×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

نهضة الحسين (عليه السلام) / الصفحات: ٢١ - ٤٠

٨ ـ الحجّة الشيخ محمّد الگنجي، أيّده بتأليف رسالة مستقلّة.

قال الاُستاذ جعفر الخليلي: «وكان من أبرز دعاة التحريم ـ بعد طبقة العلماء الكبرى من النجفيين ـ الشيخ محمّد الگنجي، الذي سخّر قلمه ولسانه وكلّ نشاطه في شجب الضرب بالسيوف، وقد شجّعت جرأته الكثيرين على الإلتفاف حوله»(١).

٩ ـ الحجّة الشيخ محسن شرارة (ت ١٣٦٥ هـ) أيّده بالكتابة في الصحافة.

قال الأستاذ جعفر الخليلي: «أمّا البارزين من غير النجفّيين ـ أي الذين أيّدوا السيد الأمين ـ فقد كان الشيخ محسن شرارة، وكان من العناصر المليئة بالإيمان وحرارة الدعوة في تحريم هذه التقاليد، وهو رجل لم ينل بعد يومذاك درجة الاجتهاد، فالتفّ حوله من أهل بلده من العامليين جماعة»(٢).

رسائل اُلّفت حول هذا الموضوع

تضمّ حوزة النجف الأشرف ـ التي أسّسها الشيخ الطوسي (ت ٤٦٠ هـ) قبل ألف عام تقريباً ـ علماء كبار، ومراجع دين أتقياء، وكتّاباً لامعين، يصلُون الليل بالنهار في عمل دؤوب، لا يعرفون الملل والضجر، همّهم الأول والأخير مرضاة الله سبحانه وتعالى، وذلك عبر المحافظة على الدين الإسلامي الحنيف وصونه عن أىّ تغيير يطرأ عليه، أو أىّ أفكار دخيلة تصل إليه.

وما إن وصلت إلى النجف الأشرف رسالة «التنزيه» حتى انقسم الكتّاب فيها إلى معارضين وهم الأكثر، ومؤيّدين وهم القلّة القليلة، فألّف بعضهم رسائل ردّاً على رسالة الأمين منها:

١) هكذا عرفتهم ٣: ٢٣٠.

٢) هكذا عرفتهم ٣: ٢٣١.

٢١
كتاب نهضة الحسين (عليه السلام) للسيّد هبة الدين الحسيني الشهرستاني (ص ٢٢ - ص ٢٧)

٢٢
١٠ ـ الراية الحسينية، لمحمّد علي شرف الدين(١).

١١ ـ تاريخ المآتم الحسينية، لمحمّد رضا الكتبي(٢).

١٢ ـ رسالة في الشعائر الحسينية، للسيّد هادي الخرسان(٣).

١٣ ـ المواكب الحسينية، للشيخ عبد الله المامقاني(٤).

وأمّا الكتّاب المؤيّدون للسيّد الأمين ـ وكانوا قلّة قليلة ـ فقد واجهوا موجة عارمة ملتهبة من كلّ حدب وصوب، أدّت إلى ابتعاد بعضهم عن الأنظار خوفاً من الناس.

ومع ذلك كلّه فقد جمعوا قواهم وأوعزوا إلى أحدهم تأليف رسالة مؤيدة، للسيّد الأمين، فقام الحجّة الشيخ محمّد الگنجي بجمع فتاوى العلماء والمجتهدين المؤيّدين لما في رسالة «التنزيه»، وطبعها في رسالة مستقلّة سمّاها «كشف التمويه عن سالة التنزيه»، طبعت في المطبعة العلوية في النجف الأشرف سنة ١٣٤٧ هـ(٥).

وفي الترجمة المفصّلة الكاملة لحياة السيّد الأمين ـ التي كُتبت أكثرها بقلمه الشريف ـ المطبوعة في آخر موسوعته الكبيرة «أعيان الشيعة» وردت عدّة عبارات لكتّاب معروفين، أيّدوا فيها آراء السيد الأمين في رسالته «التنزيه».

قال الدكتور علي الوردي:

١) الذريعة ١٠: ٩/٨١.

٢) معجم المطبوعات النجفية: ١١٥.

٣) المسلسلات في الإجازات ٢: ٤١١.

٤) معجم المؤلفين العراقيين ٢: ٣٣٤/١٨.

٥) الذريعة ١٨: ٢٤/٤٩٢، أعيان الشيعة ١٠: ٣٨٢.

٢٣
«يعجبني من المصلحين في هذا العصر رجلان: الشيخ محمّد عبده في مصر، والسيد محسن الأمين في الشام... وإنّي لا أزال أذكر تلك الضجّة التي اُثيرت حول الدعوة الإصلاحية التي قام بها السيد محسن قبل ربع قرن. ولكنّه صمد لها وقاومها باسلاً، فلم يلن ولم يتردّد، وقد مات السيد أخيراً، ولكنّ ذكراه لم تمت ولن تموت، وستبقى دهراً طويلاً حتى تهدم هاتيك السخافات التي شوّهت الدين وجعلت منه اُضحوكة للضاحكين»(١).

وقال الشيخ محمّد رضا الشبيبي:

«شنّ السيّد الأمين حرباً شعواء على الخرافات والأوهام الشائعة، وعلى العادات التي اعتبرت ديناً عند بعض الطبقات، وما هي من الدين ولا من الشرع الشريف في شيء، فهو في طليعة المنادين في الدعوة الى الإسلام الاجتماعي في الشرق العربيوفي غيره من الأقطار»(٢).

الصحف:

ولأهمية هذه القضية وحساسيتها; لأنّها تعدّ من الشعائر والمعتقدات التي لا يمكن المساس بها عند عامة الناس، نرى أن الصحف وفي مختلف البلدان الإسلامية قد ألقت بِدَلْوِها وأعطت رأيها فيها.

والمؤيّدون للسيّد الأمين لجأوا إلى الصحف أكثر من المخالفين له; لأنّهم القلّة القليلة، وقد سُدّت الأبواب في وجوههم، ولا وسيلة للدفاع عن آرائهم; لذاك اتخذوا من الصحافة الحرّة ميداناً رحباً لأقلامهم، فكتبوا فيها ماكتبوا، حتى إنّ

١) أعيان الشيعة ١٠: ٣٨٢.

٢) أعيان الشيعة ١٠: ٣٨٣.

٢٤
البعض منهم كتب بأسماء مستعارة كـ «حبيب بن مظاهر» و «أبي نؤاس»(١).

والذي ظهر لي من المصادر التي راجعتها أثناء كتابة هذه الأسطر أنّ عدداً ليس قليلاً من الصحف شارك في هذه المعركة الفكرية، إلاّ أنّي لم أعثر إلاّ على صحيفتين كان لهما الدور الرئيسي في ذلك، هما:

صحيفة «ديوان ميسج» التي كانت تصدر باللغة الانجليزية في الهند، وقد كتب صاحبها محمّد علي سالمين مقالات عديدة مؤيدة للسيّد الأمين، وترجم بعضها الى العربية(٢).

وصحيفة «الهاتف» وإن كانت صدرت متأخرة عن زمان الفتوى، إلا أن صاحبها الاُستاذ جعفر الخليلي كان له دور فّعال في مناصرة السيد الأمين سنة ١٣٤٤ هـ وما بعدها، إذ يقول: «ولمّا كنتُ يومذاك موظفاً قد نشرت مقالاتي في الجرائد بتواقيع مستعارة»(٣).

وأمّا المعارضون للسيّد الأمين فلم يلجأوا إلى الصحف ـ كما قلنا ـ لوجود قنوات كثيرة لهم يُبيّنون فيها آراءهم، ومع ذلك فقد كتب أحدهم ـ وهو السيد نور الدين شرف الدين ـ مقالاً في صحيفة لبنانية يردّ فيها على السيد الأمين ورسالته «التنزيه»، فانبرى له في هذه المرة السيد الأمين وردّ عليه بمقالة مفصّلة، كما انبرى للردّ عليه بمقالة مفصّلة أخرى شخص آخر وقّع مقالته باسم «حبيب بن مظاهر»(٤).

١) أعيان الشيعة ١٠: ٣٨١.

٢) أعيان الشيعة ١٠: ٣٨٠.

٣) هكذا عرفتهم ١: ٢٠٩.

٤) أعيان الشيعة ١٠: ٣٨١.

٢٥

الشعراء والخطباء:

من الطبيعي جداً أن يشارك الخطباء ـ وبعضهم شعراء في نفس الوقت ـ في هذه المعركة الفكرية، فيؤيّد بعضهم السيّد الأمين ويعارضه آخرون.وهو حقّ من حقوقهم، كغيرهم من العلماء والكتّاب والمثقّفين الذين أيّدوا وعارضوا.

لكن أن يأتي شاعر ويتعدّى الحدود المرسومة ويتجاسر على السيّد الأمين ومؤيّديه وينعتهم بنعوت باطلة، ويتلاعب بعقول الناس ويحاول تمويه الحقائق عليهم، فهذا غير مسموح به، ولا أعتقد أنّ التاريخ سوف يمحو هذا عن صفحاته.

وعلى كلّ حال، فمن الشعراء الخطباء الذين كان لهم دور بارز في هذه الأحداث، هو الشاعر الكبير والخطيب المفوّه السيد صالح الحلّي (ت ١٣٥٩هـ)، الذي مدحه وأثنى عليه وعلى مقدرته الخطابية محبّوه ومبغضوه(١).

ومع ذلك كلّه نرى أنّ السيّد الحلّي يقف موقفاً معارضاً بل معادياً ومعانداً للسيد الأمين، ويتعرّض له في مجالسه بالتصريح تارة والإشارة أُخرى، ويصفه بصفات باطلة، وممّا قاله فيه:


يا راكباً أما مَرَرتَ بـ (جِلَّقِ)(٢)فابصق بوجه (أمينها) المُتزندق(٣)

ولم يكتف بذلك فقط، بل شنّ حملة شعواء على كلّ المؤيّدين والمناصرين للسيد الأمين، فأخذ ينهال عليهم بالطعن والاتهامات الباطلة، حتى وصل به الأمر إلى أن تجاسر على المرجع الديني الكبير السيد أبو الحسن الأصفهاني، لأنّه أيّد السيّد الأمين.

١) انظر: البابليات ٤: ١٣٣، أدب الطف ٩: ٢٠٤ ـ ٢٠٥.

٢) جِلّق: دمشق، معجم البلدان ٢: ١٥٤ «جِلّق».

٣) هكذا عرفتهم ١: ٢٠٨.

٢٦
فشنّ عليه غارة واسعة وعنيفة بكلّ معنى العنف، ولم يترك لوناً من ألوان الرزاية بالكناية والتصريح إلاّ وصبغ به السيد أبا الحسن من فوق المنابر التي كان يرقاها، فكان يتصرّف من فوقها بعقول المستمعين تصرّف المالك، ويميل بها أنّى شاء، بما كان يملك من مقدرة وموهبة وجرأة رفعته إلى أعلى الدرجات في سماء الخطابة والبلاغة»(١).

فأصدر السيّد أبو الحسن الأصفهاني فتوى حرّم بها الاستماع لقراءة السيّد صالح الحلي، فأرّخ ذلك الشيخ علي بازي قائلاً:


أبو حسن أفتى بتفسيق (صالح)قراءته أرّختها (غير صالحة)(٢)

وقال أيضاً يهجوه:


مُذ تردّى الشقيّ بالغَي جهلاًوإمام الزمان طُرّاً جفاه
قلت: يا من قد أرخوا (أحقيققد رمى الله صالحاً بشقاه)(٣)

ويقال: إنّ السيّد رضا الهندي كان من المعارضين للسيد الأمين، وقد قال فيه:


ذريّة الزهراء إن عددتيوماً ليطرى الناس فيها الثنا
فلا تعدّوا (محسناً) منهملأنّها قد أسقطت محسنا

وقيل: إنّ هذين البيتين في السيد محسن أبو طبيخ(٤).

ووقف الشاعر الشيخ مهدي الحجّار (ت ١٣٥٨ هـ) موقف المؤيّد للسيد

١) هكذا عرفتهم ١: ١٠٨.

٢) شعراء الغري ٦: ٣٦٩، هكذا عرفتهم ١: ١١١.

٣) شعراء الغري ٦: ٣٦٩.

٤) هكذا عرفتهم ١: ٣١.

٢٧
كتاب نهضة الحسين (عليه السلام) للسيّد هبة الدين الحسيني الشهرستاني (ص ٢٨ - ص ٣٨)

٢٨

قطّ ما سالت عليهمنهم دمعة عين
قد أعادوا عصر عمرويوم نصب الحكمين
ولكم سُبّ علي المرتضى في الخافقين
أسد الله ببدروبأُحد وحنين
بعليّ لبنيهشبه في الحالتين
ولعثمان قميص لميزل في الزمنين
أنا لا أطلب فيهمأثراً من بعد عين
كلّ عصر في الورىفيه يزيد والحسين(١)

هذا ما عرفته عمّا دار في حلبة الشعر حول هذا الموضوع، ولعلّ المستقبل يطلعنا على أكثر من ذلك.

عامة الناس

لم يكن الناس، سواء في العراق أو لبنان أو غيرهما من البلدان الإسلامية، بعيدين عن هذه المعركة الفكرية القائمة آنذاك.

ومن طبيعة عوامّ الناس أن تحركهم العاطفة، خصوصاً إذا كان المتحدّثون أو القائمون على عمل معيّن من الذين يُجيدون التلاعب بعقول البسطاء، فكيف إذا كانت القضيّة تتعلّق بالشعائر الدينيّة؟! فمن الطبيعي أن يُشارك الناس فيها مشاركة فعّالة، ومن المتسالم عليه أن يخسر المصلحون الساحة لوقت ما; لأنّ كلّ حركة إصلاحية لابدّ لها من تضحية.

وفي هذه القضية بالذات كانت هنالك عدّة شخصيّات علميّة واجتماعيّة

١) ثورة التنزيه: ٥١.

٢٩
بارزة قد أعطت رأيها، وعملت على تحريك الساحة ضدّ فتوى السيد الأمين:

فبعض المراجع أصدر فتوى بالجواز.

وبعض الكتاب ردّ على «التنزيه» برسائل طُبعت ووزّعت مجاناً.

والعلاّمة الجليل المجتهد والمصلح الشيخ محمّد جواد البلاغي على كبر سنّه وضعفه يتقدّم مواكب العزاء بشكل مؤثّر جدّاً.

والخطيب البارع المفوّه السيّد صالح الحلي، يُحرّض الناس على السيد الأمين من فوق المنابر التي يعتليها، وهكذا.

فكانت ردّة الفعل عنيفة جدّاً، يصوّرها لنا أحد المعاصرين لها، وهو الاُستاذ جعفر الخليلي قائلاً:

وانقسم الناس إلى طائفتين ـ على ما اصطلح عليه العوام ـ: «علويين»، و «أمويين». وعُني بالأمويين: أتباع السيد محسن الأمين، وكانوا قلّة قليلة لايعتدّ بها، وأكثرهم كانوا متستّرين خوفاً من الأذى.

واتخذ البعض هذه الدعوة وسيلة لمجرّد مهاجمة أعدائه واتهامه بالأموية، فكثر الاعتداء على الأشخاص، واُهين عدد كبير من الناس، وضرب البعض منهم ضرباً مبرحاً.

وبدافع إعجابي بالسيد محسن، وانطباعاتي عنه منذ الصغر، وإيماني بصحة دعوته، أصبحت أموياً وأموياً قُحاً في عرف الذين قسّموا الناس إلى أمويين وعلويّيين. وكنت شاباً فائر الدم كثير الحرارة، فصببت حرارتي كلّها في مقالات هاجمت بها العلماء الذين خالفوا فتوى السيد أبي الحسن والذين هاجموا السيد محسن.

وكنت أجد في كثير من الأحيان رسالة أو أكثر وقد اُلقي بها من تحت باب

٣٠
الدار، وهي تتضمّن ـ إلى جانب التهديد بالقتل ـ شتائم بذيئة تدلّ على خسّة وجبن.

وكان التيار جارفاً، والقوّة كلّها كانت في جانب العلويّين، وكان هؤلاء العلويّون وأتباعهم يتفنّون في التشهير بالذين سمّوهم بالأمويّين.

وبلغ من الاستهتار أن راح حملة القِرَب وسُقاة الماء في مأتم الحسين يوم عاشوراء ينادون مردّدين: «لعن الله الأمين ـ ماء»، بينما كان نداؤهم من قبل يتلخّص في ترديدهم القول: «لعن الله حرملة ـ ماء»، فأبدلوا «الأمين» بـ «حرملة» نكاية وشتماً.

ولا تسل عن عدد الذين شُتموا وضُربوا واُهينوا بسبب تلك الضجة التي أحدثتها فتوى السيد الأمين يومذاك، وكان السبب الأكبر في كلّ ذلك هو العامليون ـ أعني أهل جبل عامل ـ الذين كانوا يسكنون النجف طلباً للعلم، وكان معظهم من مخالفي السيد محسن»(١).

وقال الخليلي أيضاً:

«لم يكن يمرّ على صدور هذه الرسالة أسبوع أو أكثر وتنتقل من الشام ـ حيث تمّ طبعها ـ إلى العراق حتى رافقها كثير من الدعايات ضدّها، ووجدت هذه الدعايات هوىً في نفوس البعض، فأشعلوها فتنة شعواء تناولت السيد محسن الأمين وأتباعه بقساوة لا تُوصف من الهجاء والذم والشتم المقذع.

وخاف الذين آمنوا بقدسية هذه الرسالة وصحة فتاوى العلماء، لقد خافوا أن يُعلنوا رأيهم في وجوب الذبّ عن موضوع الرسالة والدفاع عن شخص مؤلّفها.

١) هكذا عرفتهم ١: ٢٠٨ ـ ٢١٠.

٣١
ومَنْ الذي كان يجرأ أن يُخالف الناس رأياً؟! ومن كان يستطيع الظهور بمظهر المخالف في ذلك اليوم؟»(١).

والغريب في الأمر أنّ تسمية المؤيّدين لآراء السيد السيد محسن الأمين بـ «الأمويّين» و «المتسنّنين» لم يصدر من عوامّ الناس فحسب، بل صدر من بعض العلماء والفضلاء أيضاً:

فالشيخ إبراهيم المظفّر قال في رسالته: «نصرة المظلوم»:

«فعلمت من أين جاءت هذه البليّة التي تقضي ـ إن تمّت ـ على حياة الشيعة، وتيقّنت إنّ كيد المموّهين والمنافقين وخاصة أفراد «الجمعية الأموية» ذلك الكيد الذي لا ينطلي إلاّ على السُذّج والبسطاء»(٢).

وقال المتتبّع الكبير الشيخ الطهراني (ت ١٣٨٩ هـ) عند ذكره لهذه الرسالة «نصرة المظلوم»: «كتبها جواباً على بعض المتجدّدين المتسنّنين»(٣).

وقال أيضاً عند ذكره لرسالة «النظرة الدامعة» التي ألّفها الشيخ مرتضى آل ياسين الكاظمي ردّاً على السيّد الأمين: «كتبه ردّاً على بعض المتسنّنين المتجدّدين».(٤)

والأغرب من ذلك كلّه أن الشيخ عبد الحسين قاسم الحلّي، في مقدّمة رسالته «النقد النزيه لرسالة التنزيه» أشار إلى السيّد مهدي البصري ـ باعتباره من أهل البصرة ـ وإلى السيد محسن الأمين ـ باعتباره من أهل الشام بقوله:

١) هكذا عرفتهم ١: ١٢٢.

٢) نصرة المظلوم: ٣.

٣) الذريعة ٢٤: ١٧٨/٩٢١.

٤) الذريعة: ٢٤/١٩٦/١٠٣٠

٣٢
«إنّ الحسين (عليه السلام) لما قُتل بكى عليه جميع ما خلق الله مما يُرى وممّا لا يُرى إلاّ ثلاثة أشياء لم تبك عليه: البصرة، والشام، وآل الحكم بن أبي العاص»(١).

وأخيراً نحمد لله سبحانه وتعالى على توفيقه لنا في خدمة العلم وأهله، وخدمة المكتبات الواقعة في العتبات المقدّسة في العراق، اللهمّ اجعلها في ميزان أعمالنا، وارزقنا شفاعة أهل البيت (عليهم السلام)، والحمد لله رب العالمين أولاً وآخراً.


محمّد الحسّون                       
٧ ذو القعدة ١٤٢٧ هـ                 
الصفحة على الانترنيت: site.aqaed.com/Mohammad
البريد الالكتروني: [email protected]     

١) النقد النزيه: ٣.

٣٣

مقدّمة المؤلّف

بسم الله الرحمن الرحيم

أما بعد الحمد والصلاة:

فقد حدا بي إلى تأليف كتابي هذا غفلة الجمهور عن تاريخ الحركة الحسينية وأسرارها ومزايا آثارها ـ وهي النواة لحركات عالمية ـ حتى أنّ بعض الأغيار إذ وجد هياج العالم، وحداد الأمم، ومظاهرات العرب والعجم اندفع قائلاً: «ما هذا؟، ولماذا؟، وهل الحسين إلا رجل خرج على خليفة عصره ثم لم ينجح؟».

نعم! سنعرِّفه ما هذا؟ ولماذا؟ ومن الحسين الناهض؟، ومن المعارض؟، وماهي غايات الفريقين؟ كل ذلك بهذا الكتاب الذي جمع المحاكمات التاريخية إلى النظرات الاجتماعية والمرويات الموثقة من كتب التواريخ المؤلفة قبل الاربعمائة الهجرية مثل:

(مروج الذهب) لعلي بن الحسين المسعودي المتوفى سنة ٣٤٥ هـ.

و (مقاتل الطالبيين) لأبي الفرج علي بن الحسين الأموي المرواني الاصفهاني مؤلف (الأغاني) المتوفى سنة ٣٣٦ هـ.

و (تاريخ الأمم والملوك) لمحمد بن جرير الطبري المتوفى سنة ٣١٠ هـ.

و (الإرشاد) للشيخ المفيد محمّد بن محمّد بن النعمان المتوفى سنة ٤١٣ هـ.

٣٤
و (العقد الفريد) لابن عبد ربه المغربي المتوفى قبل سنة ٣٢٨ هـ.

و (الامامة والسياسية) لعبد الله بن مسلم الدينوري المعروف بابن قتيبة المتوفى سنة ٢٧٦ هـ. وكتابه الآخر (المعارف).

و (الأخبار الطوال) لأحمد بن داود الدينوري المتوفى سنة ٣٢٨ هـ.

و (الكافي) لمحمد بن يعقوب الكليني البغدادي المتوفى سنة ٣٢٨ هـ.

وذلك بأسلوب وجيز، مؤملاً من المتأملين فيه، ومن قراء مأتم سيدنا الحسين أن يتقبلوه منّي بقبول حسن.


بغداد في ٢٤ رمضان ١٣٤٣ هـ
هبة الدين الحسيني       

٣٥

النهضة الحسينية


النهضة:

قيام جماعة أو فرد بما يقتضيه نظام الشرع أو المصلحة العامة كالحركة التي قام بها الحسين بن علي (عليهما السلام)(١)

وحقيقة النهضة سيالة في الأشخاص والأمم وفي الأزمنة والأمكنة، ولكن بتبدّل أشكال واختلاف غايات ومظاهر; وما تاريخ البشر سوى نهضات أفراد وجماعات وحركات أقوام لغايات، فوقتاً الخليل (عليه السلام) ونمرود، وحيناًمحمّد (صلى الله عليه وآله)

١) الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) أمه فاطمة الزهراء (عليها السلام) بنت محمّد المصطفى (صلى الله عليه وآله) من زوجته الكبرى خديجة أم المؤمنين (عليها السلام).

وهو أحد السبطين الريحانتين، وخامس أهل الكساء، ولد في المدينة عام الخندق في السنة الرابعة للهجرة في خامس شعبان الموافق شهر كانون لسنة ٦٢٦ م، وعاش مع جده النبي (صلى الله عليه وآله) ست سنوات وشهوراً وبقي معه أخيه الحسن أعواماً وشهوراً وكان مجموع عمره ستة وخمسين عاماً، وكانت شهادته بعد الظهر من يوم الجمعة عاشر محرم الحرام سنة ٦١هـ المواق سنة ٦٨٠م بحاير الطف من كربلاء في العراق. واشترك في قتله شمر بن ذي الجوشن وسنان بن أنس وخولى بن يزيد من قواد جيش عمر بن سعد الذي أرسله والي الكوفة عبيد الله بن زياد بأمر من أمير الشام يزيد بن معاوية ليحصروا الحسين ورجاله ويقتلوهم وهم عطاشى. فقتلوه ورجاله ونهبوا وسبوا عياله مسفَّرين إلى الكوفة ثم إلى الشام فالمدينة. وإن اشتهار فضائل الحسين والآثار المرويه فيه ومنه وعنه في كتب الحديث والتاريخ ليغني عن التوسع في ترجمته الشريفة.

٣٦
وأبو سفيان(١) ويوماً علي ومعاوية.

ولم تزل ولن تزال في الأمم نهضات أئمة هدى تجاه أئمة جور، ونهضة الحسين من بين النهضات قد استحقّت من النفوس إعجاباً أكثر لا لمجرد ما فيها من مظاهر الفضائل وإقدام معارضيه على الرذائل، بل لأنّ الحسين (عليه السلام) في إنكاره على يزيد(٢) كان يمثّل شعور شعب حي(٣)، ويجهر بما تضمره أُمة مكتوفة اليد،

١) هو صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس.

كان في الجاهلية بياع الزيت والأدم، ذميم الخلقة، هو من كبار قريش حتى قامت به قيامة قريش على الهاشميين قبيل الهجرة فترأس في المحالفة القرشية وأخذ على عاتقه مناوأة الإسلام ومقاتلة المسلمين. وله في عام الهجرة نحو سبع وخمسين سنة. ولم تقصر عنه أخته أم جميل العوراء في ايذاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسعيها بالنميمة والفساد بين بني هاشم والقبائل ا، إذ كانت تحت أبي لهب والمقصود من آية «وامرأته حمالة الحطب... الخ» ولم يبرح يثير الأقوام ويشكّل الأحزاب ضدّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) كما في بدر الكبرى وبدر الصغرى وفي أُحد والأحزاب وفي وقايعه الأخرى. ولم يهدأ ساعة عن معاداة النبي في السر والعلانية وبإثارة النفوس والجيوش ضدّه، ويجاهد المسلمين جهده إلى يوم فتح مكة حيث أسلم مع بقية قريش.

وأوّل مشاهد بني سفيان مع المسلمين كان في غزوة حنين فمنحه المصطفى (صلى الله عليه وآله) مائة بعير من غنائم الحرب منوّهاً به وبمكانته. ثم اشترك أبو سفيان يوم الطائف فأصابته نبله في احد عينيه ففقئت واستعمل جابياً، ثم اشترك في واقعة اليرموك في السنة الثالثة عشر للهجرة على عهد أبي بكر فأصابت نبلة عينه الثانية ففقأتها واصبح أعمى. ومقالته فيها تنم عن ميله للروم.

ومات في دمشق عند ولده معاوية سنة احدى وثلاثين هجرية عن ثماني وثمانين سنة ودفن بها.

٢) يزيد بن معاوية أُمه ميسون الكلابية ولد سنة خمس وعشرين فسماه أبوه باسم اخيه، وكان بديناً، مجدراً، رفيع الصوت، على أنفه قرحة، شديد السمرة، ولعاً بلعب النرد والصيد بالفهد، شغوفاً بمعاقرة الخمور والفجور بأنواعها، متجاهراً بالفسق حتى في سفر الحج. وفي مدينة الرسول (صلى الله عليه وآله) أخذ معاويه له بيعة الخلافة في حياته ثم استقرت له بعد وفاته في رجب سنة ٦٠ هـ ومات بذات الرية في منتصف ربيع الأول سنة أربع وستين عن ثلاثة عشر ولداً أكبرهم معاوية بن يزيد.

٣) إنّ مشاهير الفضلاء يومئذ في الأمة الإسلامية ـ كسيدنا الحسين (عليه السلام) وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله ابن عمر. وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر ـ أنكروا على معاويه استخلافه ليزيد الخمور والفجور، وقد توجس يزيد من مخالفة هؤلاء الوجوه خيفة ان يكون الرأي العام في جانبهم، واهتم في اضطهاد هؤلاء وإرغامهم، فثبت انّ الحسين (عليه السلام) يومئذ كان يمثّل في قيامه على يزيد رأي الجمهور وشعور الشعب الحي.

٣٧
مكمومة الفم، مرهقه بتأثير أمراء ظالمين، فقام الحسين (عليه السلام) مقامهم في إثبات مرامهم، وفدى بكل غال ورخيص لديه باذلاً في سبيل تحقيق أمنيته وأُمته من الجهود ما لا يطيقه غيره فكانت نهضته المظهر الأتم للحق، حينما كان عمل معارضيه المظهر الأتم للقوّة فقط من غير ماحقّ أو شبهة حق.

٣٨
كتاب نهضة الحسين (عليه السلام) للسيّد هبة الدين الحسيني الشهرستاني (ص ٣٩ - ص ٥٢)

٣٩

خلافة يزيد وخلاف الحسين له


خلافة النبي (صلى الله عليه وآله): نيابة عنه في الولاية على الأُمّة في جميع شؤونها، أو جميع شؤونه إلاّ الوحي، فهي أُخت النبوة وشريكتها في البيعة والعهد والرئاسة العامة، وسمي المتولي لهذا العهد «إماماً» يجب الاقتداء بأفعاله والاهتداء بأقواله، لذلك أجمعت أُمّة محمّد (صلى الله عليه وآله): على اشتراط العدالة فيه مع الفضل الديني ما نص عليه القرآن الحكيم في آية إبراهيم: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} كذلك اشترطوا في متن بيعته: العمل بكتاب الله وسنة رسوله خوفاً من حصول سوء الاختيار أو فسوق المختار.

ولقد ثار المهاجرون والأنصار ومسلمو مصر والأمصار على عثمان بن عفان حتى كان ما كان من أمره وأمر مروان، كل ذلك إنكاراً منهم لأحداث تخالف الكتاب والسنة، ولقد كان الأحرى بالجمهور وأولياء الأُمور: أن يعتبروا بهذا الحادث ويأخذوا دروساً من الحوادث فلا يُؤمّروا إلا من ائتمنوه على الدين لكي يسير فيهم على الهدى والصلاح، لكن ابن هند وعصبته ـ المستخفّة بالحق ـ لم يتبعوا سبيل المؤمنين يوم ملكوا رقاب المسلمين وأخضعوا أمام قوتهم حتى المهاجرين.

هذا; ولم يحس من الحسين بعد الحسن (عليهما السلام) موجة خلاف أو رغبة الخلافة،

٤٠