×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

مواقف الشيعة (الجزء الثاني) / الصفحات: ٦١ - ٨٠

فرسه فقال: يا شيخ هل من شئ نقطع به لسانك؟ قال: وما ذلك؟ قال:

عشرون ناقة حمراء محملة عسلا وبرا وسمنا، وعشرة آلاف درهم تنفقها على عيالك وتستعين به على زمانك. قال الشيخ: لست أقبلها! قال: ولم ذلك؟

قال الشيخ: لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " درهم حلال خير من ألف درهم حرام "، قال معاوية: لإن أقمت في دمشق لأضربن عنقك. قال: ما أنا مقيم معك فيها. قال معاوية: ولم ذلك؟ قال الشيخ: لأن الله تعالى يقول: " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون " وأنت أول ظالم وآخر ظالم.

ثم توجه الشيخ إلى بيت المقدس (١).

(٣٢٨)
مجفن بن أبي مجفن ومعاوية

عن الموفقيات للزبير بن بكار الزبيري، حدث عن رجاله، قال: دخل مجفن بن أبي مجفن (٢) الضبي على معاوية، فقال: يا معاوية جئتك من عند ألام العرب وأعيى العرب وأجبن العرب وأبخل العرب! قال: ومن هو يا أخا بني تميم؟ قال: علي بن أبي طالب قال معاوية: اسمعوا يا أهل الشام ما يقول أخوكم العراقي! فابتدره أيهم ينزله عليه ويكرمه، فلما تصدع الناس عنه قال له: كيف قلت؟ فأعاد عليه.

فقال له: ويحك يا جاهل! كيف يكون ألام العرب وأبوه أبو طالب،

(١) البحار: ج ٨ ص ٥٣١ - ٥٣٢ ط الكمباني عن الفضائل.

(٢) كذا في البحار، وفي ابن أبي الحديد: ج ١ ص ٢٢ - ٣٤ محفن بن أبي محفن و ج ٦ ص ٢٧٩:

محقن - ثم أشار إلى القصة.

(٣) كذا في البحار أيضا والصحيح " أخوكم "

٦١
وجده عبد المطلب، وامرأته فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله؟! وأنى يكون أبخل العرب؟ فوالله لو كان له بيتان بيت تبن وبيت تبر لأنفد تبره قبل تبنه. وأنى يكون أجبن العرب؟ ووالله ما التقت فئتان قط إلا كان فارسهم غير مدافع. وأنى يكون أعيى العرب؟ فوالله ما سن البلاغة لقريش غيره، ولما قامت أم مجفن عنه ألام وأبخل وأجبن وأعيى لبظر أمه، فوالله لولا ما تعلم لضربت الذي فيه عيناك، فإياك عليك لعنة الله والعود إلى مثل هذا؟ قال: والله أنت أظلم مني فعلى أي شئ قاتلته وهذا محله؟ قال: على خاتمي هذا حتى يجوز به أمري. قال: فحسبك ذلك عوضا من سخط الله وأليم عذابه! قال: لا يا ابن مجفن، ولكني أعرف من الله ما جهلت، حيث يقول: " ورحمتي وسعت كل شئ " (١).

(٣٢٩)
ابن عباس ومعاوية

جاء الخبر إلى معاوية بموت الحسن بن علي عليهما السلام فسجد شكرا لله تعالى وبان السرور في وجهه - في حديث طويل ذكره الزبير، ذكرت منه موضع الحاجة إليه - وأذن للناس، وأذن لابن عباس بعدهم، فدخل فاستدناه، وكان عرف بسجدته، فقال: أتدري ما حدث بأهلك؟ قال: لا.

قال: فإن أبا محمد رحمه الله توفي، فعظم الله أجرك! فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! عند الله نحتسب المصيبة برسول الله صلى الله عليه وآله، وعند الله نحتسب مصيبتنا بالحسن رحمه الله، إنه قد بلغتني سجدتك، فلا أظن ذلك إلا لوفاته، والله لا يسد جسده حفرتك ولا يزيد انقضاء أجله في عمرك، ولطال

(١) البحار: ج ٨ ص ٥٣٣ ط الكمباني عن كشف. وفي الإمامة والسياسة: ج ٢ ص ١٠١ وبهج الصباغة ج ١٠ ص ٢٦٨ نقلوه عن عبد الله بن أبي محجن، وكذا ج ٦ ص ١٣٣ و ج ٤ ص ٦٨٦
٦٢
ما رزينا بأعظم من الحسن ثم جبر الله.

قال معاوية: كم كان أتى له؟ قال: شأنه أعظم من أن يجهل مولده.

قال: أحسبه ترك صبيته صغارا؟ قال: كلنا كان صغيرا فكبر. ثم قال:

أصبحت سيد أهلك. قال: أما ما أبقى الله أبا عبد الله الحسين بن علي عليهما السلام فلا، ثم قام وعينه تدمع.

فقال معاوية: لله دره! ما هيجناه قط إلا وجدناه سيدا.

ودخل على معاوية بعد انقضاء العزاء. فقال: يا أبا العباس أما تدري ما حدث في أهلك؟ قال: لا، قال: هلك أسامة بن زيد فعظم الله أجرك!

قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! رحم الله أسامة، وخرج.

فأتاه بعد أيام وقد عزم على محاققته فصلى في الجامع يوم الجمعة، واجتمع الناس عليه يسألونه عن الحلال والحرام والفقه والتفسير وأحوال الإسلام والجاهلية.

وافتقد معاوية الناس، فقيل: إنهم مشغولون بابن عباس، ولو شاء أن يضربوا معه بمائة ألف سيف قبل الليل لفعل! فقال: نحن أظلم منه، حبسناه عن أهله ومنعناه حاجته ونعينا إليه أحبته، فانطلقوا وادعوه.

فأتاه الحاجب فدعاه، فقال: إنا بني عبد مناف إذا حضرت الصلاة لم نقم حتى نصلي، أصلي - إن شاء الله - وآتيه، فرجع.

وصلى العصر وأتاه: فقال: حاجتك؟ فما سأله حاجة إلا قضاها، وقال:

أقسمت عليك لما دخلت بيت المال فأخذت حاجتك. وإنما أراد أن يعرف أهل الشام ميل ابن عباس إلى الدنيا، فعرف ما يريده فقال: إن ذلك ليس لي ولا لك، فإن أذنت أن أعطي كل ذي حق حقه فعلت. قال: أقسمت عليك إلا دخلت فأخذت حاجتك.

فدخل فأخذ برنس خز أحمر، يقال: إنه كان لأمير المؤمنين علي بن أبي

٦٣
طالب عليه السلام ثم خرج، فقال: يا أمير المؤمنين بقيت لي حاجة. قال ما هي؟ قال: علي بن أبي طالب قد عرفت فضله وسابقته وقرابته، وقد كفاكه الموت، أحب أن لا يشتم على منابركم. قال: هيهات يا ابن عباس!

أليس فعل وفعل؟ فعدد ما بينه وبين علي عليه السلام، فقال ابن عباس:

أولى لك يا معاوية! والموعد القيامة، ولكل نبأ مستقر وسوف تعلمون! وتوجه إلى المدينة (١).

(٣٣٠)
ابن عباس ومعاوية

مضى فيما مر (٢) كلام لابن عباس مع معاوية في الخلافة، ولكن نورده هنا برواية أخرى، لما بينهما من الاختلاف:

حدث الزبير عن رجاله عن ابن عباس: أن معاوية أقبل عليه وعلى بني هاشم، فقال: إنكم تريدون أن تستحقوا الخلافة كما استحققتم النبوة ولا يجتمعان لأحد، حجتكم في الخلافة شبهة على الناس، تقولون: نحن أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله فما بال خلافة النبي في غيرنا، وهذه شبهة، لأنها تشبه الحق. فأما الخلافة: فتنقلب في أحياء قريش برضى العامة وشورى الخاصة، فلم يقل الناس: ليت بني هاشم ولونا، ولو أن بني هاشم ولونا لكان خيرا لنا في دنيانا وآخرتنا، فلاهم حيث اجتمعوا على غيركم تمنوكم، ولو زهدتم فيها أمس لم تقاتلوا عليها اليوم؟ وأما ما زعمتم أن لكم ملكا هاشميا ومهديا قائما، فالمهدي عيسى بن مريم عليه السلام، وهذا الأمر في أيدينا حتى نسلمه إليه، ولعمري! لئن ملكتمونا ما رائحة عاد ولا صاعقة ثمود

(١) البحار: ج ٨ ص ٥٣٣ ط الكمباني عن الكشف عن الموفقيات. ج ١ ص ٨٢ و ٨٣.

(٢) راجع ج ١ ص ٨٣

٦٤
فأهلك للقوم منكم لنا. ثم سكت.

فقال له عبد الله بن عباس رضي الله عنه: أما قولك: إنا نستحق الخلافة بالنبوة، فإذا لم نستحقها بها، فبم؟

وأما قولك: إن الخلافة والنبوة لا تجتمعان لأحد، فأين قول الله تعالى:

" فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما "؟ فالكتاب النبوة والحكمة السنة، والملك الخلافة، ونحن آل إبراهيم فينا وفيهم واحد والسنة لنا ولهم جارية.

وأما قولك: إن حجتنا مشتبهة، فوالله لهي أضوأ من الشمس وأنور من نور القمر، وإنك لتعلم ذلك، ولكن ثنى عطفك وصعرك، قتلنا أخاك وجدك وأخاه وخالك، فلا تبك على أعظم حائلة وأرواح أهل النار، ولا تغضبن لدماء أحلها الشرك ووضعها.

فأما ترك الناس أن يجتمعوا علينا، فما حرموا منا أعظم مما حرمنا منهم.

وأما قولك: إنا زعمنا أن لنا ملكا مهديا، فالزعم في كتاب الله تعالى:

" زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا " وكل يشهد أن لنا ملكا ولو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لبعث الله لأمره منا من يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما، لا تملكون يوما واحدا إلا ملكنا يومين ولا شهرا إلا ملكنا شهرين ولا حولا إلا ملكنا حولين.

وأما قولك: أن المهدي عيسى بن مريم، فإنما ينزل عيسى على الدجال فإذا رآه يذوب كما تذوب الشحمة، والإمام منا رجل يصلي خلفه عيسى ابن مريم، ولو شئت سميته.

٦٥
وأما ريح عاد وصاعقة ثمود، فإنهما كانا عذابا، وملكنا والحمد لله رحمة (١).

(٣٣١)
ذكوان مع معاوية

نقل الجنابذي في معالم العترة ما لا يخلو نقله هنا عن فائدة، قال:

عن ذكوان مولى معاوية، قال: قال معاوية: لا أعلمن أحدا سمى هذين الغلامين ابني رسول الله إلا فعلت وفعلت، ولكن قولوا: ابني علي عليه السلام.

قال ذكوان: فلما كان بعد ذلك أمرني أن أكتب بنيه في الشرف، قال: فكتبت بنيه وبني بنيه وتركت بني بناته. ثم أتيته بالكتاب، فنظر فيه، فقال: ويحك! لقد أغفلت كبر بني! فقلت: من؟ قال: أما بنو فلانة لابنته بني؟ أما بنو فلانة بني لابنته؟ قال: قلت: الله! أيكون بنو بناتك بنيك ولا يكون بنو فاطمة بني رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قال: ما لك قاتلك الله! لا يسمعن هذا أحد منك (٢).

(٣٣٢)
محمد الحميري مع معاوية

اجتمع الطرماح وهشام المرادي ومحمد بن عبد الله الحميري عند معاوية ابن أبي سفيان، فأخرج بدرة فوضعها بين يديه، ثم قال: يا معشر شعراء العرب! قولوا قولكم في علي بن أبي طالب، ولا تقولوا إلا الحق وأنا نفي من صخر بن حرب إن أعطيت هذه البدرة إلا من قال الحق في علي.

(١) البحار: ج ٨. ص ٥٣٤ ط الكمباني عن الكشف عن الموفقيات.

(٢) البحار: ج ٨ ص ٥٣٤ ط الكمباني

٦٦
فقام الطرماح، فتكلم وقال في علي ووقع فيه. فقال معاوية: اجلس فقد عرف الله نيتك ورأى مكانك.

ثم قام هشام المرادي، فقال أيضا ووقع فيه. فقال معاوية: اجلس، فقد عرف الله مكانكما.

فقال عمرو بن العاص لمحمد بن عبد الله الحميري - وكان خاصا به -:

تكلم ولا تقل إلا الحق، ثم قال: يا معاوية قد آليت ألا تعطي هذه البدرة إلا قائل الحق في علي. قال: نعم أنا نفي من صخر بن حرب إن أعطيتها منهم إلا من قال الحق في علي.

فقام محمد بن عبد الله، فتكلم، ثم قال:

بحق محمد قولوا بحق * فإن الإفك من شيم اللئام
أبعد محمد بأبي وأمي * رسول الله ذي الشرف الهمام
أليس علي أفضل خلق ربي؟ * وأشرف عند تحصيل الأنام؟


ولايته هي الإيمان حقا * فذرني من أباطيل الكلام
وطاعة ربنا فيها وفيها * شفاء للقلوب من السقام
علي إمامنا بأبي وأمي * أبو الحسن المطهر من حرام
إمام هدى أتاه الله علما * به عرف الحلال من الحرام
ولو أني قتلت النفس حبا * له ما كان فيها من اثام
يحل النار قوم يبغضوه * وإن صاموا وصلوا ألف عام
ولا والله ما تزكو صلاة * بغير ولاية العدل الإمام
أمير المؤمنين بك اعتمادي * وبالغرر الميامين اعتصامي
برئت من الذي عادى عليا * وحاربه من أولاد الحرام
تناسوا نصبه في يوم خم * من الباري ومن خير الأنام

٦٧
برغم الأنف من يشنأ كلامي * علي فضله كالبحر طامي
وأبرأ من أناس أخروه * وكان هو المقدم بالمقام
علي هزم الأبطال لما * رأوا في كفه ماح الحسام
على آل النبي صلاة ربي * صلاة بالكمال وبالتمام

فقال معاوية: أنت أصدقهم قولا، فخذ هذه البدرة (١).

(٣٣٣)
بنو هاشم ومعاوية

عن سليم أنه قال: حدثني عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، قال: كنت عند معاوية ومعنا الحسن والحسين صلوات الله عليهما وعنده عبد الله بن عباس، فالتفت إلي معاوية، فقال: يا عبد الله ما أشد تعظيمك للحسن والحسين!

وما هما بخير منك ولا أبوهما خير من أبيك، ولولا أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله لقلت ما أمك أسماء بنت عميس بدونها، فقلت: والله إنك لقليل العلم بهما وبأبيهما وبأمهما، بل والله لهما خير مني وأبوهما خير من أبي وأمهما خير من أمي، يا معاوية إنك لغافل عما سمعته أنا من رسول الله صلى الله عليه وآله يقول فيهما وفي أبيهما وأمهما، قد حفظته ووعيته ورويته.

قال: هات يا ابن جعفر! فوالله ما أنت بكذاب ولا متهم. فقلت: إنه أعظم مما في نفسك. قال: وإن كان أعظم من أحد وحراء جميعا فلست أبالي إذا قتل الله صاحبك وفرق جمعكم وصار الأمر في أهله، فحدثنا فما نبالي ما قلتم ولا يضرنا ما عددتم.

قلت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسئل عن هذه الآية " وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن " فقال: إني

(١) البحار: ج ٨ ص ٥٣٤ ط الكمباني. وراجع فرائد السمطين: ج ١ ص ٣٧٤ - ٣٧٥
٦٨
رأيت اثني عشر رجلا من أئمة الضلالة يصعدون منبري وينزلون، يردون أمتي على أدبارهم القهقرى، فيهم رجلين من حيين من قريش مختلفين، وثلاثة من بني أمية، وسبعة من ولد الحكم بن أبي العاص، إذا بلغوا خمسة عشر رجلا جعلوا كتاب الله دخلا وعباد الله خولا. يا معاوية إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول على المنبر وأنا بين يديه وعمر بن أبي سلمة وأسامة بن زيد وسعد بن أبي وقاص وسلمان الفارسي وأبو ذر والمقداد والزبير بن العوام وهو يقول: " ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم "؟ فقلنا: بلى يا رسول الله. فقال:

" أليس أزواجي أمهاتكم "؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: " من كنت مولاه فهذا مولاه أولى به من نفسه - وضرب بيده على منكب علي عليه السلام - اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، أيها الناس! أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ليس لهم معي أمر وعلي من بعدي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ليس لهم معه أمر، ثم ابني الحسن أولى بالمؤمنين من أنفسهم ليس لهم معه أمر ".

ثم عاد فقال: " أيها الناس! إذا أنا استشهدت فعلي أولى بكم من أنفسكم، فإذا استشهد علي فابني الحسن أولى بالمؤمنين منهم بأنفسهم، وإذا استشهد الحسن فابني الحسين أولى بالمؤمنين منهم بأنفسهم، فإذا استشهد الحسين فابني علي بن الحسين أولى بالمؤمنين منهم بأنفسهم ليس لهم معه أمر - ثم أقبل إلى علي فقال: يا علي إنك ستدركه فاقرأه مني السلام - فإذا استشهدوا فابني محمد أولى بالمؤمنين منهم بأنفسهم - وستدركه أنت يا حسين فاقرأه مني السلام - ثم يكون في عقب محمد رجال واحد بعد واحد، وليس منهم أحد إلا وهو أولى بالمؤمنين منهم بأنفسهم ليس لهم معه أمر، كلهم هادون مهتدون ".

فقام علي بن أبي طالب وهو يبكي، فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله!

أتقتل؟ قال: " نعم أهلك شهيدا بالسم، وتقتل أنت بالسيف وتخضب لحيتك من دم رأسك، ويقتل ابني الحسن بالسم، ويقتل ابني الحسين بالسيف، يقتله

٦٩
طاغي ابن طاغ ودعي ابن دعي.

فقال معاوية: يا ابن جعفر لقد تكلمت بعظيم! ولئن كان ما تقول حقا لقد هلكت أمة محمد من المهاجرين والأنصار غيركم أهل البيت وأولياؤكم وأنصاركم!.

فقلت: والله إن الذي قلت بحق سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله قال معاوية: يا حسن يا حسين ويا ابن عباس ما يقول ابن جعفر؟. فقال ابن عباس - ومعاوية بالمدينة أول سنة اجتمع عليه الناس بعد قتل علي عليه السلام -: إن كنت لا تؤمن بالذي قال فأرسل إلى الذين سماهم فاسألهم عن ذلك.

فأرسل معاوية إلى عمر بن أبي سلمة وإلى أسامة بن زيد، فسألهما، فشهدا أن الذي قال ابن جعفر قد سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وآله كما سمعه.

فقال معاوية: يا ابن جعفر قد سمعنا في الحسن والحسين وفي أبيهما، فما سمعت في أمهما - ومعاوية كالمستهزئ والمنكر - فقلت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " ليس في جنة عدن منزل أشرف ولا أفضل ولا أقرب إلى عرش ربي من منزلي، ومعي ثلاثة عشر من أهل بيتي: أولهما أخي علي، وابنتي فاطمة وابناي الحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، هداة مهتدون، أنا المبلغ عن الله، وهم المبلغون عني، وهم حجج الله على خلقه وشهداؤه في أرضه، وخزانه على علمه ومعادن حكمه، من أطاعهم أطاع الله، ومن عصاهم فقد عصى الله، لا تبقى الأرض طرفة عين إلا ببقائهم ولا تصلح إلا بهم، يخبرون الأمة بأمر دينهم حلالهم وحرامهم، يدلونهم على رضا ربهم، وينهونهم عن سخطه بأمر واحد ونهي واحد، ليس فيهم اختلاف ولا فرقة ولا تنازع، يأخذ آخرهم عن أولهم إملائي وخط

٧٠
أخي علي بيده، يتوارثونه يوم القيامة أهل الأرض كلهم في غمرة وغفلة وتيهة وحيرة غيرهم وغير شيعتهم وأوليائهم، لا يحتاجون إلى أحد من الأمة في شئ من أمر دينهم والأمة تحتاج إليهم، هم الذين عنى الله في كتابه وقرن طاعتهم بطاعته وطاعة رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ".

فأقبل معاوية على الحسن والحسين وابن عباس والفضل بن عباس وعمر ابن أبي سلمة وأسامة بن زيد، فقال: كلكم على ما قال ابن جعفر؟ قالوا:

نعم. قال: يا بني عبد المطلب إنكم لتدعون أمرا عظيما وتحتجون بحجج قوية إن كانت حقا، وإنكم لتضمرون على أمر تسرونه والناس عنه في غفلة عمياء، ولإن كان ما تقولون حقا لقد هلكت الأمة وارتدت عن دينها وتركت عهد نبيها صلى الله عليه وآله غيركم أهل البيت، ومن قال بقولكم فأولئك في الناس قليل.

فقلت: يا معاوية إن الله تبارك وتعالى يقول: " وقليل من عبادي الشكور " ويقول: " وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين " ويقول: " إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم " ويقول لنوح: " وما آمن معه إلا قليل " ويقول:

" وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين " يا معاوية المؤمنون في الناس قليل.

فقال ابن عباس: يا معاوية إن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه: " وقليل ما هم " و يقول لنوح: " وما آمن معه إلا قليل " ويقول: " وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين " يا معاوية المؤمنون في الناس قليل، وإن أمر بني إسرائيل أعجب حيث قالت السحرة لفرعون: " اقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا إنا آمنا برب العالمين " فآمنوا بموسى وصدقوه وتابعوه فسار بهم وبمن تبعه من بني إسرائيل، فأقطعهم البحر وأراهم الأعاجيب وهم مصدقون به وبالتوراة مقرون له بدينه، فمر بهم على قوم يعبدون أصناما لهم، فقالوا: " يا موسى

٧١
اجعل لنا إلها كما لهم آلهة " ثم اتخذوا العجل فعكفوا عليه جميعا! غير هارون وأهل بيته، وقال لهم السامري: " هذا إلهكم وإله موسى "، وقال لهم بعد ذلك:

" ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم " فكان من جوابهم ما قص الله في كتابه: " إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون " قال موسى: " رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا و بين القوم الفاسقين " فأحدثت هذه الأمة ذلك المثال سواء، وقد كانت لهم فضائل وسوابق مع رسول الله صلى الله عليه وآله، ومنازل بينه قريبة منه (١) مقرين بدين محمد والقرآن حتى فارقهم نبيهم صلى الله عليه وآله فاختلفوا و تفرقوا وتحاسدوا، وخالفوا إمامهم ووليهم حتى لم يبق منهم على ما عاهدوا عليه نبيهم غير صاحبنا الذي هو من نبينا بمنزلة هارون من موسى ونفر قليل لقوا الله عز وجل على دينهم وإيمانهم، ورجع الآخرون القهقرى على أدبارهم كما فعل أصحاب موسى عليه السلام باتخاذهم العجل وعبادتهم إياه وزعمهم أنه ربهم وإجماعهم عليه غير هارون وولده ونفر قليل من أهل بيته ونبينا صلى الله عليه وآله قد نصب لأمته أفضل الناس وأولاهم وخيرهم بغدير خم وفي غير موطن، واحتج عليهم به، وأمر بطاعتهم، وأخبرهم أنه منه بمنزلة هارون من موسى، وأنه ولي كل مؤمن من بعده، وأنه كل من كان هو وليه ومن كان أولى به من نفسه فعلي أولى به، وأنه خليفته فيهم ووصيه، وأن من أطاعه أطاع الله، ومن عصاه عصى الله، ومن والاه والى الله، ومن عاداه عادى الله، فأنكروه وجهلوه وتولوا غيره. يا معاوية أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله حين بعث إلى مؤتة أمر عليهم جعفر بن أبي طالب عليه السلام.

ثم قال: " إن هلك جعفر فزيد بن حارثة، فإن هلك زيد فعبد الله بن

(١) في كتاب سليم " ومنازل منه قريبة " (.)
٧٢
رواحة " ولم يرض لهم أن يختاروا لأنفسهم، أفكان يترك أمته؟ ولا بين لهم خليفته فيهم بعده؟ بلى ما تركهم في عمى ولا شبهة، بل ركب القوم ما ركبوا بعد نبيهم وكذبوا على رسول الله صلى الله عليه وآله، فهلكوا وهلك من شايعهم، وضل من تابعهم، فبعدا للقوم الظالمين.

فقال معاوية: يا ابن عباس إنك لتتفوه بعظيم! والاجتماع عندنا خير من الاختلاف، وقد علمت أن الأمة لم تستقم على صاحبك. فقال ابن عباس:

إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " ما اختلفت أمة بعد نبيها إلا ظهر أهل باطلها على أهل حقها "، وإن هذه الأمة أجمعت على أمور كثيرة ليس بينها اختلاف ولا منازعة ولا فرقة: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله، والصلوات الخمس، وصوم شهر رمضان، وحج البيت، وأشياء كثيرة من طاعة الله ونهي الله، مثل تحريم الزنا، والسرق، وقطع الأرحام، والكذب، والخيانة. واختلفت في شيئين: أحدهما اقتتلت عليه وتفرقت فيه، وصارت فرقا يلعن بعضها بعضا ويبرأ بعضها من بعض (١) فالملك والخلافة زعمت أنها (٢) أحق بهما من أهل بيت نبي الله صلى الله عليه وآله فمن أخذنا بما ليس أهل القبلة اختلاف (٣)، ورد علم ما اختلفوا فيه إلى الله، سلم ونجى من النار، ولم يسأله الله عما أشكل عليه من الخصلتين اللتين اختلف فيهما، ومن وفقه الله ومن عليه ونور قلبه وعرفه ولاة الأمر ومعدن العلم أين هو فعرف ذلك كان سعيدا ولله وليا، وكان نبي الله صلى الله عليه وآله يقول: " رحم الله عبدا قال حقا فغنم، أو سكت فلم

(١) سقط من هنا كلمات راجع كتاب سليم بن قيس: ص ٢٣٧.

(٢) كذا في البحار أيضا، والظاهر: " أنك ".

(٣) كذا في البحار أيضا، وفي كتاب سليم: " فمن أخذ بما ليس فيه بين أهل القبلة اختلاف "

٧٣
يتكلم " فالأئمة من أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومنزل الكتاب ومهبط الوحي ومختلف الملائكة، لا تصلح إلا فيها، لأن الله خصها بها، وجعلها أهلها في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وآله، فالعلم فيهم وهم أهله، وهو عندهم كله بحذافيره، باطنه وظاهره، ومحكمه ومتشابهه، وناسخه ومنسوخه.

يا معاوية إن عمر بن الخطاب أرسلني في إمرته إلى علي بن أبي طالب عليه السلام: إني أريد أن أكتب القرآن في مصحف فابعث إلينا ما كتبت من القرآن. فقال: تضرب والله عنقي قبل أن تصل إليه. قلت: ولم؟ قال:

إن الله يقول: " لا يمسه إلا المطهرون " يعني لا يناله كله إلا المطهرون، إيانا عنى، نحن الذين اصطفانا الله من عباده، ونحن صفوة الله وضرب لنا الأمثال، وعلينا نزل الوحي.

فغضب عمر، وقال: إن ابن أبي طالب يحسب أنه ليس عند أحد علم غيره، فمن كان يقرأ من القرآن شيئا فليأتنا به، فكان إذا جاء رجل بقرآن فقرأه ومعه آخر كتبه، وإلا لم يكتبه. فمن قال يا معاوية: إنه ضاع من القرآن شئ فقد كذب، هو عند أهله مجموع. ثم أمر عمر قضاته وولاته، فقال:

اجتهدوا رأيكم واتبعوا ما ترون أنه الحق.

فلم يزل هو وبعض ولاته قد وقعوا في عظيمة، فكان علي بن أبي طالب عليه السلام يخبرهم بما يحتج عليهم، وكان عماله وقضاته يحكمون في شي، واحد بقضايا مختلفة فيجيزها لهم، لأن الله لم يؤته الحكمة وفصل الخطاب، وزعم كل صنف من أهل القبلة أنهم معدن العلم والخلافة دونهم! فبالله نستعين على من جحدهم حقهم، وسن للناس ما يحتاج به مثلك عليهم (١).

(١) البحار: ج ٨ ص ٥٣٦ - ٥٣٧ ط الكمباني عن سليم والاحتجاج وتقدم ج ١ ص ٣٦٥
٧٤
ثم قاموا فخرجوا.

(٣٣٤)
خالد بن معمر مع معاوية

قال معاوية لخالد بن معمر: على ما أحببت عليا؟ قال: على ثلاث خصال: على حلمه إذا غضب، وعلى صدقه إذا قال، وعلى عدله إذا ولي (١).

(٣٣٥)
طارق ومعاوية

عن عوانة، قال: خرج النجاشي في أول يوم من رمضان، فمر بأبي سمال الأسدي (له إدراك وكان سخيا) وهو قاعد بفناء داره، فقال له: أين تريد؟ قال: أريد الكناسة. قال: هل لك في رؤوس وأليات قد وضعت في التنور من أول الليل فأصبحت قد أينعت وتهرأت؟ قال: ويحك! في أول يوم من رمضان؟ قال: دعنا مما لا نعرف (مما لا يعرف خ). قال: ثم مه؟

قال: ثم أسقيك من شراب كالورس، يطيب النفس ويجري في العرق ويزيد في الطرق، يهضم الطعام، ويسهل للفدم الكلام. فنزل فتغديا، ثم أتاه بنبيذ فشرباه.

فلما كان من آخر النهار علت أصواتهما، ولهما جار يتشيع من أصحاب علي عليه السلام - فأتى عليا عليه السلام - فأخبره بقصتهما، فأرسل إليهما قوما فأحاطوا بالدار. فأما أبو سمال فوثب إلى دور بني أسد فأفلت. وأما النجاشي فأوتي به عليا عليه السلام، فلما أصبح أقامه في سراويل فضربه ثمانين ثم زاده عشرين سوطا. فقال: يا أمير المؤمنين [ أما الحد فقد عرفته ] فما هذه العلاوة التي لا تعرف؟ قال: لجرأتك على ربك وإفطارك في شهر

(١) البحار: ج ٨ ص ٥٣٧ ط الكمباني
٧٥
رمضان، ثم أقامه في سراويله للناس، فجعل الصبيان يصيحون به: خرى النجاشي، فجعل يقول: كلا! والله إنها يمانية [ وكاؤها شعر ].

ومر به هند بن عاصم السلولي فطرح عليه مطرفا، ثم جعل الناس يمرون به فيطرحون عليه المطارف حتى اجتمعت عليه مطارف كثيرة، ثم أنشأ يقول:

إذا الله حيا صالحا من عباده * تقيا فحيا الله هند بن عاصم
وكل سلولي إذا ما دعوته * سريع إلى داعي العلى والمكارم

ثم لحق بمعاوية وهجا عليا فقال:

ألا من مبلغ عني عليا * بأني قد أمنت فلا أخاف
عمدت لمستقر الحق لما * رأيت قضية فيها اختلاف

عن أبي الزناد قال: دخل النجاشي على معاوية، وقد أذن معاوية للناس عامة، فقال لحاجبه: ادع النجاشي. قال: والنجاشي بين يديه ولكن اقتحمته عينه. فقال: ها أنا ذا النجاشي بين يديك يا أمير المؤمنين، إن الرجال ليست بأجسامها، إنما لك من الرجل أصغراه: قلبه ولسانه.

قال: ويحك! أنت القائل:

ونجى ابن حرب سابح ذو علالة * أجش هزيم والرماح دوان
إذا قلت أطراف الرماح تنوشه * مرية له الساقان والقدمان

ثم ضرب بيده إلى ثديه وقال: ويحك! إنما مثلي لا تعدو به الخيل.

فقال: [ يا أمير المؤمنين ] إني لم أقل هذا لك، إنما قلته لعتبة بن أبي سفيان.

ولما حد علي عليه السلام النجاشي غضب لذلك من كان مع علي [ من اليمانية ] وكان أخصهم به طارق بن عبد الله بن كعب بن أسامة النهدي، فدخل على أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين ما كنا نرى

٧٦
أن أهل المعصية والطاعة وأهل الفرقة والجماعة عند ولاة العدل ومعادن الفضل سيان في الجزاء، حتى رأيت ما كان من صنيعك بأخي الحارث، فأوغرت صدورنا، وشتت أمورنا، وحملتنا على الجادة التي كنا نرى أن سبيل من ركبها النار.

فقال علي عليه السلام: " إنها لكبيرة إلا على الخاشعين " يا أخا بني نهد وهل هو إلا رجل من المسلمين انتهك حرمة [ من حرم الله، فأقمنا عليه حدا كان كفارته؟ ] إن الله تعالى يقول: " ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ".

قال: فخرج طارق من عند علي وهو مظهر بعذره قابل له، فلقاه الأشتر النخعي - رحمه الله - فقال له: يا طارق أنت القائل لأمير المؤمنين: إنك أوغرت صدورنا وشتت أمورنا؟ قال طارق: نعم أنا قائلها. قال له الأشتر: والله ما ذاك كما قلت، وإن صدورنا له لسامعة، وإن أمورنا له لجامعة.

قال: فغضب طارق وقال: ستعلم يا أشتر أنه غير ما قلت.

فلما جنه الليل همس هو والنجاشي [ إلى معاوية، فلما قدما عليه دخل آذنه فأخبره بقدومهما، وعنده ] وجوه أهل الشام، منهم عمرو بن مرة الجهني وعمرو بن صيفي وغيرهما.

قال: فدخلا عليه، فلما نظر معاوية إليه قال: مرحبا بالمورق غصنه المعرق أصله المسود غير المسود، في أرومة لا ترام ومحل يقصر عنه الرامي، من رجل كانت منه هفوة ونبوة باتباعه صاحب الفتنة ورأس الضلالة والشبهة التي اغترز في ركاب الفتنة حتى استوى على رحلها، ثم أوجف في عشوة ظلمتها وتيه ضلالتها، وأتبعه رجرجة من الناس وهنون من الحثالة، أما والله!

ما لهم أفئدة " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ".

فقام طارق، فقال: يا معاوية إني متكلم فلا يسخطك أول دون آخر.

٧٧
كتاب مواقف الشيعة (الجزء الثاني) للشيخ الأحمدي الميانجي (ص ٧٨ - ص ٩٥)
٧٨

فقال طارق لهما: والله ما قمت [ بما سمعتماه ] حتى خيل لي أن بطن الأرض أحب إلي من ظهرها عند إظهاره ما أظهر من البغي والعيب والنقص لأصحاب محمد صلى الله عليه وآله، ولمن هو خير منه في العاجلة والآجلة [ وما زهت به نفسه وملكه عجبه وعاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله واستنقصهم ] ولقد قمت مقاما عنده أوجب الله علي فيه أن لا أقول إلا حقا، وأي خير فيمن لا ينظر ما يصير إليه غدا؟ وأنشأ يتمثل بشعر لبيد بن عطارد التميمي:

لا تكونوا على الخطيب مع الدهر * فإني فيما مضى لخطيب
أصدع الناس في المحافل بالخطبة * يعيى بها الخطيب الأريب
وإذا قالت الملوك من الحاسم * للداء قيل ذاك الطبيب
غير أني إذا قمت كاربني الكربة * لا يستطيعها المكروب
وكذاك الفجور يصرعه البغي * وفي الناس مخطئ ومصيب
وخطيب النبي أقول بالحق * وما في مقاله عرقوب
إن من جرب الأمور من الناس * وقد ينفع الفتى التجريب
لحقيق بأن يكون هواه * وتقاه فيما إليه يؤوب

فبلغ عليا عليه السلام مقالة طارق وما قال لمعاوية. فقال: لو قتل أخو بني نهد يومئذ لقتل شهيدا.

وزعم بعض الناس أن طارق بن عبد الله رجع إلى علي عليه السلام ومعه النجاشي.

وعمل معاوية في إطراء طارق وتعظيم أمره حتى تسلل ما كان في نفسه (١).

(١) الغارات للثقفي: ج ٢ ص ٥٣٣ تحقيق الأرموي، ونقل في شرح النهج لابن أبي الحديد: ج ٤ ص ٩٠ - ٩١،

=>

٧٩

(٣٣٦)
رجل ومعاوية

روي: أن معاوية بن أبي سفيان قال: إني أحب أن ألقى رجلا قد أتت عليه سن وقد رأى الناس، يخبرنا عما رأى. فقيل له: هذا رجل بحضرموت.

فأرسل إليه، فأتاه، فقال له: ما اسمك؟ قال: أمد، قال: ابن من؟ قال:

ابن لبد، قال ما أتى عليك من السنين؟ قال: ثلاثمائة وستون سنة، قال:

كذبت.

ثم تشاغل عنه معاوية، ثم أقبل عليه بعد ذلك، فقال: ما اسمك؟

قال: أمد، قال: ابن من؟ قال: ابن لبد، قال: ما أتى عليك من السنين؟

قال: ستون وثلاثمائة، قال: أخبرنا عما رأيت من الأزمان الماضية إلى زماننا هذا من ذاك، قال: يا أمير المؤمنين وكيف تسأل من يكذب؟ قال:

إني ما كذبتك ولكن أحببت أعلم كيف عقلك.

قال: يوم شبيه يوم وليلة شبيهة بليلة، يموت ميت ويولد مولود، ولولا من يموت لم تسعهم الأرض، ولولا من يولد لم يبق أحد على وجه الأرض.

قال: فأخبرني هل رأيت هاشما؟ قال: نعم رأيت رجلا طوالا حسن الوجه، يقال: إن بين عينيه بركة أو غرة بركة.

قال: فهل رأيت أمية؟ قال: نعم رأيت رجلا قصيرا أعمى، يقال له:

إن في وجهه أشرا أو شؤما.

قال: فهل رأيت محمدا؟ قال: من محمد؟ قال: رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: ويحك! أفلا فحمته كما فخمه الله فقلت: رسول الله صلى الله

<=

والمستدرك للنوري رحمه الله باب الحدود ج ٣ ص ٢٣٤ شطرا منه. وكذا الوسائل كتاب الحدود عن الكافي والتهذيب والفقيه (راجع ج ١٨ ص ٤٧٤) والبحار: ج ٨ ص ٥٣٨ و ٦٧٥ ط الكمباني

٨٠