×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

مواقف الشيعة (الجزء الثالث) / الصفحات: ٤٢١ - ٤٤٠

وغيرها (١).

(٩٤١)
ابن طاووس ومن ينسب الى العلم

واحدثك يا ولدي بجواب جرى لي مع من ينسب الى العلم، فإنه حضر عندي يوما وأنا جالس على تراب أرض بستان فقال: كيف أنت؟

فقلت له: كيف يكون من على رأسه جنازة ميت وعلى أكتافه جنازة ميت وعلى سائر جسمه أموات محيطون به، وفي رجليه جسد ميت وحوله أموات من سائر جهاته وبعض جسده قد مات قبل ممات جسده. فقال: كيف هذا فما أرى عندك ميتا؟

فقلت له: ألست تعلم أن عمامتي من كتان وقد كان حيا لما كان أخضر نباتا في الارض فيبس ومات، وهذه صدرتي من قطن حي أخضر فيبس أيضا ومات، وهذه لا لجتي قد كانت من حيوان فمات، وهذا حولي نبات قد كان أخضر فيبس ومات، وهذا البياض في شعر رأسي وشعر وجهي قد كان حيا بسواده فلما صار أبيض فقد مات، وكل جارحة لا أستعملها فيما خلقت له من الطاعات فقد صارت في حكم الاموات.

فتعجب من هذه العظة وصحيح المقالات، فليكن على خطرك يا ولدي أمثال هذه العظات (٢).

(٩٤٢)
ابن عباس ورجل

عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال سعيد: جاء رجل فقال:

(١) كشف المحجة: ص ٥٤ - ٥٦.

(٢) كشف المحجة: ص ٩٧ - ٩٨.

٤٢١
يا ابن عباس إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي فقد وقع ذالك في صدري.

فقال ابن عباس: أتكذيب؟ فقال: ما تكذيب ولكن اختلاف.

قال: فهلم ما وقع في نفسك.

قال له الرجل: اسمع الله عزوجل يقول: (فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون) (١) وقال في آية اخرى: (واقبل بعضهم على بعض يتساءلون) (٢) وقال في آية اخرى: (ولا يكتمون الله حديثا) (٣) وقال في آية اخرى: (والله ربنا ما كنا مشركين) (٤) فقد كتموا في هذه الاية وفي قوله: (أم السماء بناها رفع سمكها فسواها و أغطش ليلها وأخرج ضحاها والارض بعد ذلك دحاها) (٥) فذكر في هذه الاية خلق السماء قبل الارض ثم قال في هذه الاية الاخرى: (أئنكم لتكفرون بالذي خلق الارض في يومين وتجعلون لله أندادا ذالك رب العالمين) (٦) وقال: (وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين) - الى آخر الاية قوله - طائعين) (٧) فذكر في هذه الاية خلق الارض قبل السماء.

وقوله: وكان الله غفورا رحيما) (٨) و (كان الله عزيزا حكيما) (٩) و (كان الله سميعا بصيرا) (١٠) فكأنه كان ثم مضى. قال ابن عباس: هات ما وقع في نفسك من هذا.

قال السائل: إذا أنت أنبأتني بهذا فحسبي.

قال ابن عباس: قوله (فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون) فهذا في

(١) المؤمنون: ١٠١.

(٢) الصافات: ٢٧.

(٣) النساء ٤٢.

(٤) الانعام: ٢٣.

(٥) النازعات: ٢٧ و ٢٨ و ٢٩ و ٣٠.

(٦) فصلت: ٩.

(٧) فصلت: ١٠ / ١١.

(٨) النساء: ٩٦ و ٩٩ و ١٥٢.

(٩) النساء: ١٥٨ و ١٦٥.

(١٠) النساء ١٣٤.

٤٢٢
النفخة الاولى (ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الارض إلا من شاء الله (١) فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون. ثم إذا كان في النفخة الاخرى قاموا فاقبل بعضهم على بعضهم يتساءلون.

وأما قوله عزوجل: (ربنا ما كنا مشركين) وقوله عزوجل: (ولا يكتمون الله حديثا) فإن الله عزوجل يغفر يوم القيامة لاهل الاخلاص ذنوبهم ولا يتعاظم عليه ذنب أن يغفره ولا يغفر الشرك، فلما رأى المشركون ذلك قالوا: إن ربنا يغفر الذنوب ولا يغفر الشرك فتعالوا نقول: إنما كنا أهل ذنوب ولم نكن من المشركين، فقال الله عزوجل: إذا كتمتم الشرك فاختموا على أفواهم، فيختم على أفواههم وتنطق أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون، فعند ذلك عرف المشركون أن الله عزوجل لايكتم حديثا فعند ذلك قوله عزوجل: يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الارض ولا يكتمون الله حديثا).

واما قوله: (السماء بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها والارض بعد ذلك دحاها) فإنه خلق الارض في يومين قبل السماء ثم استوى الى السماء فسواهن في يومين آخرين، ثم نزل الى الارض فدحاها، ودحيها أن أخرج منها الماء والمرعى وشق فيها الانهار وجعل السبل وخلق الجبال والرمال والاكوام وما بينهما في يومين آخرين فذلك قوله: (والارض بعد ذلك دحاها).

وقوله: (أئنكم لتكفرون بالذي خلق الارض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين) فجعل الارض وما فيها من شئ في أربعة أيام

(١) الزمر: ٦٨.
٤٢٣
وجعلت السموات في يومين.

وأما قوله: (وكان الله غفورا رحيما) و (كان الله عزيزا حكيما) و (كان الله سميعا بصيرا) فإن الله عزوجل جعل نفسه ذلك سمى نفسه ذلك ولم يجعله غيره فذلك قوله: (وكان الله) أي لم يزل كذلك. قال ابن عباس للرجل:

احفظ عني ما حدثتك واعلم أن ما اختلف عليك في القرآن أشباه ما حدثتك وأن الله عزوجل لم يترك شيئا إلا أصاب الذي أراد به، ولكن الناس لا يعلمون فلا يختلفن عليك القرآن، فإن كلا من عند الله عزوجل (١).

(٩٤٣)
ابن عباس ويزيد

حدثنا عبد الوهاب بن الضحاك قا: حدثنا عيسى بن يونس عن الاعمش عن شقيق بن سلمة قال:

لما قتل الحسين بن علي بن ابي طالب ثار عبد الله بن الزبير، فدعا ابن عباس الى بيعته، فامتنع ابن عباس وظن يزيد بن معاوية أن امتناع ابن عباس تمسكا منه ببيعته فكتب إليه:

أما بعد فقد بلغني أن الملحد ابن الزبير دعاك الى بيعته والدخول في طاعته لتكون له على الباطل ظهيرا وفي المأثم شريكا وإنك اعتضمت ببيعتنا وفاء منك لنا وطاعة لله عزوجل لما عرفك من حقنا فجزاك الله عن (٢) ذي رحم خير ما يجزي الواصلين أرحامهم (٣) الموفين بعهودهم فما أنس من الاشياء فلست بناس برك وتعجيل صلتك بالذي أنت له أهل من القرابة من الرسول، فانظر من طلع عليك من الافاق ممن سحرهم ابن الزبير بلسانه وزخرف قوله فأعلمهم

(١) المعرفة والتاريخ (تأليف أبي يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي المتوفى سنة ٢٧٧): ج ١ / ٥٢٧.

(٢) في المقتل.

(٣) في المقتل: بأرحامهم.

٤٢٤
رأيك (١) فإنهم منك أسمع ولك أطوع منهم للمخل المجرم المارق (٢).

فكتب إليه ابن عباس: أما بعد فقد جاءني كتابك تذكر دعاء ابن الزبير إياي الى بيعته والدخول في طاعته فإن يك ذلك كذلك فإني والله ما أرجو بذلك برك ولا حمدك، ولكن الله عزوجل بالذي أنوي به عليم، وزعمت أنك غير ناس بري وتعجيل صلتي.

فاحبس أيها الانسان برك وتعجيل صلتك فإني حابس عنك ودي فعلعمري ما تؤتينا مما لنا قبلك من حقنا إلا اليسير، وإنك لتحبس منه العريض الطويل.

وسألت أن أحث الناس عليك وأن اخذ لهم عن ابن الزبير فلا ولا سرورا ولا حبا، إنك تسألني نصرتك وتحثني على ودك وقد قتلت حسينا - رضي الله عنه - وفتيان عبد المطلب مصابيح الهدى (٣) ونجوم الاعلام (٤) غادرتهم خيولك بأمرك في صعيد واحد مزلين بالدماء مسلوبين بالعراء لا مكفنين ولا موسدين، تسفوا عليهم الرياح، وتناتبهم عرج الضباع حتى أتاح الله عزوجل لهم بقوم (٥) لم يشركوا في دمائهم كفنوهم واجنوهم وبي وبهم والله غررت (٦) وجلست مجلسك الذين جلست.

فما أنسى من الاشياء فلست بناس اطرادك حسينا - رضي الله عنه - من حرم رسول الله صلى الله عليه وآله الى حرم الله عزوجل، وتسييرك إليه الرجال لقتله في الحرم (٧) فما زلت بذلك وعلى ذلك حتى اشخصته من مكة الى العراق، فخرج خائفا يترقب فتزلزت (٨) به خيلك عداوة منك لله عزوجل

(١) في المقتل: برأيك.

(٢) في المقتل: ولك اطوع من المحل للجرم المارق.

(٣) في المقتل: الدجى.

(٤) في المقتل: الهدى.

(٥) في المقتل: بقوم.

(٦) في المقتل: عززت.

(٧) في المقتل: في حرم الله.

(٨) في المقتل: فزلزت.

٤٢٥
ولرسوله ولاهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا اولئك لا كآبائك الجلاف الجفاة (١) أكباد الحمير، فطلب اليكم (٢) الموادعة وسألكم الرجعة فاغتنمتم قلة انصاره واستئصال أهل بيته فتعاونتم عليه كأنكم قتلتم أهل بيت من الترك، فلا شئ أعجب عندي من طلبتك ودي وقد قتلت ولداي (٣) وسيفك يقطر من دمي وأنت آخذ ثأري (٤) فإن شاء الله لا يطل لديك دمي ولا تسبقني بثأري وإن سبقتني في الدنيا فقبل ذلك ما قتل النبيون وإن النبيين (٥) فيطلب (٦) الله عزوجل بدمائهم، فكفى بالله عزوجل للمظلومين ناصرا ومن الظالمين منتقما، فلا يعجبنك (٧ إن ظفرت بنا اليوم فنظرن بك يوما.

وذكرت وفائي وما عرفتني من حقك فان يك ذلك كذلك فقد والله بايعتك ومن قبلك (٨) وأنك لتعلم أبي (٩) وولد أبي أحق بهذا الامر منكم، ولكنكم معشر قريش كاثر تمونا (١٠) حتى دفعتمونا عن حقنا، ووليتم الامر دوننا فبعدا لمن تجرأ ظلما (١١) واستغوى السفهاء علينا كما بعدت ثمود وقوم لوط

(١) في المقتل: الجفاة الاجلاف.

(٢) في المقتل: فطلب إليكم.

(٣) في المقتل: وقد قتلت ولد أبي.

(٤) في المقتل: وأنت أحد ثأري.

(٥) في المقتل: وآل النبيين. هو الصحيح.

(٦) في المقتل: فطلب الله عزوجل.

(٧) في المقتل: فلا يعجبك.

(٨) في المقتل: وأياك من قبلك.

(٩) في المقتل: وأنك لتعلم أني وولد أبي أحق بهذا الامر منك ومن أبيك.

(١٠) في المقتل: كابرتمونا.

(١١) في المقتل: لمن تحرى ظلمنا.

٤٢٦
وأصحاب مدين.

ألا وإن من أعجب الاعاجيب - وما عسى أن أعجب - حملك بنات عبد المطلب وأطفالا صغارا من ولده إليك بالشام كالسبي المجلوبين ترى الناس أنك قد قهرتنا، وأنك تمن علينا، وبنا من الله عزوجل عليك ولعمر الله لئن كنت تصبح آمنا من جراحة يدي إني لارجو ا أن يعظم الله عزوجل جرحك من لساني ونقضي وإبرامي.

والله ما أنا بآيس من بعد قتلك ولد رسول الله صلى الله عليه وآله أن يأخذك أليما، ويخرجك من الدنيا مذموما مدحورا، فعش لا أبا لك ما استطعت، فقد والله ازددت عند الله أضعافا واقترفت مأثما، والسلام على من اتبع الهدى (١).

صورة اخرى من الكتاب على نقل اليعقوبي

كتاب يزيد الى ابن عباس:

أما بعد فقد بلغني أن الملحد ابن الزبير دعاك الى بيعته وعرض عليك الدخلو في طاعته لتكون على الباطل ظهيرا وفي المأثم شريكا وأنك امتنعت عليه واعتصمت ببيعتنا وفاء منك لنا وطاعة لله فيما عرفك من حقنا فجزاك الله من ذي رحم بأحسن ما يجزي به الواصلين لارحامهم فإني ما أنس من الاشياء فلست بناس برك وحسن جزائك وتعجيل صلبك بالذي أنت مني أهله في الشرف والطاعة والقرابة برسول الله، فانظر رحمك الله فيمن قبلك من

(١) المعرفة والتاريخ: ج ١ / ٥٣١، وراجع اليعقوبي: ج ٢ / ٢٣٤ وتذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي:

(عن الواقدي وهشام وابن إسحاق) ومقتل الحسين للخوارزمي: ج ٢ / ٧٧ بين نقل الرواة اختلاف ونحن اخرجناه من المعرفة والتاريخ وقابلناه مع مقتل الحسين عليه السلام. وراجع المعجم الكبير للطبراني: ج ١٠ / ٢٩٧.

٤٢٧
قومك ومن يطرأ عليك من الافاق ممن يسحره الملحد بلسانه وزخرف قوله، فأعلمهم حسن رأيك في طاعتي والتمسك ببيعتي فإنهم لك أطوع ومنك أسمع منهم للمحل الملحد، والسلام.

كتاب ابن عباس الى يزيد:

فكتب إليه فكتب إليه عبد الله بن عباس: من عبد الله بن عباس إلى يزيد بنب معاوية أما بعد فقد بلغني كتابك بذكر دعاء ابن الزبير إياي إلى نفسه وامتناعي عليه في الذي دعاني إليه من بيعته فإن يك ذلك كما بلغك فلست حمدك أردت ولاودك، ولكن الله بالذي أنوي عليم، وزعمت أنك لست بناس ودي فلعمري ما تؤتينا مما في يديك منم حقنا إلا القليل وإنك لتحبس عنا منه العريض الطويل، وسألتني أن أحث الناس عليك وآخذ لهم عن ابن الزبير فلا ولا سرورا ولا حبورا وأنت قتلت الحسين بن علي بفيك الكثكث ولك الاثلب إنك إن تمنيك نفسك لعازب الرأي وإنك لانت المفند المهور، لا تحسبني لا أبا لك نسيت قتلك حسينا وفتيان بني عبد المطلب مصابيح الدجى ونجوم الاعلام غادرهم جنودكم مصرعين في الصعيد مرملين بالتراب مسلوبين بالعراء لا مكفنين، تسفى عليم الرياح وتعاورهم الذئاب وتناتبهم عرج الضباع حتى أتاح الله لهم أقواما لم يشتركوا في دمائهم فأجنوهم في أكفانهم، وبي ه والله وبهم عززت وجلست مجلسك الذي جلست يا يزيد.

وما أنس من الاشياء فلست بناس تسليطك عليهم الدعي العاهر ابن العاهر البعيد رحما اللئيم أبا واما، الذي في ادعاء أيك إياه ما اكتسب أبوك به إلا العار والخزي والمذلة في الاخرة والاولى وفي الممات والمحيا، إن نبي الله صلى الله عليه وآله قال: (الولد للفراش وللعاهر الحجر) فألحقه بأبيه كما يلحق بالعفيف النقي ولده الرشيد، وقد أمات ابوك السنة جهلا وأحيا البدع

٤٢٨
والاحداث المضلة عمدا.

وما أنس من الاشياء فلست بناس اطرادك الحسين بن علي من حرم رسول الله صلى الله عليه وآله إلى حرم الله ودسك إليه الرجال تغتاله، فأشخصته من حرم الله الى الكوفة، فخرج منها خائفا يترقب وقد كان أعز أهل البطحاء بالبطحاء قديما وأعز أهلها به حديثا وأطوع أهل الحرمين بالحرمين لو تبوأ بها مقاما واستحل بها قتالا، ولكن كره أن يكون هو الذي يستحل حرمة البيت وحرمة رسول الله صلى الله عليه وآله فأكبر من ذلك ما لم تكبر حيث دسست إليه الرجال فيها ليقاتل في الحرم وما لم يكبر ابن الزبير حيث ألحد بالبيت الحرام (وعرضه للعاثر واد العالم (١) وأنت لانت المستحل فيما أظن بل لا أشك فيه أنك للمحرق العريف، فإنك حلف نسوة صاحب ملاهي، فلما رأى سوء رأيك شخص الى العراق ولم يبتغك ضرابا وكان أمر الله قدرا مقدورا.

ثم إنك الكاتب الى ابن مرجانة أن يستقبل حسينا بالرجال وأمر بمعاجلته وترك مطاولته والالحاح عليه حتى يقتله ومن معه من بني عبد المطلب أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، فنحن اولئك لسنا كآبائك الاجلاف الجفاة الاكباد الحمير.

ثم طلب الحسين بن علي إليه الموادعة، وسألهم الرجعة فاغتنمتم قلة أنصاره واستئصال أهل بيته فعدوتم عليهم فقتلتموهم كانما قتلتم أهل بيت من الترك والكفر، فلا شئ عندي أعجب من طلبك ودي ونصري، وقد قتلت بني أبي وسيفك يقطر من دمي وأنت أحد ثأري، فإن ى ٢ شأ الله لا يطل لديك دمي ولا تسبقني بثأري وأن سبقتني به في الدنيا فقبلنا ما قبل النبيون وآل النبيين، وكان الله الموعد وكفى به للمظلومين ناصرا ومن الظالمين منتقما، فلا يعجبنك إن

(١) كذا في المصدر.
٤٢٩
ظفرت بنا اليوم، فوالله لنظفرن بك يوما، فاما ذكرت من وفائي وما زعمت من حقي فإن يكن ذلك كذلك فقد والله بايعت أباك وإني لاعلم أن بني عمي وجميع بني أبي أحق بهذا الامر من أبيك، ولكنكم معاشر قريش كاثرتمونا فاستاثرتم علينا سلطاننا، ودفعتمونا عن حقنا، فبعدا على من اجترأ على ظلمنا واستغوى السفهاء علينا وتولى الامر دوننا، فبعدا، لهم كما بعدت ثمود وقوم لوط وأصحاب مدين ومكذبوا المرسلين.

ألا ومن أعجب الاعاجيب وما عشت أراك الدهر العجيب حملك بنات عبد المطلب وغلمة صغارا من ولده إليك بالشام كالسبي المجلوب، ترى الناس إنك قهرتنا وإنك تأمرت علينا، ولعمري لئن كنت تصبح وتمسي آمنا لجرح يدي إني لارجو أن يعظم جراحك بلساني ونقضي وإبرامي فلا يستغفر بك الجذل ولا يمهلك الله بعد قتلك عترة رسول الله صلى الله عليه وآله إلا قليلا حتى يأخذك الله أخذا أليما فيخرجك الله من الدنيا ذميما أثيما، فعش لا أبا لك فقد والله أرداك عند الله ما اقترفت، والسلام على من أطاع الله.

(٩٤٤)
مناظرة بين الغروي والهروي

حضرت اليوم (يوم الاربعاء الخامس من ذي الحجة من السنة الخامسة وأربعمائة وألف) عند السيد العالم المتتبع الفاضل السيد جعفر مرتضى العاملي - دامت إفاضاته - وتكلم هو فيما كتبت من المواقف، ثم سألني وقال: نقلت في كتابك هذا مناظرة الغروي والهروي؟ قلت: لا، فأعطاني هذا الكتاب المشتمل على المناظرة، فأنا أنقل هنا ما في هذا الكتاب بتمامه:

قال: سألتني أطال الله بقاءك عما كان بيني وبين الهروي في بلاد خراسان نم المجادلات في المذهب وما الزمته به من الحجج.

فاعلم أني كنت في سنة ثمان وسبعين وثمانمائة مجاورا بمشهد الرضا عليه

٤٣٠
السلام وكان منزلي بمنزل السيد الاجل والكهف الاظل السيد محسن بن محمد الرضوي القمي، وكان من أعيان المشهد وسراتهم بارزا على أقرانه بالعلم والعمل، وكان هو وجماعة يشتغلون معي في علم الكلام والفقه.

فأقمنا على ذلك مدة، فورد علينا من الهراة خال السيد محسن: وكان مهاجرا فيها لتحصيل العلم فقال: إن السبب في ورودي عليكم ما ظهر عندنا في الهراة من شهرة هذا الشيخ الغروي المجاور في المشهد وظهور فضله في العلم والادب فقدمت لاستفيد من علومه وخلفي رجل من أهل كيش ومكران كان من مدة عشرين سنة متوطنا في الهراة مصاحبا لعلمائها يطلب فنون العلم، وقد صار الان مبرزا في كثير من الفنون كالصرف والنحو المنطق والمعاني والبيان وعلم الكلام والاصول والفقه وغير ذلك وهو عامي المذهب، وله مجادلات مع أهل المذاهب وقوة الزام للخصوم في الجدل، وقد سمع بذك هذا الشيخ الغروي فجاء بقصد زيارة الامام الرضا عليه السلام وقصد ملاقاة هذا الشيخ للجدال معه، وها هو على الاثر يقدم غدا أو بعد غد فما أنتم قائلون؟

فذاكرني السيد بما قاله خاله مستطلعا رأيي في ذلك وقال: إذا قدم هذا الرجل فلا بد أن يكون ضيفا لنا، لانه جاء مع خالي وخالي ضيف، ولا يحسن منا أن نضيف أحد المتصاحبين ونترك الاخر وإذا وجد في الضيافة التقى معك وتحصل المجادلة بينكما، لانه ما أتى ألا لهذا الغرض، فما أنت قائل؟ أتحب ملاقاته أم لا فنحتال عليه ونرده عنا؟

٤٣١
إليها كافة طلبة العلم وجماعة من الاشراف والسادات، فحصلت بيني وبينه الملاقاة في منزل السيد وجرت بيننا المجادلة في ثلاث مجالس، وها أنا أذكرها على الترتيب كما وقعت:

المجلس الاول: في منزل السيد يوم الضيافة بحضور الطلبة والاشراف فكان أول ما تكلم به معي بعد التحية أن قال:

ما اسمك أيها الشيخ؟ فقلت: محمد.

فقال: من أي بلاد؟ فقلت: من بلاد هجر المشهورة بالاحساء بلاد العلم والدين.

فقال: وما مذهبك؟

فقلت: تسألني عن مذهبي في الاصول أم الفروع؟

فقال: عن كليهما. فقلت: أما مذهبي في الاصول فما قام لي عليه الدليل وصح عندي بالبرهان، وأما الفروع: فلي فقه منسوب لاهل البيت عليهم السلام.

فقال: إذن أنت إمامي المذهب. فقلت: نعم.

فقال: إن الامامية يقولون: إن علي بن أبي طالب امام بعد رسول الله بلا فصل فقلت: نعم وأنا كذلك أقول.

فقال: أقم البينة على هذه الدعوى. فقلت: أنا لا أحتاج الى بينة ولا دليل على هذه الدعوى.

فقال: ولم؟ فقلت: لانك لانك لا تنكر إمامة علي أصلا فأنا وأنا متفقان على إمامته ولا نزاع بيننا حتى أحتاج البينة، ولكن أنت تدعي الواسطة بين الرسول عليه السلام وبين وصيه علي عليه السلام وأنا أنفي الواسطة، فأنا ناف وأنت مثبت، والدليل أنما يطلب من المثبت لا من النافي، فإقامة الدليل عليك أيها الشيخ الفاضل لا علي، اللهم إلا أن تنكر إمامة علي أصلا ورأسا

٤٣٢
فتخرق الاجماع، ويلزمني حينئذ إقامة الدليل.

فقال: أعوذ بالله أنا لا انكر إمامته ولكن أقول: إنه الرابع بعد ثلاثة قبله.

فقلت: إذن أنت المحتاج إلى اقامة الدليل على صحة دعواك، لاني لا أوافقك على إثبات هذه الوسائط التي تدعيها، فضحك الاشراف والحاضرون من الطلبة وقالوا: إن الغروي لمصيب والحق أحق بالاتباع لانك أنت المدعي وهو المنكر، فأقم الدليل على مدعاك، لان البينة على المدعى.

فلما لزمته الحجة قال: الادلة على مدعاي كثيرة.

فقلت: لا اريد منك إلا دليلا واحدا.

فقال: دليلي الاجماع من الامة على إمامة أبي بكر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله بلا فصل، وأنت لا تنكر حجية الاجماع.

فقلت: نعم أنا لا أنكر حجية الاجماع ولكن ما تريد بالاجماع؟ الاجماع الحاصل من كثرة القائلين بإمامة أبي بكر في هذا الوقت أم الاجماع الحاصل من أهل الحل والعقد يوم وفاة الرسول عليه السلام؟

فإن أردت الاول وهو كثرة القائلين اليوم بإمامة أبي بكر فلا حجة فيه، لانه ليس بإجماع، لان المخالف موجود والكثرة لاحجة فيها ولا مزية لها لانا رأينا الكثرة في كتاب الله مذمومة، قال تعالى: (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف) (١) وقال تعالى: (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (٢) (ولكن أكثر الناس لا يشكرون) (٣) (بل أكثرهم لا يؤمنون) (٤) (ولكن أكثرهم يجهلون) (٥) (وأكثرهم فاسقون) (٦) ورأينا القلة ممدوحة في كتاب

(١) النساء: ١١٤.

(٢) الاعراف: ١٨٧.

(٣) البقرة: ٢٤٣، غافر: ٦١.

(٤) البقرة: ١٠٠.

(٥) الانعام: ١١١.

(٦) التوبة: ٨.

٤٣٣
الله: إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم) (١) (وقليل من عبادي الشكور) (٢) (وما آمن معه إلا قليل) (٣).

بل رأينا القلة ممدوحة في الحرب قال تعالى: (وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين) (٤).

وإن أردت الثاني: وهو إجماع أهل الحل والعقد في يوم وفاة الرسول صلى الله عليه وآله فلي في إبطاله طريقتان: طريقة على مذهبي ولا تلزمك، وطريقة على مذهبك تبطل لك الاجماع المدعى إلزاما.

أما الطريقة الاولى في إبطال هذا الاجماع: فهي أن الاجماع عندنا إنما يكون حجة إذا دخل المعصوم في جملة المجمعين، فكل أجماع لا يكون فيه معصوم لا حجة فيه لجواز الخطأ على كل واحد فكذا على الكل، لانه مركب من الاحاد وأنت لا تقول بدخول المعصوم في هذا الاجماع الذي تدعيه فلا يكون عندنا صحيحا.

وأما الطريقة الثانية التي تبطل الاجماع على مذهبك فهي: ان الاجماع هو اتفاق أهل الحل والعقد على أمر من الامور وهذا المعنى لم يحصل لابي بكر يوم السقيفة، لان فضلاء الصحابة وزهادهم وعلماءهم وذوي القدر منهم وأهل الحل والعقد كانوا غائبين عن السقيفة بالاتفاق كعلي والعباس وابنه عبد الله والزبير والمقداد وعمار وأبي ذر وسلمان وجماعة من بني هاشم وغيرهم من الصحابة، لانهم كانوا مشغولين بمصيبة النبي صلى الله عليه وآله، وكان علي والعباس مشتغلين بتجهيزه صلوات الله عليه وآله، فرأى الانصار فرصة

(١) ص: ٢٤.

(٢) سبأ: ١٣.

(٣) هود: ٤٠.

(٤) البقرة: ٢٤٩.

٤٣٤
باشتغال بني هاشم فاجتمعوا في سقيفة بني ساعدة لاجالة الرأي، فعلم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة وجماعة من الطلقاء باجتماع الانصار في السقيفة واختلافهم في أمر الامامة فحضروا معهم في السقيفة، وجرت بينهم المجادلات والمخاصمات في الخلافة حتى قال الانصار: منا أمير، فغلبهم أبو بكر بحديث رواه لهم عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: الخلافة في قريش، فخصم الانصار بذلك، فقام عمر وأبو عبيدة فسبقا الانصار بالبيعة وصفقا على يد أبي بكر وقالا:

السلام عليك يا خليفة المسلمين، فحصلت البيعة لابي بكر في السقيفة بالخديعة والحيلة والعجلة والغلبة والقهر للمسلمين، ويشهد لذلك ما اشتهر عن عمر أنه قال: كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله المسلمين شرها فمن عاد لمثلها فاقتلوه، فأين الاجماع المدعى حصوله وقد عرفت أن فضلاء الصحابة وزهادهم وذوي القدر منهم من المهاجرين والانصار لم يحضروا معهم ولم يبايعوا ولا استطلعوا رأيهم؟ فهل يصح من هؤلاء الادنين الذين أكثرهم طلقاء ومنافقين ومؤلفة أن يعقدوا الخلافة التي هي قائمة مقام النبوة بغير حضور اولئك المشهورين بالعلم والفضل والشرف والزهد مع أن الاجماع لا ينعقد عند الكل إلا باتفاق اهل الحل والعقد، فدعوى الاجماع على خلافة أبي بكر بعيدة.

فقال: ما ذكرت، مسلم، ولكن من ذكرت من الصحابة وغيرهم بعد ذلك بايعوا ورضوا وحصل الاجماع بعد ذلك من الكل بحيث لم يبق أحد مخالف فحصل الاتفاق من أهل الحل والعقد وإن لم يكن اتفاقهم دفعة في آن واحد فإن ذلك غير شرط في الاجماع.

فقلت: إن اتفاقهم وحصول رضاهم بعد ذلك كما زعمت لا يقوم حجة لتطرق الاحتمال فيه بالاجبار والاكراه والتقية، فإنهم لما رأوا العامة والرعاع الذين يميلون مع كل ناعق، ولا يستيئون بنور العلم قد استمالهم هذا الرجل وخدعهم، وصاروا اتباعا له وقلدوه امورهم بل قلدوا كبراءهم في اتباعه لم

٤٣٥
يكن لهؤلاء الباقين المخالفة لهؤلاء العوام، وخافوا على أنفسهم القتل إن خالفوا فانقادوا كرها، فلا يكون انقيادهم الحاصل بالاكراه مصححا للاجماع بل هو دليل على عدم صحة الاجماع.

فقال: من أين عرفت ذلك منهم حتى يكون قولك هذا حقا.

قلت: قد تقرر في علم الميزان: أن الدليل إذا قام عليه الاحتمال بطل منه الاستدلال، واحتمال الاكراه في هذا الاجماع قد حصل فيكون باطلا مع أنه قد ظهرت أمارات الاكراه في روايات كثيرة، وها أنا اورد لك بعضها: فمنها ما رواه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة مع أنه عامي المذهب، قال في باب فضائل عمر: هو الذي وطأ الامر لابي بكر وقام فيه حتى دفع في صدر المقداد وكسر سيف الزبير، وقد كان شهره عليهم، وهذا غاية الاكراه. ومنها ما رواه أيضا عن البراء بن عازب قال: لم أزل محبا لاهل البيت - عليهم السلام - ولما مات النبي - صلى الله عليه وآله - أخذني ما يأخذ الوالهة من الحزن، فخرجت لانظر ما يكون من الناس فإذا أنا بأبي بكر وعمر وأبي عبيدة سائرين ومعهم جماعة من الطلقاء وعمر شاهر سيفه وكل ما مر برجل من المسلمين قال له: بايع أبا بكر كما بايعه الناسي فيبايع له شاء ذلك أم لم يشأ، فانكر ذلك عقلي وجئت اشتد ملء فروجي حتى أتيت عليا - عليه السلام - فأخرته بخبر القوم وكان يسوي قبر رسول الله - صلى الله عليه وآله - بمسحاة كانت بيده فوضع المسحاة من يده ثم قرأ: (ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) (١) وقال العباس: تربت أيديكم بني هاشم الى آخر الدهر. وهذا دليل على حصول الاكراه وتوقع علي والعباس له، وما ظنك بأمر تدفع فيه صدور المهاجرين وتكسر سيوفهم وتشهر فيه السيوف على رؤوس المسلمين، كيف لا يكون إكراها لولا عمي الافئدة

(١) العنكبوت: ٢.
٤٣٦
(فإنها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) (١).

ومنها قول عمر لسعد بن عبادة الخزرجي سيدالنصار و أميرهم لما امتنع من البيعة، لانه كان حاضرا في السقيفة ولم يبايع: اقتلوا سعدا قتل الله سعدا، وهذا عين الاكراه.

ومنها ما رواه أهل الحديث ورواه عدة من أصحابنا ممن يوثق بنقلهم وتعرف عدالتهم: أن أبا بكر لما صعد المنبر في أول جمعة من خلافته قام إليه اثنا عشر رجلا ستة من المهاجرين وستة من الانصار فانكروا عليه قيامه ذلك المقام حتى افحموه على المنبر ولم يزد جوابا، فقام إليه عمر وقال: يالكع، إذا كنت لا تقوم بحجة فلم أقمت نفسك هذا المقام؟ وأخذ بيده وأنزله عن المنبر، فلما كانت الجمعة الثانية جاؤوا في جمع وجاء خالد بن الوليد في مائد رجل وجاء معاذ بن جبل في مائة وكلهم شاهرون سيوفهم حتى دخلوا المسجد وكان فيه علي وجماعة من الصابة وفيهم سلمان الفارسى، فقال عمر: والله يا أصحاب علي لئن ذهب رجل منكم يتكلم بما تكلم به بالامس لنأخذن الذي فيه عيناه، فقال سلمان الفارسي صدق رسول الله صلى الله عليه وآله فإنه قال: بينا أخي وابن عمي جالس في مسجدي إذ وثبت عليه جماعة من كلاب أهل النار يريدون قتله فلا شك أنكم هم، فاهوى إليه عمر بالسيف ليضربه فاخذ علي بمجامع ثوبه وجلد به الارض، وقال: يا ابن صهاك الحبشية، أبأسيافكم تهددوننا؟ وبجمعكم تكاثرننا؟ والله لولا كتاب من الله سبق وعهد من رسول الله تقدم لاريتكم اليوم أينا أليوم أضعف ناصرا وأقل عددا.

ثم فرق أصحابه سلام الله عليه، وإذا كانت الامور الجارية بينهم على مثل هذه الروايات دلت على وقوع الاكراه وعدم تمكن هؤلاء المتخلفين عن

(١) الحج: ٤٦.
٤٣٧
كتاب مواقف الشيعة (الجزء الثالث) للشيخ الميانجي (ص ٤٣٨ - ص ٤٥٦)
٤٣٨
لا يدل على العام خصوصا على مذهبكم، فإنكم تجوزون إمامة الفاسق في الصلاة، وتزعمون أن النبي صلى الله عليه وآله قال: صلوا خلف البر والفاجر والامامة العامة يشترط فيها العدالة بالاجماع، وعندكم: لو أن الامام فسق وجب على الامة عزله، فكيف تجعلون ما لا يحتاج الى العدالة حجة على اثبات ما يحتاج إليها؟ ما هذا إلا احتجاج ساقط، ودليل غير مسموع ولا مقبول عند العقلاء ومن له أدنى روية.

الثالث: أن هذا التقديم غير صحيح عند الكل، أما عندنا فإن المنقول: أن بلالا جاء يعلم بوقت الصلاة كان (١) النبي صلى الله عليه وآله مغموزا بالمرض، وكان علي مشغولا به صلوات الله وسلامه عليهما، فقال النبي: علي يصلي بالناس، فقالت عائشة لبلال: مر أبا بكر فليصل بالناس: فظن بلال أن ذلك الامر صادر عن رسول الله صلى الله عليه وآله، فجاء واعلم أبا بكر بذلك فتقدم الناس وكبر، فلما أفاق النبي صلى الله عليه وآله وسمع التكبير ورأى عليا عنده قال: من يصلي بالناس؟ فقيل له: أبو بكر فقال: أخرجوني الى المسجد، فقد حدث في الاسلام فتنة ليست هينة، فخرج صلى الله عليه وآله يتهادى بين علي والفضل بن العباس حتى وصل المحراب فنحى أبا بكر وصلى هو بالناس.

وأما عندكم فإنكم تدعون أن ذلك كان بأمر رسول الله، وهي دعوى باطلة من وجوه:

الاول: أن الاتفاق واقع على أن الامر الذي اخرج الى بلال: قل لابي بكر يصلي بالناس أو قل للناس: صلوا خلف أبي بكر، بل كان ذلك بواسطة بينهما، لان بلالا لم ييحصل له الاذن في ذلك الوقت بالدخول على النبي وهو على

(١) الظاهر: وكان.
٤٣٩
الحالة التي كان عليها من شدة المرض، وإذا كان بواسطة احتمل كذب الواسطة، لان الواسطة غير معصوم عن الكذب، والخبر المحتمل الكذب لا يكون حجة لجواز أن يكون بغير أمر النبي ولا علمه كما تذهب إليه، ويدل عليه خروج النبي في الحال لما علم وعزله أبا بكر وتوليه الصلاة بنفسه.

الثاني: انه لو كان بأمر النبي صلى الله عليه وآله كما تزعمون لكان خروج النبي مع ضعفه بالمرض وتنحيته أبا بكر عن المحراب وتوليه الصلاة بنفسه بعد صدور أمره بتقديمه مناقضة صريحة لا تليق بشأن من لا ينطق عن الهوى، لان الاتفاق واقع على أن أبا بكر لم يتم الصلاة بالناس وقد رواه أهل السنة في كثير من مصنفاتهم.

الثالث: لو سلمنا جميع ذلك، يعني أن الامر من الرسول مشافهة، وأنه يدل على الامامة لكان خروج النبي في مرضه وعزله له مبطل (١) لتلك الامامة، لانه نسخها بنفسه فكيف يكون ما نسخة النبي بنفسه حجة على ثبوته؟! إن هذا منكم لعجيب غيرى، بل أقول: إن عزل النبي له بعد تقديمه كما زعمت إنما كان لاظهار نقصه عند الامة وعدم صلاحيته للتقيدم في شئ أصلا، فإن من لا يصلح أن يكون إماما للصلاة مع أنها عندكم أقل المراتب لصحة تقديم الفاسق فيها عندكم، كيف يصلح أن يكون إماما عاما ورئيسا مطلقا مطاعا لجميع الخلق؟

وإنما كان قصده عليه السلام إن كان الامر صدر منه أن يظهر نقصه، وإنه غير صالح للتقديم للناس ليكون ذلك حجة عليهم، ولئلا يكون لهم عذر غدا عند الله بجهلهم حال هذا الرجل، وما أشبه هذه القصة بإعطاء سورة براءة وعزله عنها وإنفاذه بالراية يوم خيبر فإن ذلك كله كان لاظهار نقصه، وبيان أنه لا يصلح لشئ من الاشياء، ولا لامر من الامور البتة، وأراد الله ورسوله إظهار نقصه

(١) في نسخة: مبطلا.
٤٤٠