×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة من حياة المستبصرين (ج 01) / الصفحات: ٤٨١ - ٥٠٠

كبيراً (أو عظيماً) بمادماد واثني عشر إماماً يكونون من نسله، وسيكون أمّة عظيمة "، فلفظة (بمادماد) بحساب الجمل تساوي ٩٢، وكذا لفظ (محمّد) بحساب الجمل يساوي هذا العدد!.

وقد ذهب إلى هذا التفسير أيضاً العالم الكتابي " السموءل بن يحيى "(١).

البشارات في كتب العهد القديم بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم):

لقد بشّر كليم الله موسى(عليه السلام) بمجيء النبيّ الأعظم محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)!، فقال لبني إسرائيل قبل وفاته بفترة قصيرة: " جاء الربّ من سيناء، وأشرف لهم من سعير، وتألّق في جبل فاران، وجاء محاطاً بعشرات الألوف من الملائكة وعن يمينه يومض برق عليهم، حقاً إنّك أنت الذي أحببت الشعب "(٢)، و (سيناء) هو المكان الذي بعث فيه موسى(عليه السلام)، و (سعير) هي فلسطين وفيها بعث عيسى(عليه السلام)، و (فاران) هي الحجاز وفيها بعث رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)(٣).

فالمولودين الاثنى عشر من نسل هذا النبيّ لهم أهمية خاصّة ودور هام في هداية الناس إلى صراط الله المستقيم، ولهذا بشّر بهم موسى(عليه السلام) وأكّد على ذكرهم.

والملاحظ أنّ بشارة نبيّ الله موسى(عليه السلام) تنطوي على ثلاثة أمور:

١ ـ أنّ هذا النبيّ يولد في الحجاز، وأنّه يقود عشرة آلاف من أصحابه! وهذا ما تحقق في فتح مكة.

٢ ـ أنّ ما نطق به نبيّ الله موسى(عليه السلام) يثبت أنّ نبوّته ونبوّة عيسى(عليه السلام)

١- ولد هذا العالم بمدينة " فاس " المغربية، وقد كان يهودياً واسمه (شموئيل بن يهوذا بن ايوب) فغير اسمه إلى (السموءل بن يحيى) بعد اعتناقه الإسلام، توفي في " مراغة " سنة (٥٧٠ هـ)، له كتاب (بذل المجهود في افحام اليهود).

٢- أنظر: التفسير التطبيقي للكتاب المقدس: ٤١٥، سفر التثنية ٣٣: ١ ـ ٣.

٣- أنظر: قاموس الكتاب المقدس لمستر هاكس.

٤٨١
مرحليتان، وهناك نبوّة خاتمة.

٣ ـ أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) هو خاتم النبيين، وهو المبعوث من فاران ـ الحجاز ـ وهو المحبّ لجميع الشعوب، إذ هو رحمة أرسلها الله تعالى للعالمين، ولذلك أقرّ عدد من أحبار اليهود ورهبان النصارى بنبوّته(صلى الله عليه وآله وسلم).

كما بشر نبيّ الله داود(عليه السلام) أيضاً برسول الله محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) وبإمامة عترته! حينما قال: " فاض قلبي بكلام صالح، إنّي أخاطب الملك بما قد أنشأته، ولساني فصيح كقلم الكاتب الماهر، أنت أبرع جمالا من كل بني البشر، انسكبت النعمة على شفتيك، لذلك باركك الله إلى الأبد، في جلالك وبهائك.

تقلد سيفك على فخذك أيّها المقتدر، وبجلالك اركب ظافراً لأجل الحقّ والوداعة والبرّ، فتقتحم يمينك الأهوال... وتسقط الشعوب صرعى تحت قدميك... يصبح أبناؤك يوماً ملوكاً كآبائهم فيتربعون على عروش في كلّ الأرض، أخلد ذكرى اسمك في كل الأجيال، وتحمدك الشعوب إلى الدّهر والأبد "(١).

فالنبيّ داود(عليه السلام) يصف هذا النبيّ بهذه الصفات: البارع في الجمال، الرحيم بالعباد، الفاتح العظيم، ذو الجلالة والمهابة، المحقّ للحقّ والمقرّ للعدل، الذي يندثر أعداؤه ويخضع له خصماؤه، ويدخل الناس في دعوته أفواجاً، فآجره الله تعالى بموّدة قرباه، وبجعل ذريته أئمة وحججاً في الأرض، وخلّد اسمه على مرّ العصور والأجيال ـ فهو يرتفع في الأذان يومياً في مختلف أنحاء المعمورة ـ وهذه الصفات لا تنطبق إلاّ على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

١- أنظر: التفسير التطبيقي للكتاب المقدس: ١١٨٣، مزامير داود: ٤٥، (تجاوزنا بعض الفقرات طلباً للاختصار).

٤٨٢

التوجه نحو الدين الإسلامي:

يقول الأخ محمّد: " توجهت بعد ذلك إلى دراسة عامّة ومعمقة حول الدين الإسلامي وأتباعه ـ إذ أنّهم يشكلون نسبة لا بأس بها في غانا ـ فقمت ببناء علاقات معهم لأعرفهم عن قرب، وقراءة كتبهم، فقرأت القرآن، فوجدته كتاباً يتضمن رؤية تختلف عمّا قرأته في العهدين القديم والجديد حول الربّ والربوبية، من حيث التنزيه لله تعالى والتوحيد له، كما وجدت تعابيره تحترم وتجلّل الأنبياء(عليهم السلام)، وتبيّن معاناتهم وجهودهم بأروع ما يكون، على عكس ما قرأت في الكتاب المقدس من هتك لحرمتهم وتضعيف لشخصياتهم وأنّهم المخطؤن!، ووجدته كتاباً حاوياً لشتى المعارف، وأنّه يدعو إلى تسامي الإنسان وتكامله...

وهكذا وبمرور الزمان أخذت المفاهيم الإسلامية تترسّخ في ذهني وتمتزج بروحي، حتى آمنت بها واعتقدت بنقاوة منبعها، فاتخذتها نهجاً يوصلني إلى رضوان الله تعالى، فأسلمت على ضوء مذهب أهل العامة.

وبعد اعتناقي للإسلام بدأت أعيش معاناة جديدة! حيث شنّ عليَّ المسيحيون ـ لا سيما المبشرين ـ حرباً شعواء، حتى أنّهم ألّبوا عليّ أهل القبيلة، فضايقوني وقاطعوني، إلاّ أني بالرغم من ذلك صبرت، بل صممت على هدايتهم وإخراجهم من الظلمات إلى النور، وبعون من الله تعالى تم لي ذلك، إذ أسلم أغلب أهل القرية، وحوّلنا مدرسة القرية المسيحيّة إلى مدرسة إسلاميّة، تدرس فيها مبادىء الدين الإسلامي ".

البحث عن مصداق البشارة:

يضيف الأخ محمد: " عكفت من جديد على كتب المسلمين في العقائد والتفسير والحديث والتاريخ، فرأيت فيها تطابقاً مع الكتاب المقدس في بعض

٤٨٣
المفاهيم، ومنها مسألة الرؤساء الاثني عشر، ووجدت حديثاً مروياً عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في صحيح مسلم جاء فيه: " لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة، ويكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش "(١).

فقرّرت التعمق أكثر والتتبع بجد لمعرفة مصداق هؤلاء الخلفاء، حتى ظفرت برواية في كتاب (حلية الأولياء) يرويها ابن عباس ـ حبر الأمة ـ عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): " من سرّه أن يحيا حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنّة عدن غرسها ربّي، فليوال عليّاً من بعدي وليوال وليه، وليقتد بالأئمة من بعدي، فإنّهم عترتي، خلقوا من طينتي، رزقوا فهماً وعلماً، وويل للمكذبين بفضلهم من أمتي، للقاطعين فيهم صلتي، لا أنالهم الله شفاعتي "(٢).

فاستغربت من هذا الحديث! وقلت: من هم عترة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) الذين أمرنا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بالاقتداء بهم؟

راجعت الكتب الإسلامية التي كانت في متناول يدي لأبحث حول الخلفاء، فوجدت أنّ عددهم يفوق الاثنى عشر بكثير! بل فيهم من غير قريش ـ أمراء آل عثمان الأتراك ـ والأنكى من ذلك أنني وجدت من يحاول تطبيق هذا العدد بما يتلاءم مع هواه ".

فقد حمل البعض أحاديث النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بخصوص الخلفاء من بعده على الخلفاء الراشدين، ثمّ ضمّ معاوية وعمر بن عبد العزيز من الأمويين وعدد من خلفاء بني العباس لإتمام العدد، وهذا التلفيق واضح البطلان! لأنّ الراشدين أربعة فقط، وأمّا الأمويين فإنّهم معروفون بتهتكهم وظلمهم، وكذا بني العباس فعددهم

١- صحيح مسلم، باب الناس تبع قريش والخلافة في قريش: ٣ / ١٤٥٣ (١٨٢٢).

٢- حلية الأولياء لأبي نعيم: ١ / ١٢٨ (٢٦٨).

٤٨٤
أكثر من ذلك، وجورهم لا يقل عن أقرانهم السابقين.

ومن هنا كان لابد أن يحمل هذا الحديث على الأئمة الإثنا عشر من آل البيت(عليهم السلام)، لأنّهم من قريش وهم من عترته، وهم أعلم وأتقى وأفضل الناس، ولا يخفى على أحد ما ورد في فضلهم عن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، مثل حديث الثقلين والسفينة والنجوم وغيرها.

بشارة داود حول مهدي آخر الزمان(عليه السلام):

يقول الأخ محمّد: " وعدّت مرّة أخرى إلى الكتاب المقدّس لأتأكد ممّا جاء فيه بخصوص هذا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وهؤلاء الخلفاء(عليهم السلام)، فوجدت فيه أنّ داود(عليه السلام)يبشّر برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وبولد له يكون خليفة من بعده، ويرسم صورة لهذا الخليفة الذي يملك الأرض ويملؤها قسطاً وعدلا! ".

فقد جاء في مزامير داود(عليه السلام): " اللهم أعط أحكامك العادلة للملك، ولابنه برّك، فيقضي لشعبك بالعدل ومساكينك بالإنصاف، لتحمل الجبال للشعب في سلاماً، والتلال برّاً، ليحكم الملك بالحقّ للمساكين وينقذ بني البائسين، ويحطم الظالم، ليرهبوك مادامت الشمس والقمر من جيل إلى جيل ليكن الملك كالمطر المنهمر على المراعي المجزورة، كالغيوث التي تسقي الأرض، ليزدهر في أيّامه الصّدّيق، ويتوافر السلام ما دام القمر يضيء، ولتمتد مملكته من البحر إلى البحر، ومن النهر إلى أقاصي الأرض.

أمامه يركع أهل البادية، وأعداؤه يلحسون التراب... ينحني أمامه جميع الملوك، وتتعبد له كلّ الأمم، لأنّه ينقذ المسكين المستغيث البائس الذي لا معين له، يعطف على الفقير والمحتاج ويخلص نفوس المساكين، إذ يفتدي نفوسهم من الظلم والعنف، ويخفظ حياتهم لأنّها ثمينة في عينيه.

ليحي الملك! ليعط له ذهب شبا، وليصلوا من أجله دائماً ويطلبوا له بركة الله

٤٨٥
كلّ النهار، لتتكاثر الغلال في الأرض وعلى رؤوي الجبال، وتتماوج مثل أرز لبنان، ويزهر أهل المدينة كعشب الأرض، يخلد اسمه إلى الدهر، ويدوم أسمه كديمومة الشمس، ويتبارك الناس به، وتطوبه كلّ الأمم... "(١).

ولقد دعا داود(عليه السلام) كما نرى بإعطاء الشريعة ـ أي النبوّة ـ للملك الذي هو نبيّ من قبل الله تعالى، وحاكم في الأرض، وقد خضعت جزيرة العرب لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

كما دعا(عليه السلام) بإعطاء الحكومة لإبنه ـ حفيده ـ وقد بيّن أنّه ليس صاحب شريعة، بل حافظ لها ومقيم لناموسها على الأرض، فهو يحكم بين عباد الله بالعدل، وينقذ البؤساء ويسحق الظلمة، وقد شبّهه بالمطر الذي يروي الأرض العطشى، فيعم بمجيئه الخير والسلام والبركة، وتخضع له الجبابرة وتنقاد له الأمم، فيكرمها ولايهدر دماءها.

بل أكثر من ذلك، فقد بيّن داود(عليه السلام) أنّه ذو خصوصيّة كخصوصيّة جدّه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) حينما يصلّى عليه كلّ يوم! ولا ينطبق هذا الوصف، ولا تتلائم هذه العلائم إلاّ على المنقذ الحقيقي للبشريّة الإمام الحجّة ابن الحسن الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت(عليهم السلام).

ولقد حُرم أهل الكتاب من بركات هذا المنقذ، لتأويلهم هذه النصوص وصرفها عن معناها الحقيقي بشتى الصور، فإنّهم أدركوا أنّ هذا الشرف سيفوتهم وينتقل إلى أمة أخرى!.

أمّا المسلمون، فهم جميعاً يقرّون بعقيدة المهدي(عليه السلام) ـ على اختلاف في التفاصيل ـ، ويؤمنون بأنّه من ذرية رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد أوردوا الكثير من النصوص في هذا المجال:

١- أنظر: التفسير التطبيقي للكتاب المقدس: ١٢٠٨، مزا مير داود: ٧٢.

٤٨٦
منها ما أورده أبو داود في صحيحه عن أم سلمة (رضي الله عنها)، أنّها قالت: " سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: المهدي من عترتي من ولد فاطمة "(١).

ومنها قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) لفاطمة الزهراء(عليها السلام) في مرضه الأخير بعد أن ضرب على منكب الحسين(عليه السلام): " من هذا مهدي هذه الأمّة... لا تذهب الدنيا حتى يقوم رجل من ولد الحسين يملؤها عدلا كما ملئت ظلماً وجوراً "(٢).

ويكون يوم الخلاص للمستضعفين من ظلم الظالمين على يديه(عليه السلام).

وجدت ضالتي في التشيّع:

يقول الأخ محمّد: " عرفت من خلال التتبع والدراسة أنّ هؤلاء الخلفاء هم الأئمة من ذرية النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهم أحقّ الناس بالأمر من بعده(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكن مالت الأكثرية عن خطهم بسبب السياسات الحاكمة، ولم يثبت معهم إلاّ القليل، فأضطهدوا بعد ذلك وظلموا، ولكن شاء الله أنّ تنمو هذه القلّة لتكون طائفة بارزة لها أنصع الأثر في تاريخ الإسلام ".

ويضيف الأخ: " لقد لمست البون الشاسع بين الفريقين في العقائد والتفسير والفقه والحديث و... فاقتنعت تماماً بأحقية مذهب أهل البيت(عليهم السلام)ووجوب إتباعه، وشملتني العناية الإلهية فوفقت للاقتداء بالأئمة الاثني عشر(عليهم السلام)، بإعتبارهم عدل القرآن، وسفينة نوح، ونجوم الأمان، فأعلنت استبصاري عام ١٩٨٤م في العاصمة " أكرا " ".

١- سنن أبي داود: ٤ / ٨٨ (٤٢٨٤)، وأنظر: سنن ابن ماجة: ٢ / ٥٣١ (٤٠٨٥)، مشكاة المصابيح للتبريزي: ٣ / ١٥٠١ (٥٤٥٣)، المستدرك للحاكم: ٤ / ٦٠١ (٨٦٧٢)، ينابيع المودة للقندوزي: ٣ / ٢٦١.

٢- أنظر: ينابيع المودة للقندوزي: ٣ / ٣٩٤، البيان في أخبار صاحب الزمان للكنجي: الباب الأوّل.

٤٨٧
موسوعة من حياة المستبصرين (ج١) لمركز الأبحاث العقائدية (ص ٤٨٨ - ص ٥٠٧)
٤٨٨
الملك سعود في الرياض، حيث إطلع هناك على مجموعة من الكتب فغاص في عالمها حتى تفتّح ذوقه وشعوره.

فيقول الأخ مختار: " كان من جملة الكتب التي وقعت بيدي كتاب (نهج البلاغة) لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، فوجدته كنزاً نفيساً من كنوز التراث العربي، حيث اجتمع بين دفتيه البيان الإسلامي الرائع ببلاغة بديعة وبيان رفيع، مما جعلني أصدّق هذه المقولة بأنّه: دون كلام الخالق و فوق كلام المخلوق ".

المتتبع لبيان الإمام عليّ بن أبى طالب(عليه السلام) يجد أنّ أُسلوبه يدعو القارئ ليتأمّل ويمعن النظر فيه، إذ لا توجد فيه عبارة إلاّ وتفتح بصيرته على آفاق رحبة من العلوم والمعارف.

كما أنّ بيانه(عليه السلام) لم يقتصر على واحد من الموضوعات، فحديثه حديث حكيم خبير يستلهم الحقائق الكونية بعقله وشعوره وذوقه، ثم يبدع في حديثه عن خلقة الكون وروائع الوجود.

كما أنّ كلامه(عليه السلام) كان كلام متفاعل مع الكون والحياة تفاعلاً مباشراً، بحيث يرتبط بقلبه بالكائنات في وحدة وجودية مطلقة، ثم ينطلق لسانه بما يجيش به قلبه، فيبّين الحقائق والقوانين بإنشاء تام الإنسجام بين ألفاظ والمعاني، ويعبّر عن ذلك بعبارات ملؤها الصفاء والبهاء والنزاهة والجودة، ثم يكسو المعانى التي يقصدها بحلّة فنية رائعة الجمال.

ولا عجب في ذلك لأنّ الباري سبحانه وتعالى قد اعتنى به(عليه السلام) وأفاض عليه من لطفه منذ صغره، فجمعه مع رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) ليستوعب منه الرسالة بكل ما فيها من حرارة وقوّة.

٤٨٩

تسديد الباري للإمام عليّ(عليه السلام):

قال الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام): " ولقد قرن الله تعالى به ـ أي برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ من لدن أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته يسلك به طرق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره، ولقد كنت أتبعه إتباع الفصيل أثر أمه، يرفع لي في كل يوم علماً من أخلاقه ويأمرني بالإقتداء به "(١).

وقال(عليه السلام): " والله ما أنزلت آية إلاّ وقد علمت فيما نزلت وأين أنزلت وعلى من نزلت، وإنّ ربّي وهب لي لساناً طلقاً وقلباً عقولاً "(٢).

وقال(عليه السلام): " إنّ رسول الله علمني ألف باب وكل باب يفتح ألف باب، فذلك ألف ألف باب حتى علمت ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، وعلمت علم المنايا والبلايا وفصل الخطاب "(٣).

وقال(عليه السلام): " بل اندمجت على مكنون علم، لو بُحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوى البعيدة "(٤)، أي لاضطربتم اضطراب الحبل في البئر العميق.

علم الإمام عليّ(عليه السلام):

قد بلغ الأمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) درجة رفيعة من العلم حتى شهد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بعلو شأنها في أحاديث متعددة، منها:

قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): " أنا مدينة العلم وعليّ بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب "(٥).

١- أنظر: نهج البلاغة: الخطبه ١٨٧.

٢- أنظر: المناقب للخوارزمي: ٩٠ (٨٢)، ينابيع المودة للقندوزي: ١ / ٢١٤، الطبقات لابن سعد: ٢ / ٢٥٧.

٣- أنظر: ينابيع المودة للقندوزي: ١ / ٢٣١.

٤- أنظر: نهج البلاغة: خطبة ٥.

٥- أنظر: المناقب للخوارزمي: ٨٣ (٦٩)، الجامع الصغير للسيوطي: ١ / ٤١٥ (٢٧٠٥)، كنز العمال: ١١ / ٦٠٠ (٣٢٨٩٠)، المستدرك للحاكم: ٣ / ١٣٧ (٤٦٣٧)، وغيرها.

٤٩٠
قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) لإبنته فاطمة(عليها السلام): " أما ترضين أني زوجتك أوّل المسلمين إسلاماً وأعلمهم علماً "(١).

وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) لها: " زوجتك خير أهلي، أعلمهم علماً وأفضلهم حلماً وأوّلهم سلماً "(٢).

وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) لها: " أقدم أمّتي سلماً، وأكثرهم علماً، وأعظمهم حلماً "(٣).

قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): " أعلم أمّتي من بعدي عليّ بن أبي طالب "(٤).

قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): " عليّ باب علمي، ومبيّن لأمّتي ما أرسلت به من بعدي "(٥).

قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): " عليّ خازن علمي "(٦).

قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): " عليّ عيبه علمي "(٧).

قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): " أقضى أُمّتي عليّ "(٨).

١- أنظر: المعجم الكبير للطبراني: ٢٢ / ٤١٦ (١٠٣٠)، كنز العمال: ١١ / ٦٠٥ (٣٢٩٢٥).

٢- أخرجه الخطيب في المتفق والمفترق: ١ / ٦٢ في (أحمد بن أسد بن شمر العبدي)، وعنه السيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه: ٤ / ٣٩٠ (١٢٧٣٦)، كنز العمال: ١١ / ٦٠٥ (٣٢٩٢٦).

٣- أنظر: مسند أحمد: ٥ / ٢٦، الرياض النضرة للطبري: ٢ / ١٣٨ (١٤٤٢)، مجمع الزوائد للهيثمي: ٩ / ١٠١، ١١٤، وغيرهم.

٤- أخرجه الديلمي عن سلمان في الفردوس: ١ / ٣٧٠ (١٤٩١)، والخوارزمي في المناقب: ٨٢ (٦٧)، والمتّقي الهندي في كنز العمّال: ١١ / ٦١٤ (٣٢٩٧٧).

٥- أنظر: الفردوس للديلمي: ٣ / ٦٥ (٤١٨١)، كنز العمّال: ١١ / ٦١٤ (٢٢٩٨١)، ينابيع المودّة للقندوزي: ٢ / ٢٤٠.

٦- أنظر: شرح النهج لإبن أبي الحديد: ٩ / ١٦٥.

٧- أنظر: شرح النهج لإبن أبي الحديد: ٩ / ١٦٥، الجامع الصغير للسيوطى: ٢ / ١٧٧ (٥٥٩٣)، تاريخ ابن عساكر: ٤٢ / ٣٨٥ / مناقب الخوارزمي: ٨٧.

٨- أنظر: فتح الباري للعسقلاني: ٨ / ٢١٢ (٤٤٨١)، تاريخ ابن عساكر: ٤٢ / ٢٤١، الرياض النضرة للطبري: ٢ / ١٤٣ (١٤٧١).

٤٩١
قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): " أقضاكم عليّ "(١).

قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): " قسمت الحكمة عشرة أجزاء، فأعطي عليّ تسعة أجزاء والناس جزءاً واحداً "(٢).

علّة اهتمام الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بعليّ(عليه السلام):

لم تكن تلك العناية من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لعليّ بن أبي طالب(عليه السلام) إلاّ لأنّه كان يفّكر بمستقبل الدعوة، فكان يعدّ عليّاً(عليه السلام) خليفة له، ولذلك كان يودع عنده علوم الرسالة ويهيئه لتحمل المسؤولية الخطيرة من بعده، فإنّه بعلمه الوافر هذا كان أحقّ أن يُتّبع بعد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، كما قال تعالى: ( أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أَنْ يُهْدى )(٣).

شهادة عمر وغيره بأعلمية الإمام عليّ(عليه السلام):

لقد شهد ببلوغه(عليه السلام) لهذا المقام السامي المخالف والمؤالف، وقد كان منهم عمر بن الخطاب! إذ ورد عنه بخصوص ذلك قوله في أكثر من مناسبة:

" لولا عليّ لهلك عمر "(٤)، و " اللّهم لا تبقني لمعضلة ليس لها ابن أبي طالب "(٥)، و " لا أبقاني الله بأرض لست فيها أبا الحسن "(٦)، و " لا أبقاني الله

١- أنظر: مصابيح السنة للبغوي: ٢ / ٤٥٣ (٢٧٠٠)، شرح النهج لابن أبي الحديد: ١ / ١٨.

٢- أنظر: حلية الأولياء لأبي نعيم: ١ / ١٠٤ (١٩٨)، الفردوس للديلمي: ٣ / ٢٢٧ (٤٦٦٦)، تاريخ ابن عساكر: ٤٢ / ٣٨٤، فيض القدير للمناوي: ٣ / ٤٦.

٣- يونس: ٣٥.

٤- أنظر: الإستيعاب لابن عبد البر: ٣ / ١١٠٣، الرياض النضرة للطبري: ٢ / ١٣٨ ٠ (١٤٤٧)، تفسير النيسابوري سورة الأحقاف، مناقب الخوارزمي: ٨١ (٦٥)، تذكرة الخواص لابن الجوزي: ١٣٧.

٥- أنظر: تذكرة الخواص لابن الجوزي: ١٣٧، مناقب الخوارزمي: ٩٧ (٩٨)، نظم الدرر للزرندي: ١٣٢، أنساب الأشراف للبلاذري: ٩٩ (٢٩).

٦- أنظر: إرشاد الساري للقسطلاني: ٤ / ١٣٩ (١٥٩٧٦) عن الحاكم، شرح النهج لابن أبي الحديد: ١٢ / ١٠١، مستدرك الحاكم: ١ / ٦٢٨ (١٦٨٢)، فيض القدير للمناوي: / ٤٧٠ (٥٥٩٤)، نصب الراية للزيلعي: ٣ / ١١٧.

٤٩٢
بعدك يا عليّ "(١)، و " اللّهم لا تنزل بي شديدة إلاّ أبو الحسن إلى جنبي "(٢).

كما ورد عن عائشة أنّها قالت: " عليّ أعلم الناس بالسنة "(٣).

وورد عن إبن عباس ـ حبر الإمة ـ أنّه قال: " والله لقد أعطي عليّ بن أبي طالب تسعة أعشار العلم، وأيم الله لقد شارككم في العشر العاشر "(٤).

فمن هنا يعلم أنّ جميع الصحابة كانوا يعرفون مكانة الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) ومنزلته، ولكن البعض حيث تصطدم مصالحه مع الحقيقة يحاول أن يغضّ طرفه عنها ولا يلتفت إليها لئلا تكدّر صفو إنغماسه في الهوى!.

لماذا هذا التعتيم لفضائل الإمام عليّ(عليه السلام):

يقول الأخ مختار: " حينما كنت أدرس في معهد جامعة الملك سعود في الرياض، لفت انتباهي أنّ الأستاذ يتحاشا ذكر الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)ويقتصر في استشهاده على أحاديث الخلفاء الثلاثة وجملة من الصحابة، فاستغربت من ذلك!.

وفي يوم من الأيام خلوت بالأستاذ بعد أن أتم الدرس فسألته عما كان يختلج في صدري، وقلت له: إنّ الخليفة عليّ بن أبي طالب كما هو واضح يتميّز بعلم وافر، ومعارف جليّة بين أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وبلاغة رائعة تنفعنا في

١- أنظر: الرياض النضرة للطبري: ٢ / ١٤٢ (١٤٦٥)، مناقب الخوارزمي: ١٠٢ (١٠٤)، التذكرة لسبط ابن الجوزي: ١٣٧ فيض القدير للمناوي: ٤ / ٣٥٧.

٢- أنظر: الرياض النضرة للطبري: ٢ / ١٣٩ (١٤٤٩).

٣- أنظر: الاستيعاب لابن عبد البر: ٣ / ١١٠٤، الرياض النضرة للطبري: ٢ / ١٣٧ (١٤٤١)، مناقب الخوارزمي: ٩١ (٨٤)، التاريخ الكبير للبخاري: ٢ / ٢٢٨، تاريخ ابن عساكر: ٤٢ / ٤٠٨، نظم درر السمطين للزرندي: ١٣٣.

٤- أنظر: الاستيعاب لابن عبد البر: ٣ / ١١٠٤، الرياض النضرة للطبري: ٢ / ١٣٨ (١٤٤١).

٤٩٣
تقوية أدبنا العربي، ولكنّني أراكم لاتستشهدون بأقواله وخطبه وحكمه، وأنا أعلم أنّكم ممن ألمّ ببلاغته وأدبه وعلمه، فأحبّ معرفة السبب في ذلك؟

فرأيت بوادر الغضب والانفعال في وجهه وكأنّه أشمئز من تساؤلي!، فقال بنبرة حادّة: إنّ مهمتنا أن نقتبس النصوص الأدبية المختارة، وننقل ما ذكره السلف ولايعنينا غير ذلك، ثم أدار وجهه عني وانصرف.

فاعترتني الدهشة من تصرّفه! وأحسست أنّ أمراً ما يرتبط بعليّ بن أبي طالب قد خفى عليَّ! ".

إمامة الإمام عليّ(عليه السلام) بعد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم):

يضيف الأخ مختار قائلا: " بدأت من ذلك الحين أبحث في الكتب والمؤلفات، فقرأت جملة من الكتب التي ترتبط بحياة وسيرة الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، حتى تبيّنت لي مكانته السامية في كافة المجالات.

ثم انقدح في ذهني هذا السؤال: لماذا لم يخلّفه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) على الأمة من بعده؟! وكيف وسع لغيره أن يتقدّم عليه؟! إذ أنّه كان أحقّاً بالخلافة لوافر علمه الذي لايخفى على أحد.

فتتبعت الأمر، وإذا بي أجد نصوصاً كثيرة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) تؤهل علياً(عليه السلام) للخلافة من بعده، فقلت في نفسي: إذاً ما عدى مما بدى أن يترك الصحابة وصية رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ويرتؤا لأنفسهم خلاف ما ورد فيه النصّ؟.

وبمطالعتي للتاريخ تبيّن لي أنّ الأمر الذي أثار في نفوس الصحابة الحميمة وجعل المجتمع يستعذب الألم والفداء في نصرة الإسلام، هو جلالة النبوّة وعظمة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فكان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) هو المحفز للأمّة لأن ترتقي وتتسامى، وهو الذي أخذ بيدها فرفعها إلى المراتب الرفيعة، ولكن ما أن توفى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ

٤٩٤
وفقدت الأمة محفزّها ومستنهضها، فعادت مرّة أخرى إلى طباعها التي كانت عليها من الركون إلى الدنيا والهبوط إلى المستويات الدانية ".

فالواقع الإسلامي بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) خير شاهد على هذا الأمر، واختلاف الصحابة فيما بينهم وتناحرهم وشقاقهم وتغييرهم لسنة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) شاهد آخر لذلك.

والمتتبع لسيرة الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) يرى أنّه كم اجتهد في زمن خلافته ليعيد الأمور إلى مجراها وبذل أقصى جهده لذلك، ولكن الظروف الاجتماعية البائسة التي أنشأها من قبله لم توفر له الإصلاح والتغيير، ولم يمض جيل واحد بعد عهد الرسالة إلاّ واستبدلت الخلافة الدينية بالملكية الدنيوية، ومحقت السنة وأضمحلت معالم الدين، ولم يبق في خضم هذه الأحداث من ينادي بالإصلاح في أُمة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ العترة من آل الرسول(عليهم السلام) وأنصارهم، في حين أذعن الجميع للسلطة وغضّ بصره عما كان يقع من الخلفاء من ظلم وتضليل وانحراف!.

الحصيلة الثمينة:

يقول الأخ مختار كونتا: " من ذلك الحين غصت في بحار معارف أهل البيت(عليهم السلام)، وفي لحظات فذّة من تألق العقل وغوره في معارف العترة بدت لي الحقيقة بلون ساطع، فلم أجد بداً من الاستبصار والسير على نهجهم(عليهم السلام) الذين هم الذرية الطاهرة التي اصطفاها الله لتكون الامتداد الطبيعي للرسالة المحمديّة، وكان ذلك عام ١٩٩٩م في إيران ".

٤٩٥
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

(٤٥) منصف الحامدي
(مالكي / تونس)




ولد عام ١٩٦٦م بمدينة " سيدي خليف " في دولة تونس(١)، من أسرة تعتنق المذهب المالكي، واصل دراسته الأكاديمية حتى نال شهادة الديبلوم في الهندسة الميكانيكية، ثم شغل منصب رئيس قسم الدراسات لهذا الفرع.

تشرّف باعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) عام ١٩٨٤م في مدينة " سيدي بو زيد " التونسية.

البحث الجاد والمعمّق:

كان دأب الأخ منصف التساؤل والبحث والاستفهام لاسيما في الأمور العقائدية والفكرية، ومن هذا أندفع للبحث الجاد والمعمق حتى آل به الأمر في نهاية المطاف إلى الاستبصار.

فيقول الأخ منصف: " قد لا تحمل قصة استبصاري شيئاً مثيراً ولا تضم في طياتها ما يلفت النظر، ولا سيما أنّها تحمل أموراً شخصية لا أحبذ الخوض فيها، ولكن أكتفي بالاشارة إلى الحركة الفكرية التي دفعتني إلى تغيير ركائزي العقائدية وصياغة مبادئها من جديد وفق الأسس التي توصلت إليها عبر البحث والتحقيق.

١- تونس: أنظر الترجمة رقم (٣٩).

٤٩٦
كان منشأ هذه الحركة هو مجموعة تأملات ونقاط استفهام طرحت نفسها لتكون دافعاً نحو البحث، وعندها طوّعت نفسي لرحلة استمرت سنوات، قرأت فيها جملة من كتب أبناء العامة المعتبرة عندهم، لأرفع بذلك الاستفهامات العالقة في ذهني، فاكتشفت عبر ذلك الكثير من الحقائق التي لم أكن مطلعاً عليها من قبل ".

البحث عن الفرقة الناجية:

ويقول الأخ منصف: " في الحقيقة كان لاستقامتي في البحث أثر في استبصاري، فكنت كثير التساؤل والاستفسار، وكان من جملة التساؤلات التي كان البحث عنها ذا تأثير كبير في صياغة مرتكزاتي العقائدية الجديدة هو الحديث المشهور المروي عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ أمته تفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلّهم في النار إلاّ فرقة واحدة(١).

ومن هذا الحديث أنطلقت نحو البحث والتتبع، لعليّ أصل إلى معرفة هذه الفرقة الناجية، وقد كنت مهتمّاً لإيماني أنّ عدم معرفة هذه الفرقة يعني الهلاك في النار، لذلك انطلقت في البحث بعزيمة قويّة وأصرار لكي أصل إلى النتيجة بعون الله سبحانه وتعالى.

١- هذا الحديث كثر نقله في المجاميع الحديثية، وكثر تصحيحه فيها، بل ادعى غير واحد من الأعلام تواتره وقد أخرج بعبارات مختلفة كما في: سنن الترمذي: ٤ / ٣٨١ (٢٦٤١) كتاب الايمان، سنن أبي داود: ٤ / ٢٠٢ (٤٥٩٧) كتاب السنة، سنن ابن ماجه: ٢ / ٩٣٢ (٣٩٩٢) كتاب الفتن، مسند أحمد بن حنبل: ٢ / ٣٣٢، ٣ / ١٢٠، ١٤٥، مستدرك الحاكم: ١ / ٤٧ (١٠)، الجامع الصغير للسيوطي: ١ / ١٨٤ (١٢٢٣، ٠٨٣ ١) و ١ / ٥١٦ (٢٦٤١)، مجمع الزوائد للهيثمي: ١ / ١٨٩، وقد صحح هذا الحديث الترمذي في سننه، والبغوي في شرح السنة، والسخاوي في المقاصد الحسنة، والشاطبي في الاعتصام، وادعى السيوطي تواتره على ما ذكره المناوى في فيض القدير، وكذا الكتاني في نظم المتناثر.

٤٩٧
وكان لابد لي من معرفة أسباب وتاريخ حدوث الفرقة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، لأنّها تمثّل لي معرفة جذور الانحراف التي منها تتبين معالم الفرق الضالة بعد معرفة أسباب نشأتها ودوافع ظهورها في الساحة الإسلامية ".

أثر رزية الخميس في نشوء الفرق الإسلامية:

يتجلى لكل متصفح في أحداث الصدر الأوّل للإسلام أنّ أهم الأسباب والدوافع التي كان لها الأثر الكبير في إحداث الفرق ونشوء المذاهب هي رزيّة يوم الخميس، وهي الحادثة التي وقعت في أواخر حياة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) التي كان لها بالغ الأثر في نشوء الاختلاف والفرقة بين المسلمين.

وقد ذكر هذه الحادثة كل من كتب التاريخ ودون الحديث كالبخاري ومسلم وأحمد وغيرهم بأحاديث صحيحة:

فأخرج البخاري عن ابن عباس، قال: " لما اشتدّ بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وجعه، قال: " ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده "، قال عمر: إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا. فاختلفوا وكثر اللغظ، قال: " قوموا عني، ولا ينبغي عندي التنازع "، فخرج ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وبين كتابه "(١).

وعنه أيضاً بسنده عن سعيد بن جبير، قال: قال ابن عباس: " يوم الخميس، وما يوم الخميس!! اشتد برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وجعه، فقال: " ائتوني أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً " ـ فتنازعوا ولا ينبغي عند نبيّ تنازع ـ فقالوا: ما شأنه؟ أهجر؟ استفهموه. فذهبوا يردون عليه، فقال: " دعوني، فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه "، وأوصاهم بثلاث، قال: أخرجوا المشركين من جزيرة

١- صحيح البخاري: ١ / ٥٤ (١١٤) كتاب العلم، باب كتابة العلم.

٤٩٨
العرب، وأجيزوا الوفد بنحوما كنت أجيزهم، وسكت عن الثالثة، أو قال: نسيتها "(١).

وعنه أيضاً عن ابن عباس قال: " لما حُضِرَ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال ـ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ: " هلّم أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده ". فقال عمر: إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله. فاختلف أهل البيت فاختصموا، منهم من يقول: قرّبوا يكتب لكم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كتاباً لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر. فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): قوموا... " الحديث(٢).

وأخرجه البخاري أيضاً في كتاب الاعتصام(٣)، وكتاب الجزية(٤) وكتاب الجهاد(٥) بألفاظ متقاربة.

وأخرج مسلم في الصحيح عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أنّه قال: " يوم الخميس! وما يوم الخميس! ثم جعل تسيل دموعه حتى رأيت على خدّيه كأنها نظام اللؤلؤ، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): " ائتوني بالكتف والدواة أو اللوح والدواة أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً ". فقالوا: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يهجر "(٦).

١- المصدر نفسه: ٤ / ١٦١٢ (٤١٦٨) كتاب المغازي باب مرض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ووفاته.

٢- المصدر نفسه: ٥ / ٢١٤٦ (٥٣٤٥)، كتاب الطب، باب قول المريض قوموا عني.

٣- المصدر نفسه: ٦ / ٢٦٨٠ (٦٩٣٢)، كتاب الاعتصام، باب كراهية الخلاف.

٤- المصدر نفسه: ٣ / ١١٥٥ (٢٩٩٧)، كتاب الجزية، باب اخراج اليهود من جزيرة العرب.

٥- المصدر نفسه: ٣ / ١١١١ (٢٨٨٨)، كتاب الجهاد، باب هل يستشفع إلى أهل الذمة ومعاملتهم.

٦- صحيح مسلم: ٣ / ١٢٥٩ (١٦٣٧)، كتاب الوصية، باب ترك الوصية لمن ليس له شي يوصي فيه.

٤٩٩
وأخرجه أحمد بن حنبل في المسند في مواضع متعددة(١).

دلالات رزيّة الخميس:

مما يلاحظ في هذا الحديث من قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) " أئتوني بكتاب " لم يكن الأمر للإرشاد وإنّما هو دال على الوجوب، وذلك:

أوّلاً: إنّ قول " لا تضلوا " يشير إلى أنّ الكتاب الذي كان يريد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)كتابته إنّما هو يوجب العصمة من الضلال، وهو أمر يجب الحصول عليه امتثالاً لأمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ولأهمّية مضمونه.

ثانياً: إنّ استياء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من فعلهم، وأمره لهم بالقيام، مع سعة ذرعه وشدّة تحمله وعظيم خلقه، دليل على أنّهم ارتكبوا أمراً عظيماً ما كان لهم أن يقترفوه.

ثالثاً: إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كان في حالة الاحتضار، فهو مشغول بنفسه ويصعب عليه كتابة الكتاب، وهذا يوحي أنّ المقام لم يكن مقام الأوامر الإرشادية، بل أنّه يستوجب الأوامر الالزامية المهمّة.

رابعاً: موقف ابن عباس وتوصيفه للحادثة بالرزية وبكاؤه بعد أنقضاء الحادثة دليل عن أنّ مخالفة أمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كان فعلاً محرّماً قد فقدت الأمّة خلاله أمراً كان يستهدف عصمتها من الضلال.

ومن هنا فإنّ استصغار البعض للحادثة، إنّما هو محاولة لتبرير موقف عمر ومعارضته لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)!، وهذا التبرير لا يصلح أن يكون قرينة لما يبتغوه، لأنّ عمر كان كثيراً ما يعترض على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في مواقف كثيرة ومشهورة.

١- مسند أحمد بن حنبل: ١ / ٢٢٢، ٢٩٣، ٣٢٤، ٣٣٦، ٣٥٥.

٥٠٠