×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

نهضة الحسين (عليه السلام) / الصفحات: ٦١ - ٨٠

أعوانه، وتحشيد الجموع لمحاربته حتى كان في أيام بدر وأُحد والأحزاب وهما مثالان للحق والباطل، وأمرُ محمّد (صلى الله عليه وآله) يقوى انتشاره ومناره حتى رمى حزب أبي سفيان آخر نبلة من كنانته ولم يفلح: {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}.

وذلك أنّ الله سبحانه فتح لنبيه مكة فتحاً مبيناً، ونصره على قريش نصراً عزيزاً. انتهت الحركة السفانية، ولكن في الظاهر.

أمّا الحزب الخاسر المنكسر فقد كان يعمل ليلاً ونهاراً في تلافي خسرانه وارجاع سلطانه، ولكن تحت الستار وبأخفى من دبيب النمل على الصفا، يرسم الخطة للقيام بحركة وسيعة الدائرة حتى إذا قضى النبي (صلى الله عليه وآله) نحبه تنفس وانتهز الفرصة لاستعادة مجده.

أجل! لقي محمّد (صلى الله عليه وآله) ربه وأبو سفيان حي يسمع الناعية عليه، ولكن لا يسعه إظهار شيء وكان العباس عم النبي (صلى الله عليه وآله) يعرف من أمره شيئاً إذ كان صديقه الحميم في الجاهليه والإسلام، فأشار على عليّ (عليه السلام) ابن أخيه أبي طالب ـ وهو يغسل جنازة النبي (صلى الله عليه وآله) ـ قائلاً له: «يا علي مد يدك لأبايعك حتى يقول الناس: عم رسول الله بايع ابن عمه، فلا يختلف عليك اثنان» فلم يسمع من ابن أخيه جواباً سوى كلمة: «يا عمّ أولها غيري!» وقبل أن يدفن النبي (صلى الله عليه وآله) نجم الخلاف حول خلافته بين المهاجرين والأنصار.

لكن الذي نعلمه أنّ أبا سفيان لم يكن من الأنصار ولا من المهاجرين عندما قالا: «منا أمير ومنكم امير» حتى يحسب لنفسه حساباً في التحيز الى طرف، ورأى انضمامه إلى اضعف الأحزاب ـ أي حزب علي (عليه السلام) ـ أقرب الى مقصده من إيجاد موازنة في القوى وخلق عراقيل تكاد تمنع من حسم الخلاف، فجاء علياً قائلاً له:

٦١
«لو شئت ملأتها لك خيلاً ورجالاً» وعلي (عليه السلام) يومئذ يطرق الأبواب على المهاجرين والأنصار يتمنى ناصراً لقضيته، فلو كان ممّن يضيّع رشده بالمواعيد الخلابة لاغتنم من أبي سفيان هذا العرض، ولكن الإمام عرف سوء قصده ـ وقصده الصيد في الماء العكر ـ فأجابه بالرد والاستنكار قائلاً له: «مه يا أبا سفيان أجاهلية وإسلاماً».

أي إنّك تتربص دوائر السوء بدين محمّد (صلى الله عليه وآله) في عهديك: عند الجاهليه وعهد الإسلام، وتفرّس سوء مرامه من كلامه وأنّه انتهز فرصة الخلاف من حاشية النبي (صلى الله عليه وآله) وقصد احتلال مدينة الرسول عاصمة الإسلام بحجّة نصرة الضعيف أو تسوية الخلاف، وما جيوشه سوى مردة العرب من أهل النفاق فاذا نزل هؤلاء في عاصمة التوحيد سادت منافقة العرب، وعادت مبادىء الجاهلية ـ والناس حديثو عهد بالإسلام ـ فيكون الرجعيون أولى بالقوة والنصرة والموحدون أولى بالضعف والذلة «ويخرجن الأعز منها الأذل». قرأ هذه الشروح وأكثر منها علي (عليه السلام) من كلمة من أبي سفيان فرده رداً قارصاً، لأنّ علياً رجل الحق وبطل الإيمان لا يضحّي الدين أو المصلحة العامة في سبيل نفع ذاتي أو شهوة وانتقام.

ولما عرف أبو سفيان أنّ علياً (عليه السلام) لا ينخدع وأنّه عند تداخل الأغيار ليصافح إخوانه المسلمين ويتحد معهم لحفظ بيضة الدين ـ مهما كان ضدهم وكانوا أضداده ـ ندم أبو سفيان على لفظته، وهرع إلى الحزب الغالب، وانضم إليهم ليحفظ مركزه الاجتماعي قبل أن يخسر الطرفين وتأخرت منوياته إلى حين، حينما يخضر عود أمية بإمرة معاوية على الشام وعود سلطانهم.

وبعدما نبغ فيهم معاوية أخذ على عاتقه القيام بنوايا أسلافه ومعه يومئذ أبوه ينصب علياً (عليه السلام) ـ دون المسلمين ـ هدفاً لسهامه الفتاكة، إذ عرفه الينبوع الوحيد

٦٢
لسيال وحي المصطفى (صلى الله عليه وآله)، وأنّه البطل المناوىء لهم بكل قواه، والعميد القائم ببيت بني هاشم، والمركز القوي لابادة الحركة السفيانية، وأنّ علياً هو وأبوه نصيرا محمّد (صلى الله عليه وآله) حين لا ناصر له حتى أنه فداه بنفسه ليلة مبيته على فراشه، وضيع على قريش هجرته، ونقض ما أبرموه عليه، وعلي القاتل صناديد قريش وأركان حزبهم في بدر وغيرها، ولولاه لقضوا على حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في بدر وأُحد والخندق، وعلي الفاتح قلوب أهل مكة في وجه محمّد المصطفى إذ تلا عليهم سورة البراءة في الموقف العام العصيب بكل ثبات وجسارة وإقدام ـ الأمر الذي لم يكن يقوم به أحد من المسلمين إلى غير ذلك من مواقفه المهمة التي ضيع فيها على أمية مكايدها وكانت صدور أمية تغلي كالمرجل على رجل الإيمان.

٦٣

دوافع يزيد الانتقامية


لقد تستّر ابن هند والحزب الأموي في اخفاء غرضه تحت مخابيء السياسة المطلية بدهائهم، لكنما أخلاقه ـ أمثال يزيد والوليد ـ كشفوا القناع بأفعالهم وأقوالهم عن كل ما أُجني وأُخفي على الملأ، فتجلى كالشمس أنّهم يبتغون التشفي والانتقام من محمّد وأهل بيته بكل معاني التشفي، إذ لم يسكت عن الحسين كما سكت عن ابن الزبير، وخالف في ذلك وصاية أبيه وبرنامجه ثم لم يسالم الحسين كما سالمه ولم يقنع بخروجه عن مناطق نفوذه وحدود سلطانه ـ كما اقترح عليه الحسين نفسه ـ ولم يجالدوا ابن النبي مجالدة عربي لعربي، بل ضيّقوا عليه سبل الحياة، ومنعوه من ورد الفرات، وحاصروه بنسائه وأطفاله في الفلاة، ومثَّلوا به وبصحبه بعد القتل شرّ مثلة، وجرّدوهم تاركين أشلاءهم عراة على العراء تسفي عليهم الرياح، وقطعوا رؤوسهم واداروا بها على فوق الرماح، وسبوا صبية الحسين ونساءه يطاف بهن في الآفاق وفي الأزقة والأسواق، موثقين بالحبال كالأغنام وحولهم طبول وأبواق، يضع أميرهم الرأس الشريف بين يديه وينكت برأس الخيزران ثناياه وشفتيه ويقول شامتاً:


يا حبذا لونك يا حسينكحمرة الوردة في الخدين.. الخ

ويسبّون الحسين وأباه وأخاه سراً وجهراً، وينتحلون الأحاديث القادحة في

٦٤
عليّ وصحابته، ويهتكون حُرَم اللهورسوله وحُرُمات الدين، ويفعل يزيدهم طغياناً في مدينة الرسول (صلى الله عليه وآله) ما فعله فرعون، ويزيد يقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم فراثت خيلهم في روضه النبي (صلى الله عليه وآله) واستباح عسكره المدينة ثلاثة أيام وافتضت بها اثنى عشر ألف عذراء، ولم تسلم حُرّة في واقعة الحرّة، إلاّ من لذن ببيت السجاد علي بن الحسين (عليه السلام) وهنّ ستمائة من الهاشميات وغيرهن، فقد استثنى يزيد بيته وشخصه من الاضطهاد والاستعباد إذ أمر قائده أن يجدد مبايعة اليثاربة له على أنّه عبيده إن شاء باعهم وإن شاء أعتقهم.

وروى الجاحظ: «إنّهم وسموا العباد، ووشموا الأجساد» ـ كما يفعل بالأنعام والكلاب ـ علامة انّهم خول لبني أمية، ورأوا أنس بن مالك ـ خادم رسول الله وصاحبه ـ وفي عنقه قلادة مختوم عليها بالرصاص علامة عبوديته لهم، وأحرقوا ستار الكعبة، ورموها بالمنجنيق، وقتلوا الطائفين والعاكفين، وسفكوا الدم الحرام، في البلد الحرام، وفي الشهر الحرام، وحولوا قبلة واسط الى الشام.

٦٥

معاوية وتعقيباته


ناصب معاوية وحزبه علياً وصحبه وكان ما كان من أيام البصرة وصفين والنهروان وعلي (عليه السلام) في كلّها غير مخذول، ولا يزداد معاوية إلا حقداً عليه وموجدة، وتعقب الضغائن إثر الضغائن، وكان معاوية رجل الغدر وحليماً إلاّ على علي (عليه السلام) وخاصته.

فلما توفي علي (عليه السلام) سنة ٤٠ بسيف ابن ملجم الخارجي ساجداً في محرابه، زال من بين عيني معاوية ذلك الشبح الرهيب الذي كان يخيفه في منامه وفي خلواته، وقويت عزائمه وتوجهت شطره أكثر النفوس التي كانت رهن سجايا علي (عليه السلام) وعلومه ومنقادة لصوته وسوطه وصيت شجاعته وسماحته، لا سيما وأنّ الآثار النبوية المشهورة فيه كانت لا تقاس كثرة وشهرة بما ورد في شأن غيره، والخدمات التي قام علي بها كانت قاطعة الألسن فضلاً عن طول عهد الإمارة لمعاوية وانتشار حزبه الفعال وتوزيعه الأموال.

هذه العوامل وغيرها ضيّقت دائرة النفوذ على الحسن بن علي (عليه السلام) وخليفته ووسعت المجال لمعاوية وحزبه، فانتقم من علي بعد وفاته وسبَّ علياً على المنابر، والمنائر، والألسن، والكتب.

ويا بؤسها من حيلة ووسيلة لاستئصال مجد بني هاشم بثلب كبيرهم وقد قال

٦٦
ابن عباس: «إنّهم يريدون بسب علي سبّ رسول الله» ثم لم يقنع بذلك فأخذ يتتبع خاصة علي (عليه السلام) بالسم والعسل ويقول: «إن لله جنوداً من عسل» يعني السم المرسول إلى أعدائه، ولم يسع حلمه أصحاب علي وبنيه قط فدس سماً ذريعاً إلى زوجة الحسن السبط فقتلته اغتراراً بموعد زواجها من يزيد.

٦٧

تأثرات الحسين الروحية


هنا حري بنا أن ندرس حالة الحسين (عليه السلام) ذلك المتفاني في حب شقيقه الحسن ماذا يجري على قلبه وهو يرى أحشاء أخيه مقذوفة في الطست من سم معاوية، ثم تمنع بدسيسة مروانيه جنازة أخيه من زيارة جدّه ـ وهما ريحانتاه ـ ويسمع سبّ أبيه وأخيه في المعابر وعلى المنابر وتنعى إليه صحابة أبيه من فتك معاوية بهم، وسحق العهود الشريفة،ومحق شعائر الإسلام، وتبديل سنن جدّه بالبدع، وتحويل الإسلام من روح دينيه عالمية إلى روح قومية ملكية، وتمهيد أُسس للرجعة إلى الجاهلية.

هذا كلّه عدا ما سبق من أمر معاوية وعلي (عليه السلام) في حروب وفتن أوجدها معاوية لأغراض ذاتية، وفتّ في عضد الدين، وشتت بها شمل المسلمين. أضف عليها ما جرى على جدّه المصطفى (صلى الله عليه وآله) من الحزب السفياني أثناء البعثة وبعد الهجرة. أفلا يكون بعد ذلك كله قلب الحسين دفتراً ملؤه المؤلمات؟! ولابد وأن تكون هذه الموجدات في الحسين (عليه السلام) وفي صدره بركاناً قوياً مشرفاً على

٦٨
الانفجار، وحسين الشهامة لم يكن بالذي يقيم على الضيم لولا أنّ الوصيّة تتلو الوصيّة من أخيه وجدّه وأبيه وخاصة مواليه بالصبر، «والصبر أمرّ من الصبر».

٦٩

كيف يبايع الحسين


غريب والله أنّ يزيد المشهور بالسفاسف والفجور يريد التقمص بخلافة النبي محمّد (صلى الله عليه وآله) المبعوث لتكميل مكارم الأخلاق، وذلك في حياة الحسين (عليه السلام) ابن ذاك النبي وحبيبه. فيزيد يعلم نفسية الحسين ويعلم أنّ صدر الحسين (عليه السلام) أصبح بركاناً قريب الانفجار، ومع ذلك لا يقنع بسكونه وسكوته عما هو فيه، بل يريد منه فوق ذلك كلّه أن يعترف له بالخلافة عن الرسول، وهل ذاك إلاّ رابع المستحيلات؟ فإنّ اعتراف الحسين (عليه السلام) بخلافة يزيد عبارة أخرى عن أنّ الحسين ليس بالحسين «أي إنّ معنى قبوله البيعة ليزيد بيع دين جدّه، وكل مجده، وكل شعور شريف للعرب، وكل حق للمسلمين، وكل آمال لقومه يبيعها جمعاء برضى يزيد عليه» وهذا محال على الحسين (عليه السلام) وعلى كل أبطال الفضائل، فإنّ قبوله بيعة يزيد عبارة أخرى عن اعترافه بتساوي الفضيلة والرذيلة، واستواء العدل والظلم، واتحاد الحق والباطل، وتماثل النور والظلام، وأنّ العلم والجهل مستويان، وأنّ الخفيف والثقيل سيان في الميزان، فهل يسوغ بعد هذا كله سكوته وسكونه؟!

وقد يزعم البسطاء أنّ الحسين (عليه السلام) لو استعمل التقية وصافح يزيد لاتّقى ببيعته شرّ أمية، ونجا من مكرها، وصان حرمته، وحفظ مهجته، لكن ذلك وهم بعيد...

فإن يزيد المتجاهر بالفسوق لا يقاس بمعاوية الداهية المتحفظ، فبيعة مثل الحسين (عليه السلام) لمثل يزيد غير جائزة بظاهر الشريعة، ولذلك تخلّف عن بيعته سعد بن بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الزبير

٧٠
كتاب نهضة الحسين (عليه السلام) للسيّد هبة الدين الحسيني الشهرستاني (ص ٧١ - ص ٩٢)

٧١

البيعة ليزيد


صفا لمعاوية الجو وملك نحو أربعين سنة ملكاً قلّما يسمح الزمان بمثله، وهوفي خلال ذلك لا يفتر عن عمله ليله ونهاره فيستكثر أعوانه، ويعزّز إخوانه ويستحوذ على من يشاء بما أُوتي من مال ودهاء، واستمال إلى أهوائه أمثال زياد وابن العاص والمغيرة من الدهاة فمد أطناب حزبه ورواق مأربه، وانقادت إليه حتى آل هاشم. ولكن الرجل استحب دوام هذا السؤدد لبيته ومن يخلفه في إنفاذ نواياه، إذ عرف أنّ سلطانه وقتي وقسري ـ وما كان بالقسر لا يدوم ـ فأراد إثباته في بيته مادام حياً; لأنّه يخشى من موته انقلاب الأمور على بنيه، لا سيما وابنه يزيد موضع نقمة الجمهور وفي الناس مَن هو أقدم منه وأولى، فأخذ البيعة ليزيد حال حياته ـ بعد أن ذلل الصعاب ومهّد السبل لغاياته ـ غير أنّ الأُباة أبوا عليه البيعة ليزيد، واتخذت عملية معاوية هذه كمناورة يمتحن بها مخالفيه، ثم أوصى ولده يزيد بأن لا يمس هؤلاء بسوء إذا أبوا عليه البيعة بعد موته إلاّ ابن الزبير، والسر فيما ارتآه داهية قريش هو أنّ البعض من هؤلاء ضعيف النفس مسبوق بغضاضة.

وأما الحسين السبط فنفس أبيه بين جنبيه ويخشى على البيت الأموي من التعرّض له، وبما انّه رجل الفضيلة يؤمل فيه أن يستمر على سكوته وسكونه إذا

٧٢
علم برغائبه ومداراته، ويخشى من قيامه أن يقوم الحجاز والعراقان معه حين لا معاوية لديه ولا ابن العاص.

أمّا ابن الزبير فذو نفسية حربية مع أعدائه وذو دهاء مع رقبائه ولكنه كأبيه شحيح لا مطمع فيه، فالعدو لا يأمن منه والصديق لا يأمل فيه، فاستهان القضاء عليه من دون توقع محذور في معاداته. ولكن يزيد لم يعمل بهذه الوصيّة إذ أنّه عاش عيشة ترف قضاها في الصيد والسكر واللهو، ومثل هذه التربية تسوق صاحبها لعبادة الهوى والاغترار بسلطان الشهوات، فلا يحترم قديماً، ولا يحتشم عظيماً، ولا يحتفل بالدين، ولا برغائب الجمهور.

وعليه فما مات معاوية إلاّ والأوامر تترى من يزيد على ابن عمه الوليد ـ والي المدينة ـ بأخذ البيعة له من الناس عامة ومن الحسين وابن الزبير خاصة فتلقى الوليد بن يزيد بن أبي سفيان أوامره بكل رهبة واحتياط، وكان يعرف سوء سمعة يزيد كما يعرف حسن شهرة هؤلاء عند المسلمين عامة وعند أهل الحجاز خاصة، فأدت سياسته إلى إعلام هؤلاء بالأمر بصورة ودية مع المداراة لرغائبهم وحركاتهم قبلما يأخذ البيعة العامة في مسجد النبي ليزيد كخليفة، فأرسل إلى الحسين والى ابن الزبير ليحضرا لديه فجاءه الحسين (عليه السلام) ومعه ثلة من أقربائه، ولم يدخلوا معه فاستقبله الوليد بالترحاب ومروان(١) جالس متغيّر وتكاد تقرأ ما في

١) هو مروان بن الحكم بن العاص بن أُمية.

ولد في السنة الثانية للهجرة وطرده النبي (صلى الله عليه وآله) مع أبيه الى الطائف لأنّ أباه الحكم أسلم مع أبي سفيان يوم الفتح كرهاً ونفاقاً وكان يستهزىء بالنبي (صلى الله عليه وآله) إذا غاب عنه ويهجس الى المشركين بأخباره، فدعا النبي (صلى الله عليه وآله) عليه وطرده فأواهما عثمان في خلافته واتخذ مروان كاتباً عنده، فنقم المسلمون ذلك عليه لا سيما بعد تزويره كتاباً عن لسان الخليفة يأمر فيه عامل مصر بقتل محمّد بن أبي بكر ورسل المدينة.

وكان مثار الفتن يوم الدار وفي الحروب التي أقامها معاوية ضدّ الامام علي (عليه السلام) وبايع الإمام نفاقاً كما أسلم أبوه نفاقاً وسرعان ما نكث البيعة وخرج مع طلحة الى حرب البصرة ثم رمى طلحة. ولما أسره الإمام (عليه السلام) تشفّع فيه الحسن (عليه السلام) فخلا سبيله. ولما تقدم ليجدد بيعته أبعده الإمام قائلاً: «لا حاجة لي في بيعته إنّها كف يهودية، أما إن له إمرة كلعقة الكلب أنفه، وهو أبو الأكبش الأربعة، وستلقى الأمة منهم يوماً أحمر». ثم هرب مروان الى معاوية وخرج الى صفين، وبعد صلح معاوية مع سيدنا الحسن (عليه السلام) تولى إمارة المدينة فالحجاز كلّه، وأخذ فدكاً لنفسه، ثم أساء معاوية الظن فيه فعزله. وبعد موت معاوية بن يزيد تولى الخلافة ثم خنقته زوجته سنة ٦٥ هـ بالشام.

٧٣
قلبه من سحنات وجهه. وابتدأ الوليد ينعى معاوية فاسترجع الحسين (عليه السلام) ثم قال الوليد: «إنّ يزيد استحب اقتراح البيعة فماذا ترى؟» فأجابه الحسين: «إنّ البيعة تحسن من مثلي لمثل يزيد أن تكون علانية وبملأ من الناس، فالأولى أن تؤجلها إلى موعد اجتماع الناس في المسجد» فأجابه الوليد بكل لين وتساهل، غير أنّ مروان عكر صفو السلم، وقال: «يا أمير لا تدع حسيناً يخرج من عندك بلا بيعة فيكون أولى منك بالقوة وتكون أولى منه بالضعف، فاحبسه حتى يبايع أو تضرب عنقه» فوثب عندئذ حسين المجد قائلاً: «يا ابن الزرقاء! أنت تقتلني أم هو؟ كذبت والله ولئمت» ثم انصرف هو وبنو هاشم.

كان الوليد ومروان كلاهما يبغيان إخضاع الحسين (عليه السلام) ليزيد ولكن ذاك بالسياسة وهذا بالتهديد، وكأنّ الوليد أراد أن يستميل قلب الحسين ويسترق من لسانه كلمة القبول ـ ولو سرا ـ لعلمه أنّ الحسين رجل الصدق والثبات، فلا يعدل عن كلمته وليس بذي لسانين، إسرار وجهار، ولا ذا وجهين محضر ومغيب.

أمّا مروان فكأنّه علم أنّ المسلمين إذا اجتمعوا في مسجد النبي بين قبره

٧٤
ومنبره، وحضر لديهم ريحانة النبي وبنو هاشم وقوف وبنو الأنصار جلوس، فإن المؤثرات المعنوية والحسية لا تسفر إلاّ عن البيعة للحسين وخسران صفقة يزيد.

وبالجملة فإنّ مروان نقض على الوليد أمراً كان قد أبرمه، غير أنّ الخبر لم ينشر خارج المدينة لمراقبة الوالي وفقد وسائل المخابرات. أما الحسين (عليه السلام) فقد عرف أنّ مروان سوف يخابر يزيد على عزل الوالي أو يحمل الوالي على الوقيعة بالحسين وآله، وأنّ يزيد وحزبه ينقادون لإرادات مروان بشخصيته البارزة في الحزب السفياني، وقديم عدائه للنبي وآله. وقد كان هو وأبوه طريدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومعلونين على لسانه(١) فلا بد وأن ينتقم من ريحانة الرسول (صلى الله عليه وآله) بالمثل أو يزيد، فلم يجد الحسين (عليه السلام) بدّاً سوى الهجرة الى حرم الله.

١) قال الجاحظ في رسالة المفاخر: إنّ مروان بن الحكم كان هو وأبوه ملعونين على لسان النبي (صلى الله عليه وآله) وطريديه من المدينة مدة حياته، ثم في عهد أبي بكر وعمر كلما تشفّع عثمان فيهما وفي إيوائهما لم يجد حتى ولي عثمان فآوي مروان إلى المدينة على كره المسلمين ذلك حتى كان هذا الأمر أحد أسباب قيام المسلمين على عثمان وقتله».

٧٥

نظرة في هجرة الحسين


يصف الواصفون لتاريخ الحسين (عليه السلام) أشد ليالي حياته عليه ليلة مقتله في الطف، تلك الليلة التي حوصر فيها هو وذووه في بقعة جرداء وضاقت عليه الأرض بما رحبت، ومُنع حتى من شرب الماء المباح فلم تهجع عيناه حتى الصباح، ولا يبعد أن يكون أشد ليالي الحسين ليلة مرجعه من مجلس الوالي في المدينة وحيرته في سيرته مع القوم الظالمين، إذ كان الحسين (عليه السلام) ليلة مقتله على بصيرة من أمره، وأن ليس بينه وبين الجنة سوى سويعات; لكنما الحسين (عليه السلام) في ليلة هجرته من مدينة جدّه كان في جهاد فكري وألم عقلي يفكر في مبايعته ليزيد وكونها ضرباً من المحال، ثم يفكر في بقائه في حرّم جدّه، ولكن ذلك استسلام لمروان فيما يفعل به وبأسرته من قتله المستلزم لقتال رجاله وذبح أطفاله ونهب أمواله وإرسال بناته مع رأسه إلى يزيد.

كان مروان ممن يفعل ذلك ويزيد عليه تشفيّاً لنفسه وانتقاماً لأمية وتزلفاً ليزيد. ولم يكن ابن مرجانة بأوتر منه ولا أشقى، إذن فبماذا يصنع الحسين (عليه السلام)؟ إلاّ أن يهاج إلى مكة ابتغاء الابتعاد من المنطقة المروانية، ولقاء وجوه المسلمين في الحج، وانتظار الفرج. ولكن كيف يهاجر بأسرته الوفيرة العدد بلا عُدد؟ والهجرة بالأهل ليس بالسهل، لا سيما في مسالك وعرة غامضة الحال مبهمة

٧٦
الاستقبال. وفي النهاية اختار الحسين (عليه السلام) هذا الرأي الأخير على حراجته، وأوصى بذلك إلى إخوانه ورجال أُسرته وهم يلبونه فيما يرغب مهما كانوا كارهين مع التأهب لما يجب كما يجب إلاّ محمّد بن الحنفية فإنّه سأل أخاه البقاء في حرم جدّه بين أنصاره، فأجابه الحسين (عليه السلام) بمبلغ عداوة يزيد معه وسوء نيّته فيه وضعف ثقته في ناصريه.

فقال ابن الحنفية: «إن كان ولا بدّ من ذلك فما معنى حملك النسوة والذرية؟» فلم يجد الحسين (عليه السلام) مقنعاً لأخيه إلاّ أن يقول له: إنّه من فرط الحب المتبادل بينه وبينهن لا يستطيع فراقهن كما لا يرضين بفراقه، ولو جرى عليهن ما شاء الله أن يجري، فقال ابن الحنفية: «إنك يا أخي أحب الناس إليّ وأعزهم عليَّ، ولست أدخر النصيحة لغيرك، تنح ببعيتك عن يزيد، ثم ابعث رسلك إلى الناس، فإن بايعوك حمدت الله وإن اجتمعوا على غيرك لم ينقص دينك ولا فضلك ولم تذهب به مروتك» قال الحسين (عليه السلام): «فأين أذهب يا أخي؟» قال: «انزل مكة فإن اطمأنت بك الدار فيه وإلاّ لحقت بالرمال والجبال، ومن بلد إلى بلد حتى تنظر ما يصير إليه الناس فتكون أصوب رأياً» فجزاه الحسين خيراً.

وقد استبقاه أخوه لضرورة وجود من يعتمد عليه في مركزه عماداً للبيت ومحافظاً لودايع أهله كما استبقى على مثل ذلك ابن عمه عبد الله بن جعفر الطيار.

وكان عبد الله بن جعفر ختن الحسين على أخته وشقيقته زينب العقيلة بنت علي (عليه السلام). ولما علم عبد الله بتوجه الحسين من مكة نحو العراق، ألحقه بولديه عون ومحمّد(١) وكتب على أيديهما إليه كتاباً يقول فيه: «أما بعد; فإنّي اسألك بالله لما

١) في مقاتل الطالبيين: «إن عون بن عبد الله بن جعفر أُمه زينب العقيله إلى أن قال: والعقيلة هي التي روى ابن عباس عنها كلام فاطمة (عليها السلام) في فدك فقال: «حدثتني عقليتنا زينب بنت علي» أمّا أم محمّد فهي الخوصاء.

٧٧
انصرفت حين تنظر في كتابي، فإنّي مشفق عليك من الوجه الذي توجهت له أن يكون فيه هلاكك واستيصال اهل بيتك، وإن هلكت اليوم طفي نور الأرض، فإنّك علم المهتدين ورجاء المؤمنين، فلا تعجل بالمسير فإنّي في أثر كتابي والسلام».

وسار عبد الله إلى عمرو بن سعيد فسأله أن يكتب للحسين (عليه السلام) أماناً ويمنيه ليرجع عن وجهه. فكتب إليه عمرو بن سعيد ولحقه بحيى بن سعيد وعبد الله بن جعفر بعد نفوذ ابنيه ودفعا إليه الكتاب وجهدا في الرجوع فقال: «إنّي رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) في المنام وأمرني بما أنا ماض له» فقالا: «فما تلك الرؤيا؟» قال: «ما حدثت أحداً بها ولا أنامحدث حتى ألقى ربّي عزّ وجلّ» فلما آيس منه عبد الله بن جعفر أمر ابنيه عوناً ومحمّداً بملازمة الحسين والمسير معه والجهاد دونه.

لقد فشل ابن سعيد ـ والي الحجاز بعد الوليد ـ في تدابيره لاقناع الحسين بالرجوع إلى مكة كي يحصره فيها وفي منطقه نفوذه، وقنع عبد الله بن جعفر الطيار عن الإمام بإجازة بقائه في وطنه وقنع الحسين (عليه السلام) منه بإرسال شبابيه الباسلين، وقد كانا ناصريه بالنفس والنفيس وكانت أُمهما زينب نصيرته في نهضته، وخليفته على صبيته، وسلوته من كل أحزانه، ومديرة أمر عياله وبيوت أصحابه ورجاله، ولولاها لا نفرط عقد يتماه بعد قتله، ولولاها لانتشر نظام أهله بعد انتهاب رحله، ولولاها لقضي على خلفه العليل وانقرض نسله الأصيل.

٧٨
٧٩

هجرة الإمام من مدينة جدّه


سار حسين النهضة من حرم جدّه ولم يقتصر في الوداع على قبره الطاهر إذ المسافر يوادع من وطنه المحبوب كلما وقع نظره عليه من صحاب وأحباب وغيرهما حتى الماء والتراب، أما ركب الحسين (عليه السلام) فكانوا يوادعون الربوع وداع من لا يأمل الرجوع.

خرج الحسين من حرم جدّه (صلى الله عليه وآله) خائفاً يتقرب يناجي ربه لينجيه من فراعنة مصره ونماردة عصره ذكراه رحمة ربه، ومبدؤه خوف ربه، وغايته ببيت ربه. سائراً في المنهج الأكبر ـ أي الشارع السلطاني ـ فقيل له: «لو تنكبت الطريق كما فعل ابن الزبير لئلا يلحقك الطلب» فقال: «لا والله لا أُفارق الطريق الأقوم حتى يقضي الله ماهو قاض» ونزل مكة يوم الجمعة ثالث شعبان وهو يتلو: {وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ}.

٨٠