×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

مواقف الشيعة (الجزء الثاني) / الصفحات: ٤٤١ - ٤٦٠

كتاب مواقف الشيعة (الجزء الثاني) للشيخ الأحمدي الميانجي (ص ٤٤١ - ص ٤٥٨)
٤٤١
ذلك عبد الرحمن بن حسان بن ثابت فقال:

ألا أبلغ معاوية بن حرب * أمير المؤمنين نبأ كلامي
فإنا صابرون ومنظروكم * إلى يوم التغابن والخصام (١)

(٦٣٣)
صعصعة والمغيرة

قدمت الخطباء إلى المغيرة بن شعبة بالكوفة، فقام صعصعة بن صوحان فتكلم، فقال المغيرة: أخرجوه فأقيموه على المصطبة فليلعن عليا، فقال: لعن الله من لعن الله ولعن علي بن أبي طالب.

فأخبروه بذلك فقال: أقسم بالله لتقيدنه. فخرج فقال: إن هذا يأبى إلا علي بن أبي طالب، فالعنوه لعنه الله. فقال المغيرة: أخرجوه أخرج الله نفسه (٢).

(٦٣٤)
أنيس مع معاوية

روى ابن الأثير في أسد الغابة ج ١ / ١٣٤ - في ترجمة أنيس بن قتادة - عن شهر بن حوشب قال: أقام فلان (٣) خطباء يشتمون عليا - رضي الله عنه وأرضاه - ويقعون فيه حتى كان آخرهم رجل من الأنصار أو غيرهم يقال له:

أنيس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنكم قد أكثرتم اليوم في سب هذا الرجل وشتمه، وإني أقسم بالله إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول:

إني لأشفع يوم القيامة لأكثر مما على الأرض من مدر وشجر، وأقسم بالله ما

(١) تاريخ الخلفاء: ص ٢٠١، والغدير: ج ١٠ / ٢٨٢ عنه وعن الاستيعاب: ج ١ / ٢٥٥ وتاريخ ابن عساكر: ج ٧ / ٢١٣.

(٢) الغدير: ج ١٠ / ٢٦٣ عن الأذكياء لابن الجوزي ومر ص ٢٥٨.

(٣) يعني معاوية

٤٤٢
أحد أوصل لرحمه منه، أفترون شفاعته تصل إليكم وتعجز عن أهل بيته (١).

(٦٣٥)
عقيل ومعاوية

قال معاوية لعقيل بن أبي طالب: إن عليا قد قطعك وأنا وصلتك، ولا يرضيني منك إلا أن تلعنه على المنبر، قال: أفعل. فصعد المنبر، ثم قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه صلى الله عليه وآله: أيها الناس إن معاوية ابن أبي سفيان قد أمرني أن ألعن علي بن أبي طالب فالعنوه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.

ثم نزل فقال له معاوية: إنك لم تبين من لعنت منهما، بينه. فقال: والله لا زدت حرفا ولا نقصت حرفا، والكلام إلى نية المتكلم (٢).

(٦٣٦)
عبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر مع معاوية

قال: قالوا: فاستخار الله معاوية وأعرض عن ذكر البيعة حتى قدم المدينة سنة خمسين فتلقاه الناس، فلما استقر في منزله أرسل إلى عبد الله بن عباس، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وإلى عبد الله بن عمر، وإلى عبد الله بن الزبير، وأمر حاجبه أن لا يأذن لأحد من الناس حتى يخرج هؤلاء النفر، فلما جلسوا تكلم معاوية:

فقال: الحمد لله الذي أمرنا بحمده، ووعدنا عليه ثوابه، نحمده كثيرا كما أنعم علينا كثيرا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله. أما بعد: فإني قد كبر سني، ووهن عظمي، وقرب أجلي، وأوشكت

(١) الغدير: ج ١٠ / ٢٦١ عنه وعن الإصابة: ج ١ / ٧٧.

(٢) الغدير: ج ١٠ / ٢٦٠، عن العقد الفريد: ج ٢ / ١٤٤، والمستطرف: ج ١ / ٥٤

٤٤٣
أن أدعى فأجيب، وقد رأيت أن أستخلف عليكم بعدي يزيد، ورأيته لكم رضى، وأنتم عبادلة قريش وخيارها و أبناء خيارها، ولم يمنعني أن أحضر حسنا وحسينا إلا أنهما أولاد أبيهما على حسن رأيي فيهما وشديد محبتي لهما، فردوا على أمير المؤمنين خيرا يرحمكم الله.

قال: فتكلم عبد الله بن عباس فقال: الحمد لله الذي ألهمنا أن نحمده واستوجب علينا الشكر على آلائه وحسن بلائه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وصلى الله على محمد وآل محمد. أما بعد: فإنك قد تكلمت فأنصتنا، وقلت فسمعنا، وأن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه اختار محمدا صلى الله عليه وآله لرسالته، واختاره لوحيه، وشرفه على خلقه، فأشرف الناس من تشرف به، وأولاهم بالأمر وأخصهم به، وإنما على الأمة التسليم لنبيها إذ اختاره الله لها فإنه إنما اختار محمدا بعلمه وهو العليم الخبير، وأستغفر الله لي ولكم.

قال: فقام عبد الله بن جعفر فقال: الحمد لله أهل الحمد ومنتهاه نحمده على إلهامنا حمده، ونرغب إليه في تأدية حقه، وأشهد أن لا إله إلا الله واحدا صمدا لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله أما بعد:

فإن هذه الخلافة إن أخذ فيها بالقرآن فأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله، وإن أخذ فيها بسنة رسول الله فأولوا رسول الله، وإن أخذ فيها بسنة الشيخين أبي بكر وعمر فأي الناس أفضل وأكمل وأحق بهذا الأمر من آل الرسول؟ وأيم الله لو ولوه بعد نبيهم لوضعوا الأمر موضعه لحقه وصدقه، ولأطيع الرحمان، وعصي الشيطان، وما اختلف في الأمة سيفان، فاتق الله يا معاوية، فإنك قد صرت راعيا ونحن رعية، فانظر لرعيتك فإنك مسؤول عنها غدا وأما ما ذكرت من ابني عمي، وتركك أن تحضرهما، فوالله ما أصبت الحق ولا يجوز لك ذلك إلا بهما، وإنك لتعلم أنهما معدن العلم والكرم فقل أو دع، واستغفر الله لي

٤٤٤
ولكم.

(ثم نقل كلام عبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر فقال:) فتكلم معاوية فقال: قد قلت وقلتم، وإنه ذهبت الآباء وبقيت الأبناء، فابني أحب إلي من أبنائهم، مع أن ابني إن قاولتموه وجد مقالا، وإنما كان هذا الأمر لبني عبد مناف، لأنهم أهل رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما مضى رسول الله صلى الله عليه وآله ولي الناس أبو بكر وعمر من غير معدن الملك ولا الخلافة غير أنهما سارا بسيرة جميلة، ثم رجع الملك إلى بني عبد مناف، فلا يزال فيهم إلى يوم القيامة وقد أخرجك الله يا ابن الزبير وأنت يا ابن عمر منها، فأما ابنا عمي هذان فليسا بخارجين من الرأي إن شاء الله (١).

(٦٣٧)
ابن عباس ومعاوية

كتب معاوية إلى جمع في البيعة ليزيد وكتب إلى ابن عباس:

أما بعد فقد بلغني إبطاؤك عن البيعة ليزيد ابن - أمير المؤمنين - وإني لو قتلتك بعثمان لكان ذلك إلي، لأنك ممن ألب عليه وأجلب، وما معك من أمان فتطمئن به، ولا عهد فتسكن إليه، فإذا أتاك كتابي هذا فاخرج إلى المسجد، والعن قتلة عثمان، وبايع عاملي، وقد أعذر من أنذر وأنت بنفسك أبصر والسلام.

فكتب إليه ابن عباس:

أما بعد، فقد جاءني كتابك وفهمت ما ذكرت وأن ليس معي منك أمان وأنه والله ما منك يطلب الأمان يا معاوية، وإنما يطلب الأمان من الله رب

(١) الخلفاء لابن قتيبة: ج ١ / ١٤٩ - ١٥٠، والغدير: ج ١٠ / ٢٤٢ عنه، وعن جمهرة الخطب:

ج ٢ / ٢٣٣ - ٢٣٦

٤٤٥
العالمين. وأما قولك في قتلي فوالله لو فعلت للقيت الله ومحمدا صلى الله عليه وآله خصمك، فما أخاله أفلح ولا أنجح من كان رسول الله خصمه. وأما ما ذكرت من أني ممن ألب في عثمان وأجلب، فذلك أمر غبت عنه، ولو حضرته ما نسبت إلي شيئا من التأليب عليه، وأيم الله ما أرى أحدا غضب لعثمان غضبي ولا أعظم أحد قتله إعظامي، ولو شهدته لنصرته أو أموت دونه، ولقد قلت وتمنيت يوم قتل عثمان: ليت الذي قتل عثمان لقاني فقتلني معه ولا أبقى بعده. وأما قولك لي: العن قتلة عثمان، فلعثمان ولد وخاصة وقرابة هم أحق بلعنهم مني، فإن شاءوا أن يلعنوا فليلعنوا، وإن شاءوا أن يمسكوا فليمسكوا، والسلام (١).

(٦٣٨)
عبد الله بن جعفر ومعاوية

وكتب إلى عبد الله بن جعفر: أما بعد، فقد عرفت إثرتي إياك على من سواك وحسن رأي فيك وفي أهل بيتك، وقد أتاني عنك ما أكره، فإن بايعت تشكر وإن تأب تجبر، والسلام.

فكتب إليه عبد الله بن جعفر:

أما بعد، فقد جاءني كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه من إثرتك إيامي على من سواي، فإن تفعل فبحظك أصبت، وإن تأب فبنفسك قصرت. وأما ما ذكرت من جبرك إياي على البيعة ليزيد فلعمري لئن أجبرتني عليها لقد أجبرناك وأباك على الإسلام حتى أدخلناكما كارهين غير طائعين. والسلام (٢).

* * *

(١) الإمامة والسياسة: ج ١ / ١٥٤ - ١٥٥.

(٢) الإمامة والسياسة: ج ١ / ١٥٤ - ١٥٥، والغدير: ج ١٠ / ٢٤١ عنه

٤٤٦

(٦٣٩)
الأحنف ومعاوية

لما اجتمع الوفود عند معاوية (حينما أراد البيعة ليزيد) فقال معاوية للضحاك بن قيس الفهري لما اجتمع الوفود عنده: إني متكلم فإذا سكت فكن أنت الذي تدعو إلى بيعة يزيد وتحثني عليها. فلما جلس معاوية تكلم فعظم أمر الإسلام وحرمة الخلافة وحقها، وما أمر الله به من طاعة ولاة الأمر، ثم ذكر يزيد وفضله وعلمه بالسياسة، وعرض ببيعته، فعارضه الضحاك فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: - إلى أن قال: - فقال معاوية للأحنف: ما تقول يا أبا بحر؟

فقال: نخافكم إن صدقنا، ونخاف الله إن كذبنا، وأنت أمير المؤمنين أعلم بيزيد في ليله ونهاره وسره وعلانيته ومدخله ومخرجه، فإن كنت تعلمه لله تعالى وللأمة رضى فلا تشاور فيه، وأن كنت تعلم فيه غير ذلك فلا تزوده الدنيا وأنت صائر إلى الآخرة، وإنما علينا أن نقول: سمعنا وأطعنا.

وقام رجل من أهل الشام فقال: ما ندري ما تقول هذه المعدية العراقية، وإنما عندنا سمع وطاعة وضرب وازدلاف. فتفرق الناس يحكون قول الأحنف، وكان معاوية يعطي المقارب، ويداري المباعد ويلطف به... (١)

(٦٤٠)
المقدام بن معدي كرب ومعاوية

أخرج أبو داود من طريق خالد قال: وفد المقدام بن معدي كرب وعمرو

(١) الغدير: ج ١ / ٢٣٧ عن العقد الفريد: ج ٢ / ٣٠٢ - ٣٠٢ وفي نسخة أخرى: ج ٤ / ٣٧٠، والكامل لابن الأثير: ج ٣ / ٢١٤ - ٢١٦ وقد مر ص ١٨٧ بنحو آخر وفي الإمامة والسياسة: ج ١ / ١٤٨ هكذا: يا أمير المؤمنين، أنت أعلمنا بليله ونهاره وبسره وعلانيته، فإن كنت تعلم أنه خير لك قوله فاستخلفه، وإن كنت تعلم أنه شر لك فلا تزوده الدنيا وأنت صائر إلى الآخرة، فإنه ليس لك من الآخرة إلا ما طاب، واعلم أنه لا حجة لك عند الله إن قدمت يزيد على الحسن والحسين، وأنت تعلم من هما وإلى ما هما، وإنما علينا أن نقول: " سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير "
٤٤٧
ابن الأسود ورجل من بني أسد من أهل قنسرين إلى معاوية بن أبي سفيان، فقال معاوية للمقدام: أعلمت أن الحسن بن علي توفي، فرجع المقدام فقال له رجل:

أتراها مصيبة؟ (فقال له معاوية: أتراها مصيبة. مسند أحمد) فقال: ولم لا أراها مصيبة، وقد وضعه رسول الله صلى الله عليه وآله في حجره فقال: هذا مني وحسين من علي. فقال الأسدي: جمرة أطفأها الله عز وجل.

قال: فقال المقدام: أما أنا فلا أبرح اليوم حتى أغيظك وأسمعك ما تكره ثم قال: يا معاوية، إن أنا صدقت فصدقني، وإن أنا كذبت فكذبني قال:

أفعل. قال: فأنشدك بالله هل تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن لبس الحرير؟ قال: نعم. قال: فأنشدك بالله هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله ينهى عن لبس الذهب؟ قال: نعم. قال: فأنشدك بالله هل تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن لبس جلود السباع والركوب عليها؟ قال: نعم.

قال: فوالله لقد رأيت هذا كله في بيتك يا معاوية، فقال معاوية: قد علمت أني لن أنجو منك يا مقدام (١).

(٦٤١)
رجل كوفي مع معاوية

إن رجلا من أهل الكوفة دخل على بعير له إلى دمشق في حال منصرفهم عن صفين، فتعلق به رجل من دمشق، فقال: هذه ناقتي أخذت مني بصفين، فارتفع أمرهما إلى معاوية، وأقام الدمشقي خمسين رجلا بينة يشهدون أنها ناقته فقضى معاوية على الكوفي وأمره بتسليم البعير إليه. فقال الكوفي: أصلحك الله

(١) الغدير: ج ١٠ / ٢١٥، عن سنن أبي داود: ج ٢ / ١٨٦ ومسند أحمد: ج ٤ / ١٣٠ وأشار إليه قاموس الرجال: ج ٩ / ١١٦
٤٤٨
إنه جمل وليس بناقة. فقال معاوية: هذا حكم قد مضى. ودس إلى الكوفي بعد تفرقهم، فأحضره وسأله عن ثمن بعيره، فدفع إليه ضعفه وبره وأحسن إليه، وقال له: أبلغ عليا أني أقابله بمائة ألف ما فيهم من يفرق بين الناقة والجمل (١).

(٦٤٢)
عبادة بن الصامت مع معاوية

كان عبادة بن الصامت بالشام فرأى آنية من فضة، يباع الإناء بمثلي ما فيه، أو نحو ذلك، فمشى إليهم عبادة فقال: أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا عبادة بن الصامت، ألا وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله في مجلس من مجالس الأنصار ليلة الخميس في رمضان ولم يصم رمضان بعده يقول: " الذهب بالذهب، مثلا بمثل، سواء بسواء، وزنا بوزن، يدا بيد، فما زاد فهو ربا والحنطة بالحنطة، قفيز بقفيز، يد بيد، فما زاد فهو ربا، والتمر بالتمر، قفيز بقفيز، يد بيد، فما زاد فهو ربا ".

قال: فتفرق الناس عنه. فأتي معاوية فأخبر بذلك، فأرسل إلى عبادة، فأتاه، فقال له معاوية: لئن كنت صحبت النبي صلى الله عليه وآله وسمعت منه لقد صحبناه وسمعنا منه، فقال له عبادة: لقد صحبته وسمعت منه. فقال له معاوية: فما هذا الحديث الذي تذكره؟ فأخبره به، فقال له معاوية: اسكت عن هذا الحديث ولا تذكره، فقال له: بلى وإن رغم أنف معاوية، ثم قام فقال له معاوية، ما نجد شيئا أبلغ فيما بيني وبين أصحاب محمد صلى الله عليه وآله من الصفح عنهم.

(١) الغدير: ج ١٠ / ١٩٥ عن مروج الذهب: ج ٢ / ٧٢.

(٢) الغدير: ج ١٠ / ١٨٥ عن ابن عساكر: ج ٧ / ٣١٢، ومصادر جمة أخرى أوعز إليه في الإصابة:

ج ٢ / ٢٦٩، وأسد الغابة: ج ٣ / ١٠٦

٤٤٩

(٦٤٣)
عبادة ومعاوية

لما استخلف (معاوية) قام على المنبر فخطب الناس فذكر أبا بكر وعمر وعثمان ثم قال: وليت فأخذت حتى خالط لحمي ودمي، فهو خير مني، وأنا خير ممن بعدي. يا أيها الناس، إنما أنا لكم جنة، فقام عبادة بن الصامت فقال: أرأيت إن احترقت الجنة؟ قال: إذن تخلص إليك النار. قال: من ذلك أفر، فأمر به فأخذ. فأضرط بمعاوية، ثم قال: علمت كيف كانت البيعتان حين دعينا إليهما؟ دعينا على أن نبايع على أن لا نزني ولا نسرق ولا نخاف في الله لومة لائم، فقلت: أما هذه فاعفني يا رسول الله، ومضيت أنا عليها، وبايعت رسول الله صلى الله عليه وآله، ولأنت يا معاوية أصغر في عيني من أن أخاف في الله عز وجل (١).

(٦٤٤)
عبد الرحمان بن سهل مع معاوية

غزا عبد الرحمان بن سهل الأنصاري في زمن عثمان، ومعاوية أمير على الشام، فمرت به روايا خمر - لمعاوية - فقام إليها برمحه فبقر كل راوية منها فناوشه الغلمان حتى بلغ شأنه معاوية، فقال: دعوه فإنه شيخ قد ذهب عقله. فقال:

كلا والله ما ذهب عقلي ولكن رسول الله - صلى الله عليه وآله نهانا أن ندخل بطوننا وأسقيتنا خمرا، وأحلف بالله لئن بقيت حتى أرى في معاوية ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله لأبقرن بطنه أو لأموتن دونه (٢).

(١) الغدير: ج ١٠ / ١٨٢ عن ابن عساكر: ج ٧ / ٢١٣.

(٢) الغدير: ج ١٠ / ١٨١ عن الإصابة: ج ٢ / ٤٠١، وتهذيب التهذيب ملخصا: ج ٦ / ١٩٣، وأبو عمر مختصرا في الاستيعاب: ج ٢ / ٤٠١، وكذا أسد الغابة: ج ٣ / ٢٩٩، فقال أخرجه الثلاثة

٤٥٠

(٦٤٥)
عبادة ومعاوية

مر على عبادة بن الصامت وهو في الشام قطارة تحمل الخمر، فقال: ما هذه أزيت؟ قيل، لا، بل خمر تباع لفلان، فأخذ شفرة من السوق فقام إليها فلم يذر فيها راوية إلا بقرها، وأبو هريرة إذ ذاك بالشام، فأرسل فلان إلى أبي هريرة يقول له: أما تمسك عنا أخاك عبادة؟ أما بالغدوات فيغدو إلى السوق فيفسد على أهل الذمة متاجرهم، وأما بالعشي فيقعد في المسجد ليس له عمل إلا شتم أعراضنا أو عيبنا، فأمسك عنا أخاك.

فأقبل أبو هريرة يمشي حتى دخل على عبادة فقال: يا عبادة، ما لك ولمعاوية ذره وما حمل فإن الله يقول: " تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ".

قال: يا أبا هريرة لم تكن معنا إذ بايعنا رسول الله صلى الله عليه وآله، بايعناه على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن نقول في الله لا تأخذنا في الله لومة لائم، وعلى أن ننصره إذا قدم علينا يثرب، فنمنعه مما نمنع منه أنفسنا وأزواجنا وأهلنا ولنا الجنة، فهذه بيعة رسول الله صلى الله عليه وآله التي بايعناه عليها فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما بايع عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وفي الله له بما بايع عليه نبيه.

فلم يكلمه أبو هريرة بشئ (١).

* * *

(١) الغدير: ج ١٠ / ١٧٩ و ١٨٠ عن ابن عساكر: ج ٧ / ٢١١
٤٥١

(٦٤٦)
عبادة ومعاوية

عن عمرو بن قيس قال: إن عبادة أتى حجرة معاوية وهو بأنطرطوس (١) فألزم ظهره الحجرة وأقبل على الناس بوجهه وهو يقول: بايعت رسول الله صلى الله عليه وآله أن لا أبالي في الله لومة لائم، ألا إن المقداد بن الأسود قد غل بالأمس حمارا، وأقبلت أوسق من مال، فأشارت الناس إليها فقال:

أيها الناس إنها تحمل الخمر، والله ما يحل لصاحب هذه الحجرة أن يعطيكم منها شيئا ولا يحل لكم أن تسألوه، وإن كانت مقبلة - يعني سهما - في جنب أحدكم، فأتى رجل المقداد وفي يده قرصافة، فجعل يتل الحمار بها وهو يقول: معاوية هذا حمارك شأنك به، حتى أورده الحجرة (٢).

(٦٤٧)
صعصعة ومعاوية

أخرج الحافظ ابن عساكر في تاريخه ج ٦ / ٤٢٥ من طريق الشعبي قال:

خطب الناس معاوية فقال: لو أن أبا سفيان ولد الناس كلهم كانوا أكياسا.

فقام إليه صعصعة بن صوحان فقال له: قد ولد الناس كلهم من هو خير من أبي سفيان - آدم عليه السلام - فمنهم الأحمق والكيس. فقال معاوية: إن أرضنا قريبة من المحشر. فقال له: إن المحشر لا يبعد على مؤمن، ولا يقرب من كافر.

فقال معاوية: إن أرضنا أرض مقدسة. فقال له صعصعة: إن الأرض لا يقدسها شئ ولا ينجسها، إنما تقدسها الأعمال.

(١) بلدة من سواحل بحر الشام، هي آخر أعمال دمشق من البلاد الساحلية وأول أعمال حمص " معجم ".

(٢) الغدير: ج ١٠ / ١٨٠ عن ابن عساكر: ج ٧ / ٢١٣

٤٥٢
فقال معاوية: عباد الله اتخذوا الله وليا واتخذوا خلفاءه جنة تحترزوا بها.

فقال صعصعة: كيف وكيف، وقد عطلت السنة، واخفرت الذمة، فصارت عشواء مطلخمة، في دهياء مدلهمة، قد استوعبتها الأحداث، وتمكنت منها الأنكاث؟

فقال له معاوية: يا صعصعة، لأن تقعي على ظلعك خير لك من استبراء رأيك، وإبداء ضعفك، تعرض بالحسن بن علي علي، ولقد هممت أن أبعث إليه.

فقال له صعصعة: أي والله وجدتهم أكرمهم جدودا، وأحياكم حدودا، وأوفاكم عهودا، ولو بعثت إليه لوجدته في الرأي أريبا، وفي الأمر صليبا، وفي الكرم نجيبا، يلذعك بحرارة لسانه، ويقرعك بما لا تستطيع إنكاره.

فقال له معاوية: والله لأجفينك عن الوساد، ولأشردن بك في البلاد.

فقال له صعصعة: والله إن في الأرض لسعة، وإن في فراقك لدعة. فقال معاوية: والله لأحبسنك عطاءك.

قال: إن كان ذلك بيدك فافعل، إن العطاء وفضائل النعماء في ملكوت من لا تنفد خزائنه، ولا يبيد عطاؤه، ولا يحيف في قضيته. فقال له معاوية: لقد استقتلت.

فقال له صعصعة: مهلا، لم أقل جهلا، ولم أستحل قتلا، لا تقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، ومن قتل مظلوما كان الله لقاتله مقيما يرهقه أليما، ويجرعه حميما، ويصليه جحيما (١).

(٦٤٨)
أهل المدينة ومعاوية

لما كتب معاوية إلى أهل المدينة ومكة:

(١) الغدير: ج ١٠ / ١٧٣ - ١٧٤
٤٥٣
أما بعد، فإنه مهما غاب عنا، فإنه لم يفت علينا أن عليا قتل عثمان، والدليل على ذلك أن قتلته عنده، وإنما نطلب بدمه حتى يدفع إلينا قتلته فنقتلهم بكتاب الله تعالى، فإن دفعهم إلينا كففنا عنه وجعلناها شورى بين المسلمين، على ما جعلها عمر بن الخطاب. فأما الخلافة فلسنا نطلبها، فأعينونا يرحمكم الله، وانهضوا من ناحيتكم.

قال: وذكروا أنه لما قرئ عليهم كتابه اجتمع رأيهم على أن يسندوا أمرهم إلى المسور بن مخرمة، فجاوب عنهم فكتب إليه:

أما بعد: فإنك أخطأت خطأ عظيما وأخطأت مواضع النصرة، وتناولتها من مكان بعيد، وما أنت والخلافة يا معاوية؟ وأنت طليق وأبوك من الأحزاب؟ فكف عنا فليس لك قبلنا ولي ولا نصير (١).

(٦٤٩)
حجر بن عدي مع زياد، معاوية، المغيرة

إن معاوية استعمل المغيرة بن شعبة على الكوفة سنة إحدى وأربعين، فلما أمره عليها دعاه وقال له:

أما بعد: فإن لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا. وقد قال المتلمس:

لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا * وما علم الإنسان إلا ليعلما

وقد يجزى عنك الحكيم بغير التعليم، وقد أردت إيصاءك بأشياء كثيرة فأنا تاركها اعتمادا على بصرك بما يرضيني ويسعد سلطاني، ويصلح رعيتي، ولست تارك إيصاءك بخصلة: لا تقهم عن شتم علي وذمه، والترحم على عثمان والاستغفار له والعيب على أصحاب علي والإقصاء لهم، وترك الاستماع منهم، وبإطراء شيعة عثمان - رضوان الله عليه - والإدناء لهم، والاستماع منهم.

(١) الإمامة والسياسة: ج ١ / ٨٨، والغدير: ج ١٠ / ٣١
٤٥٤
فقال المغيرة: قد جربت وجربت وعملت قبلك لغيرك، فلم يذمم بي رفع ولا وضع، فستبلو فتحمد أو تذم.

ثم قال: بل نحمد إن شاء الله. فأقام المغيرة عاملا على الكوفة سبع سنين وأشهرا وهو من أحسن شئ سيرة وأشده حبا للعافية، غير أنه لا يدع شتم علي والوقوع فيه والعيب لقتلة عثمان واللعن لهم، والدعاء لعثمان بالرحمة والاستغفار له والتزكية لأصحابه.

فكان حجر بن عدي إذا سمع ذلك قال: بل إياكم فذم الله ولعن، ثم قام وقال: إن الله عز وجل يقول: " كونوا قوامين بالقسط شهداء لله " وأنا أشهد أن من تذمون وتعيرون لاحق بالفضل، وأن من تزكون وتطرون أولى بالذم.

فيقول له المغيرة: يا حجر، لقد رمي بسهمك إذ كنت أنا الوالي عليك يا حجر، ويحك اتق السلطان، اتق غضبه وسطوته، فإن غضب السلطان أحيانا مما يهلك أمثالك كثيرا. ثم يكف عنه ويصفح، فلم يزل حتى كان في آخر إمارته قام المغيرة فقال في علي وعثمان كما كان يقول، وكانت مقالته: اللهم ارحم عثمان بن عفان وتجاوز عنه واجزه بأحسن عمله، فإنه عمل بكتابك واتبع سنة نبيك صلى الله عليه وآله، وجمع كلمتنا، وحقن دماءنا، وقتل مظلوما، اللهم فارحم أنصاره وأولياءه ومحبيه والطالبين بدمه، ونال من علي بن أبي طالب - عليه السلام - ولعنه ولعن شيعته.

فوثب حجر فنعر نعرة أسمعت كل من كان في المسجد وخارجه وقال:

إنك لا تدري بمن تولع من هرمك أيها الإنسان، مر لنا بأرزاقنا وأعطياتنا فإنك قد حبستها عنا ولم يكن ذلك لك، ولم يكن يطمع في ذلك من كان قبلك، وقد أصبحت مولعا بذم أمير المؤمنين وتقريظ المجرمين.

فقام معه أكثر من ثلثي الناس يقولون: صدق والله حجر وبر، مر لنا بأرزاقنا وأعطياتنا فإنا لا ننتفع بقولك هذا، ولا يجدي علينا شيئا. وأكثروا في

٤٥٥
مثل هذا القول.

فنزل المغيرة فدخل القصر فاستأذن عليه قومه فأذن لهم، فقالوا: علام تترك هذا الرجل يقول هذه المقالة ويجترئ عليك في سلطانك هذه الجرأة، فيوهن سلطانك، ويسخط عليك أمير المؤمنين معاوية؟ وكان أشدهم له قولا في أمر حجر والتعظيم عليه عبد الله بن أبي عقيل الثقفي، فقال لهم المغيرة: إني قد قتلته إنه سيأتي أمير بعدي فيحسبه مثلي فيصنع به شبيها بما ترونه يصنع بي، فيأخذه عند أول وهلة فيقتله شر قتلة، إنه قد اقترب أجلي وضعف عملي، ولا أحب أن ابتدئ أهل هذا المصر بقتل خيارهم وسفك دماءهم، فيسعدوا بذلك وأشقى، ويعز في الدنيا معاوية، ويذل يوم القيامة المغيرة.

ثم هلك المغيرة سنة ٥١. فجمعت الكوفة والبصرة لزياد - ابن سمية - فأقبل زياد حتى دخل القصر بالكوفة، ووجه إلى حجر فجاءه وكان له قبل ذلك صديقا، فقال له: قد بلغني ما كنت تفعله بالمغيرة فيحتمله منك، وإني والله لا أحتملك على مثل ذلك أبدا، أرأيت ما كنت تعرفني به من حب علي ووده فإن الله قد سلخه من صدري فصيره بغضا وعداوة، وما كنت تعرفني به من بغض معاوية وعداوته فإن الله قد سلخه من صدري وحوله حبا ومودة، وإني أخوك الذي تعهد، إذا أتيتني وأنا جالس للناس فاجلس معي على مجلسي، وإذا أتيت ولم أجلس للناس فاجلس حتى أخرج إليك، ولك عندي في كل يوم حاجتان: حاجة غدوة، وحاجة عشية، إنك إن تستقم تسلم لك دنياك ودينك، وإن تأخذ يمينا وشمالا تهلك نفسك، وتشط عندي دمك، إني لا أحب التنكيل قبل التقدمة، ولا آخذ بغير حجة، اللهم اشهد.

فقال حجر: لن يرى الأمير مني إلا ما يحب، وقد نصح وأنا قابل نصيحته.

ثم خرج من عنده.

ولما ولي زياد جمع أهل الكوفة فملأ منهم المسجد والرحبة والقصر

٤٥٦
ليعرضهم على البراءة من علي، فقام في الناس وخطبهم ثم ترحم على عثمان وأثنى على أصحابه ولعن قاتليه.

فقام حجر ففعل مثل الذي كان يفعل بالمغيرة، وكان زياد يقيم ستة أشهر في الكوفة وستة أشهر في البصرة، فرجع إلى البصرة واستخلف على الكوفة عمرو بن حريث، فبلغه أن حجرا يجتمع إليه شيعة علي ويظهرون لعن معاوية والبراءة منه، وأنهم حصبوا عمرو بن حريث، فشخص إلى الكوفة حتى دخلها فأتى القصر فدخله، ثم خرج فصعد المنبر وعليه قباء سندس ومطرف خز أخضر، قد فرق شعره، وحجر جالس في المسجد حوله أصحابه أكثر ما كانوا، فصعد المنبر وخطب وحذر الناس وقال:

أما بعد فإن غب البغي والغي وخيم، إن هؤلاء جموا فأشروا، وأمنوني فاجترؤوا على الله، لئن لم تستقيموا لأداوينكم بدوائكم ولست بشئ إن لم أمنع باحة الكوفة من حجر، وأدعه نكالا لمن بعده، ويل أمك يا حجر سقط العشاء بك على سرحان.

ثم قال لشداد بن الهيثم الهلالي أمير الشرط: اذهب فأتني بحجر فذهب إليه فدعاه، فقال أصحابه: لا يأتيه ولا كرامة، فسبوا الشرط، فرجعوا إلى زياد فأخبروه، فقال: يا أشراف أهل الكوفة أتشجعون بيد وتأسون بأخرى، أبدانكم عندي وأهواؤكم مع هذه الهجاجة المذبوب (ابن عساكر: ج ١ / ٤٢)، وفي الكامل: أبدانكم معي، وقلوبكم مع حجر الأحمق والله، ليظهرن لي برأتكم، أو لآتينكم بقوم أقيم بهم أودكم وصعركم.

فقالوا: معاذ الله، أن يكون لنا رأي إلا طاعتك وما فيه رضاك، قال:

فليقم كل رجل منكم فليدع من عند حجر من عشيرته وأهله. ففعلوا وأقاموا أكثر أصحابه عنه، وقال زياد لصاحب شرطته: انطلق إلى حجر، فإن تبعك فائتني به وإلا فشدوا عليهم بالسيوف، حتى تأتوني به. فأتاه صاحب الشرطة

٤٥٧
يدعوه، فمنعه أصحابه من إجابته، فحمل عليهم، فقال أبو عمرطة الكندي لحجر:

إنه ليس معك رجل معه سيف غيري، فما يغني سيفي، فالحق بأهلك يمنعك قومك، فقال: وزياد ينظر إليهم وهو على المنبر، وغشيهم أصحاب زياد، فضرب رجل من الحمراء يقال له: بكر بن عبيد رأس عمرو بن الحمق بعمود، فوقع وحمله رجلان من الأزد وأتيا به دار رجل يقال له: عبيد الله بن موعد الأزدي...

فخرج حجر فأتى الأزد فاختفى عند ربيعة بن ناجذ...

فمكث حجر بن عدي في بيت ربيعة يوما وليلة، فأرسل إلى محمد بن الأشعث يقول له: ليأخذ له من زياد أمانا حتى يبعث به إلى معاوية، فجمع محمد جماعة منهم جرير بن عبد الله، وحجر بن يزيد، وعبد الله بن الحارث أخو الأشتر، فدخلوا على زياد فاستأمنوا له على أن يرسله إلى معاوية فأجابهم فأرسلوا إلى حجر بن عدي فحضر عند زياد، فلما رآه قال: مرحبا بك أبا عبد الرحمان، حرب في أيام الحرب، وحرب وقد سالم الناس. على أهلها تجني براقش.

فقال حجر: ما خلعت طاعة ولا فارقت جماعة وإني لعلى بيعتي.

فقال: هيهات هيهات يا حجر، أتشج بيد وتأسو بأخرى؟ وتريد إذا أمكننا الله منك أن نرضى؟ كلا والله لأحرصن على قطع خيط رقبتك.

فقال: ألم تؤمنني حتى آتي معاوية فيرى في رأيه.

قال: بلى، انطلقوا به إلى السجن، فلما مضى به قال: أما والله لولا أمانه ما برح حتى يلقط عصبه، فاخرج وعليه برنس في غداة باردة، فحبس عشر ليال وزياد ما له غير الطلب لرؤوس أصحاب حجر.

كان أصحاب حجر عدة منهم عمرو بن الحمق الصحابي العظيم خرج إلى المدائن، ثم إلى الموصل فأخذه العامل وقتله وبعث برأسه إلى معاوية. ومنهم صيفي بن فسيل مر كلامه مع زياد حين أخذ ص ٣١٥، ومنهم قبيصة بن

٤٥٨
كتاب مواقف الشيعة (الجزء الثاني) للشيخ الأحمدي الميانجي (ص ٤٥٩ - ص ٤٧٣)
٤٥٩
وكثير: إئذنا لي فأوصي أهلي، فأذنا له، فلما دنا منهن وهن يبكين سكت عنهن ساعة ثم قال: اسكتن، فسكتن، فقال: اتقين الله عز وجل واصبرن فإني أرجو من ربي في وجهي هذا إحدى الحسنيين: إما الشهادة وهي السعادة، وإما الانصراف إليكن في عافية، وإن الذي يرزقكن ويكفيني مؤونتكن هو الله تعالى وهو حي لا يموت، أرجو أن لا يضيعكن وأن يحفظني فيكن. ثم انصرف فمر بقومه فجعل القوم يدعون الله له بالعافية.

فساروا حتى انتهوا بهم إلى مرج عذراء عند دمشق وهم اثنا عشر رجلا:

حجر بن عدي، والأرقم بن عبد الله، وشريك بن عبد الله، وقبيصة بن ضبيعة، وكريم بن عفيف، وعاصم بن عوف، وورقاء بن سمي، وكدام بن حيان، وعبد الرحمان بن حسان، ومحرز بن شهاب، وعبد الله بن حوية.

فحبسوا بمرج عذراء، فبعث معاوية إلى وائل بن حجر وكثير بن شهاب فأدخلهما وأخذ كتابهما فقرأه على أهل الشام، فإذا فيه:

بسم الله الرحمن الرحيم لعبد الله معاوية بن أبي سفيان أمير المؤمنين من زياد ابن أبي سفيان أما بعد، فإن الله قد أحسن عند أمير المؤمنين البلاء، فأداله من عدوه، وكفاه مؤونة من بغى عليه، إن طواغيت الترابية الصبائية رأسهم حجر بن عدي خالفوا أمير المؤمنين، وفارقوا جماعة المسلمين، ونصبوا لنا الحرب، فأظهرنا الله عليهم وأمكننا منهم، وقد دعوت خيار أهل المصر وأشرافهم وذوي النهى والدين فشهدوا عليهم بما رأوا وعلموا، وقد بعثت بهم إلى أمير المؤمنين، وكتبت شهادة صلحاء أهل المصر وخيارهم في أسفل كتابي هذا.

فلما قرأ معاوية الكتاب وشهادة الشهود عليهم قال: ماذا ترون في هؤلاء النفر الذين شهد عليهم قومهم بما تسمعون؟ فقال له يزيد بن أسد البجلي: أرى أن تفرقهم في قرى الشام فيكفيكهم طواغيتها، وكتب معاوية إلى زياد أما بعد، فقد فهمت ما اقتصصت به من أمر حجر وأصحابه وشهادة من قبلك عليهم،

٤٦٠