×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الهجوم على بيت فاطمة (عليها السلام) / الصفحات: ٤١ - ٦٠

الانقلاب على الأعقاب

٤١
٤٢

ارتدّوا على أدبارهم!

قالت السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام): " أَلَئِنْ مات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أَمتُّم دينه؟!!... تلك نازلة أعلن بها كتاب الله قبل موته، وأنبأكم بها قبل وفاته، فقال: ( وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرِينَ )(١)(٢).

وقال مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام): " حتّى إذا قبض الله رسوله، رجع قوم على الأعقاب، وغالتهم السبل، واتكلوا على الولائج، ووصلوا غير الرحم، وهجروا السبب الذي أُمروا بمودّته، ونقلوا البناء على رصِّ أساسه، فبنوه في غير موضعه.. معادن كل خطيئة، وأبواب كلّ ضارب في غمرة، قد ماروا في الحيرة، وذهلوا في السكرة، على سنّة من آل فرعون.. من منقطع إلى الدنيا راكن، أو مفارق للدين مباين "(٣).

ودلّتنا النصوص المتواترة ـ بين الفريقين ـ إلى هذا الانقلاب الذي أُشير إليه في القرآن وصرّحت به الأحاديث وقام عليه الوجدان.. وإليك بعض ما ورد في المقام:

١. شرح نهج البلاغة ١٦/٢١٢.

٢. آل عمران (٣): ١٤٤.

٣. نهج البلاغة: ٦٥، الخطبة ١٥٠ ; شرح نهج البلاغة: ٩/١٣٢ ; بحار الأنوار: ٢٩/٦١٦.

٤٣

خطب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: " يا أيّها النّاس! إنّكم محشورون إلى الله عُراةً حفاتاً عزّلاً(١)، ثم تلا: ( كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْق نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنّا كُنّا فاعِلِينَ )(٢).

ثمّ قال: " ألا وإنّ أوّل الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم، وإنّه يجاء برجال من أُمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا ربّ أصحابي..! فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: ( وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْء شَهِيدٌ )(٣) فيقال: إنّ هؤلاء لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهم "(٤).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): " أنا فرطكم على الحوض، وليرفعنّ إليّ رجال منكم حتّى إذا أهويت إليهم لأناولهم اختلجوا دوني، فأقول: أي ربّ أصحابي..! فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك "(٥).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): " ليردن على الحوض رجال ممّن صاحبني، حتّى إذا رأيتهم ورفعوا إليّ اختلجوا دوني، فلأقولن: أي ربّ! أصحابي أصحابي! فليقالن لي: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك ".

وفي بعض الروايات: " فأقول سحقاً لمن بدّل بعدي "(٦).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): " أنا فرطكم على الحوض، مَنْ مَرّ عليّ شرب، ومَنْ شرب لم

١. أي جرداً لا شعر لهم، وفي بعضها: غرلاً، وهو جمع الأغرل أي الأغلف.

٢. الأنبياء (٢١): ١٠٤.

٣. المائدة (٥): ١١٧.

٤. راجع! سنن النسائي: ٤/١١٧ ; مسند أحمد: ١/٢٣٥، ٢٥٣ ; البخاري: ٤/١١٠، ١٤٢ ـ ١٤٣ و ٥/١٩١ ـ ١٩٢، ٢٤٠ و ٧/١٩٥ ; مسلم: ٨/١٥٧ ; سنن الترمذي: ٤/٣٨ و ٥/٤ ; كنز العمال: ١٤/٣٥٨ ; البداية والنهاية: ٢/١١٦ ; الدرّ المنثور: ٢/٣٤٩.

٥. البخاري: ٨/٨٧.

٦. مسلم: ٧/٧٠ ـ ٧١.

٤٤

يظمأ أبداً، وليردنّ عليّ اقوام أعرفهم ويعرفونني ثمّ يحال بيني وبينهم، فأقول: فإنّهم منّي، فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً لمن بدّل بعدي "(١).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): " يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي ".

أو قال: " من أُمّتي " فَيُحلَّؤُن(٢) عن الحوض، فأقول: يا ربّ أصحابي! فيقول: لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنّهم ارتدّوا على أعقابهم القهقرى "(٣).

قال (صلى الله عليه وآله وسلم): " بينا أنا قائم [على الحوض] إذا زمرة.. حتّى إذا عرفتهم، خرج رجل من بيني وبينهم، فقال لهم: هلم، قلت: إلى أين؟! قال: إلى النار والله، فقلت: وما شأنهم؟! قال: إنّهم قد ارتدّوا على أدبارهم القهقرى..

ثم إذا زمرة اُخرى حتّى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني بينهم، فقال لهم: هلمّ، فقلت: إلى أين؟! قال: إلى النار والله، قلت: ما شأنهم قال: إنّهم قد ارتدّوا على أدبارهم.. فلا أراه يخلص منهم إلاّ مثل همل النعم "(٤).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): " ترد عليَّ أُمّتي الحوض وأنا أذود الناس كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله... وليصدن عنّي طائفة منكم فلا يصلون، فأقول: يا ربّ! هؤلاء من أصحابي، فيجيئني ملك فيقول: وهل تدري ما أحدثوا بعدك؟! "(٥).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): " إنّي على الحوض أنتظر من يرد عليّ منكم، ليقتطعن دوني رجالاً فلأقولنَّ: أي ربّ منّي ومن أُمّتي، يقول إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، ما زالوا يرجعون على أعقابهم "(٦).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): " إنّي على الحوض أنظر من يرد عليّ منكم وسيؤخذ ناس

١. البخاري: ٧/٢٠٧ ـ ٢٠٨ و ٨/٨٧ ; مسلم: ٧/٦٦.

٢. أي: يُمنعون من وروده.

٣. البخاري: ٧/٢٠٨.

٤. البخاري: ٧/٢٠٨.

٥. مسلم: ١/١٤٩ ـ ١٥٠.

٦. مسلم: ٧/٦٦.

٤٥

دوني، فأقول: يا ربّ! منّي ومن أُمّتي.. ".

وفي رواية: فأقول: أصحابي!.. فيقال: هل شعرت ما عملوا بعدك، والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم "(١).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجّة الوداع: " لا ألفينّكم ترجعون بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض "(٢).

قال أُبيّ بن كعب: كنّا مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنّما وجهنا واحد، فلما قُبض نظرنا هكذا وهكذا(٣).

وقال أنس: ما نفضنا عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الأيدي ـ إنّا لفي دفنه ـ حتّى أنكرنا قلوبنا(٤).

وعن أبي وائل، عن حذيفة قال: قلت: يا أبا عبد الله! النفاق اليوم أكثر أم على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قال: فضرب بيده على جبهته وقال: أوه! وهو اليوم ظاهر، إنّهم كانوا يستخفونه على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)(٥).

١. البخاري: ٧/٢٠٩ ; مسلم: ٧/٦٦ ; وراجع أيضاً: مسند أحمد: ١/٢٥٧ و ٣/١٨، ٣٩، ٣٨٤ و ٦/١٢١ ; مسلم: ٧/٦٨ ; البخاري: ٧/٢٠٦ ـ ٢١٠ و ٨/٨٦ ; سنن ابن ماجه: ٢/١٤٤٠ ; المستدرك: ٢/٤٤٧ و ٤/٧٤ ـ ٧٥ ; مجمع الزوائد: ٣/٨٥ و ١٠/٣٦٤ ـ ٣٦٥ ; كنز العمّال: ١/٣٨٧ و ٤/٥٤٣ و ١١/١٣٢ و ١٧٦ ـ ١٧٧ و ١٤/٤١٧ ـ ٤١٩ و ٤٣٤.

٢. سنن النسائي: ٧/١٢٦ ـ ١٢٨ ; مسند أحمد: ١/٢٣٠، ٤٠٢ و ٢/٨٥، ٨٧، ١٠٤ و ٤/٣٥١، ٣٥٨، ٣٦٦ و ٥/٣٩، ٤٤ ـ ٤٥ و ٤٩، ٦٨، ٧٣ ; سنن الدارمي: ٢/٦٩ ; البخاري: ١/٣٨ و ٢/١٩١ ـ ١٩٢ و ٥/١٢٦ و ٦/٢٣٦ و ٧/١١٢ و ٨/١٦، ٣٦، ٩١ ; مسلم: ١/٥٨ و ٥/١٠٨ ; سنن ابن ماجه: ١٣٠٠٢ ; سنن أبي داود: ٢/٤٠٩ ; سنن الترمذي: ٣/٣٢٩ ; سنن البيهقي: ٥/١٤٠ و ٦/٩٢، ٩٧ و ٨/٢٠ ; المستدرك: ١/١٩١.

٣. ابن ماجه ونعيم بن حماد في الفتن، عنهما جامع الأحديث: ١٧/٥٢٤.

٤. مسند أبي يعلى الموصلي: ٦/٥١.

٥. البحر الزخّار المعروف بمسند البزاز: ٧/٣٠٣ ـ ٣٠٤ (ط المدينة) وراجع البخاري: ٨/١٠٠ ; كنز العمال: ١/٣٦٧. أقول: راجع أيضاً ما ذكرناه من الروايات في الجواب على إنكار نسبة الهجوم إلى الصحابة في أول الفصل السادس.

٤٦

ثم إنّ الله عزّ وجلّ قال: ( وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَ أَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ )(١).

وفي هذا ما يستدلّ به على أنّ الأصحاب قد اختلفوا من بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فمنهم من آمن ومنهم من كفر، لاتّفاق الفريقين على أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: " والّذي نفسي بيده لتركبنّ سنن من كان قبلكم حذو النعل بالنعل، والقذّة بالقذّة ".

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): " كلّ ما كان في الأمم السالفة فإنّه يكون في هذه الأمّة مثله، حذو النعل بالنعل، والقذّة بالقذّة "(٢).

والعجب مما رواه ابن عساكر عن ابن عباس قال: كنت عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ وعنده أبو بكر وعمر وعثمان ومعاوية ـ إذ أقبل علي (عليه السلام) فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لمعاوية: " أتحبّ علياً؟ " قال: نعم. قال: " انها ستكون بينكم هنيهة ". قال معاوية: فما بعد ذلك يا رسول الله..؟! قال: " عفوالله ورضوانه..! " قال: رضينا بقضاء الله ورضوانه... فعند ذلك نزلت هذه الآية: ( وَلَوْ شاءَ اللّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ )(٣).

١. البقرة (٢): ٢٥٣.

٢. رواهما كثير من أهل السنة راجع مسند أحمد: ٢/٥٢٧ و ٤/١٢٥ ; صحيح البخاري: ٤/١٤٤ (ط دار الفكر) ; المستدرك: ١/٣٧، ١٢٩ (ط دار المعرفة) ; النهاية لابن الأثير: ١/٣٥٧ ; كنز العمال: ١/٢١١ و ١١/٢٥٣ ; شرح نهج البلاغة: ٩/٢٨٦. وتجد الروايتين في كثير من مصادرنا، بل حكم بصحّتهما في إعلام الورى: ٤٧٦ ; كشف الغمة: ٢/٥٤٥ ; مختصر بصائر الدرجات: ٢٠٥ ; تأويل الآيات: ٤٠٢ ; الصوارم المهرقة: ١٩٥.

٣. الدر المنثور: ١/٣٢٢.

٤٧

ولا نشك في أنهم حرّفوا الرواية عن وجهها ـ إن كانت ـ إذ صرّح في الآية الشريفة بكفر بعضهم، مع أن الرواية تستند الذنب في القتال إلى القضاء الالهي! وهي تتم على مبناهم الجبري وعقيدتهم في الصحابه وتنزيههم للمنافقين والكافرين..

التنصيص على إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام)(١)

كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يصرّح بخلافة أمير المؤمنين (عليه السلام) وإمامته ـ بنصِّ من الله تعالى ـ طيلة حياته ومن اليوم الذي دعا أقاربه إلى الإسلام(٢)، وفي السنة العاشرة من الهجرة أمر الله رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يحجّ بالنّاس، فحجّ معه جمع كثير من المسلمين في تلك السنة.

فلمّا دخل مكّة وأقام بها يوماً واحداً، هبط جبرئيل (عليه السلام) بأوّل سورة

١. يعرف كلّ عاقل أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يستحيل أن يترك أُمته سدى، ويهمل أمرهم بعده ولم يدبّر لهم تدبيراً صحيحاً يمنعهم عن الاختلاف في الدين و الدنيا، فإنّه لو لم يكن نبيّاً وكان سلطاناً عاقلاً لم يرض بذلك في رعيّته، فكيف وهو رئيس العقلاء؟!، أفترضى أن تقول: إنّه أهمل أمر الأُمّة حتّى ينجرّ الأمر إلى ما وقع في السقيفة وغيرها من الاختلافات، وتشعّبت فرق كثيرة يكفّر بعضهم بعضاً، ويحارب بعضهم بعضاً، وتهراق دماء آلاف من المسلمين في طلب الخلافة.. إلى وقائع كثيرة تراها حتّى اليوم؟! أكان أبو بكر أعرف بأمر الأمّة حيث عرف لزوم تعيين الخليفة ولكن النبي لم يعرف؟! نعم لا سبيل إلى هذا التوهّم أبداً. وأمّا نصّه على خلافة أمير المؤمنين (عليه السلام)، وأنّه الوصي، ووليّ كلّ مؤمن ومؤمنة بعده.. وغير ذلك، فوردت فيها روايات متواترة بين الشيعة وأهل السنة، ودلالتها واضحة بيّنة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

راجع الغدير، إحقاق الحقّ وملحقاته، عبقات الأنوار.. وغيرها.

٢. كما ورد في ذيل الآية الشريفة (وأنذر عشريتك الأقربين) (الشعراء (٢٦): ٢١٤) ورواه غير واحد من أهل السنّة وحكموا بصحّتها، راجع الغدير: ٢/٢٧٨ ـ ٢٨٤.

٤٨
٤٩

لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض "(١).

ودعا عليّاً (عليه السلام) ورفع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يد علي اليسري بيده اليمنى ورفع صوته بالولاء لعليّ (عليه السلام) على الناس أجمعين، وفرض طاعته عليهم، وأمرهم أن لا يتخلّفوا عليه بعده، وخبّرهم أنّ ذلك عن أمر الله عزّ وجلّ(٢).

ثمّ نادى بأعلى صوته: " ألستُ أولى بكم منكم بأنفسكم..؟ قالوا: اللّهمّ بلى، فقال لهم ـ على النسق من غير فصل وقد أخذ بضبعي أمير المؤمنين (عليه السلام)فرفعهما حتّى بان بياض إبطيهما ـ: " فمن كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه، اللّهمَّ وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله "، ثمّ نزل (صلى الله عليه وآله وسلم)وكان وقت الظهيرة فصلّى ركعتين، ثمّ زالت الشمس فأذّن مؤُذِّنه لصلاة الظهر فصلّى بهم الظهر وجلس (عليه السلام) في خيمته وأمر عليّاً (عليه السلام) أن يجلس في خيمة له بإزائه، ثمّ أمر المسلمين أن يدخلوا عليه فوجاً فوجاً.. فيهنّئوه بالمقام ويسلّموا عليه بإمرة المؤمنين، ففعل الناس ذلك كلّهم، ثمّ أمر أزواجه وسائر نساء المؤمنين معه أن يدخلن عليه ويسلّمن عليه بإمرة المؤمنين، ففعلن، وكان فيمن أطنب في تهنيته بالمقام عمر بن الخطاب وأظهر له من المسرّة به: وقال فيما قال: بخ بخ لك يا علي! أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة(٣)!.

الصحيفة الملعونة

واجتمع قوم من المنافقين وتحالفوا وتعاقدوا على أن لا يطيعوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما عرض عليهم من ولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام) بعده، فلمّا

١. اتفق الفريقان على نقل حديث الثقلين، راجع عبقات الأنوار، وخلاصة العبقات ج ١ و ٢.

٢. إرشاد القلوب: ٣٣١ ; عنه بحار الأنوار: ٢٨/٩٨.

٣. الإرشاد: ١/١٧٥ ـ ١٧٧ ; عنه بحار الأنوار: ٢١/٣٨٦ ـ ٣٨٨.

٥٠

رجعوا من الحجّ ودخلوا المدينة كتبوا صحيفة بينهم، وكان أوّل ما في الصحيفة النكث لولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام) وأنّ الأمر إلى أبي بكر وعمر وأبي عبيدة وسالم معهم ليس بخارج منهم(١)، وشهد بذلك أربعة وثلاثون رجلاً أصحاب العقبة وعشرون رجلاً آخر، واستودعوا الصحيفة أبا عبيدة ابن الجرّاح وجعلوه أمينهم عليها.

قال حذيفة: حدّثتني أسماء بنت عميس الخثعيمة امرأة أبي بكر: إنّ القوم اجتمعوا في منزل أبي بكر فتآمروا في ذلك، وأسماء تسمعهم وتسمع جميع ما يدبّرونه في ذلك حتّى اجتمع رأيهم على ذلك، فأمروا سعيد بن العاص الأموي فكتب هو الصحيفة باتفاق منهم.

وأهمّ ما فيها: هذا ما اتّفق عليه الملأ من أصحاب محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) من المهاجرين والأنصار بعد أن أجهدوا في رأيهم، وتشاوروا في أمرهم نظراً منهم إلى الإسلام وأهله، ليقتدي بهم من يأتي بعدهم.

إنّ الله لمّا أكمل دينه قبض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إليه من غير أن يستخلف أحداً وجعل الاختيار إلى المسلمين يختارون لأنفسهم من وثقوا برأيه ونصحه لهم، والذي يجب على المسلمين عند مضيّ خليفة من الخلفاء أن يجتمع ذوو الرأي والصلاح فيتشاوروا في أُمورهم، فمن رأوه مستحقّاً للخلافة ولّوه أُمورهم.

فإن ادّعى مدّع أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) استخلف رجلاً بعينه نصبه للناس ونصّ

١. أقول: وهذا هو السرّ فيما قاله عمر قبل وفاته: لو كان أبو عبيدة حيّاً استخلفته... لو كان سالم حيّاً استخلفته. وفي بعض المصادر ذكر معاذ بن جبل أيضاً، راجع مسند أحمد: ١/١٨ ; الإمامة والسياسة: ١/٢٨ ; الطبري: ٤/٢٧٧ ; الكامل لابن الاثير: ٣/٦٥ ; المستدرك للحاكم: ٣/٢٦٨ ; تاريخ الإسلام للذهبي: ٣/٥٦ و ١٧٢ ; شرح نهج البلاغة: ١/١٩٠ و ١٦/٢٦٥ ; كنز العمّال: ٥/٧٣٨ و ١٢/٦٧٥ و ١٣/٢١٥ ـ ٢١٦ ; العقد الفريد: ٤/٢٧٤ ; جامع الأحاديث: ١٣/٣٦٩، ٣٧٣، ٣٧٩، ٣٨٢، ٣٩٩.

٥١

عليه باسمه فقد أبطل في قوله وأتى بخلاف ما يعرفه أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

ولا يكون قربى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سبب استحقاق الخلافة والإمامة لأنّ الله يقول: ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكُمْ )(١).

فمن كره ما ذُكر وفارق جماعة المسلمين فاقتلوه كائناً من كان!!..

ثمّ دُفعت الصحيفة إلى أبي عبيدة بن الجراح ليوجّه بها إلى مكّة(٢).

ثمّ انصرفوا.. وصلّى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالناس صلاة الفجر، ثمّ جلس في مجلسه يذكر الله تعالى حتىّ طلعت الشمس، فالتفت إلى أبي عبيدة بن الجرّاح فقال له: " بخ بخ من مثلك وقد أصبحت أمين هذه الأُمّة! " ثمّ تلا: ( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا يَكْسِبُونَ )(٣) " لقد أشبه هؤلاء رجال في هذه الأُمة ( يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً ) "(٤).

ثمّ قال: " لقد أصبح في هذه الأُمّة في يومي هذا قوم ضاهوهم في صحيفتهم التي كتبوها علينا في الجاهلية وعلّقوها في الكعبة، وإنّ الله تعالى يمتّعهم ليبتليهم ويبتلي من يأتي بعدهم تفرقة بين الخبيث والطيّب، ولو لا أنّه سبحانه أمرني بالإعراض عنهم للأمر الذي هو بالغه لقدّمتهم فضربت أعناقهم.

قال حذيفة: فوالله لقد رأينا هؤلاء النفر ـ عند قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هذه المقالة ـ وقد أخذتهم الرعدة فما يملك أحد منهم نفسه شيئاً، ولم يخفَ على أحد

١. الحجرات (٤٩): ١٣.

٢. فلم تزل الصحيفة في الكعبة مدفونة إلى أوان عمر بن الخطاب فاستخرجها من موضعها وهي الصحيفة التي أشار إليها أمير المؤمنين (عليه السلام) لمّا توفي عمر، فوقف به وهو مسجّى بثوبه، فقال: " ما أحبّ إليّ أن ألقى الله بصحيفة هذا المسجّى ".

٣. البقرة (٢): ٧٩.

٤. النساء (٤): ١٠٨.

٥٢

ممن حضر مجلس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك اليوم أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إيّاهم عنى بقوله ولهم ضرب تلك الأمثال(١).

أقول: وإلى هذا أشار أُبي بن كعب في كلمته المشهورة: ألا هلك أهل العقدة والله ما آسي عليهم إنّما آسي على من يضلّون(٢).

١. إرشاد القلوب: ٣٣٣ ـ ٣٣٦ عنه بحار الأنوار: ٢٨/١٠١ ـ ١٠٦.

٢. سنن النسائي: ٢/٨٨ ; مسند أحمد: ٥/١٤٠ ; المستدرك للحاكم: ٢/٢٢٦ (وأشار إليها في ٣/٣٠٥) ; الطبقات لابن سعد: ٣/ ق ٢/٦١ ; حلية الأولياء: ١/٢٥٢ ; شرح نهج البلاغة: ٢٠/٢٤ ; النهاية لابن الاثير: ٣/٢٧٠.

ورواها من الإمامية: الإيضاح ص ٣٧٨ ; المسترشد: ٢٨ ـ ٢٩ ; الفصول المختارة: ٩٠ عنه بحار الأنوار: ١٠/٢٩٦ ; الصراط المستقيم: ٣/١٥٤ و ٢٥٧ عنه بحار الأنوار: ٢٨/١٢٢.

ثم أنك تجد في غير واحد من المصادر التصريح أو الإشارة إلى تعاهد القوم على صرف الأمر من بني هاشم إلى أنفسهم، وفي كثير منها أُشير إلى الصحيفة، راجع كتاب سليم: ٨٦ ـ ٨٧، ٩٢، ١١٨ ـ ١١٩، ١٦٤ ـ ١٦٥، ١٦٨، ٢٢٢ ـ ٢٢٦ ; تفسير العياشي: ١/٢٧٤ ـ ٢٧٥ و ٢/٢٠٠ ; المسترشد: ٤١٣ ; الكافي: ١/٣٩١، ٤٢٠ ـ ٤٢١ و ٤/٥٤٥ و ٨/١٧٩ ـ ١٨٠، ٣٣٤، ٣٧٩ ; تفسير القمي: ١/١٤٢، ١٧٣، ١٧٥، ٣٠١ و ٢/٢٨٩، ٣٠٨، ٣٥٦، ٣٥٨ ; الاستغاثة: ١٧١ ـ ١٧٢ ; الخصال: ١٧١ ; معاني الاخبار: ٤١٢ ; أمالي المفيد: ١١٢ ـ ١١٣ ; المسائل العكبرية: ٧٧ ـ ٧٨ ; الفصول المختارة: ٩٠ ; تقريب المعارف: ٢٢٧، ٣٦٧ (تبريزيان) ; المناقب: ٣/٢١٢ ـ ٢١٣ ; بشارة المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم): ١٩٧ ; الاحتجاج: ٦٢ (في ضمن خطبة الغدير) ٨٤ ـ ٨٦، ١٥٠ ـ ١٥١ ; شرح نهج البلاغة: ٢/٣٧، ٦٠ (عن الشيعة) و ٢٠/٢٩٨ ; الاقبال: ٤٤٥، ٤٥٨ ; اليقين: ٣٥٥ ; إرشاد القلوب: ٣٣٢، ٣٣٦، ٣٤١، ٣٩١ ـ ٣٩٢ ; الصراط المستقيم: ١/٢٩٠ و ٢/٩٤ ـ ٩٥، ٣٠٠، ٣/١١٨، ١٥٠، ١٥٣ ـ ١٥٤ ; مختصر البصائر: ٣٠ ; المقنع للسد آبادي: ٥٨، ١١٥ ; التحصين: ٥٣٧ ـ ٥٣٨ ; مثالب النواصب: ٩٢ ـ ٩٦ ; تأويل الآيات: ١٣٩، ٢١٤، ٥٣٢، ٥٣٩، ٥٥٤، ٦٤٦، وراجع بحار الأنوار: ٢٢/٥٤٦ و ٢٨/٨٥، الباب الثالث، ٢٨٠ و ٣٠/١٢، ١٢٢، ١٢٥، ١٢٧ ـ ١٣٣، ١٦٢، ١٩٤، ٢١٦، ٢٦٤ ـ ٢٦٥، ٢٧١، ٤٠٥ و٣١/٤١٦ ـ ٤١٧، ٤١٩ و ٥٣/٧٥.

٥٣

ويظهر من سائر الروايات أنّهم تعاقدوا قبل ذلك أيضاً في الكعبة في عدد يسير ; وهم: عمر، وأبو بكر، وأبو عبيدة، وسالم، ومعاذ بن جبل، وعبد الرّحمن بن عوف، والمغيرة بن شعبة(١)..

أقول: ويدلّك على تعاقد القوم وتدبيرهم في أمر الخلافة من قبل أُمور:

الأوّل: إحالة كل واحد من أبي بكر وعمر وأبي عبيدة أمر الخلافة إلى الآخر وعرض البيعة عليه، من دون مشاورة سائر الناس، فهل يكون اتّفاق هؤلاء الثلاثة وبعض من عاونهم إجماع المسلمين؟!

وهل كانوا وكلاء المسلمين في انتخاب الخليفة؟! هل يكون اعتبار الشورى مختصاً بتشاور هؤلاء؟!

الثاني: إنكار عمر وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل مجيء أبي بكر لإغفال الناس عن أمر الخلافة، فما زال يتكلّم ويتوعّد المنافقين ـ بزعمه ـ، حتّى ازبدّ شدقاه(٢)!!.. وسكوته بعد مجيء أبي بكر.

وفي رواية: وجلس عمر حين رأى أبا بكر مقبلاً إليه(٣)، بل في غير واحد من المصادر أنه دعا إلى بيعة أبي بكر عقيب ذلك من دون فصل(٤).

الثالث: مسارعة أبي بكر إلى الكلام عقيب ذكر وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وترشيحه نفسه لأمر الخلافة، وفي رواية إنّه قال: ألا وإنّ محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) قد مضى لسبيله، ولابدّ لهذا الأمر من قائم يقوم به، فدبّروا وانظروا وهاتوا ما عندكم رحمكم

١. راجع الكافي: ٨/١٧٩ ـ ١٨٠، ٣٣٤ ; الصراط المستقيم: ٣/١٥٣.

٢. تاريخ الخميس: ٢/١٦٧ ; جامع الاحاديث الكبير: ١٣/٢٦٠.

٣. كنز العمال: ٧/٢٤٥.

٤. الطبقات لابن سعد: ٢/ ق ٢/٥٤ ; مسند أحمد: ٦/٢٢٠ ; أنساب الأشراف: ٢/٢٣٨ ; السيرة، لابن كثير: ٤/٤٨٠ ; تاريخ الإسلام، للذهبي: ١/٥٦٤ ; نهاية الارب: ١٨/٣٨٧ ; مجمع الزوائد: ٩/٣٢ ; كنز العمال: ٧/٢٣٢ ; جامع الأحاديث: ١٣/١٦.

٥٤

الله(١).

الرابع: مواضع من كلام عمر حين حكاية قضايا السقيفة، مثل قوله: هيأت كلاماً(٢).. أو: وكنت قد زوّرت مقالة أعجبتني أردت أن أقولها..

وفي بعض الروايات: أُريد أن أُقدمها بين يدي أبي بكر(٣).. فإنّها تدلّ على توطئتهم مسبقاً في أمر الخلافة، وتدبيرهم لها، نعم لتلبيس الأمر على الناس يقول عمر: والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلاّ قالها في بديهته.

أو قولته المشهورة: كانت بيعة أبي بكر فلتة.

وقد صرّح عثمان ـ في أوّل مرّة صعد المنبر ـ، بأنّ أبا بكر وعمر كانا يهيّئان أنفسهما للخلافة ; قال الجاحظ وغيره: إنّ عثمان صعد المنبر فارتجّ عليه.. فقال: إنّ أبا بكر وعمر كانا يعدّان لهذا المقام مقالاً.. سآتيكم الخطبة على وجهها!!(٤).

الخامس: إنّ عمر هو الذي كان يحثّ أبا بكر أن يصعد المنبر، فلم يزل به حتّى صعد المنبر(٥)، وفي رواية أنس: لقد رأيت عمر يزعج أبا بكر إلى المنبر إزعاجاً(٦).. ثمّ تراه يصعد المنبر ويتكلّم قبل أبي بكر ويدعو الناس إلى

١. كتاب الردّة، للواقدي: ٣١ ; الفتوح، لأحمد بن أعثم: ١/٤ ; المواقف للإيجي، مع شرح الجرجاني: ٣/٥٧٥.

٢. البخاري: ٤/١٩٤ ; الطبقات: ٢/ ق ٢/٥٥.

٣. مسند أحمد: ١/٥٦ ; البخاري: ٨/٢٧ ; السنن الكبرى، للبيهقي: ٨/١٤٢ ; العقد الفريد: ٤/٢٥٨ (ط مصر) ; البداية والنهاية: ٥/٢٦٦ ; كنز العمال: ٥/٦٤٥.

٤. أنساب الأشراف: ٦/١٣١ (ط دار الفكر) ; البيان والتبين للجاحظ: ١/٣٤٥ (ط دار الكفر) ; شرح نهج البلاغة: ١٣/١٣ ; بحار الأنوار: ٣١/٢٤٥.

٥. البخاري: ٨/١٢٦ ; سيرة ابن كثير: ٤/٤٩٢ ; البداية و النهاية: ٥/٢٦٨.

٦. المغازي، للواقدي: ١٣٥ ; الآحاد والمثاني: ١/٧٧ ; المصنف لعبد الرزّاق: ٥/٤٣٨.

٥٥

مبايعته(١)، بل صرّح أبو بكر بذلك حينما قال لعمر: أنت كلّفتني هذا الأمر(٢).

السادس: تولّى عمر جميع الأُمور زمن خلافة أبي بكر، قال ابن عبد ربّه: وكان على أمره كلّه وعلى القضاء عمر بن الخطّاب(٣).

بل خالفه في غير واحد من القضايا، فلم يجترئ أبو بكر أن يدافع عن نفسه ويردّ حكم عمر، فلمّا قيل له: أنت الخليفة أم عمر؟!

أجاب: بل عمر.. ولكنّه أبى!!

وفي رواية: بل هو إن شاء.

وفي اُخرى: بل هو ولو شاء كان.

وفي غيرها: الأمير عمر غير أنّ الطاعة لي!!

أو: إنّا لانجيز إلاّ ما أجازه عمر(٤).

السابع: ولعلّه أهمّها ما قاله عمر قبل وفاته: لو كان أبو عبيدة حيّاً استخلفته..! لو كان سالم حيّاً استخلفته..! وفي بعض المصادر ذكر معاذ بن جبل(٥)!

جيش أُسامة

ثم عقد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الإمرة لأُسامة بن زيد بن حارثة قبل وفاته، وأمّره.. وندبه أن يخرج بجمهور الأُمّة إلى حيث أُصيب أبوه من بلاد الروم، واجتمع رأيه على إخراج جماعة من مقدّمي المهاجرين والأنصار في معسكره حتّى لا يبقى

١. البداية والنهاية: ٥/٢٦٨ ; كنز العمال: ٥/٦٠٠ ـ ٦٠١.

٢. جامع الأحاديث: ١٣/١٠٠.

٣. العقد الفريد: ٤/٢٥٥.

٤. راجع كنز العمال: ١/٣١٥ و ٣/٩١٤ و ١٢/٥٤٦، ٥٨٢ ـ ٥٨٣ ; جامع الأحاديث: ١٣/٦٠، ١٥٣، وقريب منه في: ١٣/١٧٥، ٢٧٣.

٥. تقدّمت مصادره قريباً.

٥٦

في المدينة عند وفاته من يختلف في الرئاسة، ويطمع في التقدّم على الناس بالإمارة، ويستتب الأمر لمن استخلفه من بعده ولا ينازعه في حقّه منازع(١).

فجمع أُولئك النفر ـ أي أصحاب الصحيفة ـ ومن مالأهم على علي (عليه السلام)وطابقهم على عدواته، ومن كان من الطلقاء والمنافقين ـ وكانوا زهاء أربعةآلاف رجل ـ فجعلهم تحت يدي أُسامة بن زيد مولاه وأمّرهُ عليهم(٢)، وقد نص على ان فيهم أبي بكر وعمر بن الخطاب وأبي عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص، و..(٣).

وجدّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في إخراجهم، [بل] وأمر أُسامة بالبروز عن المدينة بمعسكره إلى الجرف، وحثّ الناس على الخروج إليه والمسير معه، وحذّرهم من التلوّم والإبطاء عنه.. فبينا هو في ذلك إذ عرضت له الشكاة التي توفّي فيها، فلمّا أحسّ

١. الإرشاد: ١/١٨٠ ـ ١٨١ ; عنه بحار الأنوار: ٢٢/٤٦٦.

٢. إرشاد القلوب: ٣٣٧ عنه بحار الأنوار: ٢٨/١٠٧. راجع أيضاً كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) في الخصال: ٣٧١، عنه بحار الأنوار: ٢٨/٢٠٦.

٣. شرح نهج البلاغة: ١/١٥٩ ـ ١٦٠ و ٦/٥٢، ٩/١٩٦ ـ ١٩٧، ١٢/٨٣، ١٧/١٨٣ (عن كثير من المحدثين) ; البداية والنهاية: ٦/٣٣٥ ; الطبقات لابن سعد: ٢/ ق ١/١٣٦ و ٢ / ق ٢/٤١ و ٤/ ق ١/٤٦ ـ ٤٧ ; تهذيب الكمال: ٢/٣٤٠ ; الكامل لابن الاثير: ٢/٣١٧ ; تاريخ الخميس: ٢/١٥٤ ; وفيات الأعيان: ٨/٣٧٤ ; جامع الأحديث: ١٣ / ٢١١ ; فتح الباري: ٨/١١٥ (أواخر كتاب المغازي) ; تاريخ اليعقوبي: ٢/٧٦ ـ ٧٧ و ١١٣ ; السيرة الحلبية: ٣/٢٠٧ (بيروت) ; عيون الأثر: ٢/٣٥٢ ; نهاية الإرب: ١٧/٣٧٠ و ١٩/٤٦ ; تاريخ مدينة دمشق: ٨/٤٦ ; (ترجمة اسامة) تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ٧١٤ ; أنساب الأشراف: ٢/١١٥. ومن طُرف الأخبار ما ذكره اليعقوبي في المقام من أنّ أبا بكر بعد أن استولى على الخلافة، وأراد تنفيذ جيش أُسامة، سأل أُسامة أن يترك له عمر يستعين به على أمره، فقال: ما تقول في نفسك؟!! فقال: يابن أخي فعل الناس ما ترى، فدع لي عمر وأنفذ لوجهك، تاريخ اليعقوبي: ٢/١٢٧.

٥٧

بالمرض الذي عراه أخذ بيد علي بن أبي طالب (عليه السلام) واتّبعه جماعة من الناس وتوجّه إلى البقيع فقال: " السلام عليكم أهل القبور.. ليهنئكم ما أصبحتم فيه مما فيه الناس.. أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يتبع آخرها أوّلها..! " ثم استغفر لأهل البقيع طويلاً(١).

أقول: لنا أن نتسأل من اعلام أهل السنّة الذين دوّنوا هذه الرواية في كتبهم، ما هذه الفتن التي أقبلت.. يتبع آخرها أوّلها؟! أليست إشارة إلى ما صنعه أصحاب السقيفة؟ بلى وكانوا هم السبب لوقوع جميع الفتن التي أحدثت بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى يومنا هذا وبعد هذا اليوم.. يتبع آخرها أوّلها.

* * *

ثم أنه قد خلا أبو بكر وعمرو أبو عبيدة باُسامة وجماعة من أصحابه ـ وكانوا في الطريق ـ فقالوا: إلى أين ننطلق ونخلي المدينة، ونحن أحوج ما كنّا إليها وإلى المقام بها؟! فقال لهم اسامة: وما ذلك؟ قالوا: إنّ رسول الله قد نزل به الموت، والله لئن خلينا المدينة لتحدثن بها أُمور لا يمكن إصلاحها، ننظر ما يكون من أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم المسير بين أيدينا!، فرجع القوم إلى المعسكر الأوّل، وأقاموا به وبعثوا رسولاً يتعرف لهم أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأتى الرسول إلى عائشة فسألها عن ذلك سرّاً، فقالت: امض إلى أبي وعمر ومن معهما وقل لهما: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد ثقل فلا يبرحن أحد منكم، وأنا أُعلمكم بالخبر وقتاً بعد وقت..

١. الإرشاد: ١/١٨١ ; عنه بحار الأنوار: ٢٢/٤٦٧ ـ ٤٦٨. راجع أيضاً: سنن الدارمي: ١/٣٦ ـ ٣٧ ; الطبري: ٣/١٨٨ ; مسند أحمد: ٣/٤٨٨ ـ ٤٨٩ ; شرح نهج البلاغة: ١٠/١٨٣ ; البداية والنهاية: ٥/٢٤٣ ـ ٢٤٤ ; الكامل لابن الأثير: ٢/٣١٨ ; الطبقات: ٢/ ق ٢/١٠ ; البدء والتاريخ: ٥/٥٦ ; أنساب الأشراف: ٢/٢١٤ ; تاريخ الإسلام للذهبي: ١/٥٤٥ ; نهاية الارب: ١٨/٣٦٢ ; المنتظم: ٤/١٤ ـ ١٥ ; تاريخ الخميس: ٢ / ١٦١ ; مجمع الزوائد: ٩/٢٤ ; كنز العمال: ١٢/٢٦٢.

٥٨

واشتدّت علّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فدعت عائشة صهيبا فقالت: امض إلى أبي بكر وأَعْلِمْه أنّ محمداً في حال لا يرجى.. فهلمّ إلينا أنت وعمر وأبو عبيدة ومن رأيتم أن يدخل معكم، وليكن دخولكم في اللّيل سرّاً، فدخل أبو بكر وعمر وأبو عبيدة ليلاً المدينة ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد ثقل، فأفاق بعض الإفاقة فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): " لقد طرق ليلتنا هذه، المدينة شرٌّ عظيم "، فقيل له: وما هو يا رسول الله؟ فقال: " إنّ الذين كانوا في جيش أُسامة قد رجع منهم نفر يخالفون عن أمري، ألا إنّي إلى الله منهم بريء.. ويحكم! نفّذوا جيش أُسامة.. " فلم يزل يقول ذلك حتّى قالها مرّات كثيرة.

فلما أصبح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من ليلته أذّن بلال ثمّ أتاه يخبره كعادته فوجده قد ثقل، ومُنع من الدخول إليه، فأمرت عائشة صهيباً أن يمضي إلى أبيها فيعلمه أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد ثقل في مرضه وليس يطيق النهوض إلى المسجد وعلي بن أبي طالب (عليه السلام) قد شغل به وبمشاهدته عن الصلاة بالناس، فاخرج أنت إلى المسجد فصلِّ بالناس، فإنّها حالة تهنئك وحجّة لك بعد اليوم.

فلم يشعر الناس ـ وهم في المسجد ينتظرون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أو عليّاً (عليه السلام)يصلّي بهم كعادته التي عرفوها في مرضه ـ إذ دخل أبو بكر المسجد وقال: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد ثقل وقد أمرني أن أُصلّي بالناس..! فقال له رجل من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): وأنّى ذلك! وأنت في جيش أُسامة، ولا والله لا أعلم أحداً بعث إليك ولا أمرك بالصلاة..!

ثمّ نادى الناس بلال فقال: على رسلكم ـ رحمكم الله ـ لأستأذن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك، ثمّ اسرع حتّى أتى الباب فدقّه دقّاً شديداً فسمعه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: " ما هذا الدقّ العنيف؟!، فانظروا ما هو؟ "، قال فخرج الفضل بن العباس ففتح الباب فإذا بلال، قال ما وراءك يا بلال؟ فقا ل: إنّ أبا بكر قد دخل المسجد وقد تقدّم حتّى وقف في مقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وزعم أنّ

٥٩

رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أمره بذلك، فقال: أو ليس أبو بكر مع جيش أُسامة، هذا هو والله الشرّ العظيم الذي طرق البارحة المدينة، لقد أخبرنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك، ودخل الفضل وأدخل بلالاً معه، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): " ما وراءك يا بلال ".. فأخبر رسول الله الخبر، فقال: " أقيموني.. أقيموني.. اخرجوا بي إلى المسجد، والذي نفسي بيده قد نزلت بالإسلام نازلة وفتنة عظيمة من الفتن ".

ثمّ خرج معصوب الرأس يتهادى بين عليٍّ والفضل بن العباس، ورجلاه تجرّان في الأرض حتّى دخل المسجد ـ وأبو بكر قائم في مقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وقد أطاف به عمر وأبو عبيدة وسالم وصهيب والنفر الذين دخلوا ـ وأكثر الناس قد وقفوا عن الصلاة ينتظرون ما يأتي بلال، فلمّا رأى الناس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد دخل المسجد ـ وهو بتلك الحالة العظيمة من المرض ـ أعظموا ذلك، وتقدّم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فجذب أبا بكر من ورائه فنحّاه عن المحراب، وأقبل أبو بكر والنفر الذين كانوا معه فتواروا خلف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأقبل الناس فصلّوا خلف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو جالس(١)، فكبّر وابتدأ الصلاة التي كان ابتدأها أبو بكر، ولم يبن على ما مضى من فعاله، فلمّا سلّم انصرف إلى منزله، واستدعى أبا بكر

١. إلى هنا جاء في إرشاد القلوب: ٣٣٨ ـ ٣٤٠ ; عنه بحار الأنوار: ٢٨/١٠٨ ـ ١١٠. أقول: صرّح اللمعاني المعتزلي: أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) نسب إلى عائشة بأنّها أرسلت إلى أبيها ليصلّي بالناس، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يعيّن للصلاة أحداً، بل قال: " ليصلّ بهم أحدهم ". وقال اللمعاني أيضاً: إنّها أرسلت إلى أبيها وأعلمته بأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يموت عن قريب، فرجع أبو بكر عن جيش أسامة. راجع شرح نهج البلاغة: ٩/١٩٦ ـ ١٩٩. نعم طائفة من أهل السنة يريدون إخفاء الواقع فتارة يقولون: أقبل رسول أُمّ أيمن فأخبر أُسامة بموت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، كما في عيون الأثر: ٢/٣٥٣، وأُخرى يقولون: أرسلت إليهم زوجة أُسامة كما في تاريخ الإسلام للذهبي: ٣/١٩.

أقول: ويؤيد كلامه في عدم تعيين الامام للصلاة ما ذكره المقدسي (المتوفى ٣٥٥) في البدء والتاريخ: ٥/٥٧، فإنّه قال: وإذا وجد ثقلاً قال (صلى الله عليه وآله وسلم): " مروا الناس فليصلّوا ". وكذا ابن كثير في السيرة النبوية: ٤/٤٥٩ ; والزهري في المغازي: ١٣١.

٦٠