×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

مواقف الشيعة (الجزء الأول) / الصفحات: ٤١ - ٦٠

بطل ما اعتمده هذا الخصم.

وأما الحديث الثاني: فظهور بطلانه أوضح من أن يخفى، وذلك: أنه قال فيه:

إن شابا قال له: ليس الحكم فيه ذلك، فقال أمير المؤمنين عليه السلام على ما زعم الخصم: أصبت أنت وأخطأت، وهذا واضح السقوط على ما بيناه، لأنه لا يخلو، مولانا أمير المؤمنين عليه السلام، أن يكون حكم بالخطأ مع علمه بأنه خطأ، أو يكون حكم بالخطأ وهو يظن أنه صواب، فإن كان حكم بالخطأ على أنه خطأ عاند في دين الله وضل بإقدامه على تغيير حكم الله، وهو صلوات الله عليه يجل عن هذه الرتبة، ولا يعتقد مثل هذا فيه الخوارج فضلا عمن دونهم في عداوته من الناصبة، وإن كان حكم بالخطأ وهو يظن أنه صواب، فكيف زال ظنه عن ذلك فانتقل عنه بقول رجل واحد لا يعضده برهان؟ فهذا ما لا يتوهم على أحد من أهل الأديان.

على أنه لو كان لهذا الحديث أصل أو كان معروفا عند أحد من أهل الآثار لكان الرجل مشهورا معروفا بالعين والنسب مشهور القبيلة والمكان، ولكان أيضا الحكم الذي جرى فيه هذا الأمر مشهورا عند الفقهاء ومدونا عند أصحاب الأخبار. وفي عدم معرفة الرجل وتعين الحكم وعدمه من الأصول دليل على بطلانه، كما بيناه.

على أن الأمة قد اتفقت عنه صلوات الله عليه أنه قال " ضرب رسول الله صلى الله عليه وآله بيده على صدري وقال: اللهم اهد قلبه وثبت لسانه، فما شككت في قضاء بين اثنين " وهذا مضاد لوقوع الخطأ منه في الأحكام، ومانع لدخول الشك عليه في شئ منها والارتياب.

وأجمعوا أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " علي مع الحق والحق مع علي، يدور حيثما دار " وليس يجوز أن يكون من هذا وصفه يخطئ في الدين أو يشك في الأحكام.

٤١
وأجمعوا أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " علي أقضاكم " وأقضى الناس ليس يجوز أن يخطئ في الأحكام، ولا يكون غيره أعلم منه بشئ من الحكم.

فدل ذلك على بطلان ما اعترض به الخصم، وكشف عن وهيه على البيان.

وبالله التوفيق وإياه لنستهدي إلى سبيل الرشاد (١).

(٨)
المفيد مع رجل من الزيدية

قال السيد المرتضى رضي الله عنه: وحضر الشيخ أبو عبد الله أدام الله عزه بمسجد الكوفة فاجتمع إليه من أهلها وغيرهم أكثر من خمسمائة إنسان فابتدر له رجل من الزيدية أراد الفتنة والشناعة، فقال: بأي شئ استجزت إنكار إمامة زيد بن علي؟ فقال له الشيخ: إنك قد ظننت علي ظنا باطلا، وقولي في زيد لا يخالفني عليه أحد من الزيدية، فلا يجب أن يتصور مذهبي في ذلك بالخلاف.

فقال له الرجل: وما مذهبك في إمامة زيد بن علي؟ فقال له الشيخ: أنا أثبت من إمامة زيد رحمه الله ما تثبته الزيدية، وأنفي عنه من ذلك ما تنفيه!

فأقول: إن زيدا رحمة الله عليه كان إماما في العلم والزهد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنفي عنه الإمامة الموجبة لصاحبها العصمة والنص والمعجز.

وهذا ما لا يخالفني عليه أحد من الزيدية حيثما قدمت.

فلم يتمالك جميع من حضر من الزيدية أن شكروه ودعوا له، وبطلت حيلة الرجل فيما أراد من التشنيع والفتنة (٢).

(١) البحار: ج ١٠ ص ٤٤٨ - ٤٥١.

(٢) البحار: ج ١٠ ص ٤٥١.

٤٢
كتاب مواقف الشيعة (الجزء الأول) للشيخ الأحمدي الميانجي (ص ٤٣ - ص ٦٢)
٤٣

(١٠)
المفيد مع علي بن عيسى الرماني

كان الشيخ المفيد رحمه الله من أهل عكبر ثم انحدر وهو صبي مع أبيه إلى بغداد، واشتغل بالقراءة على الشيخ أبي عبد الله المعروف بجعل، وكان منزله في درب رياح من بغداد.

وبعد ذلك اشتغل بالدرس عند أبي ياسر في باب خراسان من البلدة المذكورة، ولما كان أبو ياسر المذكور ربما عجز عن البحث معه والخروج عن عهدته أشار إليه بالمضي إلى علي بن عيسى الرماني الذي هو من أعاظم علماء الكلام، فقال الشيخ: إني لا أعرفه ولا أجد أحدا يدلني عليه، فأرسل أبو ياسر معه بعض تلامذته وأصحابه.

فلما مضى - وكان مجلس الرماني مشحونا بالفضلاء - جلس الشيخ في صف النعال، وبقي يتدرج للقرب كلما خلي المجلس شيئا فشيئا لاستفادة بعض المسائل من صاحب المجلس.

فاتفق أن رجلا من أهل البصرة دخل وسأل الرماني و قال له: ما تقول في حديث الغدير وقصة الغار؟ فقال الرماني: خبر الغار دراية وخبر الغدير رواية، والرواية لا تعارض الدراية، ولما كان ذلك الرجل البصري ليس له قوة معارضة سكت وخرج.

وقال الشيخ: إني لم أجد صبرا عن السكوت عن ذلك، فقلت: أيها الشيخ، عندي سؤال، فقال: قل، فقلت: ما تقول فيمن خرج الإمام العادل فحاربه؟ فقال: كافر، ثم استدرك فقال: فاسق، فقلت: ما تقول في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام؟ فقال: إمام، فقلت، ما تقول في حرب طلحة والزبير له في حرب الجمل؟ فقال: إنهما تابا، فقلت: خبر الحرب

٤٤
دراية والتوبة رواية! فقال: وكنت حاضرا عند سؤال الرجل البصري؟ فقلت:

نعم، فقال: رواية برواية وسؤالك متجه وارد.

ثم إنه سأله من أنت؟ وعند من تقرأ من علماء هذه البلاد؟ قلت: عند الشيخ أبي علي جعل، ثم قال له مكانك! ودخل منزله، وبعد لحظة خرج وبيده رقعة ممهورة، فدفعها إلي وقال: ادفعها إلى شيخك إلى شيخك أبي عبد الله.

فأخذت الرقعة من يده ومضيت إلى مجلس الشيخ المذكور، ودفعت إليه الرقعة، ففتحها وبقي مشغولا بقراءتها وهو يضحك! فلما فرغ من قراءتها، قال:

إن جميع ما جرى بينك وبينه قد كتب إلي به! أوصاني بك، ولقبك بالمفيد (١).

(١١)
المفيد مع القاضي عبد الجبار

عن القاضي (في المجالس) عن مصابيح القلوب، قال: بينما القاضي عبد الجبار ذات يوم في مجلسه في بغداد ومجلسه مملو من علماء الفريقين، إذ حضر الشيخ وجلس في صف النعال. ثم قال للقاضي: إن لي سؤالا، فإن أجزت بحضور هؤلاء الأئمة؟ فقال له القاضي: سل، فقال: ما تقول في هذا الخبر الذي ترويه طائفة من الشيعة " من كنت مولاه فعلي مولاه " أهو مسلم صحيح عن النبي صلى الله عليه وآله يوم الغدير؟ فقال: نعم خبر صحيح، فقال الشيخ:

ما لمراد من لفظ " المولى " في الخبر؟ فقال: هو بمعنى " أولى " فقال الشيخ: فما هذا الخلاف والخصومة بين الشيعة والسنة؟ فقال الشيخ: أيها الأخ، هذه رواية وخلافة أبي بكر دراية، والعادل لا يعادل الرواية بالدراية.

(١) روضات الجنات: ج ٦ ص ١٥٩ - ١٦٠ عن السرائر للحلي وورام ابن أبي فراس. ومستدرك البحار: ج ٢ ص ٣٩٠ عن ورام في كتابه تنبيه الخواطر. وقاموس الرجال: ج ٨ عن السرائر. ومستدرك الوسائل: ج ٣ ص ٥١٨ عن ورام والسرائر.
٤٥
فقال الشيخ: ما تقول في قول النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام:

" حربك حربي وسلمك سلمي "؟ قال القاضي: الحديث صحيح، فقال:

ما تقول في أصحاب الجمل؟ فقال القاضي: أيها الأخ، إنهم تابوا، فقال الشيخ: أيها القاضي، الحرب دراية والتوبة رواية! وأنت قررت في حديث الغدير أن الرواية لا تعارض الدراية. فبهت الشيخ القاضي ولم يحر جوابا، ووضع رأسه ساعة، ثم رفع رأسه وقال: من أنت؟ فقال: خادمك محمد بن محمد بن النعمان الحارثي، فقام القاضي من مقامه وأخذ بيد الشيخ وأجلسه في مسنده، وقال: أنت المفيد حقا! فتغيرت وجوه علماء المجلس.

فلما أبصر القاضي ذلك منهم قال: أيها الفضلاء، إن هذا الرجل ألزمني وأنا عجزت عن جوابه، فإن كان أحد منكم عنده جواب عما ذكر فليذكر، ليقوم الرجل ويرجع مكانه (١).

(١٢)
المفيد مع بعض الخصوم

ذكر مجلس جرى لشيخنا المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان مع بعض الخصوم في قولهم: إن كل مجتهد مصيب.

قال شيخنا رضي الله عنه: كنت أقبلت في مجلس على جماعة من متفقهة العامة، فقلت لهم: إن أصلكم الذي تعتمدون عليه في تسويغ الاختلاف يحظر عليكم المناظرة ويمنعكم من الفحص والمباحثة، واجتماعكم على المناظرة يناقض أصولكم في الاجتهاد وتسويغ الاختلاف.

قال: بلى، فما الذي يلزمنا على هذا القول؟

(١) سفينة البحار: ج ٢ ص ٣٩٠ ومستدرك الوسائل: ج ٣ ص ٣٢٠.
٤٦
قال شيخنا: قلت: فخبرني الآن عن موضع المناظرة، أليس إنما هو التماس الموافقة ودعاء الخصم بالحجة الواضحة إلى الانتقال إلى موضع الحجة وتنفير له عن الإقامة ضد ما عليه البرهان؟

قال: لا، ليس هذا موضع المناظرة، وإنما موضوعها الإقامة للحجة والابانة عن الرجحان. وما الذي يجرانه إلى ذلك والمعنى الملتمس به؟ أهو تبعيد الخصم عن موضع الرجحان والتنفير له عن المقالة بإيضاح حجتها، أم الدعوة إليها بذلك واللطف في الاجتذاب إليها به؟ فإن قلت: إن الغرض للمحتج التبعيد عن قوله بإيضاح الحجة عليه والتنفير عنه بإقامة الدلالة على صوابه، قلت قولا يرغب عنه كل عاقل، ولا يحتاج مع تهافته إلى كسره. وإن قلت: إن الموضع عن مذهبه بالبرهان داع إليه بذلك والدال عليه بالحجج والبينات يجتذب بها إلى اعتقاده صرت بهذا القول - وهو الحق الذي لا شبهة فيه - إلى ما أردناه: من أن موضوع المناظرة إنما هو الموافقة ورفع الاختلاف والمنازعة، وإذا كان ذلك كذلك، فلو حصل الغرض في المناظرة وما أجرى به إليه لارتفعت الرحمة وسقطت التوسعة وعدم الرفق من الله بعباده، ووجب في صفته العنت والتضييق، وذلك ضلال من قائله، فلا بد على أصلكم في الاختلاف من تحريم النظر والاحتجاج، وإلا فمتى صح ذلك وكان أولى من تركه فقد بطل قولكم في الاجتهاد، وهذا ما لا شبهة فيه على عاقل.

فاعترض رجل آخر من ناحية المجلس، فقال: ليس لي الغرض في المناظرة الدعوة إلى الاتفاق، وإنما الغرض فيها إقامة الفرض من الاجتهاد.

فقال له الشيخ رضي الله عنه: هذا الكلام كلام صاحبك هذا بعينه في معناه، وأنتما جميعا حائدان عن التحقيق والصواب.

وذلك: أنه لا بد في فرض الاجتهاد من غرض، ولا بد لفعل النظر من

٤٧
معقول، فإن كان الغرض في أداء الفرض بالاجتهاد البيان عن موضع الرجحان فهو الدعاء في المعقول إلى الوفاق والإيناس بالحجة إلى المقال: وإن كان الغرض فيه التعمية والألغاز فذلك محال، لوجود المناظر مجتهدا في البيان والتحسين لمقاله بالترجيح على قول خصمه في الصواب: وإن كان معقول فعل النظر ومفهومه غرض صاحبه الذي هو البيان عن نحلته والتنفير عن خلافها والتحسين لها والتقبيح لضدها والترجيح لها على غيرها - وكنا نعلم ضرورة أن فاعل ذلك لا يفعله للتبعيد من قوله وإنما يفعله للتقريب منه والدعاء إليه - فقد ثبت ما قلناه، ولو كان الدال على قوله الموضح بالحجج عن صوابه المجتهد في تحسينه وتشييده غير قاصد بذلك إلى الدعاء إليه ولا مزيد للاتفاق عليه لكان المقبح للمذهب الكاشف عن عواره الموضح عن ضعفه ووهنه داعيا بذلك إلى اعتقاده ومرغبا به إلى المصير إليه، ولو كان ذلك كذلك لكان الذم للشئ مدحا والمدح له ذما له، والترغيب في الشئ ترهيبا عنه والترهيب عن الشئ ترغيبا فيه، والأمر به نهيا عنه والنهي عنه أمرا به، والتحرز منه إيناسا به، وهذا ما لا يذهب إليه سليم العقل، فبطل بذلك ما توهمتموه ووضع ما ذكرناه في تناقض نحلتهم على ما بيناه. والله نسأل التوفيق.

قال شيخنا رضي الله عنه: ثم عدلت إلى صاحب المجلس، فقلت له: لو سلم هؤلاء القوم من المناقضة التي ذكرناها - ولن يسلموا أبدا منها بما بيناه - لما سلموا من الخلاف على الله فيما أمر به والرد للنص في كتابه والخروج عن مفهوم أحكامه بما ذهبوا إليه من حسن الاختلاف وجوازه في الأحكام، قال الله عز وجل:

" ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعدما جاءتهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم " فنهى تعالى عن الاختلاف نهيا عاما ظاهرا وحذر منه وزجر منه وتوعد على فعله بالعقاب، وهذا مناف لجواز الاختلاف. وقال سبحانه:

" واعتصموا بالله جميعا ولا تفرقوا " فنهى عن التفرق وأمر الكافة بالاجتماع،

٤٨
وهذا في إبطال قول سوغ الاختلاف. وقال سبحانه: " ولا يزالون مختلفين إلا ما رحم ربك " فاستثنى المرحومين من المختلفين، ودل على أن المختلفين قد خرجوا بالإختلاف عن الرحمة، لاختصاص من خرج عن صفتهم بالرحمة، ولو لا ذلك لما كان لاستثناء المرحومين من المختلفين معنى يعقل. وهذا بين لمن تأمله.

قال صاحب المجلس: أرى هذا الكلام كله يتوجه على من قال: " إن كل مجتهد مصيب " فما تقول فيمن قال: " إن الحق في واحد " ولم يسوغ الاختلاف؟

قال الشيخ رضي الله عنه: فقلت له: القائل بأن الحق في واحد وإن كان مصيبا فيما قال على هذا المعنى خاصة، فإنه يلزم المناقضة بقوله: " إن المخطئ في الحق معفو عنه غير مؤاخذ بخطئه فيه " واعتماده في ذلك على أنه لو أخذ به للحقه العنت والتضييق، فقد صار بهذا القول إلى معنى قول الأولين فيما عليهم المناقضة، وألزمهم من أجله ترك المباحثة والمكالمة، وإن كان القائلون بإصابة المجتهد من الحق يزيدون عليه في الإصابة معترف له ومقر بأنه مصيب في خلافه مأجور على مباينته، وهذه المقالة تدعو إلى ترك اعتقادها بنفسها ويكشف عن قبح باطنها وظاهرها. وبالله التوفيق (١).

(١٣)
المفيد مع الخليفة عمر بن الخطاب

قال الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان رحمه الله: رأيت في المنام سنة من السنين كأني قد اجتزت في بعض الطرق فرأيت دائرة فيها ناس كثير، فقلت: ما هذا؟ قالوا: هذه حلقة فيها رجل يقص.

فقلت: من هو؟ قالوا: عمر بن الخطاب! ففرقت الناس ودخلت الحلقة، وإذا أنا برجل يتكلم على الناس بشئ لم أحصله، فقطعت عليه الكلام.

(١) روضات الجنات: ج ٦ ص ١٦٥ - ١٦٧.
٤٩
وقلت: أيها الشيخ: أخبرني ما وجه الدلالة على فضل صاحبك أبي بكر - عتيق ابن أبي قحافة - من قول الله تعالى: " ثاني اثنين إذ هما في الغار "؟ [ فإني أرى من ينتحل مودتكما يذكر أن له فضلا كثيرا ].

فقال: وجه الدلالة على فضل أبي بكر من هذه الآية في ستة مواضع:

أولها: أن الله تعالى ذكر النبي صلى الله عليه وذكر أبا بكر معه، فجعله ثانيه، فقال: " ثاني اثنين إذ هما في الغار ".

والثاني: أنه وصفهما بالاجتماع في مكان واحد تأليفا بينهما، فقال: " إذ هما في الغار ".

والثالث: أنه أضافه إليه بذكر الصحبة ليجمعه بينهما بما يقتضي الرتبة، فقال: " إذ يقول لصاحبه ".

والرابع: أنه أخبر عن شفقة النبي صلى الله عليه وآله عليه ورفقه به لموضعه عنده فقال: " لا تحزن ".

والخامس: أنه أخبر أن الله معهما على حد سواء ناصرا لهما ودافعا عنهما فقال: " إن الله معنا ".

والسادس: أنه أخبر عن نزول السكينة على أبي بكر، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله لم تفارقه السكينة قط، فقال: " فأنزل الله سكينته عليه ".

فهذه ستة مواضع تدل على فضل أبي بكر من آية الغار، لا يمكنك ولا لغيرك الطعن فيها.

فقلت له: جرت بكلامك في الاحتجاج لصاحبك عنه، وإني بعون الله سأجعل جميع ما أتيت به كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف.

أما قولك: إن الله تعالى ذكر النبي صلى الله عليه وآله وجعل أبا بكر ثانيه فهو إخبار عن العدد، لعمري! لقد كانا اثنين، فما في ذلك من الفضل؟

ونحن نعلم ضرورة أن مؤمنا ومؤمنا أو مؤمنا وكافرا اثنان، فما أرى لك في ذكر

٥٠
العدد طائلا تعتمده.

وأما قولك: إنه وصفهما بالاجتماع في المكان فإنه كالأول، لأن المكان يجمع المؤمن والكافر، كما يجمع العدد المؤمنين والكفار. وأيضا فإن مسجد النبي صلى الله عليه وآله أشرف من الغار، وقد جمع المؤمنين والمنافقين والكفار، وفي ذلك قوله عز وجل: " فما للذين قبلك مهطعين * عن اليمين وعن الشمال عزين ". وأيضا فإن سفينة نوح قد جمعت النبي والشيطان والبهيمة والكلب! والمكان لا يدل على ما أوجبت من الفضيلة، فبطل فضلان.

وأما قولك: إنه أضاف إليه بذكر الصحبة فإنه أضعف من الفضلين الأولين، لأن اسم الصحبة يجمع بين المؤمن والكافر، والدليل على ذلك قوله تعالى: " قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا ". وأيضا فإن اسم الصحبة تطلق بين العاقل وبين البهيمة، والدليل على ذلك من كلام العرب - الذي نزل القرآن بلسانهم، فقال الله عز وجل: " وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه " - أنهم سموا الحمار صاحبا فقالوا:

إن الحمار مع الحمار مطية * فإذا خلوت به فبئس الصاحب

وأيضا قد سموا الجماد مع الحي صاحبا، قالوا ذلك في السيف شعرا:

زرت هندا وذاك غير اختيان * ومعي صاحب كتوم اللسان
[ زرت هندا وذاك بعد اجتناب * ومعي صاحب كلؤم اللسان ]

يعني السيف، فإذا كان اسم الصحبة يقع بين المؤمن والكافر وبين العاقل والبهيمة وبين الحيوان والجماد فأي حجة لصاحبك فيه؟

وأما قولك: إنه قال: " لا تحزن " فإنه وبال عليه ومنقصة له ودليل على خطئه، لأن قوله: " لا تحزن " نهي، وصورة النهي قول القائل: " لا تفعل " لا يخلو أن يكون الحزن وقع من أبي بكر طاعة أو معصية، فإن كان طاعة فإن

٥١
النبي صلى الله عليه وآله لا ينهى عن الطاعات بل يأمر بها ويدعو إليها، وإن كان معصية فقد نهاه النبي صلى الله عليه وآله عنها، وقد شهدت الآية بعصيانه بدليل أنه نهاه.

وأما قولك: إنه قال: " إن الله معنا " فإن النبي صلى الله عليه وآله قد أخبر أن الله معه، وعبر عن نفسه بلفظ الجمع، كقوله: " إنا نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون ". وقيل أيضا في هذا: إن أبا بكر قال: يا رسول الله، حزني على أخيك علي بن أبي طالب ما كان منه، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: " لا تحزن إن الله معنا " أي معي ومع أخي علي بن أبي طالب عليه السلام.

وأما قولك: إن السكينة نزلت على أبي بكر فإنه ترك للظاهر، لأن الذي نزلت عليه السكينة هو الذي أيده بالجنود، وكذا يشهد ظاهر القرآن في قوله:

" فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها " فإن كان أبو بكر هو صاحب السكينة فهو صاحب الجنود، وفي هذا إخراج للنبي صلى الله عليه وآله من النبوة.

على أن هذا الموضع لو كتمته عن صاحبك كان خيرا، لأن الله تعالى أنزل السكينة على النبي صلى الله عليه وآله في موضعين كان معه قوم مؤمنون فشركهم فيها، فقال في أحد الموضعين: " فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى " وقال في الموضع الآخر: " أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها " ولما كان في هذا الموضع خصه وحده بالسكينة قال: " فأنزل الله سكينته عليه " فلو كان معه مؤمن لشركه معه في السكينة كما شرك من ذكرنا قبل هذا من المؤمنين، فدل إخراجه من السكينة على خروجه من الإيمان.

٥٢
فلم يحر جوابا. وتفرق الناس، واستيقظت من نومي (١).

(١٤)
المفيد مع أبي العباس ابن المنجم

قال الشيخ أدام الله عزه: حضرت يوما مجلسا، فجرى فيه كلام في رذالة بني تيم بن مرة وسقوط أقدارهم، فقال شيخ من الشيعة: قد ذكر أبو عيسى الوزاق فيما يدل على ذلك قول الشاعر:

ويقضى الأمر حين تغيب تيم * ولا يستأذنون وهم شهود
وإنك لو رأيت عبيد تيم * وتيما قلت: أيهم العبيد؟

فذكر الشاعر: أن الرائي لهم لا يفرق بين عبيدهم وساداتهم من الضعة وسقوط القدر.

فانتدب له أبو العباس هبة الله بن المنجم، فقال له: يا شيخ، ما أعرفك بأشعار العرب؟ هذا في تيم بن مرة أو تيم الرباب؟ وجعل يتضاحك بالرجل ويتماجن عليه ويقول له: سبيلك أن تؤلف دواوين العرب، فإن نظرك بها حسن.

قال الشيخ أدام الله عزه: فقلت جعلت هذا الباب رأس مالك، و لو أنصفت في الخطاب لأنصفت في الاحتجاج، وإن أخذنا معك في أبيات هذا الشعر تعلق البرهان فيه بالرجال والكتب المصنفات واندفع المجلس ومضى الوقت، ولكن بيننا وبينك كتب السير. وكل من اطلع على حديث الجمل وحرب البصرة فهل يريب في شعر عمير بن الأهلب الضبي وهو يجود بنفسه بالبصرة، وقد قتل بين يدي الجمل وهو يقول:

(١) الاحتجاج: ج ٢ ص ٣٢٥ - ٣٢٩. و روضات الجنات: ج ٦ ص ١٦٩ - ١٧١ عن الكراجكي.

والنوادر للسيد الجزائري. والبحار: ج ٢٧ ص ٣٢٧ عن الاحتجاج.

٥٣
لقد أوردتنا حومة الموت أمنا * فلم ننصرف إلا ونحن رواء
نصرنا قريشا ضلة من حلومنا * ونصرتنا أهل الحجاز عناء
لقد كان في نصر ابن ضبة أمه * وشيعتها مندوحة وغناء
نصرنا بني تيم بن مرة شقوة * وهل تيم إلا أعبد وإماء؟

فهذا رجل من أنصار عائشة ومن سفك دمه في ولايتها يقول هذا القول في قبيلتها! بلا ارتياب بين السير، ولم يك بالذي يقوله في تلك الحال إلا وهو معروف عند الرجال غير مشكوك فيه عند أحد من العارفين بقبائل العرب في سائر الناس. فأخذ في الصحيح ولم يأت بشئ (١).

(١٥)
المفيد يجيب عن المسائل العكبرية

قال الشيخ المفيد رحمه الله في أجوبة المسائل العكبرية حين سئل عن قوله تعالى: " إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا " وأجاب بوجوه فقال:

وقد قالت الإمامية: إن الله تعالى ينجز الوعد بالنصر للأولياء قبل الآخرة عند قيام القائم عليه السلام والكرة التي وعد بها المؤمنين في العاقبة (٢).

(١٦)
جميل بن كعب مع معاوية

ذكر المدائني: أن معاوية أسر جميل بن كعب الثعلبي - وكان من سادات ربيعة وشيعة علي وأنصاره - فلما وقف بين يديه قال: الحمد لله الذي أمكنني منك، ألست القائل يوم الجمل:

أصبحت الأمة في أمر عجب * والملك مجموع غدا لمن غلب

(١) مستدرك الوسائل: ج ٣ ص ٥١٩ عن الفصول المختارة.

(٢) البحار: ٥٣ ص ١٣٠.

٥٤
قد قلت قولا صادقا غير كذب * إن غدا تهلك أعلام العرب؟

قال: لا تقل ذلك، فإنها مصيبة. قال معاوية: وأي نعمة أكبر من أن يكون الله قد أظفرني برجل قد قتل في ساعة واحدة عدة من حماة أصحابي، اضربوا عنقه، فقال: اللهم اشهد أن معاوية لم يقتلني فيك ولا لأنك ترضى قتلي ولكن قتلني على حطام الدنيا، فإن فعل فافعل به ما هو أهله، وإن لم يفعل فافعل به ما أنت أهله. فقال معاوية: قاتلك الله! لقد سببت فأبلغت في السب، ودعوت فبالغت في الدعاء (١).

(١٧)
شداد بن أوس مع معاوية

قال معاوية لشداد بن أوس: قم فاذكر عليا فانتقصه! فقام شداد، فقال:

الحمد لله الذي افترض طاعته على عباده، وجعل رضاه عند أهل التقوى آثر من رضا غيره، على ذلك مضى أولهم وعليه مضى آخرهم. أيها الناس، إن الآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك قاهر، وإن الدنيا أكل حاضر يأكل منها البر والفاجر، وإن السامع المطيع لله لا حجة عليه، وإن السامع العاصي لله لا حجة له، وإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وإذا أراد الله بالناس خيرا استعمل عليهم صلحاءهم، وقضى بينهم فقهاؤهم، وجعل المال في سمحائهم، وإذا أراد بالعباد شرا عمل عليهم سفاؤهم، وقضى بينهم جهلاؤهم، وجعل المال عند بخلائهم، وإن من إصلاح الولاة أن تصلح قرناءها.

ثم التفت إلى معاوية، فقال:

نصحك يا معاوية من أسخطك بالحق، وغشك من أرضاك بالباطل.

فقطع معاوية عليه كلامه وأمر بإنزاله، ثم لاطفه وأمر له بمال.

(١) مروج الذهب: ج ٣ ص ٤٨ دار الهجرة: قم.
٥٥
فلما قبضه، قال: ألست من السمحاء الذين ذكرت؟ فقال: إن كان لك مال غير مال المسلمين أصبته حلالا وأنفقته إفضالا فنعم، وإن كان مال المسلمين احتجبته دونهم أصبته اقتراقا وأنفقته إسرافا، فإن الله يقول: " إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين " (١).

(١٨)
محمد بن الحنفية مع عبد الله بن الزبير

عن سعيد بن جبير، قال: خطب عبد الله بن الزبير، فنال من علي عليه السلام فبلغ ذلك محمد بن الحنفية، فجاء إليه وهو يخطب. فوضع له كرسي فقطع عليه خطبته، وقال: يا معشر العرب شاهت الوجوه! أينتقص علي وأنتم حضور؟ إن عليا كان يد الله على أعداء الله وصاعقة من أمره، أرسله على الكافرين والجاحدين لحقه، فقتلهم بكفرهم، فشنؤوه وأبغضوه وأضمروا له السيف والحسد وابن عمه صلى الله عليه وآله حي بعد لم يمت. فلما نقله الله إلى جواره وأحب له ما عنده أظهرت له رجال أحقادها وشفت أضغانها، فمنهم من ابتزه حقه، ومنهم من ائتمر به ليقتله، ومنهم من شتمه وقذفه بالأباطيل.

فإن يكن لذريته وناصري دعوته دولة تنشر عظامهم وتحفر على أجسادهم والأبدان منهم يومئذ. بالية بعد أن تقتل الأحياء منهم وتذل رقابهم، فيكون الله عز اسمه قد عذبهم بأيدينا وأخزاهم ونصرنا عليهم وشفى صدورنا منهم. إنه والله ما يشتم عليا إلا كافر يسر شتم رسول الله صلى الله عليه وآله ويخاف أن يبوح به، فيكني بشتم علي عليه السلام عنه. أما إنه قد تخطت المنية منكم من امتد عمره وسمع قول رسول الله صلى الله عليه وآله فيه: " لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق " وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

(١) ابن أبي الحديد في النهج: ج ١٨ ص ٣٨٩. والبحار: ج ٨ ط الكمپاني ص ٥٣٠ عن مجالس المفيد ره.
٥٦
فعاد ابن الزبير إلى خطبته، وقال: عذرت بني الفواطم يتكلمون، فما بال ابن أم حنيفة؟.

فقال محمد: يا بن أم رومان، وما لي لا أتكلم؟ وهل فاتني من الفواطم إلا واحدة ولم يفتني فخرها، لأنها أم أخوي؟ أنا ابن فاطمة بنت عمران بن عائذ ابن مخزوم جدة رسول الله صلى الله عليه وآله، وأنا ابن فاطمة بنت أسد بن هاشم كافلة رسول الله صلى الله عليه وآله والقائمة مقام أمه. أما والله! لولا خديجة بنت خويلد ما تركت في بني أسد بن عبد العزى عظما إلا هشمته. ثم قام وانصرف (١).

(١٩)
طارق بن عبد الله مع معاوية

روى صاحب كتاب الغارات: أن عليا عليه السلام لما حد النجاشي غضبت اليمانية لذلك، وكان أخصهم به طارق بن عبد الله بن كعب النهدي، فدخل عليه، فقال: يا أمير المؤمنين، ما كنا نرى أن أهل المعصية والطاعة وأهل الفرقة والجماعة عند ولاة العدل ومعادن الفضل سيان في الجزاء، حتى رأينا ما كان من صنيعك بأخي الحارث، فأوغرت صدورنا وشتت أمورنا وحملتنا على الجادة التي كنا نرى أن سبيل من ركبها النار.

فقال علي عليه السلام: " وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين " يا أخا نهد! وهل هو إلا رجل من المسلمين انتهك حرمة من حرم الله؟ فأقمنا عليه حدا كان كفارته! إن الله تعالى يقول: " ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ".

قال: فخرج طارق من عنده فلقيه الأشتر، فقال: يا طارق، أنت القائل

(١) شرح النهج لابن أبي الحديد: ج ٤ ص ٦٢ - ٦٣. ومروج الذهب: ج ٣ ص ٨٩.
٥٧
لأمير المؤمنين: " أوغرت صدورنا وشتت أمورنا "؟ قال طارق: نعم أنا قائلها، قال: والله ما ذاك كما قلت! إن صدورنا له لسامعة وإن أمورنا له لجامعة، فغضب طارق وقال: ستعلم يا أشتر أنه غير ما قلت! فلما جنه الليل همس هو والنجاشي إلى معاوية.

فلما قدما عليه دخل آذنه فأخبره بقدومهما، وعنده وجوه أهل الشام، منهم: عمرو بن مرة الجهني، وعمرو بن صيفي، وغيرهما.

فلما دخلا نظر معاوية إلى طارق، وقال: مرحبا بالمورق غصنه المعرق أصله والمسود غير المسود، من رجل كانت منه هفوة ونبوة، باتباعه صاحب الفتنة ورأس الضلالة والشبهة الذي اغترز في ركاب الفتنة حتى استوى على رحالها، ثم أوجف في عشوة ظلمتها وتيه ضلالتها، وأتبعه رجرجة من الناس وأشابة من الحثالة لا أفئدة لهم " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ".

فقام طارق، فقال: يا معاوية، إني متكلم فلا يسخطك، ثم قال وهو متكئ على سيفه: إن المحمود على كل حال رب علا فوق عباده، فهم منه بمنظر ومسمع، بعث فيهم رسولا منهم يتلو كتابا لم يكن من قبله ولا يخطه بيمينه إذا لارتاب المبطلون، فعليه السلام من رسول كان بالمؤمنين برا رحيما.

أما بعد، فإن ما كنا نوضع فيما أوضعنا فيه بين يدي إمام تقي عادل مع رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله أتقياء مرشدين، ما زالوا منارا للهدى ومعالم للدين، خلفا عن سلف مهتدين، أهل دين لا دنيا، كل الخير فيهم، وأتبعهم من الناس ملوك وأقيال وأهل بيوتات وشرف ليسوا بناكثين ولا قاسطين، فلم يكن رغبة من رغب من صحبتهم إلا لمرارة الحق حيث جرعوها، ولو عورته حيث سلكوها، وغلبت عليهم دنيا مؤثرة وهوى متبع، وكان أمر الله قدرا مقدورا، وقد فارق الإسلام قبلنا جبلة بن الايهم فرارا من الضيم وأنفا من الذلة، فلا تفخرن يا معاوية! إن شددنا نحوك الرحال وأوضعنا إليك

٥٨
الركاب. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولجميع المسلمين.

فعظم على معاوية ما سمعه وغضب، لكنه أمسك وقال: يا عبد الله! إنا لم نرد بما قلنا أن نوردك مشرع ظمأ ولا أن نصدرك عن مكرع ري، ولكن القول قد يجري بصاحبه إلى غير ما ينطوي عليه من الفعل.

ثم أجلسه معه على سريره ودعا له بمقطعات وبرود يضعها عليه، وأقبل نحوه بوجهه يحدثه حتى قام.

وقام معه عمرو بن مرة وعمرو بن صيفي الجهنيان، فأقبلا عليه بأشد العتاب وأمضه يلومانه في خطبته وما واجه به معاوية.

فقال طارق: والله ما قمت بما سمعتماه حتى خيل لي أن بطن الأرض خير لي من ظهرها عند سماعي ما أظهر من العيب والنقص لمن هو خير منه في الدنيا والآخرة، و مازهت به نفسه وملكه عجبه وعاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله واستنقصهم، فقمت مقاما أوجب الله علي فيه ألا أقول إلا حقا، وأي خير فيمن لا ينظر ما يصير إليه غدا؟.

فبلغ عليا عليه السلام قوله: فقال: لو قتل النهدي يومئذ لقتل شهيدا.

(٢٠)
بنو هاشم مع بني أمية

بينا عمر بن عبد العزيز جالسا في مجلسه دخل حاجبه ومعه امرأة أدماء طويلة حسنة الجسم والقامة، ورجلان متعلقان بها، ومعهم كتاب من ميمون ابن مهران إلى عمر، فدفعوا إليه الكتاب، ففضه فإذا فيه:

بسم الله الرحمن الرحيم: إلى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز من ميمون بن

(١) ابن أبي الحديد في النهج: ج ٤ ص ٨٩ - ٩٢ والبحار: ج ٨ ط الكمپاني ص ٥٣٨ عن الغارات أيضا، وسيأتي ص ٥٨٣.
٥٩
مهران، سلام عليك ورحمة الله وبركاته.

أما بعد، فإنه ورد علينا أمر ضاقت به الصدور وعجزت عنه الأوساع، وهربنا بأنفسنا عنه، ووكلناه إلى عالمه، لقول الله عز وجل: " ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ". وهذه المرأة والرجلان أحدهما زوجها والآخر أبوها، وإن أباها - يا أمير المؤمنين - زعم أن زوجها حلف بطلاقها أن علي بن أبي طالب عليه السلام خير هذه الأمة وأولاها برسول الله صلى الله عليه وآله وأنه يزعم أن ابنته طلقت منه وأنه لا يجوز له في دينه أن يتخذه صهرا، وهو يعلم أنها حرام عليه كأمه. وإن الزوج يقول له:

كذبت وأثمت لقد بر قسمي وصدقت مقالتي، وأنها امرأتي على رغم أنفك وغيظ قلبك! فاجتمعوا إلي يختصمون في ذلك، فسألت الرجل عن يمينه، فقال: نعم قد كان ذلك، وقد حلفت بطلاقها أن عليا خير هذه الأمة وأولاها برسول الله صلى الله عليه وآله عرفه من عرفه وأنكره من أنكره فليغضب من غضب وليرضى من رضي. وتسامع الناس بذلك، فاجتمعوا له، وإن كانت الألسن مجتمعة فالقلوب شتى. وقد علمت يا أمير المؤمنين! اختلاف الناس في أهوائهم وتسرعهم إلى ما فيه الفتنة، فأحجمنا عن الحكم لتحكم بما أراك الله.

وإنهما تعلقا بها، وأقسم أبوها أن لا يدعها معه، وأقسم زوجها أن لا يفارقها ولو ضربت عنقه، إلا أن يحكم عليه بذلك حاكم لا يستطيع مخالفته والامتناع منه، فرفعناهم إليك يا أمير المؤمنين، أحسن الله توفيقك وأرشدك. وكتب في أسفل الكتاب:

إذا ما المشكلات وردن يوما * فحارت في تأملها العيون
وضاق القوم ذرعا عن بناها * فأنت لها - أبا حفص - أمين
لأنك قد حويت العلم طرا * وأحكمك التجارب والشؤون
وخلفك الإله على الرعايا * فحظك فيهم الحظ الثمين

٦٠