×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

منهج الرشاد لمن أراد السداد / الصفحات: ٤١ - ٦٠

الأبتداع(١) .

ثم (العبادة) تختلف بأختلاف النيّات، فمن قصد حقيقة العبادة إختراعاً وابتداعاً، ومخالفة لأمر الله سبحانه كان كافراً، سواء قصد القرب إلى الله زلفى أو لا، بل هذا في الحقيقة عين العناد والشقاق بعد نهي الأنبياء والرسل.

كما قال قوم (شعيب) له: (يا شعيب أصلاتك تأمرك ان نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء)(٢) .

وقال الصدّيق: (يا صاحبي السّجن أأرباب متفرّقون خير أم الله الواحد القهّار، ما تعبدون من دونه إلا أسماء سمّيتموها أنتم وآباؤكم)(٣) .

وحكى الله عن قوم نوح وعاد وثمود أنّهم ردّوا أيديهم في أفواههم، وقالوا: (إنّا كفرنا بما ارسلتم به وإنا لفي شكّ ممّا تدعوننا إليه مريب)(٤) الى غير ذلك من الآيات الدالة على ردّهم على الأنبياء، وبنائهم على الأختراع والأبتداع.

وفي الأحتجاج: في حديث طويل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه أقبل في مشركي العرب، فقال لهم: وأنتم فلم عبدتم الأصنام من دون الله؟ فقالوا: نتقرب بها الى الله زلفى، فقال: أو هي سامعة مطيعة عابدة لربها حتى تتقرّبوا بها إلى الله؟ قالوا: لا، قال: أفأنتم نحتموها بأيديكم؟ فقالوا: نعم، قال: فلئن تعبدكم هي أحرى من أن تعبدوها، إذا لم يكن أمركم بتعظيمها من هو العالم بمصالحكم، وعواقبكم، والحكيم فيما يكلّفكم(٥) .

فإذا كان الله قد نهى على لسان أنبيائه عن عبادة الأصنام والصالحين من الأنام، على نحو عبادة الصلاة والصيام، ففعلهم بعد ذلك رد لكلام العليم العلام.

وكشف الحيققة: إنّ العبادة إن أريد بها مجرد الأمتثال والطاعة، كانت الزوجة، والأمة، والعبد، والخادم، والأجير، ونحوهم، عابدين لغير الله.

وإن أريد الأمتثال والأنقياد للعظيم في ذاته، المستوجب للطاعة، لا بواسطة أمر غيره،

(١) في المطبوع: للفرق بين الأمر والاتباع، والقول بمجرد الأختراع والأبتداع.

(٢) القرآن الكريم: ١١/٨٧ (سورة هود).

(٣) القرآن الكريم: ١٢/٣٩ ـ ٤٠ (سورة يوسف).

(٤) القرآن الكريم: ١٤/٩ (سورة إبراهيم).

(٥) أوردها أحمد بن علي الطبرسي (من علماء القرن الخامس الهجري) في كتاب الاحتجاج: ١/٢٦.

٤١
فأين ذلك من أفعال المسلمين.

فأقسم عليك بمن سلّطك على طائفة من عباده، ومكّنك من كثير من بلاده، أن تخلّي نفسك من حب الأنفراد، الباعث على الأمتياز بين العباد، وتحذر من قولهم. ((لكل جديد لذّة))، و((خالف تعرف). كما أني أحذّر نفسي، وأصحابي من حبّ إتباع الآباء والأجداد، وإرادة الدخول في الجماعة، وكراهة الإنفراد.

وأمّا ما صدر من أهل الإسلام، فإنّما هو عن أمر زعموه، فأن كان حقاً أثيبوا، أو كان خطأ فكذلك.

فأين حال المسلمين من حال من جعل الآلهة ثلاثة، أو اثنين، واتخذ الملائكة أربابا، واتخذ بعض المخلوقين أنداداً وشركاء، يعبدون من دون الله أو مع الله، إمّا لأهليتهم، أو لترتب التقرب الى الله زلفى من دون أمر الله لهم بذلك، قال تعالى: (ما أنزل الله بها من سلطان)(١) .

وروي أنّ (قريشاً) كانوا يعبدون الأصنام، ويقولون: ليقربونا الى الله، ولا طاقة لنا على عبادة الله. وسيجيء في بعض المقامات الآتية ما يكشف عن حقيقة ذلك.

وإن أردت تمام الكلام في هذا المقام، فأنظر بعين البصيرة إلى ما نحاول في هذا المقام تحريره.

إعلم أنّ الألفاظ اللغوية والعرفية العامّة، قد تبقى على حالها من المعاني القديمة، فتلك لا تحتاج إلى بيان، سواءً وردت في السنّة أو القرآن.

وأمّا إذا نقلت عن المعاني الأولية إلى غيرها، أو إستعملت في المعاني الثانوية على وجه المجازية، فهي من المجمل المحتاج الى البيان، كلفظ الصلاة والصيام والحج، فأنه لو لم يبينها الشرع لبقيت على إجمالها، حيث لا يراد منها مطلق الدعاء والأمساك والقصد، بل معنى جديد، تتوقف معرفته على بيان وتحديد.

ومن هذا القبيل ما نحن فيه من لفظ العبادة والدعاء ونحوهما، فأنه لا يراد بهما في لحوق الشرك بهما المعنى القديم، وإلاّ للزم كفر الناس من يوم آدم إلى يومنا هذا. لأنّ العبادة بمعنى الطاعة، والدعاء بمعنى النداء والأستغاثة للمخلوق لا يخلو منها أحد.

ومن أطوع من العبد لسيده، والزوجة لزوجها، والرعية لملوكها، ولا زالوا ينادونهم،

(١) القرآن الكريم: ١٢/٤٠ (سورة يوسف).
٤٢
ويطلبون إعانتهم ومساعدتهم، بل الرؤساء لم يزالوا يستغيثون بجنودهم وأتباعهم ويندبونهم.

فعلم أنّه لا يراد بهذه المذكورات، المعاني السابقات، وتعيّن إرادة المعاني الجديدة، فصارت بذلك من المجملات والمتشابهات، فلا يجوز الحكم بمقتضاها، إلاّ في الموضع المعلوم دون المشكوك والموهوم.

وإنّما هو خطاب الوضيع لمن شأنه رفيع، على أن يكون ملك التصرف، أو خدمته الخاصة لرفعته الذاتية، وشرافته الأصيلة، من دون أمر آمر، ولا تكليف مكلف، بل من مجرد الأبتداع والأختراع.

وأما ما كان عن أمر آمر، فالمعبود هو الآمر، ولا فرق بين أن يقول: ضع جبهتك في الصلاة على الأرض، أو على بدن إنسان، أو غير ذلك، وبين أن يقول: ضعها على (قبر) كذا، أو (حجر) كذا.

وإنّما كفّر عبدة الأصنام، لأنهم فعلوا ما يعدّ عبادةً من دون أمر الله، ولأنهم خالفوا أنبياء الله في نهيهم عن تلك الأشياء، فكانت قصد تقربهم فيما نهى الله عنه. إمّا بناء على أن الأصنام للجبار قاهرون، فيقربونهم قهراً، أو كان إستهزاءً بالرسالة، وتكذيباً لهم، وكل من الكفرين أعظم من الآخر، فأنّ المتقربين محصّل كلامهم أنّا نخالف أمر الله، وأمر رسوله ونعبد ما نهينا عن عبادته ليقربنا إلى الله.

المقصد الثالث
في الذبح لغير الله

لا يشك أحد من المسلمين في أنّ من ذبح لغير الله ذبح العبادة (كما يذبح أهل الأصنام لأصنامهم حتى يذكروا على الذباءح أسماءهم، ويهلون بها لغير الله) ـ خارج عن ربقة المسلمين، سواء إعتقدوا آلهيتهم، أو قصدوا أن يقربوهم زلفى، لأنّ ذلك من عبادة غير الله تعالى.

وأما من ذبح عن الأنبياء أو الأوصياء، أو المؤمنين ليصل الثواب إليهم، كما يقرأ القرآن ويهدى إليهم، ونصلي لهم وندعو لهم، ونفعل جميع الخيرات عنهم، ففي ذلك أجر عظيم، وليس قصد أحد من الذابحين للأنبياء أو لغيرهم سوى ذلك.

٤٣

أما العارفون منهم، فلا كلام. وأمّا الجهّال، فهم على نحو عرفائهم.

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه ذبح بيده، وقال: اللّهم هذا عنّي، وعن من لم يضح من أمتي. رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي(١) . وفي سنن أبي داود أنّ علياً كان يضحّي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكبش، وكان يقول: أوصاني أن أضحي عنه دائماً(٢) .

وعن علي عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أوصاني أن اضحي عنه(٣) .

وعن بريدة، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أن إمرأةً سألته هل تصوم عن أمّها بعد موتها؟ وهل تحج عنها؟ قال: نعم(٤) .

وعن إبن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: تقضي البنت نذر أمّها(٥) .

وروي أنّ العاص بن وائل أوصى بالعتق فسأل إبنه عمرو النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عن العتق له، فأمره به.

وروي عن عائشة أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال عند الذبح: اللّهم تقبل من محمّد، وآله، وأمته.

والحاصل لا كلام ولا بحث في أنّ أفعال الخير تهدي إلى الموتى، ومن أولى بالهدايا من أنبياء الله وأوصيائه، فليس الذبح لهم وبأسمهم، حتى يكون الأهلاك لذكرهم، وإنما ذلك عمل يهدي إليهم ثوابه كسائر الأعمال، حتى أنّه لو ذكر إسمهم على الذبيحة، كان ذلك عند المسلمين منكراً، فهو ذبح عنهم لا لهم.

وإني ـ والذي نفسي بيده ـ منذ عرفت نفسي إلى يومي هذا، ما رأيت، ولا سمعت أحداً من المسلمين ذبح أو نحر، ذاكراً لأسم نبي، أو وصي، أو عبد صالح، وإنّما يقصدون إهداء الثواب إليهم، فإن كان في أطرافكم قبل تسلّطكم مثل ذلك، (فصاحب الدار أدرى بالذي فيها).

ولا شك أنّ نجداً وأعرابها قبل أن تظهروا فيها أمر الصلاة والصيام، وتأمروهم بالملازمة

(١) مسند أحمد بن حنبل: ٣/٣٥٦؛ وسنن أبي داود: ٣/٩٩، حديث ٢٨١٠؛ وسنن الترمذي: ٤/٧٧، حديث ١٥٠٥.

(٢) سنن أبي داود: ٣/٩٤، حديث ٢٧٩٠.

(٣) مسند أحمد بن حنبل: ١/١٥٠.

(٤) صحيح مسلم: ٢/٨٠٥، حديث ١١٤٩.

(٥) سنن ابن ماجه: ٢/٩٠٤.

٤٤
لعبادة الملك العلام، كانوا كالأنعام أو أضلّ سبيلاً، وقد رفع الله عنهم الشقاق، وحصل بينهم الاتفاق، وفرّقوا بين الحلال والحرام، وتوجهوا لأوامر الملك العلام.

ويؤيد ذلك ما رواه إبن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: اللّهم بارك لنا في شآمنا، الله بارك لنا في يمننا، قالوا: يا رسول الله وفي نجدنا، فقال: اللّهم بارك لنا في شامنا، وفي يمننا، ثم قالوا: يا رسول الله وفي نجدنا، فأظنه قال في الثالثة: هناك موضوع الزلازل والفتن، وبها (مطلع) قرن الشيطان، رواه البخاري(١) . وإلحاق غير أهل (نجد) بهم من قياس الشاهد على الغائب.

وكيف يخفى على فحول العلماء، وأساطين الفقهاء الذين أقاموا الجمعات والجماعات، وأقاموا الأحكام، وأوضحوا الشبهات، وأمعنوا نظرهم في فهم الآيات والروايات، أنّ الذبح لا يكون إلاّ لجبّار السموات؟ مع أنّ ذلك تلقّاه عن الأكابر الأصاغر، وعن الأوائل الأواخر. فلم يزل أهل الأسلام من قديم الأيام يذبحون للأنبياء والأوصياء والعباد الصالحين، ويهدون الثواب إليهم طلباً لمرضاة رب العالمين.

وإختيارهم للأماكن الشريفة، كحرم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونحوه، لما ورد من أنّ الأعمال يتضاعف أجرها لشرف الزمان والمكان، كشرف الكوفة.

روى الأصبغ بن نباتة(٢) عن أمير المؤمنين عليه السلام أن الخضر قال له: إنّك في مدينة لا يريدها جبار بسوء إلاّ قصمه الله.

وروي أنّ البركة فيها على إثني عشر ميلاً من سائر جوانبها.

وإن المسلمين كافة يتبرؤون ممن يدعو غير الله، أو يستغيث بغير الله، أو يذبح وينحر لغير الله، أو يحلف بغير الله، على النحو الذي وقع في نظركم أنهم يقصدونه ويتعمدونه، ومعاذ الله أن يكونوا كذلك.

والذي فلق الحبّة، وبرأ النسمة، لو علمت منهم ذلك، لكفرتهم، وهاجرت عنهم، معتقداً وجوب ذلك عليّ، لكن وحقّ من إشتقّ من ظلمة العدم نور الوجود، ما وجدت ذلك منهم، ولا صدر ذلك عنهم، ولا بأس عليكم فربّما إفترى الحاضرون لديكم تقرباً بذلك إليكم، فأقتصر على حدودك التي أنت فيها، فأنّ النفس إذا قنعت، قليل من الدنيا يكفيها.

(١) صحيح البخاري: ج٩ (باب الفتن)، حديث١٦؛ وسنن الترمذي (كتاب المناقب)، حديث ٧٣.

(٢) الأصبغ بن نباتة المجاشعي التميمي الكوفي، توفي أوائل القرن الثاني الهجري.

٤٥

وفي المشكاة: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إني لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها فتهلكوا، كما هلك من كان قبلكم(١) .

وبعد التأمل الصادق لا نجد ـ عند من شاهدناه ممن يدعي وينتسب إلى ملّة سيد الأنام ـ ذبحاً، ولا نحراً، ولا نذراً، ولا عتقاً ولا تصدقاً، ولا وقفاً، ولا شيئاً من العبادات مما يتعلق بالماليات أو البدنيات، ولا توسلاً، ولا تقرّباً، إلا إلى جبّار الأرضين والسماوات، ولو أعلم ذلك منهم قبلت كلمة الأسلام الصادرة عنهم.

فمهلاً يا أخي مهلاً مهلاً، فأن القوم ليس حالهم كما وصل إليكم، وورد عليكم، فإني بهم خبير، وبأحوالهم بصير، وليس غرضي تزكيتهم، ولكن ـ والله ـ هذا الذي علمته من سيرتهم، والله الموفق.

المقصد الرابع في النذر لغير الله

هذا المقام من مزال الأقدام، وإنما كثرت فيه الأقاويل، لخفاء الموضوع إلاّ على القليل، فإنّه لا ينبغي الشك في أنّ النذر لغير الله على أنه أهل لأن ينذر له، لأنه مالك الأشياء وبيده زمامها من الكفر والشرك، لأنّ النذر من أعظم العبادات، وإن اريد أنه ينعقد بذلك وإن لم يذكر إسم الله عليه فهي مسألة فقهية فرعية. واعتقاد ذلك لا عن دليل تشريع حرام، لا يخرج عن ملة الأسلام.

وليس المعروف في هذه البلدان النذر لغير الله إلا على معنى انه صدقة يهدى ثوابها إلى أولياء الله، فمعنى النذر للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مثلاً أنه صدقة منذورة يهدى ثوابها له، وهكذا النذر لسائر الأولياء. فلا يزيد هذا على من نذر لأبيه وأمّه، أو حلف، أو عاهد أن يتصدق عنهم، كما روي عنه صلى الله عليه وآله أنه قال للبنت التي نذرت لأمّها عملاً: ف بنذرك(٢) .

(١) صحيح البخاري (كتاب المغازي)، حديث ١٧؛ و(كتاب الجهاد)، حديث ٣٨؛ وصحيح مسلم (كتاب الزكاة)، حديث ١٢١؛ وسنن ابن ماجه (كتاب الفتن)، حديث ١٨؛ ومسند أحمد بن حنبل، الباب الخامس، حديث ٤٨.

(٢) صحيح البخاري (كتاب الاعتكاف)، حديث ٥، ٦، ١٦؛ وصحيح مسلم (كتاب الأيمان)، حديث ٢٧؛ سنن أبي داود (كتاب الأيمان)، حديث ٢٢؛ سنن الترمذي (كتاب النذور)، حديث ١٢؛ وابن ماجه (كتاب الطلاق)، حديث ٣٦.

٤٦
كتاب منهج الرشاد للشيخ جعفر كاشف الغطاء (ص ٤٧ - ص ٦٤)
٤٧
لم يكن ذلك السجود إلاّ عبادة للملك الجبار، لأنّ الطاعة لللآمر لا لمن يكن له في ذلك الأظهار.

ولو أنّ الناظر لصور الكواكب وهيئة الأفلاك، تدبّرها تفكّراً في عظمة الخالق، وسجد، كان عابداً لمدبرها.

ثم ليس المراد بالعبادة مجرد الخضوع والتذلل، كما هو المعنى القديم، بل يراد معنى جديد، وهو التذلّل الخاص، على شرط أن يكون في كمال الصفاء والأخلاص.

وعلى فرض أن يصدر من بعض أعوام المسلمين، لعدم قربهم من محال العلماء العاملين. فلا ينبغي معاملة الجميع بهذه المعاملات، والبناء على نسبتهم إلى الشرك من دون قيام البينات.

فقف يا أخي في مواضع الشبهات، لئلاّ تقع في الهلكات. وإني ـ والله ـ فرح مسرور بدفعك عن أبناء السبيل كل محذور، وأمرك بالصلاة والصيام، وإنفاذ ما شرع النبي (صلى الله عليه) من الأحكام، إلاّ أني أخشى عليك أن تأخذ العالم بذنب الجاهل، والمنصف بورطة المعاند المجادل. وفقنا الله لطريق الصواب، والفوز برضاه في يوم الحساب، فأنه أرحم الراحمين.

المقصد الخامس
في القسم بغير الله

لا يرتاب مسلم في أنّ القسم بغير الله، على وجه إرادة صاحب العظمة والكبرياء والملكوت والقدرة والجبروت، باعث على الخروج عن ربقة المسلمين.

وأما إرادة مجرد التأكيد، فلا يلزم منه كفر ولا إشراك بديهةً، إذ ليس مدار الكفر على مجرد العبارات، ويدل على ذلك أنه قد ورد القسم بغير الله متواتراً في كلام الصحابة والتابعين، بل في كلام خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم.

ففي كتاب علي عليه السلام إلى معاوية: لعمري لأن نظرت بعقلك دون هواك، لتجدني أبرأ الناس من دم (عثمان)(١) .

(١) نهج البلاغة: ٣٦٧.
٤٨

وفي كلام له آخر: وأما تحذيرك إياي أن يحبط عملي وسابقتي في الإسلام، فلعمري لو كنت الباغي عليك لكان لك أن تحذِّرني ذلك.

وفي كتاب معاوية: فأن كنت أباحسن إنّما تحارب عن الأمرة والخلافة، فلعمري لو صحّت خلافتك لكنت قريباً من أن تعذر في حرب المسلمين.

وقد وقع هذا القسم بلفظ (لعمري) في كلام الصحابة والتابعين، في نثرهم وشعرهم كثيراً، بحيث يتعذر ضبطه.

وعن بعض أهل البيت أنّ واحداً من أصحابه حلف عنده: وحقّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحقّ علي ما فعلت (كذا)، وأقرّه على ذلك.

وفي حديث طلحة: إن رجلاً من أهل (نجد) جاء يسأل عن الإسلام، فقال: أفلح الرجل ـ والله ـ إن صدق(١) .

وفي شرح مصابيح الطيبي عنه صلى الله عليه وآله وسلم: أفلح الرجل وأبيه ـ والله ـ.

وحمل على أنها لم يرد بها حقيقة القسم، وإنما تجري على اللسان لمجرد التأكيد.

وروى نصر بن مزاحم(٢) ، عن رجاله، عن عمرو بن العاص أنّه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول لعمار: تقتلك الفئة الباغية، وكان ذكره لأهل الشام قبل وقعه (صفين) بعشرين سنة فسمعه عبدالله ابن عمر العبسي، وكان أعبد أهل زمانه، فخرج ليلاً وأصبح في عسكر علي عليه السلام، فحدث الناس بقول عمرو، وقال شعراً:

والراقصات بركب عابدين له * إن الذي جاء من عمرو لمأثور
ما في مقال رسول الله في رجل * شك، ولا في مقال الرسل تحبير

ومن الشعر المنقول عن علي بن الحسين قوله:

((نحن وبيت الله أولى بالنبي)).

وكم للصحابة والتابعين من حلف بشيبة رسول الله، وضريحه وعينيه، وتربته، وليس هذا من القسم الحقيقي في شيء، إذ المراد مجرد التأكيد والتثبّت دون حقيقة القسم التي هي مدار القضايا والحكومات، وتدور عليها ما لزم من الكفارات.

(١) صحيح البخاري (كتاب الأيمان) حديث٣؛ وسنن أبي داود (كتاب الصلاة) حديث١؛ سنن النسائي (كتاب الصلاة) حديث ٤؛ سنن الدارمي (كتاب الصلاة) حديث ٢٠٨.

(٢) وقعة صفين لنصر بن مزاحم: ٣٤٣.

٤٩

فما ورد عن إبن عمر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله نهاكم أن تحلفوا بآبائكم(١) .

وفي الصحيحين: إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفاً فلا يحلف إلاّ بالله، أو يصمت(٢) .

وعن عبدالرحمن بن سمرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لا تحلفوا بالطواغي، ولا بآبائكم، رواه مسلم(٣) .

وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: لا تحلفوا بآبائكم، ولا بأمهاتكم، ولا بالأنداد، رواه أبو داود، والنسائي(٤) .

وعن بريدة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من حلف بآبائه فليسم منها(٥) .

فهذه الأخبار محمولة على من قصد اليمين الحقيقي المثبتة والنافية التي تترتب عليها الكفارة، فأنها لا تكون إلاّ بالله، كما يرشد إليه ذكر الطواغيت، والأنداد.

ونقل عن أحمد أنّ الحلف بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ينعقد لأنه أحد ركني الشهادة، أو يحمل على الكراهة، كما في شرح (المنهاج) وفيه: الحلف بالمخلوق كالنبي، والكعبة، وغيرهما مكروه، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تحلفوا بآبائكم، ولا بأمهاتكم، ولا تحلفوا إلا بالله.

والتحقيق أنّ الحلف غير المقصود معناه لا بأس به.

روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: اليمين على نية المستحلف.

القسم الثاني: أن يراد به الأثبات والنفي، فأن كان مأخوذاً عن دليل، لم يكن فيه بأس، وترتب عليه الأثر عند الفقيه المثبت له، ولم يكن عليه شيء، وإن قصد بالحلف بالمخلوق أنه ذو الكبرياء والجبروت والملك والملكوت، فهو كفر.

وربما نزل عليه ما رواه إبن عمر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن من حلف بغير الله فقد أشرك، رواه الترمذي(٦) .

(١) سنن النسائي (كتاب الأيمان والنذور)، ٤/٤.

(٢) صحيح مسلم (كتاب الأيمان)، باب النهي عن الحلف بغير الله تعالى، حديث ٣.

(٣) صحيح مسلم (كتاب الأيمان)، حديث ٦. والطواغي هي الأصنام. ومفردها (طاغية). وكلّ من طغى وجاوز الحدّ المعتاد من الشرّ سمّي (طاغية).

(٤) سنن أبي داود: ٣/٢٢٢، حديث ٣٢٤٨؛ وسنن النسائي (كتاب الأيمان والنذور) ٤/٥.

(٥) سنن أبي داود: ٣/٢٢٣، حديث ٣٢٥٣.

(٦) سنن الترمذي (كتاب النذور)، باب ٩، وسنن النسائي (كتاب الأيمان)، باب ٤؛ وابن ماجه (كتاب الكفارات)، باب ٢؛ سنن الدارمي (كتاب النذور) باب ٦.

٥٠

وروى عن إبن عمر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن من حلف بغير الله فقد كفر.

أو ينزّل هذا على المبالغة، كما ورد في كثير من فعل المعاصي وترك الواجبات، وما عدا هذا القسم والذي قبله بناؤه على الكراهة، إذ لو كان حراماً ما صدر من الصحابة بمحظر من الناس، ولم ينكر عليهم.

مضافاً إلى أنه مما توفر الدواعي على نقله، ولو كان محرّماً للهجت به ألسنة الخطباء والوعّاظ، ولم يخف على الصبيان، فضلاً عن العلماء الأعيان، وليس الغرض المهم سوى دفع الكفر عن الناس إذا صدر منهم مثل ذلك.

وتفصيل الحال: أنّ القسم والعهد بغير الله إن قصد بهما ذو العزة والجلال، والعلو فوق كل عال، كما يحلف المربوب بربّه، فذلك كفرٌ وإشراك.

وإن قصد ترتّب الأحكام عليه من إثبات حقوق الناس، ولزوم الكفارات، فذلك تشريع وعصيان، إلا من أثبت ذلك بزعم الدليل والبرهان، وإن رأى وجوب العمل بذلك لمجرد الأكرام، لأنّ عدم العمل ينافي الأحترام، فلا أرى فيه بأساً في المقام.

وإن أريد به مجرد التأكيد من دون ترتب بشيء من الأحكام، فأولى بالدخول في المباح، والخروج من الحرام. وإن وقع لغواً، وهذراً من غير قصد، فلا يعدّ من الأيمان، ولا مدار عليه في شيء كائناً ما كان، والله الموفق.

المقصد السادس
في الأستغاثة

لا يخفى أن الاستغاثة بالمخلوق على أنه الفاعل المختار مدخل للمستغيث في أقسام الكفار، وإنّما المراد منه طلب الشفاعة، وسؤال الدعاء.

وقد روى النسائي، والترمذي في حديث الأعرابي أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم علّمه قول: يا محمد إني توجّهت بك إلى الله، ونحوه ما في حديث إبن حنيف(١) .

وروى البيهقي في خبر صحيح أنه في أيام عمر رضي الله عنه جاء رجل إلى قبر النبي

(١) سنن الترمذي (كتاب الدعوات)، باب ١١٨؛ وسنن ابن ماجه (كتاب اقامة الصلاة والسنّة فيها)، باب ١٨٩، حديث ١٣٨٥. وابن حنيف هو عثمان بن حنيف الأنصاري، سكن الكوفة، ومات في خلافة معاوية.
٥١
صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا محمد إستسق لأمتك فسقوا(١) .

وروى الطبراني، وابن المقري، وأبو الشيخ أنهم كانوا جياعاً، فجآؤا إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: يا رسول الله الجوع، فأشبعوا.

وروى البيهقي عن مالك الدار خازن عمر رضي الله عنه، قال: أصاب الناس قحط، فذهب إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إستسق لأمتك فقد هلكوا، فأتاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المنام، وقال له: قل لعمر أنهم سقوا.

ومن ذلك قوله تعالى: (فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه)(٢) .

وعن معاذ أنه لما كان في اليمن جاءه نعي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فرجع وهو يقول: يا محمداه، يا أبا القاسماه، وبقي على ذلك برهة من الزمان. وفيه ظهور بالأستغاثة.

وعن أبي بكر بن محمد بن الفضل أنّ (بلالاً) لما أخذ في النزع، قالت إمرأته: واويلاه واحزناه، فقال لها: لا تقولي واحزناه، فأني قصدت الذهاب إلى محمد، وحزبه.

وروى الكازروني ندبة الزهراء عليها السلام، وروى ندبة معاذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وعن النعمان بن بشير، قال: أغمي على عبدالله بن رواحة، فجعلت أخته عمرة تبكي وتقول: واجبلاه(٣) .

وما روي عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه ما من ميت يموت، فيقوم باكيه ويقول: واجبلاه، واسيداه إلا وكّل الله به ملكين يلهزانه ويقولان له: أكان هكذا. فمبني على النهي عن العزاء والبكاء.

وفي قصة إدريس أنّ المطر إنقطع عن قومه عشرين سنة، فجاؤا إليه يدعو لهم.

وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّ ملكاً غضب الله عليه، فأهبط من السماء، فأتى إدريس، فاستشفع به، فدعا له، فأذن له في الصعود، فصعد.

وفي الحقيقة أن المستغيث بالمخلوق إن أراد طلب الدعاء والشفاعة من المستغاث به، فلا بأس به، وإن أراد إسناد الأمور بالأستقلال إليه، فالمسلمون منه براء.

على أنّا بيّنا فيما سبق أن الأستغاثة بدار (زيد)، وصفاته، وغلمانه، وخدمه، ربما

(١) سنن البيهقي: ٣/٣٢٦.

(٢) القرآن الكريم: ٢٨/١٥ (سورة القصص).

(٣) سنن البيهقي: ٤/٦٤.

٥٢
أريد بها الإستغاثة به، فيكون هذا أولى في بيان ذل المستغيث، وإنه لا يرى لسانه أهلا لأن يجري عليه إسم المولى، ولهذا ترى أن طاعة الله تذكر بعدها طاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ورضاه يذكر بعد رضى الله ورسوله، وإذا إنفردت أحداهما دخلت فيها الأخرى.

روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني(١) .

وكيف يستغاث حقيقة بمن لا يدفع عن نفسه ضرّاً ولا شرّاً، ولا يملك رزقاً، ولا موتا، ولا حياة ولا نشوراً، المبدىء من تراب، ثم نطفة مودعة في الأصلاب، ثم جسم معرّض للبليات، ثم بعدها يكون من الأموات.

وإنّما شرفه بالعبودية والأنقياد للحضرة القدسية، ولولا أمر الله ما سمع له كلام، ولا رفع له مقام، وليس بيننا وبينه ربط سوى أمر الملك العلام.

فليس المراد بالأستغاثة إلا طلب الدعاء من المستغاث به، لما في الحديث القدسي: يا موسى ادعني بلسان لم تعصني فيه، يا رب وأين ذلك؟ فقال: لسان الغير.

فالمستغيث إن طلب أصالة وإستقلالاً من المستغاث به، كان معولاً عليه في كل أمر يرجع إليه، وإلا فالمستغاث به حقيقة هو الذي تنتهي إليه الأمور.

وكذلك الدعاء إن قصد أن المدعو هو الفاعل المختار الذي تنتهي إليه الأشياء، فذلك كفر برب السماء، وإن أريد المجاز، فلا يدخل تحت حقيقة الدعاء.

ولا ريب أنّ كلّ من قال لشخص: أعنّي على بناء الدار، أو قضاء الدين، أو قال: أعطني، أو غير ذلك، بقصد الدعاء، أعني: طلب المربوب من الرب، فهو كفر وإشراك. وإن قصد الطلب لا على ذلك النحو، لم يكن كفراً.

ولو كان المدار على هذه الصورة، لكفّرت الخلائق من يوم آدم إلى يومنا هذا، بل صدور هذه العبارات عن الأنبياء والأوصياء أبين من الشمس.

وكذلك (الاستجارة)، و(الندبة)، ونحوهما، فأن كانت على الطور المعهود، كقوله تعالى: (وإن أحد من المشركين إستجارك فأجره)(٢) (فاستغاثه الذي من شيعته على

(١) صحيح البخاري (كتاب الجهاد)، باب ١٠٩؛ صحيح مسلم (كتاب الأمارة)، باب ٢٣؛ سنن النسائي (كتاب البيعة)، باب ٢٧؛ ابن ماجه (المقدمة)، باب (١). وقد رويت (الأمام)، (أميري).

(٢) القرآن الكريم: ٩/٦ (سورة التوبة).

٥٣
الذي من عدوّه)(١) (فادع لنا ربّك يخرج لنا مما تنبت الأرض)(٢) فلا محيص عن القول بجوازه. فتفاوت العبارات باختلاف النيات.

فمن كان داعياً دعاء الأصنام وسائر الأرباب، أو مستغيثاً كذلك، فهو كافر مشرك. وإن أراد المتعارف بين سائر الناس، فليس به بأس.

فبحق من شقّ سمعك وبصرك، أن تمعن في هذا المقام نظرك، وتصفّي نفسك عن حب الانفراد، كما يلزمنا التخلية عن حب متابعة الآباء والأجداد.

ولا فرق بين الأحياء والأموات، لأنّ من إستغاث بالمخلوق أو إستجار، على أنه فاعل مختار، فقد دخل في أقسام الكفار، فالأستغاثة بعيسى أو بمريم، حيّين أو ميّتين، تقع على القسمين.

وإعتقاد أن الميت يسمع أو لا يسمع، ليس من عقائد الدين التي تجب معرفتها على المسلمين، فمن إعتقدها: فأما أن يكون مصيباً مأجوراً، أو مخطأً معذوراً.

ومن ذلك القبيل الألفاظ التي تفيد الرّجاء، والتوكّل، والأعتماد، والتعويل، والألتجاء، والأستغاثة بغير الله، فأن هذه العبارات لو بني على ظاهرها لم يبق في الدنيا مسلم، إذ لا يخلو أحدٌ من الأستعانة على الاعداء، والأعتماد على الأصدقاء، والألتجاء إلى الأمراء، ونحو ذلك.

إلاّ أنه إن قصد الملتجأ إليه والمعول عليه من المخلوقين له اختيارٌ وتدبير في العالم لنفسه لا عن أمر الله، فذلك كفر بالله، وإلا فلا بأس.

ومما يناسب نقله في هذا المقام ما نقله القتيبي، قال: كنت جالساً عند قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجآء أعرابي، فسلّم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم أنشأ يقول:

يا خير من دفنت بالقاع أعظمه * فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه * فيه العفاف، وفيه الجود والكرم

ثم قال: ها أنا ذا يا رسول الله، فقد ظلمت نفسي، وأنا أستغفر الله وأسألك يا رسول الله أن تستغفر لي. قال القتيبي: ثم نمت، فرأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المنام، فقال: يا قتيبي أدرك الأعرابي وبشره أنه قد غفر الله له، قال: فأدركته وبشرته.

(١) القرآن الكريم: ٢٨/١٥ (سورة القصص).

(٢) القرآن الكريم: ٢/٦١ (سورة البقرة).

٥٤

المقصد السابع
في التوسل

ولا ريب أنه من سنن المرسلين، وسيرة السلف الصالحين، ودلت عليه الأخبار والآثار.

نقل أن آدم لما إقترف الخطيئة، قال: يا ربي أسألك بحق محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم لما غفرت لي، فقال: يا آدم كيف عرفت، قال: لأنّك لمّا خلقتني نظرت إلى العرش، فوجدت مكتوباً فيه: (لا إله إلا الله، محمّد رسول الله)، فرأيت إسمه مقروناً مع إسمك، فعرفته أحب الخلق إليك. صححه الحاكم(١) .

وعن عثمان بن حنيف أن رجلاَ ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إدع الله أن يعافيني، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن شئت صبرت فهو خيرٌ لك، وإن شئت دعوت، قال: فادعه، فأمره أن يتوضأ، ويدعو بهذا الدعاء: (اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبيّ الرحمة، يا محمد إني توجّهت بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها، اللهم شفعه فيّ)(٢) .

وفيه دلالة على جواز الشفاعة في الدنيا، وعلى الأستغاثة، رواه الترمذي، والنسائي، وصححه البيهقي، وزاد: فقام وقد أبصر.

ونقل الطبراني عن عثمان بن حنيف أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفّان في حاجته، فكان لا يلتفت إليه، فشكا ذلك لابن حنيف، فقال له: إذهب وتوضأ وقل: … (وذكر نحو ما ذكر الضرير)، قال: فصنع ذلك، فجآء البواب، فأخذه وأدخله على (عثمان)، فأمسكه على (الطنفسة) وقضى حاجته(٣) .

وروي أنّه لمّا دعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم لفاطمة بنت أسد، قال اللهم إنّي أسألك بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي… (إلى آخر الدعاء)(٤) .

وفي الصحيح عن أنس أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا أقحط الناس إستسقى

(١) مستدرك الحاكم: ٢/٦١٥.

(٢) سنن الترمذي (كتاب الدعوات)، باب ١١٩، حديث ٣٥٧٨؛ وسنن ابن ماجه (كتاب اقامة الصلاة)، باب ١٨٩، حديث ١٣٨٥.

(٣) سنن ابن ماجه (كتاب اقامة الصلاة)، باب ١٨٩، حديث ١٣٨٥.

(٤) كنز العمال: ٦/١٨٩.

٥٥
بالعباس، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيّك فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبيّك، ونستشفع إليك بشيبته، فسقوا(١) .

وروى الشيخ عبدالحميد (بن أبي الحديد) عن علي عليه السلام أنه قال: كنت من رسول الله كالعضد من المنكب، وكالذراع من العضد، رباني صغيراً، وواخاني كبيراً، سألته مرّة أن يدعو لي بالمغفرة، فقام فصلّى، فلمّا رفع يديه سمعته يقول: اللهم بحقّ علي عندك إغفر لعلي، فقلت: يا رسول الله ما هذا؟ فقال: أو أحد أكرم منك عليه، فأستشفع به إليه(٢) .

وفي هذين الخبرين دلالة على شفاعة الدنيا.

وفي مسند إبن حنبل أن عائشة قال لها مسروق: سألتك بصاحب هذا القبر ما الذي سمعت من رسول الله (يعني: في حق الخوارج) قالت سمعته يقول: إنهم شرّ الخلق والخليقة، يقتلهم خير الخلق والخليقة، وأقربهم عند الله وسيلة(٣) .

وعن الأعمش أن إمرأةً ضريرة بقيت ستة ليال تقسم على الله بعلي!، فعوفيت.

فما رواه جبير بن مطعم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه أتاه أعرابي، فقال: جهدت الأنفس، وجاع العيال، فأستسق لنا، فأنا نستشفع بك إلى الله، ونستشفع بالله عليك، فقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلم: ((ويحك أنه لا يستشفع بالله على أحد، شأن الله أعظم))، فليس مما نحن فيه، لأنه نهى عن الأستشفاع بالله لا بأحد إلى الله.

وعن علي أنه قال لسعد بن أبي وقاص: أسألك برحم إبني هذا، وبرحم حمزة عمي منك ألا تكون مع عبدالرحمن(٤) .

وعن عائشة رضي الله عنها أن النبيّ أسرّ إلى فاطمة سرّاً، فبكت بكاء شديداً، فسألتها، فقالت: ما كنت لأفشي سرّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما قبض سألتها وقلت لها: عزمت عليك بما لي عليك من الحق، (… الخبر)(٥) .

وروى أبو مخنف عن أبي الخليل، قال: لما نزل طلحة والزبير في موضع (كذا)، قلت:

(١) صحيح البخاري (كتاب الاستسقاء)، باب ٣؛ و(كتاب فضائل أصحاب النبيّ)، باب ١١.

(٢) شرح نهج البلاغة: ٤/٥٥٨.

(٣) سنن الدارمي (كتاب الجهاد)، باب ٣٩؛ مسند أحمد بن حنبل: ١/١٤٠، سنن ابن ماجه (المقدمة)، باب ١٢، حديث ١٧٠.

(٤) الترمذي: ٥/٦٠٧.

(٥) صحيح البخاري: ٤/٢١٠؛ وصحيح مسلم: ٤/١٩٠٥؛ والترمذي: ٥/٦٥٨.

٥٦
ناشدتكما الله وصحبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وعن علي عليه السلام أن يهودياً جاء إلى الني صلى الله عليه وآله وسلم، فقام بين يديه، وجعل يحد النظر إليه، فقال: يا يهودي ما حاجتك، فقال أنت أفضل أم موسى فقال له: إنه يكره للعبد أن يزكي نفسه، ولكن قال الله تعالى: (وأمّا بنعمة ربك فحدّث) إنّ آدم لما أصابته خطيئته التي تاب منها كانت توبته (اللهم إني أسألك بمحمد وآل محمد لما غفرت لي)، فغفر له(١) .

وعن علي عليه السلام أنه بعد دفن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قام عند قبره الشريف، فقال مخاطباً له: طبت حيّاً وطبت ميّتاً، إنقطع عنا بموتك ما لم ينقطع بموت أحد سواك من النبوة والأنباء، وأخبار السماء، (والحديث طويل) إلى أن قال: بأبي أنت وأمي إذكرنا عند ربك، واجعلنا من بالك وهمك.

ونقل الشيخ عبدالحميد أن معاوية سأل عقيلاً عن علي عليه السلام، فقال له عقيل: يا معاوية جاءته زقاق عسل من اليمن، فأخذ الحسين منها رطلاً واشترى إداماً لخبزه، فلما جاء عليّ ليقسمها قال: يا (قنبر) أظن أنه قد حدث بهذا حدث قال: نعم، وأخبره بقصة الحسين عليه السلام فغضب، وقال علي (بحسين) فرفع الدرة عليه، وقال: بعمي (جعفر)، (وكان إذا سئل بحق جعفر سكن)، فأجابه (الحسين) بما أجاب.

ونقل الشيخ عبدالحميد أن رجلاً وفد من مصر، فاستعاذ بعمر.

وكيف كان فقد بان أن من توسل إلى الله (بمعظم) من: قرآن، أو نبي، أو عبدصالح، أو مكان شريف، أو بغير ذلك، فلا بأس عليه، بل كان آتياً بما هو أولى وأفضل.

ولا بأس بالتوسط بحق المخلوقات، فأن للمولى على عبده حقّ المالكية، وللعبد حق المملوكية، وللخادم حق الخدمة، وللأرحام حق الرحم، وللصديق حقّ الصداقة، وللجار حق الجوار، وللصاحب حق الصحبة، فالحق عبارة عن الرابطة بأي نحو إتفقت، وعلى أي جهة كانت.

وعلى ذلك جرت عادة السلف من أيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى يومنا هذا، لا ينكره أحدٌ من المسلمين، والدعوات، والمواعظ مشتملة عليه، والأجماع منعقدّ عليه، فلم يبق في المقام إشكال، ولا بقي محلٌ للقيل والقال، والله ولي التوفيق، وهو أرحم الراحمين.

(١) كنز العمال: ١١/٤٥٥.
٥٧

المقصد الثامن
في الشفاعة

الشفاعة ـ في الحقيقة ـ قسم من الدعاء والرجاء، ليس من خواص الأنبياء والأوصياء، وليس لأحد على الله قبول شفاعته، وإنما ذلك من ألطافه ومننه، ولا شفاعة إلا بإذنه ورضاه، والأخبار فيها متواترة.

روى محمد بن عمرو بن العاص، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: من سأل الله لي الوسيلة، حلّت عليه الشفاعة، رواه مسلم(١) .

وعن جابر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((من سمع الأذان ودعا بكذا، حلت له شفاعتي يوم القيامة))، رواه البخاري(٢) .

وعن عبدالله بن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ما من رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلاً، لا يشركون بالله شيئاً، إلا شفعهم الله فيه، رواه مسلم(٣) .

وعن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ما من ميت تصلي عليه أمة من الناس يبلغون مائة، كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه، رواه مسلم(٤) .

وعن جابر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: أعطيت خمساً… (وعدّ منها الشفاعة)(٥) .

وعن إبن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أنا أول شافع وأول مشفع في القيامة ولا فخر(٦) .

وعن جابر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أنا أول شافع وأول مشفع. ونحوه عن أنس(٧) ، وأبي بن كعب(٨) .

(١) صحيح مسلم (كتاب الصلاة)، باب ١١؛ أبي داود (كتاب الصلاة)، باب ٣٦؛ سنن الترمذي (كتاب المناقب)، باب ١؛ سنن النسائي (كتاب الأذان)، باب ٣٧؛ مسند أحمد بن حنبل (كتاب الثاني)، الباب ١٦٨.

(٢) البخاري (كتاب الأذان)، باب ٨؛ وصحيح مسلم (كتاب الصلاة)، باب ١١؛ وسنن أبي داود (كتاب الصلاة)، باب ٣٦.

(٣) صحيح مسلم (كتاب الجنائز)، باب ١٩ (من صلى عليه أربعون شفعوا فيه)، حديث ٥٩.

(٤) صحيح مسلم (كتاب الجنائز)، باب ١٨، حديث ٥٨.

(٥) صحيح مسلم (كتاب المساجد ومواضع الصلاة)، باب ٥، حديث ٣.

(٦) صحيح مسلم (كتاب الفضائل)، (باب ـ ٢ ـ، تفضيل نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم ـ على جميع الخلق)، حديث ٢٢٧٨.

(٧) صحيح مسلم (كتاب الأيمان)، باب ٣٣٠.

(٨) سنن الدارمي (المقدمة)، الباب ٨.

٥٨

وعن جبير بن مطعم، عن عثمان بن عفان، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: يشفع يوم القيامة ثلاثون (وعد منهم الأنبياء).

وعن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الشفاعة على مراتب الناس في القابلية(١) .

وعن عبدالله بن مالك عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه أتاني آتٍ من ربي، فخيّرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة، فأخترت الشفاعة.

وعن عبدالله بن أبي الجذعاء، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أنه والدارمي يدخل الجنة بشفاعة رجل(٢) من أمتي أكثر من بني تميم، رواه الترمذي والدارمي(٣) .

وعن أنس قال: سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يشفع لي يوم القيامة، فقال: أنا فاعل، قلت: فأين أطلبك، قال: أولاً على الصراط، قلت: فأن لم ألقك؟ قال: عند الميزان، قلت: فأن لم ألقك، قال: عند الحوض، فأني لا أخطيء هذه المواضع، رواه الترمذي(٤) .

وعن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إن الله يقول بعد فراغ الشافعين من الشفاعة: شفّعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين(٥) .

وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه يحبس المؤمنون يوم القيامة، فيقولون لو استشفعنا، فيأتون (آدم)، فيعتذر بخطيئته، ثم (إبراهيم) فيعتذر بثلاث كذبات كذبهن، ثم (موسى) فيعتذر بقتل النفس، ثم (عيسى)، فيقول: لست هناك، فيقول الله تعالى بعد أن أسجد له: إشفع تشفع… (الخبر وهو طويل)(٦) .

وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن ملكاً غضب عليه، فأهبط من السماء، فجاء إلى إدريس فقال له: إشفع لي عند ربك، فدعا له، فأذن له في الصعود. وفيه دلالة على الشفاعة في الدنيا. وستجيء في باب زيارة القبور أخبار كثيرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((من زارني كنت له شفيعاً))(٧) .

(١) سنن ابن ماجه: ٢/١٤٤٣.

(٢) في المطبوع: ((بشفاعتي رجال)).

(٣) الترمذي: ٤/٥٤١.

(٤) الترمذي (باب صفة القيامة): ٤/٥٣٧.

(٥) الترمذي: ٤/٥٤١.

(٦) الترمذي: ٤/٥٣٧.

(٧) سنن البيهقي: ٥/٢٤٥.

٥٩

وبيان الحال: أن (الشفاعة) إن كانت من قبيل الدعاء، فيرجع طلبها إلى إلتماس الدعاء من الأنبياء والأولياء، فتكون عبارة عن دعاء مخصوص لنجاة الغير، أو قضاء حاجته في أمور الدنيا والآخرة، فلا كلام ولا بحث في جواز طلبها من كل أحد، فهي كما لو سألت إخوانك الدعاء. ويؤيد ذلك انه لما سئل إدريس عليه السلام الشفاعة دعا.

ولا فرق بين الأحياء والأموات، فأنّا سنبين ـ إن شاء الله ـ تواتر الأخبار في أن الأموات يسمعون وينطقون، لكن الناس لا يسمعون كلامهم. فالشفاعة بهذا المعنى لا غضاضة في طلبها، إذ لسنا في ذلك بمنزلة من قالوا لا طاقة لنا بعبادة الله، ونحن نعبد الأصنام، وهم يوصلوننا الى الله.

وإن أريد بالشفاعة منصب أعطاه الله لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم وأوليائه، فيدفعون بالأذن العام عن الناس، بمعنى أن الله أذن إذناً عاماً لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم في إنقاذ بعض أهل العذاب من العذاب يوم يقوم الحساب، فبهذا المعنى تكون مخصوصةً في الآخرة.

ولا ريب أن المستشفع بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، والأولياء في دار الدنيا، يريد المعنى الأول.

فليت شعري ما الذي ينكر من طلب الشفاعة، أمن جهة خطاب الموتى فلذلك لا يوجب كفراً ولا إشراكاً، لو كان خطأ، فكيف لو كان صواباً، أو من جهة إسناد الأمر إلى غير الله سبحانه، وهذا أعجب من السابق، فأن الداعي والساعي في حاجة أحد إلى مولاه لا يرتفع عن درجة العبودية، ولاسيما إذا لم يحدث شيئاً إلا عن إذنه.

ومن البديهية(١) أن العبيد والخدام القائمين بشرائط العبودية والخدمة مع الأذن يشفعون عند مواليهم في قضاء حوائج الناس، ولا يخرجهم ذلك عن العبودية والخدمة، بل هذا نوع من العبودية.

وفي أحاديث الشفاعة ما يدل على عموم الشفاعة في دفع المضار الدنيوية والأخروية.

وقد نقل عن الصحابة بطرق معتبرة أن الصحابة كانوا يلجأون إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويندبونه في الأستسقاء ورفع الشدائد والأغراض الدنيوية.

روى البيهقي بطريق صحيح عن مالك الدار خازن عمر رضي الله عنه أنه أصاب الناس قحط، فذهب رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إستسق لأمّتك فقد هلكوا، فأتاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المنام، فقال له: قل لعمر: قد سقوا(٢) .

(١) في النسخة المطبوعة: ((الأمور البديهيّة)).

(٢) البيهقي: ٣/٣٤٤.

٦٠