×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

منهج الرشاد لمن أراد السداد / الصفحات: ٢١ - ٤٠

وفي حلية الأولياء أنه قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعليّ مرحباً بسيد المؤمنين(١) .

وعن أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال للحسن: إبني هذا سيد(٢) .

وعن عائشة(٣) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه سار إبنته الزهراء، فقال لها: أما ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين، أو نساء المؤمنين(٤) .

وروي ذلك عن الصحابة أيضاً، فعن جابر(٥) أن عمر كان يقول: أبو بكر سيدنا، واعتق سيدنا، (يعني: بلالا)، رواه البخاري(٦) .

وعن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: أتقولون هذا شيخ قريش وسيدهم(٧) .

وعن عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: أنا سيد ولد آدم، وعلي سيد العرب.

وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أن سادات النساء أربعة: خديجة، وفاطمة، وآسية، ومريم.

وعن علي عليه السلام: أنا سيد البطحاء. إلى غير ذلك مما يزيد على التواتر.

فالجمع بين ذلك وبين ما روي في الكتب المعتبرة أنه جاء وفد الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقالوا: أنت سيدنا، فقال: السيد الله(٨) . باختلاف القصد في معنى (السيد).

وكذا ما ورد من المنع من قول السيد عبدي وأمتي، فقول العبد لمولاه ربي، مع وجود ذلك في كلام يوسف(٩) .

وكذلك الأستغاثة بغير الله، إن أريد بها الصورة، أو من باب إستغاثة العبد بقصد

(١) حلية الأولياء: ١/٦٦.

(٢) البخاري (كتاب المناقب)، حديث ٣٣٥٧، ٣٤٦٣. وكذلك رواه في (كتاب الصلح، حديث ٢٥٠٥؛ والترمذي (كتاب المناقب)، حديث ٣٧٠٦.

(٣) عائشة بنت أبي بكر التيميّة، أم المؤمنين، توفيت في المدينة سنة ٥٨هـ / ٦٧٨م.

(٤) صحيح البخاري (كتاب المناقب)، حديث ٣٣٥٣؛ وصحيح مسلم (فضائل الصحابة)، حديث ٤٤٨٦، ٤٤٨٨؛ والترمذي (كتاب المناقب)، حديث ٣٨٠٧؛ وسنن ابن ماجه (ما جاء في الجنائز)، حديث ١٦١٠؛ ومسند أحمد (باقي مسند الأنصار)، حديث ٢٣٣٤٣، ٢٤٨٢٩، ٢٥٢١٠.

(٥) جابر بن عبدالله بن عمرو الأنصاري، صحابي، أقام في المدينة، وتوفي فيها سنة ٧٨هـ / ٦٩٧م.

(٦) صحيح البخاري، (باب مناقب بلال بن رياح): ٤/٢١٧، حديث رقم ٣٤٧١؛ وسنن الترمذي، (كتاب المناقب)، حديث ٣٥٨٩.

(٧) صحيح مسلم (باب فضائل سلمان، وصهيب، وبلال): ٤/١٩٤٧.

(٨) سنن أبي داود (كتاب الأدب)، حديث ٤١٧٢؛ ومسند أحمد (مسند المدنيين)، حديث ١٥٧١٧، ١٥٧٢٦. وجاء فيه ((أنت سيد قريش، فقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: السيد الله)).

(٩) إشارة إلى قول يوسف عليه السلام: (قال معاذ الله إنّه ربي أحسن مثواي) ـ سورة يوسف، الآية ٢٣ ـ وقوله أيضاً: (فلما جاءه الرسول قال أرجع إلى ربّك فاسأله ما بال النسوة التي قطعنّ أيديهنَ) ـ سورة يوسف، الآية ٥٠.

٢١
المعبود، فلا بأس بها، وعلى ذلك قوله تعالى (فاستغاثه الّذي من شيعته على الّذي من عدوه)(١) وكذا قوله (يستصرخه)(٢) .

وكذلك إطلاق الرب في بعض المعاني على غير الله كفر، مع أنّ الصديق يوسف عليه السلام قال (اذكرني عند ربّك)(٣) ، وكذلك طلب الرزق من غير الله على وجه الحقيقة كفر، وقال الله تعالى: (وأرزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفاً)(٤) وقوله: (يا أيّها العزيز مسّنا وأهلنا الضرّ)(٥) ، ونحوه (إستطعما أهلها)(٦) .

ومن ذلك قول القائل: لولا (فلان) لكان (كذا). فأن أراد أنه الفاعل المختار، دخل في أقسام الكفار. وإن أراد العليّة الصورية بمجرد رابطة جزئية، لم يكن عليه بأس بالكلية.

ولذلك ورد عن سيد الأنام أنّه قال: لولا قومك حديثو عهد بالأسلام لهدمت الكعبة(٧) .

وعن سفيان الثوري أنه قال: لولا هذه الدنيا لكان الملوك صعاليك.

وعن عمر أنه قال لعلي عليه السلام لما أشار عليه بعدم أخذ حلي الكعبة: لولاك لافتضحنا.

وعن النبي أنه قال لعلي: لولا أن تقول الناس فيك ما قالت النصارى لقلت فيك مقالاً.

وورد في صحيح الأثر، عن الفاروق عمر أنه قال: ((لولا عليّ لهلك عمر)). ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، إلى غير ذلك.

وكذا الحلف بغير الله إن أريد به الحلف على جهة إثبات الدعوى، كان خارجاً عن الشريعة، وإلاّ لم يكن قسماً على الحقيقة.

والحديث الذي فيه: ((من حلف بغير الله، فقد أشرك))(٨) محمول على حقيقة الحلف،

(١) القرآن الكريم: ٢٨/١٥ (سورة القصص).

(٢) القرآن الكريم: ٢٨/١٨ (سورة القصص).

(٣) القرآن الكريم: ١٢/٤٢ (سورة يوسف).

(٤) القرآن الكريم: ٤/٥ (سورة النساء).

(٥) القرآن الكريم: ١٢/ ٨٨ (سورة يوسف).

(٦) القرآن الكريم: ١٨/٧٧ (سورة الكهف).

(٧) عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((يا عائشة لولا أنّ قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة، فألزقتها بالأرض)). صحيح مسلم (كتاب الحج)، حديث ٢٣٧٠؛ والبخاري (كتاب العلم)، حديث ١٢٣. وكذلك رواه في (كتاب الحج): ـ حديث عهدهم بالجاهلية ـ. حديث ١٤٨٠، ١٤٨٣.

(٨) سنن الترمذي (كتاب النذور والأيمان)، حديث ١٤٥٥.

٢٢
وسيجيء تفصيله في المقصد الخامس. وكذلك إطلاق اليد، والرجل، والقدم، وغير ذلك بالنسبة الى الله على الحقيقة، لا يوافق الطريقة من غير تأويل، لم يتوهمه سوى نزر قليل.

مع أنه روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أن النار لا تمتلئ حتى يضع الله رجله فيها(١) . وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن النار لا تمتلئ حتى يضع الله قدمه فيها(٢) . ومن ذلك نسبة الضحك والعجب الى الله تعالى، فأنّ إرادة الحقيقة بعيدة عن الطريقة؛ مع أن أبا هريرة روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: لقد عجب الله، أو ضحك الله، عن (فلان) و(فلانة)، ونقل قصته(٣) .

فبأختلاف المعاني إختلفت المباني، وكذلك في مسألة الأفعال، فأنها شبيهة الأقوال، فأنّ القيام للتواضع قد ورد النهي عنه.

روى أبو أسامة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه خرج متكأً على عصى، فقمنا له، فقال: لا تقوموا كما تقوم الأعاجم بعضهم لبعض، رواه أبو داود(٤) .

وروى ابن عمر عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: لا يقوم الرجل من مجلسه، ثم يجلس فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا(٥) .

عن أنس أنه قال: لم يكن شخص أحب إليهم من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا، لما يعلمون من كراهيته لذلك، رواه الترمذي، وقال: هذا خبر صحيح(٦) .

فينبغي أن ينزل المنع على قيام خاص، كأن يقوم منحنياً على نحو ما يصنع الأعاجم. وفي الخبر ما يرشد إليه اختلاف الأغراض والمقاصد.

كما روي عن معاوية أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: من سرّه أن يتمثل له الرجال قياماً، فليتبوء

(١) صحيح البخاري (كتاب تفسير القرآن)، حديث ٤٤٧٢؛ وصحيح مسلم (كتاب الجنّة وصفة نعيمها وأهلها)، حديث ٥٠٨٢.

(٢) صحيح البخاري (كتاب التوحيد)، حديث ٦٨٩٥؛ وصحيح الترمذي (كتاب صفة الجنّة)، حديث ٢٤٨٠، ٢٤٨٤.

(٣) صحيح البخاري (كتاب المناقب)، حديث ٣٥٢٤؛ وصحيح مسلم (كتاب الأشربة)، حديث ٣٨٢٩، ٣٨٣٠؛ وسنن الترمذي (باب تفسير القرآن)، حديث ٣٢٢٦.

(٤) سنن أبي داود (كتاب الأدب) ـ باب قيام الرجل للرجل، حديث ٠٣٢٥.

(٥) مسند أحمد: ٢/١٧.

(٦) سنن الترمذي (كتاب الأدب) ـ باب كراهية قيام الرجل للرجل، حديث ٢٦٧٨.

٢٣
مقعده من النار(١) . وحديث ((ولا يقوم الرجل))، ظاهره اختصاص الجالس مجالسه، وربما ينزل ما دل على كراهته كذلك على نحو كراهته لملاذ الدنيا، وزهده في القيام كزهده في مباحاتها.

فقد روى أبو سعيد الخدري أن سعداً جاء على حمار، فلما دنا من المسجد، قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم للأنصار: قوموا إلى سيدكم(٢) .

وعن عائشة قالت: كنت جالسةً متربعة، فجاء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فأردت القيام، كما هي عادتي عند دخوله، فمنعني(٣) . فأنّ فيه دلالة على أنّ ذلك كان معتاداً لها، ولعلّ هذا المنع كان لسبب خاص، أو كزهد الدنيا، وكسر النفس.

وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه لما قدم جعفر مبشراً بفتح خيبر، قام، فقال: ما أدري بأيّهما أنا أشد فرحاً، أبقدوم جعفر أم بفتح خيبر(٤) .

وقيام الأحتمال في هذه الأخبار لا يمنع الاستناد إليها كما لا يخفى على أولي الأنظار مع ما ورد في الأخبار الكثيرة، من إستحباب تعظيم المؤمن، ويدخل في تعظيم شعائر الله على نحو ما ورد في التفاسير المعتبرة.

وعن أبي هريرة أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان يجلس معنا في المسجد يحدثنا، فإذا قام قمنا لقيامه، حتى نراه دخل بعض بيوت أزواجه.

وعن واثلة(٥) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن للمسلم لحقاً إذا رآه أخوة تزحزح له، رواه البيهقي في شعب الايمان(٦) .

(١) سنن أبي داود (كتاب الأدب)، حديث ٤٥٥٢؛ وسنن الترمذي (كتاب الأدب)، حديث ٢٦٧٩.

(٢) سنن أبي داود، حديث ٥٢١٦.

(٣) أيضاً، حديث ٥٢١٧.

(٤) علّق العلامة الشيخ قاسم الدلبزي (ناسخ الكتاب) على هذا الموضوع بقوله:

((لقائل أن يقول: إنّ حديث (جعفر) ليس فيه دلالة على المطلوب لأنّ قول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما أدري أنا بأيّهما أشدّ فرحاً)) لا دلالة فيه لاحتمال أن يكون من جمعة الفرح؛ يعني ما أدري فرحي لقدوم جعفر، أو لفتح خيبر؛ لأنّ مطلوبنا القيام، وهذا لا دلالة فيه على أنّ القيام كان من النبيّ لجعفر من جمعة فرحه بفتح خير.

وذلك حديث أبي هريرة، وحديث واثلة لأنّ قول الأصحاب (قمنا قياماً)، حتى قوله (دخل بيوت بعض أزواجه) لا دلالة فيه على أنّهم قائمين ـ هكذا وردت في الأصل ـ له صلى الله عليه وآله وسلم، وكذا قوله في حديث واثلة: (فاذا رآه أخوه تزحزح له) لاحتمال أن يكون التزحزح، والتفسح بمعنى واحد. والمنكر لا ينكر التفسّح)). ++ (قاسم الدلبزي) ==

(٥) واثلة بن الأسقع بن كعب، توفي سنة ٨٣هـ/٧٠٢م بدمشق عن (١٠٥) سنين.

(٦) سنن البيهقي، (كتاب شعب الأيمان).

٢٤

ولعل هذا مبني على أن التواضع تختلف أقسامه باختلاف الأزمان، وكيف كان فالذي يظهر بعد التأمل التام إختلاف الأقوال والأفعال باختلاف المقاصد. ومن ذلك إختلاف أحوال الزهّاد، فبعض ترك المآكل والملابس الحسان، واقتصر على الجشب والخشن، وبعضهم يأكل من أطيب المأكول، ويلبس من أنعم الملبوس. وباعتبار اختلاف النيات دخل (العملان) في قسم العبادات.

ثم إنّ الأفعال المختلفة بعضها لا ينسب الى غير الله، كأيجاد الكائنات، وصنع المصنوعات. وبعضها لا ينسب الى الله، كأفعال القبائح والمنفّرات، وبعضها تختلف معانيها ومقاصدها، فتنسب الى الخالق مرة، والمخلوق أخرى. وهذا الحكم متمشٍ على قول من لم يثبت فاعلاً سوى الله، وعلى قول من أثبت.

والمعيار أنه متى قام إحتمال إرادة وجه صحيح بني عليه، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إدرؤا الحدود بالشبهات))، ((ولا تقل في الناس إلاّ خيراً)). وما دلّ على النهي عن سوء الظن، فكيف بالشك.

وعن عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إدرؤا الحدود عن المسلمين ما استطعتم(١) .

فالناس إذن في صدور أمثال هذه الأمور عنهم على أنحاء:

بين علماء عاملين، مقاصدهم صحيحة، فلا يتعمدون بالأقوال والأفعال، إلا الوجوه السليمة من القيل والقال.

وبين أعوام جهال بنوا على ما بنى عليه علماؤهم على الإجمال، وليس لهم قابلية التفتيش على حقيقة الحال، فهم أيضاً معذورون عند ربّ العزة والجلال.

وبين من بنوا على طريق الضلال، وعليهم المؤاخذة بضروب النكال.

والتحقيق أنّ تبدل الأحكام بتبدل الموضوعات، ليس من باب التشريع والإبداع، مثلاً يستحل للنساء التزين لرجالهن، فمنذ كان لبس السواد زينة إستحب، فإذا انعكس وصار الميل إلى الأحمر والأصفر إنعكس الخطاب. وألوان اللباس تختلف باختلاف الناس، ففي كل بلاد يستحب لون ونوع، فإنه قد يكون في مكان لباس شهرة، وفي آخر بعكسه، وفي موضع من لباس النساء، وفي موضع بعكسه.

وكذا كانت رغبة الناس في طيب الكافور، فكرهه اليوم.

(١) المستدرك للحاكم: ١/٣٨٤.
٢٥

وكذلك إكرام الضيف بالمآكل، وكذا المراكب، فيختلف الحال باختلاف الأحوال.

وكذا طريق التواضع، وتعلية البناء، ولباس الزهد.

والزهد في المأكول يختلف باختلاف الأزمنة، والأمكنة، والأحوال، والمقاصد، وعلى ذلك مبنى كثير من إختلاف الأخبار.

وكذا يستحب التأهب لجهاد الكفار بأحسن السلاح، وكان أطيبها السيوف والرماح، وصار الأحسن في هذه الأيام (التفك)(١) المعروف بين الأنام.

وكذا الوصول الى بعض الأرضين لا يستحب، حتى تجعل مقبرة للمسلمين.

فاختلاف الأزمنة والأمكنة والجهات، قد يبعث على اختلاف الأحكام، لأختلاف الموضوعات، وربما بني على ذلك إختلاف كثير من الأخبار، وطريقة المسلمين على اختلاف الأعصار.

وفقنا الله وإياكم لسولك الجادة المستقيمة، والأخذ بالطريقة السليمة، وردني الله إليك إن كنت أنت على الحق، وردّك إليّ إن كان الحقّ معي، ومع أكثر الخلق.

الفصل الثاني
في بيان اختلاف ظواهر الآيات والروايات

وإن لكلّ من الحق والباطل مأخذاً، كما روي: إنّ لكل حق حقيقة، ولكل صواب نوراً، فمن أراد الحق إهتدي إليه، ومن أراد الباطل كان له ميدان في المجادلة عليه. فمن خرج عن جادة الأنصاف، وسلك طريق الغي والأعتساف، ولم يرجع الي سيرة الصحابة والتابعين، أمكنه أن يستند الى ظاهر القرآن المبين، فيما يخرج عن شريعة سيد المرسلين.

فأن (الوعيدية) المنكرين للعفو، الموجبين للمؤاخذة على المعاصي، يمكنهم الإستدلال بآية سورة الزلزال (فمن يعمل مثقال ذرّة خيراً يره ومن يعلم مثقال ذرّة شراً يره)(٢) ، و (الوعدية) القائلين برفع المؤاخذة بالكلية، وان الله لا يعاقب على معصية، لهم الإستناد

(١) وفي نسخة (البندق)، ويقصد بها البنادق.

(٢) القرآن الكريم: ٩٩/٧ ـ ٨ (سورة الزلزلة).

٢٦
الى قوله تعالى: (يا عبادي الّذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إنّ الله يغفر الذّنوب جميعاً)(١) ، ووعده لا خلف فيه.

والمثبتون للرؤية في الآخرة يستندون الى قوله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة الى ربّها ناظرة)(٢) ، والنافون الى قوله تعالى: (لا تدركه الابصار وهو يدرك الأبصار)(٣) .

والقائلون بأن الله على العرش بآية (على العرش استوى)(٤) ، والنافون بقوله تعالى: (إنّ الله معنا)(٥) و (إنّ معي ربّي سيهدين)(٦) (وما يكون من نجوى ثلاثة إلاّ هو رابعهم)(٧) .

والقائلون بالتجسيم على الحقيقة يستندون الى مثل قوله: (يد الله فوق أيديهم)(٨) ، والنافون الى قوله (ليس كمثله شيء)(٩) ونحوها.

والقائلون بجواز المعصية على الأنبياء يستندون الى مثل قوله تعالى: (وعصى آدم ربّه فغوى)(١٠) ، والنافون بمثل قوله: (لا ينال عهدي الظّالمين)(١١) .

والقائلون باستناد جميع الأفعال إلى الله، استندوا إلى قوله: (خالق كلّ شيءٍ)(١٢) وقوله: (كلّ من عند الله)(١٣) .

والآخرون الى قوله (ما أصابك من حسنةٍ فمن الله وما أصابك من سيّئة فمن نفسك)(١٤) .

والقائلون بأن الكفار مخاطبون بالفروع بعموم (يا أيّها الناس اعبدوا ربّكم)(١٥) ، والنافون

(١) القرآن الكريم: ٣٩/٥٣ (سورة الزمر).

(٢) القرآن الكريم: ٧٥/٢٣ (سورة القيامة).

(٣) القرآن الكريم: ٦/١٠٣(سورة الأنعام).

(٤) القرآن الكريم: ٢٠/٥ (سورة طه).

(٥) القرآن الكريم: ٩/٤٠ (سورة التوبة).

(٦) القرآن الكريم: ٢٦/٦٢ (سورة الشعراء).

(٧) القرآن الكريم: ٥٨/٧ (سورة المجادلة).

(٨) القرآن الكريم: ٤٨/١٠ (سورة الفتح).

(٩) القرآن الكريم: ٤٢/١١ (سورة الشورى).

(١٠) القرآن الكريم: ٢٠/١٢١ (سورة طه).

(١١) القرآن الكريم: ٢/١٢٤ (سورة البقرة).

(١٢) القرآن الكريم: ٦/١٠٢ (سورة الأنعام).

(١٣) القرآن الكريم: ٤/٧٨ (سورة النساء).

(١٤) القرآن الكريم: ٤/٧٩ (سورة النساء).

(١٥) القرآن الكريم: ٢/٢١ (سورة البقرة).

٢٧
لذلك لخطاب (يا أيّها الّذين آمنوا) (١) الى غير ذلك.

وكذا في الفروع الفقهية، فأنّ كلاً من الفقهاء له مأخذ من الكتاب والسنة، مغاير لمأخذ صاحبه، كما لا يخفى على المتتبع، فلمن أراد أن يبيح جميع الأشياء قوله تعالى: (خلق لكم ما في الأرض)(٢) ومن قصر التحريم على أربعة استند الى ما دل على تحليل جميع الأشياء ما عدا الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهلّ به لغير الله، من جميع ما خلق الله. ‌ والحاصل أنّ كلّ من أراد العناد والعصبية، فله مدرك يتشبث به من آية قرآنية، أو سنّة محمّدية، ويكون صاحب مذهب ورأي، يباحث الفضلاء، ويناظر أساطين العلماء، ما لم يكن له حاجب من تقوى الله. ‌ ولقد أجاد بعض القدماء، من فحول العلماء حيث يقول: إنّ المسائل الشرعية عندي بمنزلة الشمع اللّين، أصوّره كيف شئت لولا تقوى الله. ‌ ونقل أنّ بعض الفضلاء أخذ قطعةً من قرطاس في محفل من الناس، فأورد عليهم براهين على أنّها قطعة ذهب، حتى اقرّوا بذلك. ‌

ولكن من أراد رضا الجبار، ورجا الفوز بالجنة، وخاف عذاب النار، ينظر الى المعادلة في الدلالات، ثم ينظر المرجحات الخارجيات، وأولاها التأمل في طريقة الصحابة وسيرتهم، فأنّها أعظم شاهد على ما حكم به الجبار، وجرت عليه سنّة النبيّ المختار صلى الله عليه وآله وسلم فأنّ لكل ملّة طريقةً يرجعون إليها، ويعوّلون عند وقوع الأشتباه عليها.

وقد يحصل العلم بما عليه الأمراء، من النظر الى عمل أتباعهم، وأشياعهم، ورعاياهم، وخدمهم، وحشمهم، لأنّ الأثر يدل على مؤثره، والمنتهى يدل على مصدره.

وبعد العهد بيننا وبين زمان (الصدور)، ربّما أخفى علينا كثيراً من الأمور، فاذا حصل الأجماع والأتفاق، إرتفع النزاع والشقاق، وكذلك إذا اشتهر أمر بين السلف وظهر، فلا وجه للأنصراف عنه الى ما شذّ وندر.

فقد علم أنّ الميزان الذي لا عيب فيه، ولا نقص يعتريه، هو الرجوع الى كلام الصحابة، والتابعين، وتابعي التابعين، لأنه موضح وكاشف لحكم سيد المرسلين.

(١) القرآن الكريم: ٢/١٠٤ (سورة البقرة).

(٢) القرآن الكريم: ٢/٢٩ (سورة البقرة).

٢٨
كتاب منهج الرشاد للشيخ جعفر كاشف الغطاء (ص ٢٩ - ص ٤٦)
٢٩
رواه النسائي(١) .

وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إن الله أجاركم من ثلاث خلال، وعدّ منها: أن تجتمعوا على الضلال(٢) .

وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ما إجتمعت أمتي على الخطأ(٣) .

وقال علي عليه السلام: في بعض خطبه: عليكم بالسواد الأعظم، وإن الشاذة للذئب(٤) .

وعن عمر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أصحابي كالنجوم بأيّهم إقتديتم إهتديتم.

وعن رزين، عن عمر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: سألت ربي عن اختلاف أصحابي، فأوحى إليّ: إنّ أصحابك بمنزلة النجوم. بعضها أقوى من بعض، ولكلّ نور، فمن أخذ بما هم عليه من اختلافهم، فهو عندي على هدى(٥) .

وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إنّ مثل أهل بيتي كسفينة نوح، من ركبها نجى، ومن تخلّف عنها هلك(٦) .

وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لو سلك الناس وادياً، وسلك الأنصار وادياً أو شعباً، لسلك وادي الأنصار(٧) .

وعن زيد بن أرقم(٨) ، قال: قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم خطيباً، فقال: أيّها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم الثقلين: كتاب الله فيه الهدى، وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، رواه مسلم(٩) .

وعن جابر(١٠) ، قال: رأيت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في حجه يخطب، فسمعته يقول: يا أيّها

(١) سنن النسائي (كتاب تحريم الدم)، حديث ٣٩٥٧؛ وصحيح مسلم: ٣/١٤٧٩.

(٢) سنن أبي داود، حديث ٤٢٥٣.

(٣) سنن ابن ماجه، حديث ٣٩٥٠.

(٤) نهج البلاغة، الخطبة (١٢٧).

(٥) كنز العمّال: ١/١٨١، حديث ٩١٧.

(٦) مستدرك الحاكم: ٣/١٥٠.

(٧) صحيح مسلم، حديث ١٣٥.

(٨) زيد بن أرقم بن زيد بن قيس الأنصاري الخزرجي، أقام بالكوفة أيام المختار، وتوفي فيها سنة ٦٦هـ، وقيل سنة ٦٧هـ / ٦٨٧م.

(٩) صحيح مسلم (فضائل الصحابة)، حديث ٤٤٢٥؛ ومسند أحمد بن حنبل، (مسند الكوفيين)، حديث ٨٤٦٤؛ وسنن الدارمي (فضائل القرآن)، حديث ٣١٨٢.

(١٠) جابر بن عبدالله الأنصاري، توفي سنة ٧٨هـ / ٦٩٧م، عن (٩٤) عاماً.

٣٠
الناس إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، رواه الترمذي(١) .

وقريب منه ما رواه زيد بن أرقم(٢) .

وعن حذيفة، عن النبي صلّى الله عليه وآله: إقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر، وعمر(٣) .

وعن جبير بن مطعم(٤) ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أنّ إمرأته قالت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن لم أجدك فإلى من أرجع، فقال: إئت أبا بكر(٥) .

وعن إبن عمر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: وضع الحق على لسان عمر يقول به(٦) .

وعن أبي داود، عن أبي ذرّ، قال: إنّ الحق وضع على لسان عمر يقول به(٧) .

وعن عقبة بن عامر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أنه قال: لو كان بعدي نبيّ لكان عمر بن الخطاب(٨) .

وعن سعد بن أبي وقاص أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي عليه السلام: أنتّ مني بمنزلة هارون من موسى(٩) .

وعن عبدالله بن عمرو(١٠) ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ما أظلت الخضراء، ولا أقلّت الغبراء، من ذي لهجة أصدق من أبي ذرّ، رواه الترمذي(١١) .

وعن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: اللهم أدر الحقّ مع علي حيث ما دار، رواه الترمذي(١٢) .

(١) سنن الترمذي (باب مناقب أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم)، حديث ٣٧٨٦.

(٢) أيضاً، حديث ٣٧٨٨.

(٣) أيضاً، حديث ٣٦٦٢.

(٤) جبير بن معطم بن عدي القرشي النوفلي، توفي سنة ٥٩هـ / ٢٦٠م.

(٥) سنن الترمذي، حديث ٣٦٧٦.

(٦) أيضاً، حديث ٣٦٨٢.

(٧) أيضاً، حديث ٣٦٨٦.

(٨) سنن الترمذي، حديث ٣٦٨٦.

(٩) المصدر السابق، حديث ٣٧٣١.

(١٠) هو ابن عمرو بن العاص السهمي القرشي، صحابي، أقام في مصر، وتوفي في الطائف سنة ٦٣هـ / ٦٨٣م.

(١١) سنن الترمذي، حديث ٣٨٠١؛ وسنن ابن ماجه (المقدمة)، حديث ١٥٢.

(١٢) سنن الترمذي (كتاب المناقب)، حديث ٣٦٤٧.

٣١

وعن عمار، أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا سلك الناس طريقاً، وسلك علي غيره، فأسلك طريق علي عليه السلام.

وعن إبن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من كان مستناً فليستن بمن قد مات، أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم كانوا أفضل هذه الأمة، أبرها قلوباً، وأعمقها علماً. إلى أن قال: فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على إثرهم، وتمسكوا بما استعطعتم من أخلاقهم وسيرتهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم، رواه رزين(١) .

وعن عرباض بن سارية(٢) ، قال: صلّى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ووعظ ثم قال: إنه من يعيش منكم بعدي فسيرى إختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فأن كل محدثة بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، (رواه أحمد، وغيره)(٣) .

وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه: من خرج عن الطاعة، وفارق الجماعة مات ميتة جاهلية(٤) .

وعن الحارث الأشعري(٥) ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: من خرج عن الجماعة قدر شبر، فقد خلع ربقة الأسلام من عنقه.

وعن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إنّ من فارق الجماعة قدر شبر مات ميتة جاهلية(٦) .

وعن عبدالله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إنّ أمته تفترق ثلاث وسبعين فرقة، وليس فيها ناج سوى واحدة، فسئل عنها، فقال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي(٧) .

إلى غير ذلك من الأخبار.

(١) صحيح مسلم: ٤/١٩٦٢.

(٢) عرباض بن سارية السلمي الحمصي، صحابي، اقام في الشام، وتوفي سنة ٧٥هـ / ٦٩٤م.

(٣) مسند أحمد بن حنبل (مسند الشاميين)، حديث ١٦٦٩٢، ١٦٦٩٤، ١٦٦٩٥؛ وسنن الدارمي، (المقدمة)، حديث ٩٥؛ والترمذي (كتاب العلم)، حديث ٢٦٠٠؛ وابن ماجه (المقدمة)، حديث ٤٢، ٤٣.

(٤) وفي النسخة المطبوعة ورد الحديث كالآتي: ((من مات، ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية)). صحيح مسلم (كتاب الأمارة)، حديث ٣٤٤١.

(٥) هو الحارث بن الحارث الأشعري، صحابي، أقام في الشام.

(٦) مسند أحمد بن حنبل (مسند الشاميين)، حديث ١٦٧١٨ (ضمن حديث طويل)، وحديث ١٧٣٤٤.

(٧) سنن الترمذي (كتاب الأيمان)، حديث ٢٥٦٥.

٣٢

ومقتضى ذلك أنه من اللازم الرجوع الى سيرة الصحابة وطريقتهم، وانها الميزان إذا اشتكلت علينا الامور، وتعارضت علينا الأدلة، وسيتضح أن جميع ما ينكر من هذه الأفعال الموردة صادرة عن الصحابة، وطريقتهم مستمرة عليه، مع أن في السنة ما يدل على جوازه.

وما ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنّ الأسلام بدأ غريباً وسيعود غريبا(١) ، فلا ينافي ما ذكرناه، لأن فرقة الأسلام بين طوائف الكفر كنقطة في بحر.

وروى أبو سعيد الخدري عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: ما أنتم في الناس إلاّ كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود(٢) . وعوده غريباً في أيام الدجّال، ونحوه يكفي في صدق الخبر.

وروى عبدالله بن مسعود(٣) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، رواه مسلم(٤) .

وعن أبي سعيد الخدري(٥) عن النبي أنه قال: لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الدنيا الله(٦) .

وكل ما صدر في زمان الصحابة من الأعراب بمحضر منهم ولم ينكروه، فهو موافق لرضاهم، وإلاّ لأنكروه. ولهذا أوردنا في هذه الرسالة كثيراً مما صدر في زمانهم من غيرهم.

وعلى كل حال، فلا كلام في أنّ الأدلة فيها عام، وفيها خاص، وفيها ناسخ، وفيها منسوخ، وفيها مجمل، وفيها مبيّن، وفيها مطلق، وفيها مقيّد، ومنها قطعي الصدور ظني الدلالة، ومنها قطعي الدلالة ظني الصدور، ومنها ظنيهما، ومنها قطعيهما. ومن جهة إختلاف السند: منها صحيح، وضعيف، وحسن، وموثّق، وقوي إلى غير ذلك.

فإذا تعارضت الأدلة، فلابدّ من النظر الى المرجحات: من جهة السند، أو من جهة

(١) صحيح مسلم، حديث ١٤٥.

(٢) صحيح البخاري (كتاب تفسير القرآن)، حديث ٤٤٦٤؛ وصحيح مسلم (كتاب الأيمان)، حديث ٣٢٧؛ ومسند أحمد بن حنبل (باقي مسند المكثرين)، حديث ١٠٨٩٢.

(٣) في صحيح مسلم ورد إسم عبدالله بن عمرو بن العاص.

(٤) صحيح مسلم (كتاب الأمارة)، حديث ٣٥٥٠.

(٥) في المصادر ((أنس بن مالك)).

(٦) مسلم (كتاب الأيمان)، حديث ٢١١؛ والترمذي (كتاب الفتن)، حديث ٢١٣٣؛ ومسند أحمد (باقي مسند المكثرين)، حديث ١١٦٣٢. وزاد في المصادر كلمة (الله) مرّة ثانية في نهاية الحديث.

٣٣
الدلالة، أو من جهة سبك العبارة، أو من جهة كثرة الرواية، أو من جهة شهرة الفتوى، أو من جهة موافقة الأصول ومخالفتها، أو من جهة موافقة العمومات ومخالفتها، أو من جهة موافقة الكتاب وعدمها، الى غير ذلك.

فاذا فقدت المرجحات، وقامت الحيرة، فلا يبقى مدار إلاّ على سيرة الأصحاب، وطريقتهم، والنظر إلى ما هم عليه صاغراً عن كابر، وما عليه الأول والآخر.

وما نحن عليه اليوم من طريقة القوم أكثر الروايات موصلة إليه، وطريقة الأصحاب والصحابة مستمرة عليه، وقد ذكرت منها قليلاً من كثير ليعلم حال السلف، ويرتفع الأنكار على خلفهم.

فيا أخي فوحقّ من رفع السماء، وبسط الأرض على الماء، إني لمّا أحببتك لمكارم أخلاقك، وحسن سيرتك مع الناس، وإرفاقك، أخشى عليك من سراية القدح إلى المشايخ الكبار،(١) والعلماء الأبرار، الذين هم للشارع نواب، ولأبواب الشرع بواب(٢) ، عصمنا الله وإياكم، وكفانا شرّ الجهل وكفاكم، والله الموفق.

وأما المقاصد فثمانية:

المقصد الأول
في تحقيق ضروب الكفر

وأقسامه كثيرة:

أولها: كفر الأنكار بإنكار وجود الأله، أو إبات أنّ غير الله هو الله، أو بأنكار المعاد، أو نبوة نبينا أشرف العباد.

ثانيها: كفر الشرك بإثبات شريك للواحد القهار، أو في النبوة للنبي المختار.

ثالثها: كفر الشك، بالشك في إحدى الثلاثة التي هي أصول الأسلام في غير محل النظر، ولا عبرة بالأوهام(٣) .

(١) في المطبوع: من حمل راية القدح في المشايخ الكبار.

(٢) في نصّ مخطوطة العبقات: ((لمدائن الشرع أبواب)).

(٣) في المطبوع زيادة عبارة: ((التي هي كخيالات المنام)).

٣٤

رابعها: كفر الهتك لهتك حرمة الدين، بالبول على المصحف، أو في الكعبة، أو سب خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم.

خامسها: كفر الجحود، بأن يجحد باللسان أصول الإسلام، ويعتقدها بالجنان، قال تعالى: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم)(١) .

سادسها: كفر النفاق، بأن ينكر في الجنان، ويقرّ باللسان، كما قال تعالى: (ومن الناس من يقول آمنا بالله واليوم الآخر وما هم بمؤمنين)(٢) .

سابعها: كفر العناد، بأن يقر بلسانه، ويعتقد بجنانه، ولم يدخل نفسه في ربقة العبودية، بل يتجرأ على الحضرة القدسية، كأبليس (لعنه الله).

ثامنها: كفر النعمة، بأن يستحقر نعمة الله، ويرى نفسه كأنه ليس داخلاً تحت منّة(٣) الله.

تاسعها: كفر إنكار الضروري(٤) .

عاشرها: إسناد الخلق الى غير الله على قصد الحقيقة.

وليست جميع المعاصي العظام مخرجة عن الإسلام، فأنّ المعاصي لا تنفك على الدوام، حتى في مبدأ حدوث الأسلام، ولذلك وضعت الحدود والتعزيزات، وأقيمت الأحكام على ممر الأوقات.

نعم قد يطلق على كثير منها إسم (الكفر) تعظيماً للذنب، وتحذيراً منه، وتشبيهاً لمؤاخذته، لعظمها بمؤاخذة الكفر.

فهو إذن في الشرع قسمان: كفر صغير، لا يخرج عن إسم الأسلام. وكبير مخرج عن إسمه بلا كلام.

ولو بنينا على أنّ كلّ ما أطلق عليه إسم الكفر يكون مكفراً، لم تنج إلاّ شرذمة قليلة من الورى. فأطلاق إسم الكفر قد يكون إستعظاماً للذنب ـ كما مرّ ـ، وقد يراد أنه ربما إنجرّ بالأخرة الى ذلك. كما ورد في الحديث: إنّ في قلب المؤمن نكتة بيضاء، فاذا عصى

(١) القرآن الكريم: ٢٧/١٤ (سورة النمل).

(٢) القرآن الكريم: ٢/٨ (سورة البقرة).

(٣) في المطبوع: نعمة.

(٤) في المطبوع: الأنكار للضروري.

٣٥
الله إسودّ منها جانب، وهكذا إلى أن يتم سوادها، فذلك الذي طبع الله على قلبه(١) .

ومما يدل على أن لفظ (الكفر) يطلق على سائر المعاصي كثيراً في كلام الشارع منها: ما رواه أنس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: لا دين لمن لا عهد له(٢) .

وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يقتل حين يقتل وهو مؤمن(٣) .

وعن أبي هريرة: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن علامة النفاق الكذب، وسوء الخلق، والخيانة(٤) .

وعن عبدالله بن عمرو، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: إنّ النفاق عبارة عن أربع: الخيانة، والكذب، والغدر، والفجور(٥) .

وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن المرآء في القرآن كفر(٦) .

وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: لا يترك(٧) حضور الجماعة إلاّ منافق(٨) .

وعن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه(٩) .

وعن عبدالله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إنّ الرقي والتمائم من الشرك(١٠) .

وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: من قال: مطرنا بكوكب كذا، فهو كافر(١١) .

(١) الموطأ (باب الكلام)، باب (١٨).

(٢) مسند أحمد بن حنبل: ٣/١٣٥، ١٥٤، ٢١٠، ٢٥١.

(٣) صحيح البخاري (كتاب الأشربة)، حديث ٥٢٥٦؛ وصحيح مسلم (كتاب الأيمان)، حديث ٨٦؛ والنسائي (كتاب قطع السارق)، حديث ٤٧٨٧.

(٤) صحيح مسلم، حديث ١٠٧.

(٥) أيضاً، حديث ١٠٦.

(٦) سنن أبي داود (كتاب السنّة)، حديث ٤؛ ومسند أحمد بن حنبل (الباب الثاني)، حديث٢، ٢٥٨، ٢٨٦.

(٧) في المطبوع: يفوّت.

(٨) صحيح مسلم: ١/٤٥١.

(٩) البيهقي: ١٠/١٨٧.

(١٠) المستدرك للحاكم: ٤/٢١٧.

(١١) صحيح مسلم: ١/٨٤.

٣٦

وعن زيد بن خالد(١) ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه من قال: مطرنا بنوء كذا، فهو كافر(٢) .

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من أتى حائضاً أو امرأته في دبرها، فقد كفر بما أنزل على محمّد، رواه الدارقطني، وابن ماجة، والترمذي(٣) .

وروى عن عمر بن لبيد، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إنّ الرياء الشرك الأصغر(٤) .

وعن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إنّ الرياء الشرك الخفي(٥) .

وعن عمر بن الخطاب، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إنّ يسير الرياء شرك.

وعن شداد بن أوس(٦) ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: من صلّى برياء(٧) ، فقد أشرك، ومن صام برياء، فقد أشرك، ومن تصدّق برياء، فقد أشرك.

وروي: إنّ تارك الصلاة كافر(٨) ، إلى غير ذلك.

بل قلّما يسلم شيء من المعاصي من إطلاق إسم الكفر، فلا تبقى ثمة حدود ولا تعزيرات، ولزم الحكم بالأرتداد، وكفر العباد، ولا ينجو من الكفر إلاّ قليل من الأحياء والأموات، ولنادت الخطباء بذلك على رؤوس الأشهاد، ولشاع ذلك في أقاصي البلاد، مع أن المعهود من سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة، والتابعين، وتابعي التابعين معاملة الناس على الأكتفاء بأظهار الشهادتين.

وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا الشهادتين.

وعن أبي هريرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتي بمخنث قد خضب يديه ورجليه بالحنّاء، فقال: ما بال هذا؟ قالوا: يتشبّه بالنساء، فنفاه إلى (البقيع)، فقيل: يا رسول الله ألا تقتله؟ فقال: نهيت عن قتل المصلّين.

(١) زيد بن خالد الجهني المدني، أبو عبدالرحمن، صحابي، أقام بالكوفة، وتوفي في المدينة سنة ٦٨هـ / ٦٨٧م.

(٢) صحيح مسلم (باب بيان كفر من قال مطرنا بالنوء).

(٣) سنن ابن ماجه: ١/٢٠٩، حديث ٦٣٩، وسنن الترمذي: ١/٢٤٣.

(٤) مسند أحمد بن حنبل: ٥/٤٢٨.

(٥) ابن ماجه: ٢/١٤٠٦، حديث ٤٢٠٤.

(٦) شدّاد بن أوس بن ثابت الخزرجي، توفي سنة ٥٨هـ/٦٧٨م عن (٧٥) عاماً.

(٧) في المطبوع: ((وهو يرائي)).

(٨) سنن ابن ماجه: ١/٣٤٢.

٣٧

وروى عبدالله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إنّ قتال المسلمين كفر(١) .

وعن إبن عمر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن نسبة المسلم الى الكفر كفر(٢) .

وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم(٣) .

وعن ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أمرت أن اقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فأن فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، وحسابهم على الله(٤) .

وعن أنس أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من صلّى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله(٥) .

الى غير ذلك من الأخبار.

وليس غرضي أنه لا طريق للكفر سوى ذلك، ولكن يستفاد منها أنه بعد إظهار الشهادتين يبنى على الإسلام ما لم يعلم شيئاً ينافيه، ولا حاجة الى التجسس، بل نهى الله تعالى عنه.

وبيان الأمر على التحقيق: هو أنه قد علم أنّ لسان الشارع جارٍ على نحو لسان العرب، ففيه حقائق، ومجازات، وإستعارات، وكنايات، وخطابات، تشتمل على المبالغات، كما أنّ لساننا يشتمل على ذلك من غير إنكار، فأنّ الذنب إذا صدر من شخص وأردنا إستعظامه، صحّ لنا أن نسمّيه كفراً، وأن نسمي فاعله كافراً. ولا يزال ذلك يقع على مرور الأزمان من أيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى هذا الآن، مع أنه ليس في ذلك إنكار، بل قد يعدّ من أفعال الأبرار، على أنّ كلّ من صدر منه ذنب ولو صغير، لم يف بجزاء نعم اللطيف الخبير.

فأطلاق الكفر لعله من باب الكفر ببعض النعم الذي هو كفر صغير.

على أنّ أنظار الأنبياء والأولياء ليس الى المعاصي، حتى يكون فيها صغير وكبير، بل إلى من عصاه الناس وهو اللطيف الخبير.

(١) صحيح مسلم: ١/٨١. (باب بيان قول النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ سباب المسلم فسوق وقتاله كفر).

(٢) صحيح مسلم: ١/٧٩. (باب بيان حال ايمان من قال لأخيه المسلم يا كافر).

(٣) مسند أحمد بن حنبل: ٢/٤٦٥.

(٤) صحيح مسلم: ١/٥٣، حديث ٣٦.

(٥) النسائي (باب المناسك)، حديث ٢١١.

٣٨

فإذا لاحظت أنّ المعصية كانت في حق الله، تجدها ـ ولو صغرت ـ أكبر من الجبال الرواسي، حتى أنه بلسان الورع والتقوى دون الفقه والفتوى، ربما لا يفرق بين الصغائر والكبائر. بل ربما نقل عن بعض الأولياء أنه لا فرق بين المكروه والحرام، والمسنونات وفرائض الأحكام، قال: لأنّ الكلّ مطلوب للملك العلام.

وإذا بني على هذا إستحسن هذا الاطلاق، وحسن إطلاق إسم المعاصي والمحرمات على فعل المكروهات، والفرائض والواجبات على فعل المستحبات والمندوبات، وكبائر الخطيئات على صغائر التبعات، والكفر والكفار على كل من عمل ما يوجب دخول النار.

ولولا ذلك للزم كفر أكثر من في الأرض، لأنّه قلّما خلت معصية من هذا الغرض، ولو علمنا بجميع ظواهر الأخبار، لاختلت علينا أحكام ملّة النبيّ المختار، وفقنا الله واياك، وهدانا الله إلى الحق وهداك(١) .

المقصد الثاني
في تحقيق معنى العبادة

لا ريب أنه لا يراد بالعبادة التي لا تكون إلاّ لله، ومن أتى بها لغير الله، فقد كفر مطلق الخضوع والخشوع والانقياد، كما يظهر من كلام أهل اللغة، وإلاّ لزم كفر العبيد والأجراء، وجميع الخدام للأمراء، بل كفر الأبناء في خضوعهم لللآباء، وجميع من تواضع للإخوان، أو لأحد من أصحاب الأحسان.

وإنما الباعث على الكفران، الأنقياد لبعض العباد مع إعتقاد إستحقاقهم ذلك بالأستقلال من دون توجه الأمر من الكريم المتعال، وأنّ لهم تدبيراً واختياراً.

ولفظ (العبد) و (العبادة) قد يطلق على مطلق المطيع والطاعة، فقد ورد: أنّ العاصي عبد الشيطان، وإنه عبد الهوى. وإن الأنسان عبد الشهوات، وإنّ من أصغى إلى ناطقٍ فقد عبده.

ثم من إتبع قول قائل لأنه مخبر عن غير، فهو عابد للمخبر عنه، لا للمخبر. ومن خدم شخصاً بأمر آمر، فالمعبود هو الآمر، ومن تبرّك بشيء لأمره، كان ذلك من عبادة الآمر. فالملائكة في سجودهم لآدم، ويعقوب في سجوده ليوسف، والناس في تقبيلهم

(١) في المطبوع: وفّقنا الله وإياكم، وهداك إلى الحق المبين.
٣٩
للحجر الأسود والأركان، لم يعبدوا سوى من أمرهم بذلك.

ثم السجود والخضوع لعروض بعض الأسباب، لا ينافي الأخلاص لربّ الأرباب.

روى أبو داود والترمذي، عن عكرمة، قال: قيل لأبن عباس: ماتت (فلانة)) ـ بعض أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ـ، فخرّ ساجداً، فقيل له: تسجد في هذه الساعة؟ فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا رأيتم آيةً فاسجدوا، وأي آية أعظم من ذهاب أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم(١) .

فعلى هذا لو سجد من رأى ميتاً أو، قبراً، أو شيئاً عجيباً، ذاكراً لعظمة الله ـ كما يصنعه بعض العارفين ـ لم يكن به بأس.

وعبادة الأصنام وبعض الصالحين، مع نهي الأنبياء والمرسلين الذين دلّت على صدقهم المعاجز(٢) والبراهين، محض عناد وخلاف على رب العباد، ولو أنهم أخذوا عن قول الله ورسله، لم يكن عليهم إيراد.

كما أن (السيد) لو قال لعبده: تبرك بثياب (فلان)، ونعله، وترابه، ففعل، كان عابداً للمولى. وأمّا لو نهاه المولى، أو أخذ بمجرد الظن الذي لا يغني عن الحقّ شيئاً، أو الخرص(٣) ، لكان عاصياً مخالفاً.

ألا ترى أنّ من جعل المرضعات أمهات، ليس كمن جعل المصاهرات، ومن حرم الوصيلة، والسائبة، والحام(٤) ، ليس كمن حرم الجلالة(٥) من الأنعام.

وليس تحريم الأشهر الحرام كتحريم غيرها من باقي أشهر العام، وليس صيام آخر شهر رمضان كصيام أول شوال. كل ذلك للفرق بين الأمر والأختراع، والقول بمجرد

(١) سنن أبي داود: ١/٣١١، حديث ١١٩٧؛ وسنن الترمذي: ٥/٦٦٥، حديث ٣٨٩١.

(٢) في المطبوع: المعجزات.

(٣) الخرص: الحدس، والكذب والأفتراء.

(٤) من معتقدات العرب أنّ الوصيلة من الغنم (وهي الشاة) إذا ولدت أنثى فهي لهم، واذا ولدت ذكراً ـ أوقفوه لآلهتهم، فان ولدت ذكراً وأنثى قالوا وصلت أخاها، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم.

أمّا السائبة فقد كان الرجل إذا نذر القدوم من سفر، أو الشفاء من علّة، فانّ ناقته ستكون سائبة (أي لا تستخدم للانتفاع بها، ولا تخلّى عن ماء، أو تمنع عن مرعى).

والحام هو الذكر من الأبل اذا اانتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قال العرب قد حمى ظهره، فلا يحمل عليه.

وقد حرّم القرآن هذه المعتقدات كما ورد في سورة المائدة، آية (١٠٣) قوله تعالى: (ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة، ولا وصيلة، ولا حام، ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب، وأكثرهم لا يعقلون) .

والبحيرة هي الشاة التي تبحر أذنها (أي تشق) علامة على تحريم الانتفاع بها.

(٥) الحيوان الجلال: هو الذي يأكل العذرة، وقد ورد النهي عن أكل لحمه، وشرب لبنه.

٤٠