×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة من حياة المستبصرين (ج 01) / الصفحات: ٥٠١ - ٥٢٠

مخالفات عمر للسنة:

ذكر البخاري فيما أخرجه عن المسور بن مخرمة ومروان في حديث طويل ساق فيه خبر صلح الحديبية، قال: " فقال عمر بن الخطاب: فأتيت نبيّ الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقلت: ألست نبيّ الله حقاً؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحقّ وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدنية(١) في ديننا إذاً؟ قال: إنّي رسول الله، ولست أعصيه وهو ناصري، قلت: أو ليس كنت تحدثنا أنّا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى فأخبرتك أنّا نأتيه العام؟ قلت: لا، قال: فإنّك آتيه ومطوّف به، قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر... " الحديث(٢).

وفي رواية أخرى أخرجها البخاري أيضاً " أنه قال: فرجع متغيظاً فلم يصبر حتى جاء أبا بكر... "(٣).

وفي رواية مسلم: " فانطلق عمر فلم يصبر متغيظا، فأتى أبا بكر... "(٤).

وهذا الموقف لعمر دلالة واضحة على مجادلته ومناقشته للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وأنّه رجع متغيظاً من قول الرسول وغير راض بما سمعه منه (صلى الله عليه وآله وسلم).

كما لا يحق لعمر الاجتهاد في أمر قد قضى الله ورسوله فيه بالصلح، فقد قال الله سبحانه وتعالى: (وَما كانَ لِمُؤْمِن وَلا مُؤْمِنَة إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ

١- الدنية: أي الخصلة المذمومة.

٢- صحيح البخاري: ٢ / ٩٦٨ (٢٥٨١)، كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب.

٣- صحيح البخاري: ٤ / ١٨٣٢ (٤٥٦٣)، كتاب تفسير القرآن، تفسير سورة الفتح.

٤- صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير: ٣ / ١٤١١ (١٧٨٥)، وأنظر: مسند أحمد بن حنبل: ٣ / ٤٨٦، ٤ / ٣٣٠.

٥٠١
ضَلالاً مُبِيناً)(١).

ومن معارضات عمر أيضاً جرأته على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في حياته عندما أراد الصلاة على عبد الله بن أبي رأس المنافقين فجاء عمر فجذبه من خلفه، وقال: ألم ينهك الله أن تصلي على المنافقين! فقال: إني خيّرت، فاخترت فقيل لي: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ )(٢)، ولو أعلم أني إذا زدت على السبعين غفر له لزدت. ثم صلى عليه، ومشى معه، وقام في قبره، فعجب الناس من جرأة عمر على رسول الله(٣)!.

وبهذا يتضح لنا أنّ موقف عمر ازاء رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في رزيّة الخميس لم يكن مما يبعثنا على الاستغراب أو استبعاد ما صدر منه.

وهذا الأمر لم يتعلق بشخص عمر وحده، إذ لو كان كذلك لأسكته رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، بل استفحل الأمر واستشرى ووجد له أنصاراً قد اتفقت كلمتهم على منع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عن كتابة ذلك الكتاب، وكأنهم نسوا أو تناسوا قول الله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْض أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ)(٤).

١- سورة الاحزاب: ٣٦.

٢- التوبة: ٨٠.

٣- أنظر: شرح النهج لابن أبي الحديد: ٣ / ١٠٧ ـ ١٠٨، صحيح البخاري بحاشية السندي: ١ / ١٦٣ ـ ٣ / ١٣٧ ـ ٤ / ٢٥، صحيح مسلم: ٤ / ٢١١٤، تحقيق محمّد فؤاد عبد الباقي، تاريخ المدينة المنوّرة لابن شيبة: ٣ / ٨٥٦، كنز العمال للمتقي الهندي: ٢ / ٤١٨ ـ ٤١٩، أسباب النزول للواحدي: ص ١٤١، مسند الإمام أحمد ١ / ١٦، سنن ابن ماجة للقزويني: ١ / ٤٨٧ ـ ٤٨٨، مسند أحمد بن شعيب النسائي: ٤ / ٦٧ ـ ٦٨، حلية الأولياء لأبي نعيم: ١ / ٤٣ ـ ٤٤، السنن الكبرى للبيهقي: ٣ / ٤٠٢، السيرة النبوية لابن هشام: ٤ / ١٩٧ الرياض النضرة للمحب الطبري: ١ / ٢٩٤.

٤- سورة الحجرات: ٢.

٥٠٢

لماذا لم يكتب الرسول الكتاب:

إنّ سبب عدم كتابة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) الكتاب، لأنه وجدهم قد طعنوا به وهو لايزال على قيد الحياة، فإذا كان كذلك فكيف يكون الأمر بعد وفاته!.

والحقيقة أنّ الذين منعوا الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) من كتابة ذلك الكتاب لم يفعلوا ذلك إلاّ لأنّهم علموا أنّ الرسول يريد أن يؤكد استخلاف عليّ بن أبي طالب من بعده. ولأنّه سبق لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أن قال: " إنّي مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا "، وقال(صلى الله عليه وآله وسلم) في مرضه: " هلم أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده "، ففهم الحاضرون أنّ الرسول يريد أن يؤكد ماذكره فيما سبق وهو التمسك بالكتاب وعترته، وسيد العترة هو عليّ(عليه السلام)، وأغلبية قريش لا يرضون بعليّ(عليه السلام)، فتقدمهم عمر ليصرح برفضه للعترة قائلاً: " حسبنا كتاب الله ".

أثر رزية الخميس بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم):

تعتبر رزية الخميس أوّل بروز رفض خلافة عليّ(عليه السلام)! حتى ظهر بصورة عملية بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) واتفقت آراء رؤساء القوم على عدم الائتمار بقول الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا المجال.

ومن هنا بدأت الفرقة في أوساط الأمة الإسلامية بدأت واتسعت يوماً بعد يوم حتى ظهرت البدع نتيجة الأهواء لفقدان الساحة للخلافة الرشيدة الموجهة للمسلمين، حيث مهّدت الأرضية لوقوع الخلافة بيد بني أميّة أئمة الضلال، ووقع

٥٠٣
التحريف في شريعة سيد المرسلين، ونشأت الفرق وابتلت الأمة الإسلامية بأئمة الجور والضلال.

وكان سبب وقوع كل هذا الكم الهائل من التشتت والتمزق في الساحة الإسلامية هو عدم تلبية أولئك الصحابة في قبول من يعصم الأمة من الوقوع في الضلال.

البحث لمعرفة الإمام:

يقول الأخ منصف: " وهكذا بدأت تتجلى لي بوضوح أسباب نشأة الفرق في الإسلام، كما عرفت أنّ الخلافة التي أرادها الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لم تكن كما ذهب إليه أبناء العامة، بأنّها مسؤولية إجتماعية ترتبط بحفظ شؤون النظام، بل هي شكلا من الولاية الإلهية وعهد إلهي كالنبوّة لمن يصطفيه الله من عباده، مع التأكيد على فارق هام هو أنّ النبوّة تأسيس للرسالة والإمامة حراسة لها ".

ويضيف الأخ منصف: " خلال مطالعتي للأحاديث النبوية الشريفة قرأت قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): " من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية "، فدفعني ذلك لمعرفة إمام زماني، فطالعت جملة من كتب الفريقين حتى تجلّت لي حقيقة وجود الإمام المهدي(عليه السلام) بوضوح، وكنت أنذاك في المرحلة الأولى في معهد الهندسة الميكانيكيّة.

وبمرور الزمان اكتملت صورة مذهب أهل البيت(عليهم السلام) في ذهني، فعرفت أنّ الإمام الذي جعله الله بلطفه حجّة على العباد، كما عرفت أنّ السبب الذي حجبنا عن رؤيته والاتصال به هو الظروف المتردية الحاكمة على المجتمع، وأنّه تعالى قد تمت حجّته على العباد، وأنّه عزّوجلّ حذّر الناس من الوقوع في الفتن التي

٥٠٤
تمنع وصول ألطافه تعالى إلى العباد، وذلك بقوله تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً)(١).

اجتياز بعض العقبات المانعة من الاستبصار:

يقول الأخ منصف: " إنّ من أهم الأسباب الموجبة للاهتداء ومعرفة الحقّ التقوى، وذلك لقوله تعالى: (إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً)(٢)، والفرقان هو النور الذي يقذفه الله في قلب الأتقياء فيتمكنوا به أن يميّزوا بين الحقّ والباطل، وبه يكشف الله الحجب عن فطرتهم لتميل قلوبهم وتندفع إلى الحقّ.

والعامل الوحيد الذي يدفع الإنسان للبحث عن الحقيقة بإخلاص ومن دون نيل أغراض أخرى الشعور بالحاجة إلى الهداية، وهو شعور ينطلق من الفطرة السليمة ومن النفس التي هذبها صاحبها لتكون مستعدة لتلقي الحقائق.

ولهذا بذلت غاية جهدي لأعيش حالة الاتصال الدائم بالله، وأظن أن هذا الرصيد المعنوي هو الذي مكنني للاهتداء والاستبصار، والذي جعلني متمكناً من التغلب على جميع الموانع التي اعترتني في هذا الطريق ".

وحيث كان الأخ منصف مجيداً للغة الإنجليزية والفرنسية أتاح له ذلك أن يوسع دائرة عمله التوجيهي في التبليغ والحوار مع الجاليات المختلفة، وهذا الأمر دفعه لمواصلة تتبعه في البحث والتوسع في معارف أهل البيت(عليهم السلام)ومنحه الرؤية الشمولية التي تمكّن بها من مواصلة طريق السمو والكمال في عبودية الله تعالى.

١- الأنفال: ٢٥.

٢- الأنفال: ٢٩.

٥٠٥
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

(٤٦) د. مونتسدات روفيرا
(مسيحية / أسبانيا)




ولدت الدكتورة مونتسدات بمدينة " برشلونة " في أسبانيا(١)، وترعرعت في أحضان عائلة مسيحية.

تشرّفت باعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) خلال عقد الثمانينيات في بلادها، وتسمت بإسم " زينب " لإعجابها بالسيدة زينب بنت الإمام عليّ(عليه السلام).

مرحلة الضياع الفكري والفراغ الديني:

تقول الدكتورة مونتسدات: " قبل أن أهتدي للإسلام كنت أشعر دائماً بأنّ شيئاً ما ينقصني، وكنت أحس بوجود حجب وموانع تمنعني من التقدم والتكامل، وتعيقني من التقرب إلى الله الذي كنت أعتقد به على ضوء الديانة المسيحية.

وكانت أمنيتي أن أتخلص من هذه الحجب، لأنّ النظرة المسيحية لله تعالى لم تكن مقنعة بالنسبة لي، ولم أكن أتقبل مسألة التثليث، وربوبية عيسى(عليه السلام)!

فكنت دوماً أعيش في حيرة من أمر معتقداتي وأفكاري، وكانت هذه

١- أسبانيا: تقع في الجنوب الغربي من قارة أوربا، يبلغ عدد سكانها قرابة (٤٠) مليون نسمة، يدين أغلبهم بالمسيحية الكاثوليكية الرومانية.

٥٠٦
الحيرة تحفزني للبحث والتساؤل ".

غموض عقيدة التثليث عند النصارى:

في الحقيقة أنّ الباحث يجد أنّ الاضطراب سمة واضحة في تفسير المسيحيين لعقيدتهم في التثليث! ولايخرج المتأمل في أقوالهم بنتيجة تذكر، وإليك بعض الأمثلة على ذلك:

١ ـ يقول " إكلمينص " مدير مدرسة اللاهوت بالاسكندرية ـ القرن الثاني الميلادي ـ: " ليس كل أقنوم عين الآخر، ومع ذلك فإنّ الأقانيم ليسوا ثلاث ذوات، بل هم ذات واحدة، لأنّ جوهرهم واحد وهو اللاهوت "(١).

٢ ـ يقول " آموري بين " ـ القرن الثالث عشر الميلادي ـ: " الأقانيم الثلاثة ليست هي الله، بل هي كائنات سامية خلقها الله أوّلا، لتقوم بتنفيذ أغراضه "(٢).

٣ ـ يقول " ديونسيوس " بطريرك الاسكندرية ـ القرن الرابع الميلادي ـ: " الأب والإبن والروح القدس هم الله، لأنّ الله لاينقسم أو يتجزأ على الإطلاق... لذلك لاينفصل أقنوم عن الآخر بأيّ حال من الأحوال "(٣).

فهذه آراء وتفاسير بعض أعلام النصارى حول عقيدة التثليث وطبيعة الأقانيم، وتوجد آراء أخرى لاتتفق معها بحال من الأحوال، قد خبطوا فيها خبط عشواء.

وتقول الدكتورة مونتسدات: " كانت لي صديقة أسبانية مثقفة وواعية التجأت إليها لحلّ الأسئلة والاستفسارات التي كنت أعاني منها في معرفة

١- أنظر: المسيح في القرآن: ٣٣٤.

٢- المصدر نفسه.

٣- المصدر نفسه: ٣٣٣.

٥٠٧
موسوعة من حياة المستبصرين (ج١) لمركز الأبحاث العقائدية (ص ٥٠٨ - ص ٥٢٨)
٥٠٨

٤ ـ وقال بطريرك بيت المقدس: " إن المسلمين قوم عادلون، ونحن لانلقى منهم أي أذى أو تعنّت "(١).

تعامل المسيحيين مع المسلمين في القرون الوسطى:

إنّ الناظر للتاريخ يجد تعامل بعض المسيحيين مع المسلمين يباين ويخالف تماماً الروح الإنسانية، خصوصاً في المناطق التي خضعت للنفوذ المسيحي في القرون الوسطى، فقد ارتكب المسيحيون مجازر رهيبة مع المسلمين، واستخدموا أساليب وحشية كانت وما تزال وصمة عار وخزي في تاريخ الكنيسة وزعامتها الدينية!.

فقد حفظ التاريخ في سجلاته قصص الموت الرهيب التي يتحاشاها أكثر المؤرخين والباحثين المسيحيين، ويمرون بها مروراً عابراً وسريعاً بإعتبارها حقبة سوداء في تاريخهم(٢)، ولكن مع ذلك قد سجّل بعضهم هذه الأحداث الفظيعة التي جرت على المسلمين، كان منهم:

١ ـ " غوستاف لوبون "، حيث يقول: " كان بطرس الناسك على رأس أهم العصابات الزاحفة إلى الشرق، ولكن لم تكد تصل إلى بلغاريا حتى بدأ أفرادها ينهبون القرى، ويذبحون أهاليها، ويأتون ما يفوق الوصف من الأعمال الوحشية، فكان من أجنّ ضروب اللهو إليهم قتل من يلاقونهم من الأطفال المسلمين، وتقطيعهم إرباً إرباً وشيّهم!! كما روت (آن كومنين) إبنة قيصر الروم "(٣).

٢ ـ " الراهب روبرت "، حيث يقول: "... أحضر (يوهيمند) جميع الذين أعتقلوا في برج القصر، فأمر بضرب رقاب عجائزهم وشيوخهم وضعافهم،

١- أنظر: تاريخ العلاقات بين الشرق والغرب في العصور الوسطى للدكتور سعيد عاشور: ١٩. ٢- أنظر: قصة الأديان: ٤١٥، في خطى محمّد: ٢١٩.

٣- أنظر: حضارة العرب: ٣٢٣.

٥٠٩
وبسوق فتيانهم وكهولهم إلى إنطاكية لكي يباعوا فيها! "(١).

وأضاف أيضاً: " حدث قتل المسلمين في يوم الأحد المصادف ١٦ ديسمبر، وإذا لم يكن إنجاز كل شيء في ذلك اليوم، قتل قومنا ما بقي من أولئك في اليوم التالي! "(٢).

والجدير بالذكر: يقدّر كثير من العلماء عدد المسلمين الذين قتلوا وذبحوا وأحرقوا منذ دخل " فرديناند " غرناطة، وحتى أجلاءهم الأخير بثلاثة ملايين مسلم(٣)، ولقد شن هؤلاء حرباً ـ يزعمون أنّها مقدسة ـ باركها ودعمها رجال الكنيسة بشتى الصور! لاستئصال شأفة الإسلام والمسلمين، ولكنهم فشلوا مع ذلك في تحقيق أغراضهم.

وقد أقر بذلك المبشّر " غاردنر " بقوله: " لقد خاب الصليبيون في إنتزاع القدس من أيدي المسلمين، ليقيموا دولة مسيحية في قلب العالم الإسلامي، والحروب الصليبية لم تكن لإنقاذ هذه المدينة، بقدر ما كانت لتدمير الإسلام "(٤).

التحرّر من التيه المظلم:

تقول الدكتورة مونتسدات: " لقد كنت أحمل نظرة مشوهة عن المسلمين، شأني في ذلك شأن بقية الأوربيين بشكل عام! إلاّ أنّ انكشاف الحقائق وتعرفي على بعض الوقائع التاريخية من قبل صديقتي، غيّرا كل ذلك.

واستمرت اللقاءات بيني وبين صديقتي، وبمرور الزمان إزدادت معرفتي

١- المصدر نفسه: ٣٢٥.

٢- المصدر نفسه: ٣٣٢.

٣- أنظر: تعدد الأديان وأنظمة الحكم لجورج قرم: ١٦٩.

٤- أنظر: التبشير والاستعمار للدكتور عمر فروخ: ١١٥.

٥١٠
بالإسلام، وكانت صديقتي تحمل معها نسخة من القرآن الكريم، وكانت تستشهد بآياته أثناء الكلام، وأهدتني مصحفاً وبعض الكتب الإسلامية، فبدأت أقارن بين القرآن والإنجيل، فعرفت خلال ذلك جملة من الأمور، منها إنسانية عيسى المسيح(عليه السلام) وعدم الوهيته! ".

ومن العجب! أن يدّعي النصارى أنّ النبيّ عيسى (عليه السلام) هو الأب ـ الذي هو الخالق عندهم ـ في حين أننا نجد أنّ الإنجيل يقرّر حقيقة كونه رجلاً مخلوقاً قد منّ الله عليه بالكرامة، حيث يؤكد بطرس ذلك بقوله: " يا بني إسرائيل، أسمعوا هذا الكلام: إنّ يسوع الناصري رجل أيده الله بمعجزات وعجائب أجراها على يده بينكم، كما تعلمون "(١).

لكنهم يناقضون أنفسهم بأنفسهم! لأنّ أي شخص ولدته أمّه لايمكن أن يكون إلهاً، وهذا ما يقول به الإنجيل أيضاً(٢)، ونبيّ الله عيسى(عليه السلام)أمهُ السيدة مريم بنت عمران، فأين إلوهيته من هذا القول؟!

وتناقضاتهم بوصفهم لعيسى(عليه السلام) تارة بـ (ابن الإنسان)! وأخرى بـ (ابن الله)!، حيث جاء وصفه بأنّه ابن الإنسان ٨٣ مرّة، وأنّه ابن الله ١٣ مرّة في العهد الجديد!.

وفي الحقيقة أنّ النبيّ عيسى(عليه السلام) مبعوث من قبل الله تعالى، والإدعاء بأنّه ربّ أو شريك له يفنده الواقع، وقد أبطله عيسى(عليه السلام)بنفسه عندما أقرّ بعدم علمه بيوم القيامة، حيث جاء في الإنجيل عنه(عليه السلام): " وأمّا ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد، لا الملائكة الذين في السماء ولا الإبن إلاّ الأب "(٣).

١)أنظر: التفسير التطبيقي للكتاب المقدس: ٣٢٧٣، أعمال الرسل: ٢ / ٢٢.

٢)أنظر: التفسير التطبيقي للكتاب المقدس: ١١٠٦، أيوب: ٢٥ / ٤ ـ ٦.

٣- أنظر: التفسير التطبيقي للكتاب المقدس: ٢٠٣٣، مرقس: ١٣ / ٣٢.

٥١١

الكنيسة وطقوسها المبهمة:

تقول الدكتورة مونتسدات: " بدأت تتضح لي الحقائق أكثر فأكثر يوماً بعد آخر، وبقدر ماكانت تتسع مطالعاتي ومناقشاتي كنت أصل إلى حلول مقنعة للأسئلة والاستفسارات في خلدي من مسائل واستفسارات.

كما تبيّن لي أنّ العقيدة الإسلامية عقيدة سهلة سمحاء، لا يشوبها ذلك التعقيد الذي تلبست به المسيحية ".

وقد أقرّ بهذا التعقيد المسيحيون أنفسهم!

إذ يقول " رونالد بنتون " صاحب كتاب (الكنيسة من النشوء إلى القرن العشرين): " وتكاد تكون أكثر الأديان السماوية والوضعية تعقيداً، وقد علّمها عيسى(عليه السلام)ديناً بسيطاً سهلا، ولكن التعقيد طرأ عليها بعد ذلك، حتى أصبح عسيراً جداً فهم كثير من مبادئها، وحتى أصبح غموضها طبيعة واضحة فيها.

ويقول أيضاً: إنّ المسيحية بدأت بسيطة ولكن الناس عقّدوها بعقائد صعبة عصفت بها "(١).

ولكثرة تعقيد المسيحية أصبحت لاتوضّح مقصوداً، فهي عبارات وفقرات إنشائية غامضة لا أكثر!، وخلاصة القول بخصوص العقيدة المسيحية في التثليث كما يقول القس وهيب عطا الله: " إنّ التجسيد قضية فيها تناقض مع العقل والمنطق والحس والمادة والمصطلحات الفلسفية، ولكننا نصدّق ونؤمن أنّ هذا ممكن حتى ولو لم يكن معقولا! "(٢).

١- أنظر المسيحية لأحمد شلبي: ٢١.

٢- طبيعة السيد المسيح: ١٨.

٥١٢

انتشال النفس من الأوهام:

ومن هذا المنطلق تقول الدكتورة مونتسدات: " اعتنقت الإسلام عن وعي وبصير، فأحسست بعد ذلك بالراحة النفسية عندما لامست روحي شفافية هذا الدين، المتجلية في عقيدته السمحاء، وعبادته التي تنمي الروح الخيرة المحبّة الصادقة في الإنسان، فتغيرت نظرتي للمجتمع وللكون والحياة تبعاً لذلك، وإنّي أحمد الله تعالى إذ هداني للدين الحقّ، وأنقذني من ظلمات الشرك والظلال ".

٥١٣

(٤٧) نوزاد طاهر شريف
(حنفي / عراق)




ولد عام ١٩٦٦م بمدينة " السليمانية " في العراق(١)، من عائلة كردية تعتنق المذهب الحنفي، أكمل دراسته إلى حدّ الإعدادية ثم توجه إلى العمل الحرّ.

تشرّف باعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) عام ١٩٩٧م على اثر عناية ربانية دفعته ليلتقي بأحد أتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام) فيوضّح له ذلك الشخص معالم والسبل الصحيحة الموصلة إلى رضوان الله سبحانه وتعالى.

أوّل إلتفاته إلى التشيع:

يقول الأخ نوزاد طاهر: " تعرّفت على رجل من أهل الموصل عن طريق شرائه بعض ما يحتاج من الأقمشة مني، وصادف أن رأيته في مسجد السوق وقت الصلاة، فكان مما أثار استغرابي أنني وجدته يصلي على خلاف ما كنت ألفه من أبناء طائفتي، حيث كان يسجد على التربة ولم يتكتف في القيام.

فدفعني حبّ الاستطلاع أن أستفسر منه سبب ذلك، وأحببت أن لا أفاجئه في ذلك، فدعوته لمحل عملي.

١- العراق: أنظر الترجمة رقم (١٠).

٥١٤
ولمّا حانت الفرصة سألته عن سبب أدائه بعض أجزاء الصلاة على خلاف ما نحن عليه، فذكر لي أنّه من معتنقي المذهب الجعفري، ومن أتباع أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، ونحن نأخذ معالم الدين والمعارف الإسلامية منهم ونسير على ضوء ما بيّنوه لنا من الدين، فنحن إنّما نصلي وفق ما رواه لنا أهل البيت (عليهم السلام) عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا نعبأ بما اجتهد به غيرهم ".

عقائد الشيعة الاثنى عشرية:

تعتقد الشيعة الإثنى عشرية أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يترك أمّته وأتباعه من بعده هملا بلا راع تتقاذفهم الأهواء والأغراض، بل عيّن(صلى الله عليه وآله وسلم) الإمام عليّ(عليه السلام) والعترة من أهل بيته(عليهم السلام)خلفاء من بعده بأمر من الله عزّوجلّ.

وبما أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)كان يدرك حجم الأخطار التي تهدّد مستقبل الإسلام نصّ على هؤلاء ليكونوا من بعده صمّام الأمان الذي يعصم الأمة من الاختلاف والتمزق والفرقة، وصيانة الدين والشريعة من الانحراف، والضمان الوحيد في هداية الإنسانية نحو السعادة الحقيقية والكمال المنشود، وليكونوا مع القرآن السبب الوحيد لاعتصام الأمة من الضلال، وألقى(صلى الله عليه وآله وسلم) بأمر من الله عزّوجلّ على عاتقهم مهمة تصحيح الفهم الخاطىء للشريعة وتصحيح المسار الاجتماعي وحمايته ودفعه في الإتجاه المطلوب.

مرحلة الحيرة والاستغراب:

يقول الأخ نوزاد طاهر: " استغربت من كلام هذا الشخص، فطلبت منه المزيد من التوضيح حول ما ذهب إليه، فقبل مني ذلك، ووعدني أن يلتقي بي في المستقبل.

٥١٥
وبقيت بعد ذلك متحيراً في أمري، فقرّرت أن أواصل البحث حتى أجد لأسئلتي الحائرة جواباً مقنعاً، وأكثر ما كانت تتوق إليه نفسي معرفة موقف الإمام علي(عليه السلام)إزاء الخلفاء الذين سبقوه واستولوا على زمام الحكم!.

وعندما إلتقيت بصديقي مرّة أخرى عرضت عليه أسئلتي واستفساراتي، وطرحت عليه ما كان عالقاً في ذهني حول هذا الموضوع، فأهداني كتاب (نهج البلاغة) للإمام عليّ(عليه السلام) لأجد بنفسي موقفه وكلامه في هذا المجال، ولكنني حيث كنت لا أجيد اللغة العربية اعتمدت على شخص آخر ليترجم لي كلام الإمام عليّ(عليه السلام).

موقف الإمام عليّ(عليه السلام) ممن تقدمه:

إنّ الباحث لو أمعن النظر في كلام وأقوال الإمام عليّ(عليه السلام)، لوجد أنّ العترة من أهل بيت الرسول(عليهم السلام) هم أحقّ بالخلافة من غيرهم.

فقد قال(عليه السلام) في خطبة له بعد انصرافه من صفين: " لا يقاس بآل محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)من هذه الأمة أحد، ولا يُسوّي بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً، هم أساس الدين وعماد اليقين، إليهم يفيء الغالي، وبهم يلحق التالي، ولهم خصائص حقّ الولاية، وفيهم الوصية والوراثة، الآن إذ رجع الحقّ إلى أهله، ونقل إلى منتقله "(١).

وقال(عليه السلام) أيضاً: " أين الذين زعموا أنّهم الراسخون في العلم دوننا كذباً وبغياً علينا، أن رفعنا الله ووضعهم، وأعطانا وحرمهم، وأدخلنا وأخرجهم، بنا يستعطي الهدى، وبنا يستجلى العمى، إنّ الأئمة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم، لا تصلح على سواهم ولا تصلح الولاة في غيرهم "(٢).

١- أنظر: نهج البلاغة: الخطبة ٢.

٢- المصدر نفسه: الخطبة: ١٤٤.

٥١٦
وقال(عليه السلام): " فوالله ما زلت مدفوعاً عن حقي، مستأثراً عليَّ منذ قبض الله تعالى نبيه(صلى الله عليه وآله وسلم) حتى يوم الناس هذا! "(١).

وقال(عليه السلام) في جوابه لبعض أصحابه، وقد سأله قائلا: كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام، وأنتم أحقّ به؟

فقال (عليه السلام): " يا أخا بني أسد... أعلم: أمّا الاستبداد علينا بهذا المقام ونحن الأعلون نسباً، والأشدّون برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) نوطاً ـ أي تعلقاً والتصاقاً ـ، فإنّها كانت أثَرةً ـ أي الاختصاص بالشيء دون مستحقه ـ شحت عليها نفوس قوم، وسخت عنها نفوس آخرين "(٢).

وقال أمير المؤمنين(عليه السلام) في مناظرة مع بعضهم يبيّن فيها أحقيته بالخلافة بعد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم): " وقال قائل: إنّك ـ يابن أبي طالب ـ على هذا الأمر لحريص! فقلت: بل أنتم والله أحرص وأبعد، وأنا أخصّ وأقرب، وإنّما طلبت حقاً لي، وأنتم تحولون بيني وبينه، وتضربون وجهي دونه!

ثم قال مواصلا كلامة: اللهم إنّي أستعديك على قريش، ومن أعانهم، فإنّهم قطعوا رحمي، وصغّروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي أمراً هو لي "(٣).

وروي له(عليه السلام) شعراً في هذا المعنى:


فإن كنت بالشورى ملكت أمورهمفكيف بهذا والمشيرون غُيَّبُ؟!
وإن كنت بالقربى حججت خصيمهمفغيرك أولى بالنبيّ وأقرب(٤)

وقال(عليه السلام) لمّا بلغه أنّ المهاجرين احتجوا على الأنصار للاستيلاء على خلافة

١- المصدر نفسه: الخطبة ٦.

٢- المصدر نفسه: الخطبة ١٦٢.

٣- المصدر نفسه: الخطبة ١٧٢.

٤- المصدر نفسه: قصار الحكم ١٩٠.

٥١٧
الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّهم من قريش وهم قوم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وأولى الناس: " احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة "(١).

وللإمام عليّ(عليه السلام) شكوى من أمر الخلافة بيّنها في خطبته المشهورة بـ " الشقشقية " إذ قال فيها:

" أما والله لقد تقمّصَها فلان وانّه ليعلم أنّ محلي منها محل القطب من الرحا، ينحدر عني السيل، ولا يرقى إليّ الطير، فسدلت دونها ثوباً، وطويت عنها كشحا، وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذاء ـ أي مقطوعة ـ أو أصبر على طخية ـ أي ظلمة ـ عمياء، يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربّه!

فرأيت أنّ الصبر على هاتا أحجى، فصبرت، وفي العين قذى وفي الحلق شجا، أرى تراثي نَهبا، حتى مضى الأوّل لسبيله، فأدلى بها إلى فلان بعده....

فيا عجباً! بينا هو يستقيلها في حياته، إذ عقدها لآخر بعد وفاته! لشد ما تشطرا ضرعيها ـ أي: اقستماه، فأخذ كل منهما شطراً ـ... فصبرت على طول المدّة وشدّة المحنة حتى إذا مضى لسبيله، جعلها في جماعة زعم أني أحدهم!

فيا لله وللشورى، متى اعترض الريب فيّ مع الأوّل منهم حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر!... "(٢).

أمور تدفع الباحث للتأمّل:

يقول الأخ نوزاد طاهر: " تعرفت من خلال احاطتي بموقف الإمام عليّ(عليه السلام)وكلامه في شأن الخلافة، أنّه صاحب الحقّ في هذا الأمر وأنّه وأهل بيته(عليهم السلام) أولى

١- المصدر نفسه: الخطبة ٦٦، وأنظر الإمامة والسياسة لابن قتيبة: ٣٣.

٢- المصدر نفسه: الخطبة ٣.

٥١٨
بالخلافة من غيرهم، وأنّ الخلافة أمر إلهي يصطفى الله لها من يشاء من عباده ".

فقد قال الإمام علي(عليه السلام): " إنّما الأئمة قوام الله على خلقه وعرفاؤه على عباده، لايدخل الجنة إلاّ من عرفهم، ولايدخل النار إلاّ من أنكرهم وأنكروه "(١).

وكما هو واضح أنّ عدم طاعة الناس للذي يصطفيه الله عزّوجلّ للإمامة لايعني فقدانه الشرعية، بل هم أئمة وحكام شرعيين وإن لم يسنح لهم ممارسة الحكم عملياً لعدم انصياع الناس لهم وعدم نصرتهم إياهم.

والواقع أنّ المبغضون قد أنجزوا مبتغاهم بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، فأبعدوا العترة(عليهم السلام) عن منازلهم التي عيّنها لهم الباري، وتشبثوا بشتى السبل للاستيلاء على الحكم والسلطة، ولم يكن ذلك نابع إلاّ عن حسد، كما قال تعالى: (أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً)(٢)، وما هؤلاء المحسودون إلاّ آل محمّد الذين بيّنهم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)في مواقف عديده أنّهم سفينة نوح، وأحد الثقلين، وباب حطة، والعترة التي أذهب الله عنها الرجس وطهرها تطهيراً.

نماذج تاريخية لرفض الاصطفاء الإلهي:

وليس هذا الرفض من الأكثرية بمستغرب، فله أمثلة في تاريخ البشرية، يذكره الباري في محكم كتابه بقوله تعالى: (وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ

١- المصدر نفسه: الخطبة ١٥٢.

٢- النساء: ٥٤.

٥١٩
وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ)(١).

فالتاريخ يعيد نفسه هنا، حيث ورد أنّ عليّاً(عليه السلام)لمّا أُخذ قهراً إلى بيعة أبي بكر، احتج على القوم بأدلّة مقنعة وبراهين ساطعة بأنّه أحقّ بأمر الخلافة، فقال له أبو عبيده بن الجراح: يابن عم، إنّك حديث السن وهؤلاء مشيخة قومك، وليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور، ولا أرى أبا بكر إلاّ أقوى على هذا الأمر منك، وأشد احتمالا واضطلاعاً به، فسلم لأبي بكر هذا الأمر(٢).

وبهذه الأعذار والحجج الواهية انتزع القوم أمر الخلافة من محلها الذي عينه الباري!.

الرجوع إلى الحق والأخذ به:

ومن هنا يقول الأخ نوزاد طاهر: " أسفرت نقاشاتي العديدة مع صديقي الشيعي وتتبعي في بطون الكتب لمعرفة الحقّ عن نتائج أدت إلى إنشاء تغيير جذري في رؤيتي العقائدية السابقة، ولم أتهيب من مواجهة الواقع، بل تقبلته بروح بناءة، فكانت النتيجة اعتناقي لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) عام ١٩٩٧م بمدينة " السليمانية ".

١- البقره: ٢٤٧.

٢- أنظر: الإمامة والسياسة لابن قتيبه: ٢٨.

٥٢٠