×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

نظرة في كتاب منهاج السنّة النبويّة / الصفحات: ١٨١ - ٢٠٠

أو أنَّ من المحتمل الجائز الذي يرتضيه أصحاب الرَّجل أن يكون في هذه الكتب شيءٌ من موضوعات الشيعة؟!

وهل ينقم على الشيعة موافقتهم للقوم في إخراجهم الحديث بطرقهم المختصَّة بهم؟!

وأنا لا أحتمل أنَّ الرجل لم يقف على هذه كلّها غير أنَّ الحنق قد أخذ بخناقه فلم يدع له سبيلاً إلاّ قذف الحديث بما قذف، غير مكترث لما سيلحقه من جرّاء ذلك الافك من نقد ومناقشة، والمسائلة غداً عند الله أشدّ وأخزى.

وتبعه تلميذه المغفَّل ابن كثير في تفسيره ١: ٥٠١ فقال بعد ذكر «سدّوا كلَّ خوخة في المسجد إلاّ خوخة ابي بكر»: ومن روى إلاّ باب عليّ كما في بعض السنن فهو خطأ والصّواب ما ثبت في الصحيح.

وقد بلغ من إخبات العلماء إلى حديث سدِّ الابواب انَّهم تحرّوا(١) وجه الجمع «وإن لم يكن مرضيّاً عندنا» بينه وبين الحديث الذي أورده في أبي بكر، ولم يقذفه أحدٌ غير ابن الجوزي

(١) منهم: ابو جعفر الطحاوي في مشكل الاثار، ابن كثير في تاريخ، ابن حجر في غير واحد من كتبه، السيوطي في اللئالي، القسطلاني في ارشاد السارى، العيني في عمدة القاري. «المؤلف(رحمه الله)».
١٨١
«شقيق ابن تيميَّة في المخاريق» بمثل ما قذفه ابن تيميّة.

وهناك لائمّة القوم وحفّاظهم كلماتٌ ضافية حول الحديث وصحّته والبخوع له لا يسعنا ذكر الجميع غير أنّا نقتصر منها على كلمات الحافظ ابن حجر.

قال في فتح الباري ٧ ص ١٢ بعد ذكر ستّة من الاحاديث المذكورة:

هذه الاحاديث يقوي بعضها بعضاً وكلُّ طريق منها صالحةٌ للاحتجاج فضلاً عن مجموعها.

وقد أورد ابن الجوزي هذا الحديث في الموضوعات(١) أخرجه من حديث سعد بن ابي وقاص، وزيد بن أرقم، وابن عمر مقتصراً على بعض طرقه عنهم; وأعلّه: ببعض من تكلّم فيه من رواته(٢) وليس ذلك بقادح لما ذكرت من كثرة الطرق.

(١) الموضوعات ١ / ٣٦٤.

(٢) وهو هشام بن سعد. واليك عبارته:

«قال يحيى بن ميعن: ليس بشيء، وقال أحمد ليس بمحكم الحديث».

اقول: وقد اخطأ في اعلاله هذا، لان هشاماً لم يُتهم بالكذب.

وكل ما في الامر تليينه عن احمد.

اما قول ابن معين فالنقل فيه مختلف، اذ نقل الدوري عنهُ: انهُ ضعيف، ونقل ابن ابي خيثمة: انهُ صالح وليس بمتروك الحديث، ونقل معاوية بن صالح: ليس بذاك القوي، وابن ابي مريم كان يحيى بن سعيد لايحدّث عنهُ، والعجلي: جائز الحديث، حسن الحديث، وابو زرعة: محله الصدق، وابو حاتم يُكتب حديثهُ ولا يحتج به. وابو داود: هو اثبت الناس في زيد بن اسلم، وابن المديني: صالح، والساجي: صدوق، والذهبي حسن الحديث، وابن حجر: صدوق له اوهام.

انظر التهذيب ١١ / ٣٩ ـ ٤١، الكاشف ٣ / ٢٢٣، التقريب: ٣٦٤.

ومن حاله هذه لا تسقط روايتهُ.

١٨٢
وأعلّه أيضاً: بأنّه مخالفٌ للاحاديث الصحيحة الثابتة في باب أبي بكر، وزعم انّه من وضع الرافضة قابلوا به الحديث الصحيح في باب ابي بكر، إنتهى.

وأخطأ في ذلك خطأً شنيعاً فإنه سلك في ذلك ردَّ الاحاديث الصحيحة بتوهّمه المعارضة، مع أنَّ الجمع بين القصّتين ممكنٌ، وقد أشار إلى ذلك البزَّار في مسنده فقال: ورد من روايات أهل الكوفة بأسانيد حسان في قصّة عليٍّ، وورد من روايات أهل المدينة في قصّة ابي بكر، فإن ثبتت روايات أهل الكوفة فالجمع بينهما بما دلَّ عليه حديث ابي سعيد الخدري يعنى الذي أخرجه الترمذي: انَّ النبيَّ(صلى الله عليه وآله) قال: لايحلُّ لاحد أن يطرق هذا المسجد جنباً غيري وغيرك.

والمعنى: انَّ باب عليٍّ كان إلى جهة المسجد ولم يكن لبيته بابٌ غيره، فلذلك لم يُؤمر بسدِّه.

١٨٣
ويُؤيِّد ذلك: ما أخرجه إسماعيل القاضي في أحكام القران من طريق المطلب بن عبد الله بن حنطب: انَّ النبيَّ(صلى الله عليه وآله) لم يأذن لاحد أن يمرَّ في المسجد وَهو جنبٌ إلاّ لعليِّ بن أبي طالب لانَّ بيته كان في المسجد.

ومحصل الجمع: انَّ الامر بسدِّ الابواب وقع مرَّتين ففي الاولى اُستثني عليٌّ لما ذُكر، وفي الاخرى اُستثني ابو بكر.

ولكن لا يتمّ ذلك إلاّ بأن يُحمل ما في قصّة عليٍّ الباب الحقيقيِّ وما في قصة ابي بكر على الباب المجازي، والمراد به الخوخة كما صرَّح به في بعض طرقه، وكأنَّهم لمّا اُمروا بسدِّ الابواب سدّوها وأحدثوا خوخاً يستقربون الدخول إلى المسجد منها فاُمروا بعد ذلك بسدِّها، فهذه طريقةٌ لابأس بها في الجمع بين الحديثين.

وبها جمع بين الحديثين المذكورين أبو جعفر الطحاوي في مشكل الاثار وهو في أوائل الثلث الثالث منه، وابو بكر الكلاباذي في معاني الاخبار، وصرَّح بانَّ بيت ابي بكر كان له بابٌ من خارج المسجد وخوخة إلى داخل المسجد، و بيت عليٍّ لم يكن له بابٌ إلاّ من داخل المسجد. والله أعلم.

وقال في القول المسدَّد ص ١٦. قول ابن الجوزي في هذا الحديث: انَّه باطلٌ وانَّه موضوعٌ دعوى لم يُستدلّ عليها إلاّ بمخالفة الحديث الَّذي في الصحيحين، وهذا إقدامٌ على ردِّ الاحاديث

١٨٤
الصحيحة بمجرَّد التوهّم، ولا ينبغي الاقدام على الحكم بالوضع إلاّ عند عدم إمكان الجمع، ولا يلزم من تعذّر الجمع في مثل هذا أن يُحكم على الحديث بالبطلان، بل يُتوقّف فيه إلى أن يظهر لغيره ما لم يظهر له، وهذا الحديث من الباب هو حديثٌ مشهورٌ له طرقٌ متعدِّدة كلُّ طريق منها على انفراده لا يقصر عن رتبة الحسن، ومجموعها ممّا يُقطع بصحته على طريقة كثير من أهل الحديث.

وأمّا كونه معارضاً لما في الصحيحين فغير مسلّم، ليس بينهما معارضة.

وقال في ص ١٩: هذه الطرق المتظافرة بروايات الثقات تدلُّ على أنَّ الحديث صحيحٌ دلالةً قويَّةً وهذه غاية نظر المحدِّث.

وقال في ص ١٩ بعد الجمع بين القضيّتين: وظهر بهذا الجمع أن لاتعارض، فكيف يُدَّعى الوضع على الاحاديث الصحيحة بمجرّد هذا التوهّم، ولو فُتح الباب لردِّ الاحاديث لاُدُّعي في كثير من الاحاديث الصحيحة البطلان لكن يأبى الله ذلك والمؤمنون. انتهى.

وأمّا ما استصحَّه من حديث الخلّة والخوخة فهو موضوعٌ تجاه هذا الحديث كما قال ابن ابي الحديد في شرحه ٣ ص ١٧(١) : إنَّ سدَّ الابواب كان لعليٍّ(عليه السلام) فقلّبته البكريّة إلى ابي بكر. وآثار الوضع

(١) شرح نهج البلاغة ١١ / ٤٨ (تحقيق محمد ابو الفضل).
١٨٥
فيه لائحةٌ لا تخفى على المنقِّب:

منها: أنَّ الاخذ بمجامع هذه الاحاديث يُعطي خُبراً بأنَّ سدَّ الابواب الشارعة في المسجد كان لتطهيره عن الادناس الظاهريّة والمعنويّة فلا يمرُّ به أحدٌ جنباً ولايجنب فيه أحدٌ.

وأمّا ترك بابه(صلى الله عليه وآله) وباب أمير المؤمنين(عليه السلام) فلطهارتهما عن كلِّ رجس ودنس بنصِّ آية التطهير، حتّى أنَّ الجنابة لاتُحدث فيهما من الخبث المعنويِّ ما تُحدث في غيرهما، كما يُعطي ذلك التنظير بمسجد موسى الذي سأل ربَّه أن يطهِّره لهارون وذريَّته، أو أنَّ ربَّه أمره أن يبني مسجداً طاهراً لايسكنه إلاّ هو وهارون، وليس المراد تطهيره من الاخباث فحسب فإنَّه حكم كلِّ مسجد.

ويُعطيك خبراً بما ذكرناه ما مرَّ في الاحاديث من: أنَّ أمير المؤمنين(عليه السلام)كان يدخل المسجد وهو جنب(١) وربما مرَّ وهو جنبٌ(٢) ، وكان يدخل ويخرج منه وهو جنبٌ(٣) .

وماورد عن ابي سعيد الخدري من قوله(صلى الله عليه وآله) لا يحلُّ لاحد أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك(٤) .

(١) راجع حديث ابن عباس ص ٥٨. «المؤلف (رحمه الله)».

(٢) راجع لفظ جابر بن سمرة ص ٥٩. «المؤلف (رحمه الله)».

(٣) راجع ما مر عن بريدة الاسلمي ص ٦١. «المؤلف (رحمه الله)».

(٤) أخرجه الترمذي في جامعه ٢ ص ٢١٤، البيهقي في سننه ٧ ص ٦٦، البزار، ابن مردويه، ابن منيع في مسنده، البغوي في المصابيح ٢ ص ٢٦٧، ابن عساكر في تاريخه، محب الدين في الرياض ٢ ص ١٩٣، ابن كثير في تاريخه ٧ ص ٣٤٢، سبط ابن الجوزي في التذكرة ٢٥، ابن حجر في الصواعق، ابن حجر في فتح الباري ٧ ص ١٢، السيوطي في تاريخ الخفاء: ١١٥، البدخشي في نزل الابرار ٣٧، الحلبي في السيرة ٣ ص ٣٧٤. «المؤلف (رحمه الله)».

انظر ترجمة الامام علي من تاريخ دمشق لابن عساكر ١ / ٢٩٢ ح ٣٣١، اللالي المصنوعة للسيوطي ١ / ٣٥١، وابن الوكيع في اخبار القضاة ٣ / ١٤٩.

١٨٦
وقوله(صلى الله عليه وآله): ألا إنَّ مسجدي حرامٌ على كلِّ حائض من النساء وكلِّ جنب من الرِّجال إلالاّ لى محمّد وأهل بيته: عليّ، وفاطمة، والحسن، والحسين(١) .

وقوله(صلى الله عليه وآله): ألا لا يحلُّ هذا المسجد بجنب ولا لحائض إلاّ لرسول الله، وعليّ، وفاطمة، والحسن، والحسين، الا قد بيَّنت لكم الاسماء أن لا تضلّوا.

سنن البيهقي ٧: ٦٥.

وقوله(صلى الله عليه وآله) لعليٍّ: أمّا أنت فإنّه يحلُّ لك في مسجدي ما يحلُّ لي ويحرم عليك ما يحرم عليَّ، قال له حمزة بن عبد المطلب: يارسول الله أنا عمّك وأنا أقرب إليك من عليٍّ.

قال: صدقت ياعمّ إنّه والله ماهو عنّي، إنّما هو عن الله

(١) البيهقي في سننه ٧ ص ٦٥، الحلبي في السيرة ٣ ص ٣٧٤. «المؤلف (رحمه الله)».
١٨٧
تعالى(١) .

وقول المطلب بن عبد الله بن حنطب، إنّ النبيَّ(صلى الله عليه وآله) لم يكن أذن لاحد أن يمرَّ في المسجد ولا يجلس فيه وهو جنبٌ إلاّ عليّ بن أبي طالب لانَّ بيته كان في المسجد(٢) .

أخرجه الجصّاص بالاسناد فقال: فأخبر في هذا الحديث بحظر النبيِّ(صلى الله عليه وآله)الاجتياز كما حظر عليهم القعود، وما ذكر من خصوصيّة عليٍّ(رضي الله عنه) فهو صحيحٌ، وقول الراوي: لانّه كان بيته في المسجد ظنٌّ منه لانَّ النبيِّ(صلى الله عليه وآله) قد أمر في الحديث الاوّل بتوجيه البيوت الشارعة إلى غيره ولم يبح لهم المرور لاجل كون بيتوهم في المسجد، وإنّما كانت الخصوصيّة فيه لعليّ(رضي الله عنه)دون غيره، كما خصّ جعفر بانَّ له جناحين في الجنّة دون سائر الشهداء، وكما خصّ حنظلة بغسل الملائكة له حين قُتل جنباً، وخُصّ دحية الكلبي بأنَّ جبرئيل كان ينزل على صورته، وخُصّ الزبير بإباحة ملبس الحرير لَمّا شكا من أذى القمل، فثبت بذلك أنَّ سائر الناس

(١) أخرجه ابو نعيم في فضائل الصحابة، ومن طريقه الحمويي في الفرائد في ب ٤١. «المؤلف(رحمه الله)».

(٢) اخرجه الجصاص في أحكام القرآن ٢: ٢٤٨، والقاضي اسماعيل المالكي في أحكام القرآن كما في القول المسدد لابن حجر ١٩ وقال: مرسل قوي، ويوجد في تفسير الزمخشري ١: ٣٦٦، وفتح الباري ٧ ص ١٢، ونزل الابرار ٣٧. «المؤلف (رحمه الله)».

١٨٨
ممنوعون من دخول المسجد مجتازين وغير مجتازين. انتهى.

فزبدة المخض من هذه كلّها: أنَّ إبقاء الباب والاذن لاهله بما أذن الله لرسوله ممّا خصّ به مبتن على نزول آية التطهير النافية عنهم كلَّ نوع من الرَّجاسة، ويشهد لذلك حديث مناشدة يوم الشورى، وفيه قال أمير المؤمنين(عليه السلام): أفيكم أحد يطهِّره كتاب الله غيري حتّى سدَّ النبيُّ(صلى الله عليه وآله) أبواب المهاجرين جميعاً وفتح بابي إليه حتّى قام إليه عمّاه حمزة والعبّاس وقالا: يا رسول الله سددت أبوابنا وفتحت باب عليٍّ، فقال النبيُّ(صلى الله عليه وآله): «ما أنا فتحت بابه ولا سددت أبوابكم: بل الله فتح بابه وسدَّ أبوابكم.

فقالوا: لا.

ولم يكن أبو بكر من أهل هذه الاية حتّى أن يُفتح له بابٌ أو خوخةٌ، فالفضل مخصوصٌ بمن طهّره الكتاب الكريم.

ومنها:

أنّ مقتضى هذه الاحاديث انّه لم يبق بعد قصّة سدِّ الابواب بابٌ يُفتح إلى المسجد سوى باب الرسول العظيم وابن عمِّه، وحديث خوخة ابي بكر يصرِّح بأنَّه كانت هناك أبوابٌ شارعة وسيوافيك البعد الشاسع(١) بين القصتين، وما ذكروه من

(١) يأتي ان الاول في اول الامر والاخر في مرضه حين بقى من عمره ثلثة ايام أو اقل. «المؤلف (رحمه الله)».
١٨٩
الجمع بحمل الباب فى قصة أمير المؤمنين(عليه السلام) على الحقيقة، وفي قصة ابي بكر بالتجوّز بإطلاقه على الخوخة، وقولهم: «كأنَّهم(١) لمّا اُمروا بسدِّ الابواب سدّوها وأحدثوا خوخاً يستقربون الدخول إلى المسجد منها فاُمروا بعد ذلك بسدِّها». تبرُّعيٌّ لا شاهد له، بل يُكذِّبه انَّ ذلك ما كان يتسنّى لهم نصب عين النبيِّ، وقد أمرهم بسدِّ الابواب لئلاّ يدخلوا المسجد منها، ولايكون لهم ممرٌّ به، فكيف يمكنهم إحداث ما هو بمنزلة الباب في الغاية المبغوضة للشارع، ولذلك لم يترك لعمَّيه: حمزة والعبّاس ممرّاً يدخلان منه وحدهما ويخرجان منه، ولم يترك لمن أراد كوَّةً يُشرف بها على المسجد، فالحكم الواحد لا يختلف باختلاف أسماء الموضوع مع وحدة الغاية، وإرادة الخوخة من الباب لا تُبيح المحظور ولا تُغيِّر الموضوع.

ومنها:

ما مرّ ص ٥٧ من قول عمر بن الخّطاب في أيّام خلافته: لقد اُعطي عليُّ بن ابي طالب ثلاث خصال لان تكون لي خصلةٌ منها أحبّ إليَّ من أن اُعطي حمر النعم... الحديث.

ومثله قول عبد الله بن عمر في صحيحته التي أسلفناها بلفظه ص ٥٦ فتراهما يعدّان هذه الفضائل الثلاث خاصّة لامير المؤمنين

(١) تجد هذه العبارة في فتح الباري ٧ ص ١٢، عمدة القاري ٧ ص ٥٩٢، نزل الابرار ٣٧. «المؤلف (رحمه الله)».
١٩٠
لم يحظ بهنَّ غيره، لا سيَّما انَّ ابن عمر يرى في أوَّل حديثه إنَّ خير الناس بعد رسول الله ابو بكر، ثمَّ أبوه، لكنَّه مع ذلك لا يشرك ابا بكر مع أمير المؤمنين(عليه السلام) في حديث الباب ولا الخوخة.

فلو كان لحديث ابي بكر مقيلٌ من الصحّة في عصر الصحابة المشافهين لصاحب الرسالة(صلى الله عليه وآله) والسامعين حديثه لما تأتّى منهما هذا السياق.

على أنَّ هذه الكلمة على فرض صدورها منه(صلى الله عليه وآله) صدرت أيّام مرضه فما الفرق بينها وبين حديث الكتف والدواة المرويِّ في الصِّحاح والمسانيد، فلماذا يُؤمن ابن تيميّة ببعض ويكفر ببعض؟

وشتّان بين حديث الكتف والدواة وبين فتح الخوخة لابي بكر فإنَّ الاوَّل كما هو المتسالم عليه وقع يوم الخميس، وحديث ابن عبّاس: يوم الخميس وما يوم الخميس، لا يخفى على أيِّ أحد.

فأجازوا حوله ما قيل فيه والنبيُّ يخاطبهم ويقول: لاينبغي عندي تنازعٌ، دعوني فالَّذي أنا فيه خيرٌ ممّا تدعوني إليه، وأوصى في يومه ذاك بإخراج المشركين من جزيرة العرب، وإجازة الوفد بنحو ما كان يجيزهم(١) فلم يقولوا في ذلك كلّه ما قيل في حديث الكتف والدواة.

(١) طبقات ابن سعد ٧٦٣. «المؤلف (رحمه الله)».
١٩١
وأمّا حديث سدِّ الخوخات ففي اللمعات: لا معارضة بينه وبين حديث ابي بكر لانَّ الامر بسدِّ الابواب وفتح باب عليٍّ كان في أوَّل الامر عند بناء المسجد، والامر بسدِّ الخوخات إلالاّ وخة ابي بكر كان في آخر الامر في مرضه حين بقي من عمره ثلاثة أو اقل(١) .

وقال العيني في عمدة القاري ٧ ص ٥٩٢: إنّ حديث سدِّ الابواب كان آخر حياة النبيِّ فى الوقت الذي أمرهم أن لا يؤمّهم إلاّ ابو بكر، والمتَّفق عليه من يوم وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله)يوم الاثنين. فعلى هذا يقع حديث الخوخة يوم الجمعة أو السبت، وبطبع الحال إنَّ مرضه(صلى الله عليه وآله) كان يشتدّ كلّما توغَّل فيه، فما بال حديث الخوخة لم يحظ بقسط ممّا حطي به حديث الكتف والدواة عند المقدِّسين لمن قال قوله فيه؟

أنا أدري لِمَ ذلك، والمنجِّم يدري، والمغفَّل ايضاً يدري، وابن عبّاس أدرى به حيث يقول: الرزيّة كلُّ الرزيّة ما حال بين رسول الله(صلى الله عليه وآله) وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من إختلافهم ولغطهم.

(١) راجع هامش جامع الترمذي ٢ / ٢١٤. «المؤلف (رحمه الله)».
١٩٢

[حديث «أنت ولي كل مؤمن بعدي»]

ومّما كذَّبه ابن تيميّة من الحديث قوله(صلى الله عليه وآله): «أنت وليُّ كلِّ مؤمن بعدي». قال: فإنَّ هذا موضوعٌ باتِّفاق أهل المعرفة بالحديث.

ج ـ كان حق المقام أن يقول الرجل: إنَّ هذا صحيحٌ باتِّفاق أهل المعرفة، غير أنّه راقه أن يموِّه على صحّته، ويشوِّهه ببهرجته كما هو دأبه، أفهل يحسب الرجل انَّ من أخرج هذا الحديث من أئمّة فنِّه ليسوا من أهل المعرفة بالحديث؟ وفيهم إمام مذهبه أحمد بن حنبل أخرجه بإسناد صحيح، رجاله كلّهم ثقاتٌ قال:

حدّثنا عبد الرَّزاق، حدثنا جعفر بن سليمان، حدّثني يزيد الرشك، عن مطرف بن عبد الله، عن عمران بن حصين قال: بعث رسول الله سريّة وأمَّر عليها عليَّ بن أبي طالب فأحدث شيئاً في سفره فتعاقد أربعة من أصحاب محمّد أن يذكروا أمره إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله).

قال عمران: وكنّا إذا قدمنا من سفر بدأنا برسول الله فسلّمنا عليه قال: فدخلوا عليه فقام رجلٌ منهم فقال: يا رسول الله إنَّ علياً فعل كذا وكذا، فأعرض عنه.

ثمُّ قام الثاني فقال: يا رسول الله إنَّ عليّاً فعل كذا وكذا، فأعرض عنه.

ثمُّ قام الثالث فقال: يا رسول الله إنَّ عليّاً فعل كذا وكذا.

١٩٣
ثمّ قام الرّابع فقال: يا رسول الله إنَّ عليّاً فعل كذا وكذا.

قال: فأقبل رسول الله على الرابع وقد تغيَّر وجهه وقال: «دعوا عليّاً، دعوا عليّاً، دعوا عليّاً، إنّ عليّاً منّي وأنا منه، وهو وليُّ كلِّ مؤمن بعدي»(١) .

وأخرجه الحافظ ابو يعلى الموصلي عن عبد الله بن عمر القواريري والحسن بن عمر الحمري والمعلّى بن مهدي كلّهم عن جعفر بن سليمان(٢) ، وأخرجه بن ابي شيبة(٣) ، وابن جرير الطبري وصحَّحه(٤) ، وابو نعيم الاصبهاني في حلية الاولياء ج ٦ ص ٢٩٤، ومحبّ الدين الطبري في الرِّياض النضرة ٢ ص ١٧١، والبغوي في المصابيح ٢ ص ٢٧٥ ولم يذكر صدره، وابن كثير في تاريخه ٧ ص ٣٤٤، والسيوطي والمتَّقي في الكنز ٦ ص ١٥٤، ٣٠٠ وصحّحه، والبدخشي في نزل الابرار ٢٢.

(١) مسند احمد ٤ / ٤٣٧.

(٢) لفظه «ما تريدون من علي» في لفظ الحاكم غير مكررة «المؤلف (رحمه الله)».

مسند ابي يعلى الموصلي ١ / ٢٩٣ ح ٣٥٥.

(٣) المصنَّف ١٢ / ٧٩ ح ١٢١٧٠.

(٤) كنز العمال ١٥ / ١٢٤ عن ابن جرير ولعله في تهذيب الاثار إذ لم اجده في التاريخ.

١٩٤

صورة اُخرى

«ما ترويدون من عليٍّ؟! ما ترويدون من عليٍّ؟! ما ترويدون من عليٍّ؟! إنَّ عليّاً منّي وأنا منه، وهو وليُّ كلِّ مؤمن بعدي».

اخرجه بهذا اللفظ الترمذي في جامعه ٢ ص ٢٢٢ بإسناد صحيح رجاله كلّهم ثقاتٌ، وكذلك النسائي في الخصائص ٢٣، الحاكم النيسابوري في المستدرك ٣ ص ١١١ وصحَّحه وأقرَّه الذهبي، ابو حاتم السجستاني، محبّ الدين في الرياض ٢ ص ٧١، ابن حجر في الاصابة ٢ ص ٥٠٩ وقال: إسنادٌ قويٌّ، السيوطي في الجمع كما في ترتيبه ٦ ص ١٥٢، البدخشي في نزل الابرار ٢٢.

اسناد آخر

أخرج ابو داود الطيالسي، عن شبعة، عن ابي بلج، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عبّاس: انّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال لعليٍّ: «أنت وليُّ كلِّ مؤمن بعدي»(١) .

تاريخ ابن كثير ٧ ص ٣٤٥، والاسناد كما مرَّ غير مرَّة صحيحٌ رجاله كلّهم ثقاتٌ.

فإن كان هؤلاء الحفّاظ والاعلام خارجين عن أهل المعرفة

(١) مسند ابي داود الطيالسي: ٨٢٩.
١٩٥
بالحديث فعلى إسلام ابن تيميّة السَّلام، وإن كانوا غير داخلين في الاتِّفاق فعلى معرفته العفاء، وإن كان لم يُحط خبراً بإخراجهم الحديث حين قال ما قال فزه بطول باعه في الحديث، وإن لم يكن لا ذاك ولا هذا فمرحباً بصدقه وأمانته على ودائع النبوَّة.

هذه نبذةٌ يسيرةٌ من مخاريق ابن تيميّة، ولو ذهبنا إلى استيفاء ما في منهاج بدعته من الضَّلالات، والاكاذيب، والتحكّمات، والتقوُّلات، فعلينا أن نعيد استنساخ مجلداته الاربع ونردفها بمجلَّدات في ردِّها، ولم أجد بياناً يُعرب عن حقيقة الرجل، ويُمثِّلها للملا العلميِّ، غير انّي اقتصر على كلمة الحافظ ابن حجر في كتابه الفتاوى الحديثيّة ص ٨٦ قال:

ابن تيميّة عبدٌ خذله الله وأضلَّه وأعماه وأصمَّه وأذلَّه، وبذلك صرَّح الائمّة الَّذين بيَّنوا فساد أحواله، وكذب أقواله، ومن أراد ذلك فعليه بمطالعة كلام الامام المجتهد المتَّفق على إمامته وجلالته وبلوغه مرتبة الاجتهاد ابي الحسن السبكي، وولده التاج والشيخ الامام العزّ بن جماعة وأهل عصرهم وغيرهم من الشافعيّة والمالكيّة والحنفيّة، ولم يقصر إعتراضه على متأخِّري الصوفيّة بل اعترض على مثل عمر بن الخطّاب وعليِّ بن أبي طالب رضي الله عنهما.

والحاصل: أن لايُقام لكلامه وزنٌ، بل يُرمى في كلِّ وعر

١٩٦
وحزن، ويُعتقد فيه انَّه مبتدعٌ ضالٌّ مضلٌّ غال، عامله الله بعدله، وأجارنا من مثل طريقته وعقيدته وفعله.. آمين.

إلى أن قال: إنَّه قائلٌ بالجهة وله في إثباتها جزءٌ، ويلزم أهل هذا المذهب الجسميّة والمحاذاة والاستقرار، اي: فلعلّه في بعض الاحيان كان يصرّح بتلك اللوازم فنُسب إليه، سيَّما وممّن نسب إليه ذلك من أئمَّة الاسلام المتَّفق على جلالته وإمامته وديانته، وإنّه الثقة العدل المرتضى المحقِّق المدقِّق، فلا يقول شيئاً إلاّ عن تثبّت وتحقّق ومزيد إحتياط وتحرٍّ، سيَّما إن نسب إلى مسلم ما يقتضي كفره، وردَّته، وضلاله، وإهدار دمه... الكلام.

(ويلٌ لكلِّ أفّاك أثيم يَسمع آيات الله تُتلى عَليهِ ثمَّ يُصِرُّ مُستكبِراً كأنْ لَم يَسمعها فَبشِّره بِعذاب أليم) (الجاثية ٧،٨)

١٩٧

فهرس المصادر

الاحسان بترتيب صحيح بن حبان، علي بن بلبان، تحقيق كمال يوسف الحوت، دار الكتب العالمية، ط ١ ـ ١٩٨٧م.

الاحتجاج، احمد بن علي الطبري، تحقيق محمد باقر الخرسان، مشهد ـ ١٩٨١م.

احقاق الحق، نور الله المرعشي، مع تعليقات شهاب الدين المرعشي، نشر مكتبة المرعشي، قم ـ ١٤٠٥هـ.

امالي الصدوق، محمد بن علي الصدوق، مؤسسة الاعلمي بيروت، ط ٥ ـ ١٩٨٠م.

الامامة والسياسة، ابن قتيبة الدينوري، تحقيق طه محمد الزيني، مؤسسة الحلبي ـ مصر.

١٩٨
الباب الحادي عشر، العلامة الحلي، تحقيق مهدي محقق، نشر مؤسسة مطالعات اسلامي دانشكاه مك كيل، طهران ـ ١٣٦٥.

بحار الانوار، محمد باقر المجلسي، مؤسسة الوفاء بيروت، ط ٢ ـ ١٩٨٣.

البداية والنهاية، ابن كثير الدمشقي، دار الفكر بيروت.

تاريخ الاسلام، الذهبي، دار الكتاب العربي، تحقيق عمر عبد السلام تدمري، ط ١ ـ ١٩٨٧م.

تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي، دار الكتاب العربي، تصحيح محمد سعيد العرفي.

تاريخ الخلفاء، السيوطي، دار الكتب العلمية بيروت، ط ١ ـ ١٩٨٨م.

تأويل الايات الظاهرة، علي الحسيني الاسترابادي، مؤسسة النشر، ط ١ ـ ١٤٠٩هـ.

ترجمة الامام علي من تاريخ دمشق، ابن عساكر، دار التعارف للمطبوعات، تحقيق محمد باقر المحمودي، ط ١ ـ ١٩٧٥م.

تفسير البحر المحيط، محمد بن يوسف ابو حيان الاندلسي، ط ٢ ـ ١٩٨٣.

تفسير العياشي، محمد بن مسعود العياشي، تحقيق هاشم الرسولي المحلاتي.

تفسير القرآن العظيم، ابن كثير الدمشقي، دار المعرفة بيروت، ط ١ ـ ١٩٨٦م.

تفسير القمي، علي بن ابراهيم القمي، تحقيق طيب الموسوي الجزائري، ط ٣ ـ ١٤٠٤هـ.

١٩٩
تفسير الكشاف، جار الله الزمخشري، دار المعرفة بيروت.

التفسير الكبير، فخر الدين الرازي، ط ٣ بيروت.

تفسير نور الثقلين، عبد علي العروسي الحويزي، تحقيق هاشم الرسولي المحلاتي.

تقريب التهذيب، ابن حجر العسقلاني، دار الكتب الاسلامية، ط ١، ١٣٩٣هـ.

تهذيب الاحكام، محمد بن الحسن الطوسي، تحقيق حسن الخرسان، دار الكتب الاسلامية، ط٣.

تهذيب تاريخ دمشق الكبير، ابن عساكر، تهذيب عبد القادر بدران، دار احياء التراث، ط ٣ ـ ١٩٨٧.

تهذيب التهذيب، ابن حجر العسقلاني، دار الفكر بيروت، ط ١ ـ ١٩٨٤.

ثواب الاعمال، محمد بن علي الصدوق، تحقيق علي اكبر الغفاري، مكتبة الصدوق، طهران.

جامع الاصول، ابن الاثير، تحقيق عبد القادر الارناووط.

الجامع الصغير في احاديث البشير النذير، جلال الدين السيوطي، دار الفكر، ط ١ ـ ١٩٨١م.

الجامع لاحكام القرآن، القرطبي، تحقيق احمد عبد العليم البردوني، دار احياء التراث بيروت.

الجرح والتعديل، الرازي، دار احياء التراث العربي، اوفسيت حيدر آباد الركن، ط ١ ـ ١٩٥٢م.

الحكمة المتعالية، صدر الدين محمد الشيرازي، مكتبة المصطفوي، قم.

٢٠٠