×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة من حياة المستبصرين (ج 02) / الصفحات: ٦١ - ٨٠

وقفة مع كتابه: "على خطى الحسين"

هذا الكتاب يمثل إحدى محاولات استلهام ملحمة كربلاء التي اسست نهجاً في مقاومة الطغيان، وشقت درباً يسير على هدية الساعون إلى الحق، ومثلت الخطى التي سارها الإمام الحسين(عليه السلام) هجرة ثانية تعيد سيرة هجرة جدّه المصطفى(صلى الله عليه وآله) من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة.

ونبدأ مع الكتاب في عرضه للصراع الاسلامي ـ الأموي في معركة صفين:

شهدت "صفّين"، وهي مكان يقع بالقرب من شاطىء الفرات بين الشام والعراق. "واقعة صفّين"، التي دارت بين جيش الإمام علي الذي يمثل القيادة الشرعية للأمة الإسلامية وبين جيش القاسطين الظالمين، بقيادة معاوية بن آكلة الأكباد ووزيره الأول عمرو بن العاص.

توشك النبوءة أن تتحقَّق، يوشك من حذَّر رسول الله(صلى الله عليه وآله)، منهم أن يتسنموا منبره. الصراع محتدم بين قيم الإسلام لمحمدي الأصيل، كما يمثله إمام الحق علي بن أبي طالب(عليه السلام) والفئة الباغية بقيادة ابن آكلة الأكباد ووزيره الأول ابن النابغة. وسنعرض نماذج متقابلة لخطاب كل فريق من الفريقين ولسلوكه، ثم نرى النهاية الفاجعة لهذا الصراع، أو نهاية البداية لفجر الإسلام المضيء، على يد هذه العصابة، وهو عين ما حاولوه يوم عقبة تبوك، فلم يحالفهم التوفيق.

خطاب رواد الفتنة، الخارجين على القيادة الشرعيّة:

رفع معاوية بن أبي سفيان شعار الثأر لعثمان بن عفان، فهل كان ابن آكلة الأكباد ووزيره الأول صادقّيْن في دعواهما؟ فلنقرأ سوياً في صفحات التاريخ.

٦١
روى ابن جرير الطبري، في تاريخه: "لما قتل عثمان قدم النعمان بن بشير على أهل الشام بقميص عثمان ووضع معاوية القميص على المنبر، وكتب بالخبر إلى الأجناد، وثاب إليه الناس، وبكوا سنة وهو على المنبر والأصابع معلقة فيه (أصابع نائلة زوجة عثمان) وآلى الرجال من أهل الشام ألاّ يأتوا النساء ولا يناموا على الفرش حتى يقتلوا قتلة عثمان، ومن عرض دونهم بشيء أو تفنى أرواحهم، فمكثوا حول القميص سنة، والقميص يوضع كل يوم على المنبر ويجلله أحياناً فيلبسه، وعلق في أرادنه أصابع نائلة".

"ثم مضى معاوية ينشر في الناس أن عليّاً(عليه السلام) قتل عثمان"(١). كان هذا هو الشعار المعلن، فهل كان هذا الشعار يمثل الحقيقة؟، فلنقرأ أولاً في تاريخ عمرو بن العاص.

الشعار المعلن وحقيقته، الاستحواذ على السلطان:

وروى الطبري، أيضاً: "لما بلغ عمراً قتل عثمان...، قال: أنا أ بو عبد الله قتلته [يعني عثمان] وأنا بوادي السباع، من يلي هذا الأمر من بعده؟ إن يَلِه طلحة فهو فتى العرب سيْبا، وإن يَلِه ابن أبي طالب فلا أراه إلاّ سيستنطق الحق وهو أكره من يليه إليّ. قال: فبلغه أن عليّاً قد بويع له، فاشتد عليه وتربّص أياماً ينظر ما يصنع الناس، فبلغه مسير طلحة والزبير وعائشة، وقال أستأني وأنظر ما يصنعون، فأتاه الخبر أن طلحة والزبير قد قتلا، فارتج عليه أمره فقال له قائل: إن معاوية بالشام لا يريد أن يبايع لعلي، فلو قاربت معاوية، فكان معاوية أحب إليه من علي بن أبي طالب. وقيل له: إن معاوية يعظم شأن قتل عثمان بن عفان ويحرض على الطلب بدمه، فقال عمرو: ادعوا لي محمداً وعبد الله فدُعيا له، فقال: قد كان ما قد بلغكما من قتل عثمان... وبيعة الناس لعلي وما يرصد معاوية من مخالفة علي،

١- تاريخ الأمم والملوك للطبري: ٣ / ٥٦١، مؤسسة الأعلمي، بيروت، لا. ت.

٦٢
وقال: ما تريان؟ أما علي فلا خير عنده وهو رجل يدل بسابقته، وهو غير مشركي في شيء من أمره، فقال عبد الله بن عمرو:

... أرى أن تكف يدك وتجلس في بيتك حتى يجتمع الناس على إمام فتبايعه، وقال محمد بن عمرو، أنت ناب من أنياب العرب، فلا أرى أن يجتمع هذا الأمر وليس لك فيه صوت ولا ذكر، قال عمرو: أما أنت، يا عبد الله، فأمرتني بالذي هو خير لي في آخرتي واسلم في ديني، وأما أنت، يا محمد، فأمرتني بالذي هو أنبه لي في دنياي وشرّ لي في آخرتي. ثم خرج عمرو بن العاص، ومعه ابناه، حتى قدم على معاوية، فوجد أهل الشام يحضّون معاوية على الطلب بدم عثمان.

فقال عمرو بن العاص: أنتم على الحق، اطلبوا بدم الخليفة المظلوم، ومعاوية لا يلتفت إلى قول عمرو. فقال ابنا عمرو لعمرو: ألاترى إلى معاوية لا يلتفت إلى قولك، انصرف إلى غيره، فدخل عمرو على معاوية فقال: والله لعجب لك إني أرفدك بما أرفدك وأنت معرض عني، أما والله إن قاتلنا معك نطلب بدم الخليفة، إن في النفس من ذلك ما فيها حيث تقاتل من تعلم سابقته وفضله وقرابته، ولكنا إنما أردنا هذه الدنيا، فصالحه معاوية وعطف عليه"(١).

هذا هو حال الوزير الأول، فهو نفسه ممن ألبّوا على عثمان وهو القائل: "أنا أبو عبد الله، قتلته وأنا بوادي السباع"، وهو المقرّ بأن انضمامه لابن آكلة الأكباد إنما هو من أجل الدنيا".

أمّا معاوية، صاحب القميص الذي صار مضرباً للمثل على الادعاءات الكاذبة، فنورد فقرة من خطبته التي استهل بها عهده المشؤوم. روى أبو الفرج الأصفهاني فى مقاتل الطالبيين: "لما انتهى الأمر لمعاوية، وسار حتى نزل النُخَيْلة وجمع الناس بها فخطبهم قبل أن يدخل الكوفة خطبة طويلة". وأورد بعض

١- الطبري، م. س: ٣ / ٥٥٩ ـ ٥٦٠.

٦٣
مقاطعها ومنها:

"ما اختلفت أمة بعد نبيها إلاّ ظهر أهل باطلها على أهل حقّها... فندم فقال: إلاّ هذه الأمة فإنها وإنها...".

"ألا إن كل شيء أعطيته الحسن بن علي تحت قدمّي هاتين لا أفي به".

"إني والله ما قاتلتكم لتصلّوا، ولا لتصوموا، ولا لتحجوا، ولا لتزكّوا، إنكم لَتَفْعَلُون ذلك. وإنما قاتلتكم لأتأمّر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون"(١).

هل كان ابن آكلة الأكباد ووزيره الأول عمرو بن العاص يطالبان بدم عثمان أو أن السلطة كانت هدفاً لهما؟ وهل يبقى شك; بعد قراءتنا خطاب كل منهما في طبيعة الادعاءات المرفوعة من قبل الفئة الباغية والصورة الحقيقية لحركة الردّة التي ما كان لها ان تحقق هدفها لو لا تخاذل بعض المسلمين ووهن بعضهم الآخر.

كانت هذه هي الأهداف الحقيقية: "الاستحواذ على السلطة" و "إذلال المؤمنين"، وهي تختلف عن الأهداف الدعائية: "الثأر من قتلة عثمان".

وسائل التأمّر على الناس:

أما عن الوسائل التي اتبعها ابن آكلة الأكباد من أجل تحقيق غاياته الشيطانية (وهي إقامة حكومة من بدوا في رؤيا رسول الله(صلى الله عليه وآله) "قردة"، في مواجهة حكومة العدل الإلهية) فهي في المستوى نفسه، ومن نماذجها نذكر:

أولاً: الرشوة والإغراء بالمناصب وإليك النموذج الآتي، حاول معاوية رشوة قيس بن سعد بن عبادة، والي

١- مقاتل الطالبيين: ٧٦ ـ ٧٧، مؤسسة الأعلمي، بيروت، ١٤٠٨هـ ـ ١٩٨٧م.

٦٤
الإمام علي على مصر، فكتب له: "... فإن استطعت، يا قيس، أن تكون ممن يطلب بدم عثمان فافعل. تابعنا على أمرنا ولك سلطان العراقَيْن، إذا ظهرت ما بقيت، ولمن أحببت من أهل بيتك سلطان الحجاز ما دام لي سلطاني. وسلني غير هذا مما تحب فإنك لا تسألني شيئاً إلاّ أوتيته"(١).

أما رد قيس بن سعد بن عبادة، رضوان الله عليه، على ابن آكلة الأكباد فكان ردّاً مخرساً فقد كتب إليه: "بسم الله الرحمن الرحيم، من قيس بن سعد إلى معاوية بن أبي سفيان. أما بعد، فإن العجب من اغترارك بي وطمعك في، واستسقاطك رأيي، أتسومني الخروج من طاعة أولى الناس بالإمرة وأقولهم للحق وأهداهم سبيلاً وأقربهم من رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وتأمرني بالدّخول في طاعتك، طاعة أبعد الناس من هذا الأمر، وأقولهم للزّور وأضلّهم سبيلاً، وأبعدهم من الله عزّوجلّ ورسوله(صلى الله عليه وآله)، وسيلة، ولد ضالين مضلين، طاغوت من طواغيت إبليس. وأما قولك إني مالىء عليك مصر خيلاً ورجلاً، فو الله إن لم أشغلك بنفسك حتى تكون نفسك أهم إليك، إنك لذوجد، والسلام"(٢).

ثانياً: الاغتيال السياسي جاء في تاريخ الطبري: "فبعث عليُّ الأشتَر أميراً إلى مصر حتى إذا صار بالقلزم، شرب شربة عسل كان فيها حتفه، فبلغ حديثهم معاوية وعمراً، فقال عمرو: إن لله جنوداً من عسل"(٣).

ثالثاً: الاختلاق والخداع جاء في تاريخ الطبري: "ولما أيس معاوية من قيس أن يتابعه على أمره،

١- تاريخ الطبري: ٣ / ٥٥٢، مؤسسة الأعلمي، بيروت، د. ت.

٢- تاريخ الطبري: ٣ / ٥٥٢ ـ ٥٥٣.

٣- المصدر نفسه: ٣ / ٥٥٤.

٦٥
موسوعة من حياة المستبصرين (ج٢) لمركز الأبحاث العقائدية (ص ٦٦ - ص ٨٥)
٦٦
ورجع حجر ومن معه(١).

٤ ـ في عام ٤٠هـ، أرسل معاوية بن أبي سفيان بسر بن أبي أرطأة في ثلاثة آلاف من المقاتلة إلى الحجاز حتى قدموا المدينة، وعامل علي على المدينة يومئذ أبو أيوب الأنصاري، ففر منهم أبو أيوب، وأتى بسر المدينة فصعد المنبر وقال: يا أهل المدينة، والله لو لا ما عهد إلي معاوية ما تركت بها محتلماً إلاّ قتلته. ثم مضى بسر إلى اليمن وكان عليها عبيد الله بن عباس عاملاً لعلي، فلا بلغه مسيره فرَّ إلى الكوفة حتى أتى علياً، واستخلف عبد الله بن عبد المدان الحارثي على اليمن، فأتاه بسر فقتله وقتل ابنه، ولقي بسر ثقل عبيد الله بن عباس وفيه ابنان له صغيران فذبحهما، وقد قال بعض الناس أنه وجد ابني عبيد الله بن عباس عند رجل من بني كنانة من أهل البادية، فلما أراد قتلهما قال الكناني: علام تقتل هذين ولا ذنب لهما؟ فإن كنت قاتلهما فاقتلني، قال: أفعل، فبدأ بالكناني فقتله ثم قتلهما، وقتل في مسيره ذلك جماعة كثيرة من شيعة علي باليمن. ولمَّا أرسل علي جارية بن قدامة في طلبه هرب"(٢).

تلك هي لمحات من أهداف الدولة الأموية وملامحها وأساليبها في الوصول إلى هذه الأهداف. لا فارق بين معاوية وصدّام حسين وهتلر. الغاية، عند كل هؤلاء، تبرر الوسيلة، بل ونزعهم أن ابن آكلة الأكباد، على قرب عهد بالنبوة، أشد وزراً من صدّام حسين الذي قتل النساء والأطفال واستخدم السلاح الكيمياوي في قتل الأبرياء، فصدّام حسين لم يرَ رسول الله(صلى الله عليه وآله)، ولا سمع منه ولا ادعى له بعض المؤرخين أنه كان كاتباً للوحي، إلى آخر هذه الادعاءات التي يمزج فيها الحق بالباطل.

١- تاريخ الأمم والملوك لابن جرير الطبري: ٤ / ١٠٤.

٢- المصدر نفسه: ٤ / ١٠٧.

٦٧

خطاب قيادة الأمة الشرعيّة، (وَقَـتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ):

على الجانب الآخر كان معسكر الحق، معسكر القيادة الشرعية للأمة الإسلامية، قيادة أهل البيت، ورمزها يومئذ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)، يجاهد للحفاظ على الإسلام نقياً صافياً.

وكان هذا هو الهدف الحقيقي الذي تهون من أجله كل التضحيات.

كان الإمام علي(عليه السلام) ومن حوله كوكبة المؤمنين الخلص من أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله).

روى ابن أبي الحديد، في شرح نهج البلاغة، نقلاً عن "كتاب صفّين" لنصر بن مزاحم: "خطب علي(عليه السلام)، في صفيّن، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أما بعد، فإن الخيلاء من التجبُّر، وإن النَّخوة من التكبر، وإن الشيطان عدوٌّ حاضر، يعدُكم الباطل. ألا إنّ المسلم أخو المسلم فلا تنابذُوا ولا تجادلوا، ألا إنّ شرائع الدين واحدة، وسبله قاصدة، من أخذ بها لَحِق، ومن فارقها مُحِق، ومن تركها مَرَق، ليس المسلم بالخائن إذا ائتمِن، ولا بالمخلِف إذا وعد، ولا بالكذاب إذا نطق. نحن أهل بيت الرحمة، وقولنا الصدق، وفعلنا الفضل، ومنا خاتم النبيين، وفينا قادة الإسلام، وفينا حملة الكتاب.

ألا إنا ندعوكم إلى الله ورسوله، وإلى جهاد عدوِّه والشدَّة في أمره، وابتغاء مرضاته، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحجِّ البيت، وصيام شهر رمضان، وتوفير الفيء على أهله. ألا وإنّ من أعجب العجائب أنّ معاوية بن أبي سفيان الأموي وعمرو بن العاص السهميَّ، يحرِّضان الناس على طلب الدِّين بزعمهما، ولقد علمتم أني لم أخالف رسول الله(صلى الله عليه وآله) قط، ولم اعصمه في أمر، أقيه بنفسي في المواطن التي ينكص فيها الأبطال، وترعد فيها الفرائص، بنجدة أكرمني الله

٦٨
سبحانه بها، وله الحمد. ولقد قبض رسول الله(صلى الله عليه وآله) وإنّ رأسه لفي حِجْري، ولقد وَليتُ غسله بيدي وحدي، تقلِّبه الملائكة المقربون معي. وأيّم الله ما اختلفت أمةٌ قط، بعد نبيها، إلاّ ظهر أهلُ باطلها على أهلِ حقها إلاّ ما شاء الله"(١).

لنسمع الكلمات المضيئة لأبي الهيثم بن التّيهان وكان من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله)، بدريًّا نقيباً عقبيّاً يسوِّي صفوف أهل العراق، ويقول: "يا معشر أهل العراق، إنه ليس بينكم وبين الفتح في العاجل، والجنة في الآجل، إلاذ ساعة من النهار، فأرْسُوا أقدامَكم وسوُّوا صفوفكم، وأعيروا ربّكم جماجمكم، واستعينوا بالله إلهكم، وجاهدوا عدوَّ الله وعدوكم، واقتلوهم قتلهم الله وأبادهم، واصبروا فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين"(٢).

أما عن مواقف عمّار بن ياسر، رضوان الله عليه، في صف الإمام، فهي في المكانة العليا، ويمكن أن نتبيَّنها من خلال هذه الرواية: "عن أسماء بن حكيم الفزاري، قال: كنا بصفّين مع علي، تحت راية عمّار بن ياسر، ارتفاع الضحى، وقد استظللنا برداء أحمر، إذ أقبل رجل يستقري الصفّ حتى انتهى إلينا، فقال: أيّكم عمّار بن ياسر؟ فقال عمّار: أنا عمّار، قال: أبو اليقظان؟ قال: نعم، قال: إنّ لي إليك حاجةً أفأنطقُ بها سراً أو علانية؟، قال: اختر لنفسك أيهما شئت، قال: لا بل علانية، قال: فانطق، قال: إنّي خرجت من أهلي مستبصراً في الحق الذي نحن عليه، لا أشكُّ في ضلالة هؤلاء القوم، وأنّهم على الباطل، فلم أزلْ على ذلك مستبصراً، حتى ليلتي هذه، فإني رأيتُ في منامي منادياً تقدّم، فأذّن وَشِهِدَ أنْ لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله(صلى الله عليه وآله)، ونادى بالصلاةن ونادى مناديهم مثل ذلك، ثم أقيمت

١- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم: ٥ / ١٨١، الطبعة الأولى، دار الجيل ـ بيروت ١٤٠٧ هـ ـ ١٩٨٧م.

٢- المصدر نفسه: ٥ / ١٩٠.

٦٩
الصلاة، فصلَّينا صلاة واحدة، وتلونا كتاباً واحداً، ودعونا دعوة واحدة، فأدركني الشكّ في ليلتي هذه، فبت بليلة لا يعلمُها إلاّ الله، حتى أصبحت، فأتيتُ أميرَ المؤمنين، فذكرت ذلك له فقال: هل لقيت عمار بن ياسر؟، قلت: لا، قال: فالقه، فانظر ما يقول لك عمّار فاتَّبِعه، فجئتك لذلك. فقال عمّار: تعرف صاحبَ الراية السوداء المقابلة لي، فإنها راية عمرو بن العاص، قاتلتُها مع رسول الله(صلى الله عليه وآله)، ثلاث مرات وهذه الرابعة فما هي بخيرهنّ ولا أبرِّهن، بل هي شرُّهن وأفجرهُنّ، أشهِدْت بدراً وأحداً ويوم حُنين، أو شهدها أب لك فيخبرك عنها؟، قال: لا، قال: فإن مراكِزنا اليوم على مراكز رايات رسول الله(صلى الله عليه وآله)، يوم بدر ويوم أحد ويوم حنين، وإنّ مراكز رايات هؤلاء على مراكز رايات المشركين من الأحزاب، فهل ترى هذا العسكر ومَن فيه؟ والله لوددتُ أن جميع مَن فيه ممن أقبلَ مع معاوية يريد قتالنان مفارقاً للذي نحن عليه كانوا خَلْقاً واحداً، فقطّعته وذبحته، والله لدماؤهم جميعاً أحلُّ من دم عصفور، أفترى دم عصفور حراماً؟، قال: لا بل حلال، قال: فإنهم حلال كذلك، أتراني بيّنت لك؟، قال: قد بيّنتَ لي، قال: فاختر أيّ ذلك أحببت.

فانصرف الرجل، فدعاه عمّار ثم قال: أما إنّهم سيضربونكم بأسيافكم حتى يرتابَ المبطلون منكم فيقولوا: لو لم يكونوا على حقّ ما ظهروا علينا، والله ما هم من الحق ما يقذى عين ذباب، والله لو ضربونا بأسيفاهم حتى يبلغونا سعفات هجر، لعلمنا أنّا على حق وأنّهم على باطل"(١).

وعمّار، إذ يقف هذا الموقف، إنّما يصغي إلى صوت الله تعالى يدعوه: (وَقَـتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ)(٢).

١- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم: ٥ / ٢٥٦ ـ ٢٥٧ ـ ٢٥٨، ط١، دار الجيل ـ بيروت ١٤٠٧ هـ ـ ١٩٨٧م.

٢- البقرة: ١٩٣.

٧٠

مسؤولية من أرادها أموية وكرهها إسلاميّة:

قام ملك "بني فلان" الذين رأى النبي(صلى الله عليه وآله) أنهم ينزون على منبره نزو القردة، ولا نعفي أحداً من المسؤولية، لا الذين أضعفوا سلطان آل محمد على قلوب الناس وجعلوا منهم مستشارين عند الضرورة، ولا الذين جعلوا الإمام علياً سادساً في ما أسموه بالشورى، وقد قال(عليه السلام) في ذلك: "متى اعترض الريب فيَّ مع الأوّل منهم، حتى صرت أُقْرَنُ إلى هذه النظائر"، ولا الذين مهّدوا لمعاوية سلطانه في الشام، ولما رأوا ما هو فيه من الأبهة والسلطان قالوا: "لا نأمرك ولا ننهاك"، كأن ابن آكلة الأكباد استثناء، ولا الذين حرصوا على سلب أهل البيت أموالهم التي أعطيت لهم من قبل السماء، فأخذوا فدكاً من الزّهراء وحرموا آل محمد حقهم في الخمس، ولا الذين حرصوا على إعطاء بني أمية ما يتقوون به لإقامة دولتهم، فأعطوا مروان بن الحكم وابن أبي سرح خمس غنائم أفريقيا، ولا الذين أشعلوا نار الفتنة في موقعة الجمل،... الخ الخ، كلهم مسؤولون وشركاء في هذه الكارثة (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْـُولُونَ * مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ)(١)، كلهم أرادوها أموية وكرهوها إسلاميّة خالصة لله.

شريعة ملوك السّوء:

لا بأس بأن نورد نماذج من تطبيق الشريعة الإسلامية، على الطريقة الأموية، وهو ما يتمناه بعض المخدوعين في هذا الزمان:

أولاً: النهج الأموي يبيح شرب الخمور

روى أحمد بن حنبل في مسنده عن عبد الله بن بريدة قال: "دخلت أنا وأبي

١- الصافات: ٢٤ ـ ٢٦.

٧١
على معاوية فأجلسنا على الفرش، ثم أتينا بالطعام، فأكلنا. ثم أتينا بالشراب، فشرب معاوية، ثم ناول أبي، ثم قال: ما شربته منذ حرمه رسول الله"(١).

ثانياً: النهج الأموي يبيح الربا

أخرج مالك والنسائي وغيرهما، من طريق عطاء بن يسار أنَّ معاويةَ باعَ سِقايَة من ذهب، أو ورق، بأكثر من وزنِها، فقال له أبو الدرداء(رضي الله عنه): سمعتُ رسول الله(صلى الله عليه وآله)، يَنْهى عن مِثْلِ هذا إلاّ بِمِثْل، فقال له معاوية: ما أرى بمثلِ هذا بأساً(٢).

ثالثاً: استلحاق زياد

"وصّى رسول الله(صلى الله عليه وآله)، أن الولد للفراش وللعاهر الحجر". متفق عليه.

"وقال (صلى الله عليه وآله) من ادعى إلى غير أبيه، وهو يعلم أنه غير أبيه، فالجنة عليه حرام". رواه البخاري ومسلم وأبو داود.

أمّا ابن آكلة الأكباد فجاء بزياد، وكان يدعي زياد ابن أبيه، وتارة زياد ابن أمّه، وتارة زياد بن سميّة، وأقام الشهادة أن أباه أبا سفيان قد وضعه في رحم سميّة، وكانت بغيّا، وسماه زياد بن أبي سفيان ليستخدمه في قمع المسلمين الشيعة وقتلهم.

رابعاً: قتل الأحرار من أصحاب محمد(صلى الله عليه وآله)

قال تعالى (مِنْ أَجْلِ ذَ لِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِى إِسْرَ ائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسَاً بِغَيْرِ نَفْس أَوْ فَسَاد فِى الاَْرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً)(٣).

روى الطبري في تاريخه: "استعمل معاوية المغيرة بن شعبة على الكوفة

١- مسند أحمد بن حنبل: ٥ / ٤٠٧، ح ٢٣٠٠٥، ط دار الكتب العلمية بيروت ١٤١٣هـ ـ ١٩٩٣م.

٢- سنن النسائي بشرح السيوطي: ٧ / ٢٧٩. دار الكتب العلمية ـ بيروت، الموطأ لمالك بن أنس، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي: ٢ / ٦٣٤ ح ٣٣ توزيع دار الكتب العلمية ـ بيروت.

٣- المائدة: ٣٢.

٧٢
وأوصاه: لا تحجم عن شتم علي وذمه والترحم على عثمان والاستغفار له، والعيب على أصحاب علي والإقصاء لهم، وترك الاستماع منهم، وبإطراء شيعة عثمان... والإدناء لهم والاستماع منهم. وأقام المغيرة على الكوفة عاملاً لمعاوية سبع سنين وأشهراً، وهو من أحسن شيء سيرة، وأشدّه حبّاً للعافية غير أنه لا يدع ذم علي والوقوع فيه والعيب لقَتلة عثمان واللعن لهم، والدعاء لعثمان بالرحمة والاستغفار له والتزكية لأصحابه، فكان حجر بن عدي، إذا سمع ذلك قال: بل إياكم فذمّم الله ولعن. ثم قال فقال: إنّ الله عزّ وجلّ يقول: (كُونُواْ قَوَّ مِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ)(١) وأنا أشهد أن من تذمّون وتعيرون لأحق بالفضل وإن من تزكّون وتطرون أولى بالذم"(٢). واستمرت هذه الحال حتى ولي زياد الكوفة فقال مثلما كان يقول المغيرة، وردّ عليه حجر رضوان الله عليه بمثل ما كان يرد على المغيرة، فأرسل زياد إلى أميره معاوية فأمر باعتقاله (وفقاً لقانون طوارىء بني أمية) وأرسل إلى ابن آكلة الأكباد مشدوداً في الحديد فأمر بقتله، فقال حجر للذين يلون أمره: دعونى حتى أصلي ركعتين، فقالوا: صلّ، فصلى ركعتين خفّف فيهما ثم قال: لو لا أن تظنوا بي غير الذي أنا عليه، لأحببت أن تكونا أطول مما كانتا، ثم قال لمن حضره من أهله: لا تطلقوا عني حديداً ولا تغسلوا عني دماً فإني ألاقي معاوية غداً على الجادة، ثم قدم فضربت عنقه.

لم يكن حجر بن عدي النموذج الوحيد الدال على ظلم هذه الدولة الجائرة التي يزعم جاهلو أمرها، وحدهم، أنها كانت تُحكم أو تَحكم بشريعة الإسلام. لقد كان بنو أميّة يدأبون ليل نهار لإطفاء نور الله، وفي الوقت نفسه كان خط الأئمة(عليهم السلام) قد تحول إلى مشروع تأسيس لإقامة دولة المهدي المنتظر وإن تأخر ذلك قروناً

١- النساء: ١٣٥.

٢- تاريخ الطبري: ٤ / ١٨٨ ـ ١٩٠، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ـ بيروت.

٧٣
وقروناً. أما بنو أمية فيجهدون لإحداث أكبر قدر من الدمار بالأمة الإسلامية وبرجالاتها وبقيمها. وفي الوقت نفسه كان خط آل بيت محمد حريصاً على إبقاء قيم الإسلام الرسالي الأصيل حية ومتوهجة، والتأكيد على أن مرحلة التمهيد وتأسيس دولة الإمام المهدي ليست مرحلة هدنة سلبية، وليست إيثاراً للإبقاء على حياة مجموعة من البشر وإنما إبقاءً للقيم وإمدادها بكل ما يبقيها متألقة وحية حتى زمن الظهور.

محاولة تحويل "النهج الأموي" إلى قدر أبدي:

نفذ معاوية سياسة واضحة المعالم، من أبرز معالمها:

أ ـ لعن آل البيت(عليهم السلام)، وخاصة إمام الأئمة علي بن أبي طالب(عليه السلام) على منابر الأمة، صباح مساء.

ب ـ العمل على رفع مكانة مناوئي أهل البيت ومنافسيهم باختلاق الروايات المنسوبة إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله).

ج ـ القضاء على خطوط الدفاع بقتل رجال الشيعة واغتيالهم، مثل حجر وعمرو ابن الحمق، كما أسلفنا بل وحتى قتل أي معارض آخر له وزن وإن لم يكن من شيعة أهل البيت، ومثال ذلك سعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد.

د ـ إستعمال سياسة الرشوة وإفساد الذمم لاستمالة من تبقى.

وهذه السياسات نفسها هي التي بدأ بها تمدّده السرطاني في جسد الأمة.

امتداد الملك، يزيد ولي عهد:

أراد ابن آكلة الأكباد أن يمهِّد الأمر ليزيد ابنه ليمتد الملك في عقبه حتى قيام الساعة. ومن يتتبع أخبار الرواة، في هذا الصدد، يجد تبايناً، فمن قائل يقول:

٧٤
إن هذا الأمر كان بمبادرة من المغيرة بن شعبة ليمد له معاوية في ولايته على الكوفة، ومن قائل يقول: إن هذا كان بأمر من معاوية، واتفاق مع الضحّاك بن قيس، وما اعتقده أن هذه أمور واحدة... كل المنافقين يعلمون رغبة سيدهم والكل يتبارى في اختيار الأسلوب الملائم للتنفيذ، ولا باس بإيراد بعض النماذج التي توضح طبيعة الملك الأموي وسياسته:

"أوفد المغيرة بن شعبة عشرة من شيعة بني أمية إلى معاوية، ليطالبوا ببيعة يزيد، وعليهم موسى بن المغيرة، فقال معاوية: لا تعجلوا بإظهار هذا، وكونوا على رأيكم، ثم قال لموسى: بكم اشترى أبوك هؤلاء من دينهم، قال: بثلاثين ألفاً، قال: لقد هان عليهم دينهم".

لما اجتمعت عند معاوية وفود الأمصار بدمشق، بإحضار منه، دعا الضحاك بن قيس، فقال له: إذا جلست على المنبر، وفرغتُ من بعض موعظتي وكلامي، فاستأذني للقيام، فإذ أذنت لك، فاحمد الله تعالى، واذكر يزيد، وقل فيه الذي يحق له عليك، من حسن الثناء عليه، ثم ادعني إلى توليته من بعدي، فإني قد رأيتُ وأجمعتُ على توليته، فاسأل الله في ذلك، وفي غيره الخيرة وحسن القضاء. ثم دعا عدة رجال فأمرهم أن يقوموا إذا فرغ الضحاك، وأن يصدقوا قوله، ويدعو إلى يزيد. ثم خطب معاوية فتكلم القوم بعده على ما يروقه من الدعوة إلى يزيد فقال معاوية: أين الأحنف؟ فأجابه، قال: ألا تتكلم؟ فقال الأحنف، فحمد الله وأثنى عليه وقال بعد مقدمة: إن أهل الحجاز وأهل العراق لا يرضون بهذا، ولا يبايعون ليزيد ما كان الحسن حياً.

فغضب الضحّاك ورد غاضباً: ما للحسن وذوي الحسن في سلطان الله الذي استخلف به معاوية في أرضه؟ هيهات ولا تورث الخلافة عن كلالة ولا يحجب غير الذكر العصبة، فوطّنوا أنفسكم يا أهل العراق على المناصحة لإمامكم، وكاتب

٧٥
نبيكم وصهره، يسلم لكم العاجل، وتربحوا من الآجل. ثم قام الأحنف بن قيس فحمد الله وأثنى عليه فقال: قد علمت أنك لم تفتح العراق عنوة، ولم تظهر عليها قصعا، ولكنك أعطيت الحسن بن علي من عهود الله ما قد علمت، ليكون له الأمر بعدك(١).

أما عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وكان من خواص أصحاب معاوية فقد لقي حتفه مسموماً حيث حدثته نفسه بالسلطة والإمارة بدلاً من يزيد.

جاء في تاريخ الطبري: "أن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد كان قد عظم شأنه بالشام، أو مال إليه أهلها كما كان عندهم من آثار أبيه خالد بن الوليد ولغنائه عن المسلمين في أرض الروم وبأسه حتى خافه معاوية، وخشي على نفسه منه لميل الناس إليه فأمر ابن آثال أن يحتال في قتله وضمن له إن هو فعل ذلك أن يضع عنه خراجه ما عاش وأن يوليه جباية خراج حمص. فلما قدم عبد الرحمن بن خالد لحمص منصرفاً من بلاد الروم دس إ ابن آثال شربة مسمومة مع بعض مماليكه فشربها، فمات بحمص"(٢).

ويحكي لنا التاريخ صورة أخرى من مشاورات معاوية في خلافة يزيد، ومن بينها كلمات ذلك الأحمق الذي قام فقال: "هذا أمير المؤمنين ـ وأشار إلى معاوية ـ فإن هلك فهذا ـ واشار إلى يزيد ـ ومن أبى فهذا ـ وأشار إلى سيفه ـ قال معاوية: إجلس فأنت سيد الخطباء"(٣).

لم يكن عبد الرحمن بن خالد وحده هو الذي طمع في الخلافة بعد معاوية، فهناك سعيد بن عثمان بن عفان الذي وجد له أنصاراً من أهل المدينة يقولون: والله لا ينالها يزيد حتى يعض هامه الحديد، إن الأمير بعده سعيد، ولكن كان أمره هيناً;

١- الإمامة والسياسة لابن قتيبة الدينوري، تحقيق علي شيري: ١ / ١٨٨، ١٩١ ـ ١٩٢.

٢- الإستيعاب في معرفة الأصحاب للقرطبي: ٢ / ٣٧٢ ـ ٣٧٣، رقم ١٤١٠.

٣- تاريخ الأمم والملوك للطبري: ٤ / ١٧١.

٧٦
حيث خرج من حلبة المنافسة راضياً بولاية خراسان(١).

من الواضح أن الصراع السياسي كان دائراً على أشدّه حول قضية خلافة معاوية، وقد هددت هذه القضية الصف الأموي بالتفكك والانهيار، وأن الخلافة اليزيدية لم تكن أمراً مستقراً حتى في داخل البيت الأموي نفسه، حتى أن معاوية اضطر لتأجيل إعلان هذا الأمر إلى ما بعد هلاك زياد، وأن مروان بن الحكم، والي معاوية على المدينة، عارض هذا الأمر بشدة ما اضطر معاوية إلى إعفائه من منصبه، ويمكننا أن نُرجع هذه المعارضة الداخلية لعدة أسباب منها:

أ ـ إن انتقال السلطة إلى يزيد، من طريق ولاية العهد، كان اقتباساً من النظام السياسي البيزنطي الذى لم يعرفه العرب في سابق تاريخهم، ولعل قرب موقع معاوية من دولة الروم كان مصدر معرفته بهذا النظام الملكي الإمبراطوري الذي صار هو النظام السياسي في الأمة الإسلامية في ما بعد.

ب ـ إن هذا الأسلوب كان إهداراً لنظام الشورى الذي توهم المسلمون أنه القانون الأساسي للمسلمين. والواقع أن الشورى لم تكن قد مورست بصورة جيدة في الحِقَب السابقة مما يسمح باستقرار معالمها وأساليب ممارستها. فأن يأتي معاوية لينقل المداراة إلى ديكتاتورية صريحة كان هذا أمراً ثقيلاً على كثيرين، وخاصة على أولئك الذين توهموا أنهم أهل الحل والعقد، ولم يكن معاوية ليبقي على نفوذهم ولا على وجودهم نفسه، إذا تعارض ذلك مع رغباته السلطوية الجامحة.

ج ـ صفات يزيد الشخصية وافتقاده الحد الأدنى من المقومات جعلت زياداً، وهو من هو في بغيه وعدوانه ونسبه، كارهاً لبيعته وإمارته قائلاً: "ويزيد

١- الكامل في التاريخ لابن الأثير: ٣ / ٢١٤ ـ ٢١٦.

٧٧
صاحب رَسْلة وتهاون مع ما قد أولع به من الصيد"(١) وكتب إلى معاوية يأمره بالتؤدة وألا يعجل".

لم تستعصِ الأغلبية على معاوية ولا على أساليبه، فهناك المتطوعون السابقون إلى مرضاة الطواغيت، مثل الضحّاك بن قيس والمغيرة بن شعبة وسمرة بن جندب، ولا بأس هنا بأن نورد بعضاً من منجزات سمرة، هذا "الصحابي" الذي استخلفه زياد على الكوفة ثم عاد إليه فوجده قد قتل ثمانية آلاف من الناس فقال له: "هل تخاف أن تكون قد قتلت أحداً برئياً؟، قال: لو قتلت إليهم مثلهم ما خشيت. أو كما قال، وعن أبي سوار العدوي قال: قتل سمرة من قومي في غداة سبعة وأربعين رجلاً كلهم قد جمع القرآن"(٢) "ثم عزله ـ معاوية ـ فقال سمرة: لعن الله معاوية والله لو أطعتُ الله كما أطعتُ معاوية ما عذّبني أبدا"(٣).

لقد أجاد معاوية سياسة "فرّق تسد"، فلما أحس أن رجالات المدينة يمتنعون من بيعة يزيد، راسلهم أولاً ثم ذهب إليهم نفسه، في عام خمسين للهجرة، مستخدماً سياسة المخادعة عازفاً على أوتار النفوس ومكامن الأهواء، عالماً أن الامة التي أسلمت علياً والحسن لن تجتمع كلمتها خلف الحسين(عليه السلام)، ومن ثمّ فإن المطلوب هو كسب الوقت وتفتيت المعارضة وضرب الناس بعضهم ببعض حتى يصل الملك إلى يزيد غنيمة باردة.

نهج الثورة الحسينية:

ما أحوج الأمة، وسط هذا الظلام الأموي وهذه الفتنة العمياء إلى موقف حسيني يبدد الظلمات، موقف حسيني لا يتحدث عن الحق وإنما يفعله، ولا يفعله

١- الإمامة والسياسة، تحقيق علي شيري: ١ / ٢١٣ ـ ٢١٤.

٢- تاريخ الأمم والملوك للطبري: ٤ / ٢٢٤ ـ ٢٢٥.

٣- المصدر نفسه: ٤ / ١٧٦.

٧٨
فعلاً يراه بعض الناس ويغفل عنه بعضهم الآخر، وإنما يفعله فعلاً يبقى مسطوراً ومحفوراً في عمق الأرض وفي عمق الوجدان البشري. ما أحوج الأمة الإسلامية والبشرية كلها إلى هذا النور المتوهج لتبقى شمس الحسين تهدي الحائرين وتدل السائلين على الحدود الفاصلة بين الحق والباطل، بين مرضاة الله وسخطه.

هكذا كانت ثورة الحسين. لم تكن حالة انفعالية نشأت عن حالة الحصار التي تعرض لها أبو عبد الله الحسين ولا كانت حركة إلى المجهول أملتها أجواء رسائل البيعة المشكوك في صدقها، منذ البدء كانت فعلاً مدروساً وخططاً منذ لحظة ولادته وبدأت خطوات تنفيذها في اللحظة التي تخيل فيها ابن آكلة الأكباد أنه لا إسلام حقيقيّاً بعد اليوم، وليبق الدين لعقٌ على ألسنة بعض القادة يصعدون به على أعناق الناس يطلبون الدنيا بادعاء النسك والزهادة على أن يدعوا ما لقيصر لقيصر، وما تبقى إن تبقى شيء فهو لله.

اكتمال عناصر التحرّك:

كتب أهل الكوفة إلى الحسين(عليه السلام) يقولون: ليس علينا إمام، فأقبل لعل الله أن يجمعنا بك على الحق. وتوالت الكتب تحمل التوقيعات تدعوه إلى المجيء لاستلام البيعة وقيادة الأمة في حركتها في مواجهة طواغيب بني أمية، وهكذا اكتملت العناصر الأساسية للحركة الحسينية، وهي:

أ ـ وجود قيادة شرعية تمثل التصور الحقيقي للإسلام، وهي قيادة أبي عبد الله الحسين.

ب ـ وجود الظروف الداعية إلى حمل لواء التغيير، وتتمثل في تمادي الفساد الأموي ورغبته في مصادرة إرادة الأمة مرة واحدة وإلى الأبد في شكل مبايعة يزيد "القرود".

٧٩
ج ـ وجود إرادة جماهيرية تطلب التغيير وتستحث الإمام الحسين للمبادرة إلى قيادة الحركة وكان موقع هذه الإرادة في الكوفة، تمثلت في رسائل البيعة القادمة من أهلها.

وهكذا لم يكن بوسع أبي عبد الله الحسين أن يقف من هذه الأمور كلها موقف المتفرج الهارب بنفسه من ساحة الوغى أو "الفار بدينه" إلى ساحات الاعتزال والانعزال، وهي جميعها أشكال مختلفة من الهروب والتهرب من تحمل المسؤولية، وهو مسلكٌ فضلاً عن ضرره البليغ على الواقع الراهن في تلك اللحظة يعطي المبرر لكل من تعرض لهذه الظروف أو ما شابهها أن يهرب بنفسه وينجو بشحمه ولحمه حتى يستوفي الأجل المحتوم، ويبقى في وجدان الأمة رمزاً من رموز الكهنوت الهارب من مواجهة الشيطان في أرض الواقع واللائذ بالنصوص والتبريرات.

كان بوسع الحسين(عليه السلام)، أن يفعل مثلما فعل ابن عمر فيبايع بيعة المضطر ليزيد، ونضيف إلى لائحة الروايات التبريرية التي رواها الرجل على لسانه أو على لسان النبي الأكرم عدة نصوص أخرى ربما كانت تحتل مكاناً أبرز من نصوص أبن عمرو كان البخاري ومسلم سيحتفلان بها، فها هو ابن الرسول وعلي وفاطمة يوجب السمع والطاعة ليزيد القرود ويدعو إلى توحيد الجماعة صفاً واحداً خلف حفيد آكلة الأكباد وحفيد أبي سفيان عدو الله ورسوله حتى آخر نفس.

ولو كان فعل هذا ـ وحاشاه ـ لاستشهد به الأفاقون والمنافقون والمخادعون في كل موقف يرون فيه ضرورة إسناد حزب الشيطان ومنعه من الانهيار، ولما قال أحد: ثار الحسين رافضاً الظلم واستشهد في سبيل الله، ولماتت هذه الأمة إلى نهاية الدهر.

٨٠