعد واقعة كربلاء عام ١٢١٦هـ / ١٨٠١م أحسّ كاشف الغطاء بضرورة تحصين النجف، وتعبئة الأهالي للدفاع عنها. فتهيّأت لذلك مراكز تدريب قتالية خارج البلدة يشرف عليها كاشف الغطاء بنفسه. كما تمّ تعيين عدد من المقاتلين للحراسة، وتنظيم المجاميع الأخرى للتصدي للغزو الخارجي من وراء الأسوار(١) .

وقد فشلت جميع الهجمات الوهابية الخمسة التي تكررت على النجف والتي كان أعنفها الهجمة التي حدثت أواخر عام ١٢١٨هـ / ١٨٠٣م حيث دافع النجفيون دفاعاً عنيفاً، ولم تستطع القوّة الغازية من اقتحام المدينة.

وفي عام ١٢٢١هـ / ١٨٠٦م تعرضّت النجف لغارة مفاجئة إلاّ أنّ ثقة النجفيين بممارساتهم القتالية وتحصنّهم بالأسوار والأسلحة جعلهم يتغلبون هذه المرّة على القوّة المهاجمة بسهولة. ((منهج الرشاد)) ـ النسخة الخطية

وهي نسخة مكتوبة في حياة المؤلف، وقريبة لزمن التأليف كتبها العلامة الشيخ قاسم الدلبزي سنة ١٢١٠هـ / ١٧٩٥م، وعليها تعليق له.

(١) انتدب كاشف الغطاء الصدر الأعظم محمد حسين خان (وزير فتح علي شاه) ببناء سور محصّن للمدينة وفعلاً فقد بدأ العمل ببناءه سنة ١٢١٨هـ / ١٨٠٣م، واستمرّ العمل فيه ما يقارب العقد من الزمن فأصبحت النجف بسببه بلدة محصّنة يصعب اقتحامها حيث تضمّن خندقاً عميقاً، وأبراجاً، ومراصد، ومخافر، وجعلت في طبقاته منافذ مختلفة لوضع فوهات المدافع البنادق.
١٠
الصفحة الأولى من مخطوطة ((منهج الرشاد))
١١
الصفحة الأخيرة من مخطوطة ((منهج الرشاد))
١٢

وهذه النسخة ـ كما يظهر ـ مطابقة للأصل تمام المطابقة، سليمة العبارة، صحيحة وهي تتكون من (٥٥) صفحة، كلّ صفحة تحتوي على (٢٣) سطراً عدا الصحفة الأولى، ويتكون السطر الواحد ـ غالباً من (١٢) كلمة.

أمّا ناسخها العلامة الدلبزي فهو من العلماء المجهولين الذين اختفى تراثهم، ويبدو أنّه من تلامذة المؤلف كاشف الغطاء، والسيد مهدي بحر العلوم، كما يظهر من بعض المخطوطات أنه كان حيّا سنة ١٢٣١ هـ / ١٨١٦م. واستظهر بعضهم أنّه مات بالطاعون سنة ١٢٤٧هـ / ١٨٣١م. وولده الشيخ حسين الدلبزي المتوفى بالطاعون أيضاً سنة ١٢٤٧هـ من العلماء المشهود لهم بالفضل، وغزارة العلم، والأدباء الكبار الذين احتفظت المجاميع الأدبية بنماذج من قصائدهم البليغة الجزلة.

وعلى هذه النسخة (تملك) جملة من الأعلام منهم: الشيخ سليمان العاملي، والسيد صدر الدين الصدر (صهر المؤلف)، والعلامة السيد عبدالله بن محمدر ضا شبّر، والشيخ محمد رضا بن علي بن محمد جعفر الاسترابادي (وهي من مقتنيات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي، برقم ٣٨٩٢ من تعداد الكتب الخطية). النسخة المطبوعة

أمّا النسخة الثانية فهي نسخة طبعت بالمطبعة الحيدرية في النجف في شهر شعبان سنة ١٣٤٢هـ / ١٩٢٤م، باهتمام العلامة السيد عباس التبتي، وتقع في (٨٢) صفحة.

وعلى صفحتها الأولى كتب هذا النصّ: ((كتاب منهج الرشاد لمن أراد السداد من تأليف واحد الدهور، ونادرة العصور، أفضل الربانيين، وأعظم أساطين الدين، شيخ الطائفة الشيخ الأكبر (الشيخ جعفر النجفي) عطّر الله مرقده، صاحب كتاب كشف الغطاء، وشرح القواعد، والحقّ المبين، وغيرها من المؤلفات الشهيرة، المتوفى في رجب سنة ثمانية وعشرين بعد الألف والمائتين هجريّة.

كتبه بعنوان جواب مكتوب، كتبه إليه بعض أمراء (نجد) من أبناء سعود الذين هم الدعاة إلى مذهب الوهابيّة. وهو كتاب جليل لم يكتب مثله في هذا الباب.

وكان طبعه ونشره باتفاق حضرة حجّة الأسلام، ومرجع الأنام، وحيد الناس، سيدنا الأجل الحاج سيد عباس التبتي مدّ ظلّه العالي. طبعت بمطبعة (الحيدرية) في النجف الأشرف سنة ١٣٤٣هـ)).

وقد ذكر الطهراني أنّ منهج الرشاد هو أوّل كتاب كتب في الردّ على الوهابيّة ووصفه

١٣
بأنّه حوى حقائق علمية، وحججاً دامغة.

أمّا العلامة الأمين فذكر أنّ هذه الرسالة هي أول رسالة كتبت في هذا الموضوع (إلاّ أن يكون سبقها كتاب سليمان بن عبدالوهاب أخي محمد بن عبدالوهاب). وامتدح مؤلفها وقال: ((إنّها حوت كثيراً مما لم يحوه بعض ما تأخّر عنها، فهي من مفاخر ذلك العصر)).

جواب الأمير عبدالعزيز بن سعود

عند وصول الرسالة إلى الأمير عبدالعزيز بن سعود كتب إلى مؤلفها الشيخ جعفر كاشف الغطاء هذه الرسالة المختصرة، وهذا نصّها:

يصل الخط إن شاء الله إلى عبدالله جعفر راعي ((المشهد))

بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين

السلام التام، والتحية والأكرام، يهدى إلى سيد الأنام، محمد عليه من الله أفضل الصلاة والسلام، ثم ينتهي إلى جناب الأجلّ الأكرم عبدالله جعفر سلّمه الله من كلّ شرّ، وأسكنه يوم القيامة جنّة المستقرّ، وأعاذه من عذاب النار الذي يحذر.

أمّا بعد: فوصل كتابك، وفهمنا ما تضمّنه من خطابك، وما ذكرت أنّه بلغك عنّا من حسن الطريقة، واستقامة السيرة من الصلاة والزكاة، والصيام، والحج، وغيره ذلك من شرائط الأسلام، فالحمد لله الذي هدانا للأسلام، وجنّبنا من عبادة الأصنام، حمداً كثيراً طيّباً مباركاً فيه، كما يحبّ ربّنا ويرضى، وكما ينبغي لكرام وجهه وعزّ جلاله.

١٤
١٥

منهج الرشاد لمن أراد السداد

١٦
١٧

مقدمة المؤلف

الحمد لله الذي تفرّد بالأزلية والقدم، واشتقّ نور الوجود من ظلمة العدم، وأسس قواعد الشرع على وفق المصالح والحكم، وفضّل أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم على سائر الأمم، وأنزل القرآن فيه آيات محكمات هنّ أم الكتاب وأخر متشابهات، وحذر عن اتباع الملاذ والشهوات، وأمر بالوقوف عند الشبهات، وأنذر عن متابعة الآباء والأمهات، والصلاة والسلام على من قدّمه على جميع أنبيائه، وفضّله على كافة أصفيائه، (محمد) المختار، صلى الله عليه وعلى آله، ما أظلم ليل، وأضاء نهار.

أما بعد: فقد ورد ـ الى المقصر مع ربه، التائب اليه من ذنبه، الطالب من الله السداد، (جعفر) أقل طلبة أهل (بغداد) ـ كتاب كريم، مشتمل على كلماتٍ كالدر النظيم، ممن لم يزل بالمعروف آمراً، وعن المنكر ناهياً زاجراً، الآمر بعبادة المعبود، الشيخ عبدالعزيز بن سعود(١) . فلما نظرته وتدبرته وتأملته وتصورته، خلوت في زاوية من الدار، وتصفحته تصفح الأنصاف والأعتبار. وقلت متهما لنفسي بالميل الى العصبية والعناد، والركون الى ما عليه الآباء والأجداد: يا نفس إعرفي قدر دنياك، واحذري شر من أغوى أباك، لقد تخليت عن نعيم الدنيا بحذافيرها، وقنعت بقليلها، ولو بقرص شعيرها، وتجنبت دار العزّة والوقار، واخترت العزلة والخمول في هذه الديار.

فلو كنت في كبار البلدان، من ممالك بني (عثمان)، أو في بعض بلدان فارس وإيران لجاءت إليك الدنيا من كل جانب ومكان، ونلت من النعيم ما لم ينله إنسان، فاحذري أن تكوني مع الأعراض عن هذه النعم الفاخرة، ممن قد خسر الدنيا والآخرة.

فلما شممت منها رائحة التصفية، ورأيت أن نسبة المذاهب ـ لولا الله عندها ـ على التسوية، وجهتها الى الكشف عن حقيقة الجواب عن الشبة الموردة في ذلك الكتاب،

(١) عبدالعزيز محمد بن سعود (أمير آل سعود في دولتهم الأولى)، ولد سنة ١١٣٢هـ / ١٧٢٠م، وولّي بعد وفاة أبيه عام ١١٧٩هـ / ١٧٦٥م، وكانت عاصمة حكمه (الدّرعية) بنجد، واتسعت الفتوحات في أيامه، وأمتدّ ملكه من شواطىء الفرات الى رأس الخيمة وعمان، ومن الخليج الفارسي إلى أطراف الحجاز وعسير.

اغتاله رجلّ من أهل العمادية (من ديار الجزيرة) في جامع الدرعية سنة ١٢١٨هـ / ١٨٠٣م. الأعلام للزركلي: ٤/٢٧.

١٨
ورأيت أن أشرح في الحال رسالةً على وجه الأختصار، مستمداً من فيض الواحد القهار، وسميتها ((منهج الرشاد لمن أراد السداد)).

فاقسم عليك ـ بمن جعلك متبوعاً بعد أن كنت تابعاً، ومطاعاً بعد أن كنت لغيرك مطيعاً سامعا، وأعزّك بعدما كنت ذليلاً، وكثر جمعك بعدما كان نزراً قليلاً ـ أن تنظر ما رسمته سطرا سطرا، وتمعن في تحقيق ما رقمته نظراً وفكراً، متوحشاً من الناس وقت النظر، متحذراً من النفس الأمارة كل الحذر، طالباً من الله كشف الحقيقة، سالكاً في المناظرة واضح الطريقة، فلعله يظهر أنه ليس بيننا نزاع، فنحمد الله على الإتفاق والأجتماع. وقد رتبتها على مقدمة، ومقاصد، وخاتمة.

أما المقدمة، فتشتمل على ثلاثة فصول:

الفصل الأول
في أنّ الافعال والكلمات تختلف باختلاف المقاصد والنيّات

فمن قال: يد الله، وعين الله، وجنب الله، وأراد الجوارح على نحو ما في الأجسام، او قال: إن الله على العرش استوى، أو في جهة الفوق، وأراد الحلول والاختصاص التام، أو أسند الرحمة إليه، أو الغضب، وأراد رقّة القلب، أو ثوران النفس على نحو ما يعرف بين الأنام، أو أسند الرزق الى المخلوق، أو دعاه، أو استغاث به على نحو ما يسنده الى الملك العلام، كان خارجاً عن مقالة أهل الإسلام.

وأما من قصد بها معاني أخر، فليس عليه من بأس ولا ضرر. وليس هذا كصنيع المشركين، فأن الفرق ظاهر، كما سنبينه كمال التبيين، فالمستغيث بالمنسوب مستغيث بالمنسوب إليه، والمستجير بالمكان مستجير بمن سلطانه عليه.

فمن أراد الأستاجرة والأستغاثة بـ (زيد) فله طريقان:

أحدهما: أن يهتف بأسمه.

وثانيهما: أن ينادي بصفاته، أو مكانه، أو خدمه.

وثانيهما أقرب الى الأدب، وأرغب لطباع أرباب الرتب، فلا يكون المستغيث ببيت الله، أو بصفات الله، أو برسل الله، أو المقربين عند الله، إلا مستغيثاً بالله؛ فكلّما دعا

١٩
مخلوقاً مقرباً عند الله، أو استغاث به قاصداً بحسن التعبير الأستغاثة باللطيف الخبير، فليس عليه بأس في ذلك، بل هو سالك في الآداب أحسن المسالك.

وكذلك من أسند تلك الأشياء لمجرد الربط الصوري، لا على قصد التأثير الحقيقي، كما يقال: ((أنبت الربيع البقل))، والمنبت هو الله، و((بنى الأمير القصر))، والباني ظاهراً بناه(١) .

فأطلاق (السيد) و(المالك) على غير الله، ((وإضافة (العبد) و(المملوك) في الأحرار الى غير الله))(٢) ، إن أريد بها الملكية الحقيقة، كان خروجاً عن الطريقة الشرعية، وإلاّ لم يكن في ذلك بأس بالكلية.

ولهذا ورد في الأخبار النبوية إطلاق (السيد) على غير الله.

روى أبو هريرة(٣) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: أنا سيد ولد آدم يوم القيامة(٤) .

وعن أبي سعيد الخدري(٥) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة(٦) .

وعن علي عليه السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: أبوبكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة(٧) .

وعن فاطمة عليها السلام: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبرني أني سيدة نساء العالمين، رواه الترمذي(٨) .

وروى أبو نعيم الحافظ، قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إدعوا لي سيد العرب عليا.

(١) في المطبوع: سواه.

(٢) لا توجد في المخطوطة.

(٣) أبو هريرة: عبدالرحمن بن صخر الدوسي اليماني، توفي سنة ٥٧هـ / ٦٧٧م في المدينة.

(٤) سنن الترمذي (كتاب المناقب) حديث ٣٥٤٨؛ وصحيح مسلم (كتاب الفضائل)، حديث ٤٢٢٣؛ ومسند أحمد (باقي مسند المكثرين)، حديث ١٠٥٤٩؛ وسنن ابن ماجه، (كتاب الزهد)، باب ٣٧؛ سنن الدارمي، المقدمة، باب ٨.

(٥) أبو سعيد الخدري: سعد بن مالك بن سنان الخدري الأنصاري، توفي في المدينة سنة ٧٤هـ / ٦٩٣م، وهو من الصحابة، ورتبهم أسمى مراتب العدالة والتوثيق.

(٦) سنن الترمذي (كتاب المناقب)، حديث ٣٧٠١، ٣٧١٤؛ وابن ماجه (المقدمة)، حديث ١١٥؛ ومسند أحمد (باقي مسند المكثرين)، حديث ١٠٥٧٦، ١١١٦٦، ١١١٩٢، ١١٣٥١. ورواه أيضاً في (باقي مسند الأنصار)، حديث ٢٢٢٤٠، ٢٢٢٤١.

(٧) سنن الترمذي (كتاب المناقب)، حديث ٣٥٩٧، ٣٥٩٩. ومثله حديث ٣٥٩٨؛ وسنن ابن ماجه (المقدمة)، حديث ٩٢، ٩٧؛ ومسند أحمد بن حنبل (مسند العشرة المبشرين بالجنّة)، حديث ٥٦٨.

(٨) سنن الترمذي، حديث رقم ٣٨٢٨

٢٠