×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

هذه هي الوهّابيّة / الصفحات: ٦١ - ٨٠

الاجماع من يوم الاسلام الاول الى آخر يوم، وعلى الرغم من ان التسامح من فضل الرحمن، والتعصب من لعنة الشيطان، على الرغم من ذلك وغير ذلك فقد جزم ابن تيمية بأن النطق بالشهادتين لا يكفي، والعلم بهما لا يجدي، والصوم والصلاة، والحج والزكاة لا ينفع إلا من آمن بآراء ابن تيمية، وكفر بغيرها.

ولا شيء أدل على ذلك من أنه قسم المشركين الى نوعين: نوع لا ينطق بالشهادتين، ولا يصوم ويصلي، ولا يحج ويزكي، ولا يؤمن بحساب وعقاب، والنوع الآخر من المشركين ينطق بلا اله الا الله وبمحمد رسول الله، ويصوم ويصلي ويحج ويزكي، ويؤمن بالحساب والعقاب، وهذا النوع هم المارقون من الاسلام، لا لشيء إلا أنهم لا يعتقدون كل ما يعتقده ابن تيمية(١) وهكذا بلغ به التشدد ان لا يرضى إلا عمن وافقه فيما هو عليه، والذي افهمه من هذا التشدد أنه تماماً كالذين عناهم الله بقوله: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) البقرة ١٢٠.

من اقوال ابن تيمية

قال ابن تيمية واضع حجر الاساس لمذهب الوهابية في

(١) اذا صح هذا التقسيم فانما يصح ويصدق على من قسم المشركين اليهما، قال النبي الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم: من كفر أخيه بغير تأويل فهو كما قال: أي كافر (صحيح البخاري).
٦١
كتاب «الرسالة التدمرية» ص٦٢ ما نصه بالحرف: «فان عامة الذين يقرون بالتوحيد في كتب الكلام والنظر غايتهم ان يجعلوا التوحيد ثلاثة أنواع، فيقولون: هو واحد بذاته، لا قسيم له، وواحد في صفاته، لا شبيه له، وواحد في افعاله، لا شريك له. وقال في كتاب «اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة اصحاب الجحيم» ص٤٥٩: «وقد غلط في مسمى التوحيد طوائف من أهل النظر والكلام، ومن أهل الارادة والعبادة، حتى قلبوا حقيقته في نفوسهم». وفي ص٤٦٥: «فسوى بين المؤمنين والمشركين».

ومعنى هذا ان جميع علماء الكلام مشركون" وكذلك العابدون المتعبدون لا ينفعهم ايمانهم بأن الله واحد بذاته، واحد بصفاته، واحد بافعاله.. يقول الله ورسوله: ان المسلمين هم الذين لا يستكبرون على كلمة التوحيد، ويقول ابن يتميه: كلا، انهم مشركون، وان لم يستكبروا عليها. وأراد الله والرسول ان يجمعا صفوف المسلمين بالقصد الى بيت الله الحرام، والصلاة الى قبلة واحدة، ويأبى ابن يتيمة إلا أن يشتت، ويفرق، ويفتت، وان نطقوا بالشهادة، وصلوا جميعا الى القبلة واحدة، وحجوا الى بيت واحد.

علماء الكلام الذين لا يدعون مع الله اله آخر، ولا بعد محمد نبياً آخر، علماء الكلام الذين ذبوا عن الاسلام، ودفعوا عنه الشبهات، وناضلوا أهل البدع، واحسنوا كل الاحسان في نصرة الكتاب والسنة، علماء الكلام هؤلاء مشركون عند

٦٢
ابن تيمية أمام الوهابيين، لا لشيء إلا لانهم نزهوا الله عن المثيل والشبيه والشريك.

والآن تعال معي لنقرأ رد «ابن تيمية على المتكلمين، قال في ص٦٤ من «الرسالة التدمرية»: «يريدون من هذا اللفظ ـ أي نفي المثيل والشبهة والشريك ـ نفي علو الله على عرشه، ومباينته لخلقه، وامتيازه عنهم، ونحو ذلك من المعاني المستلزمة لنفيه وتعطيله». وتوضيح كلامه هذا ان الله في واقعه لا يمتاز عن خلقه، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ولكن المتكلمين يجعلونه مبابياً وممتازاً عن الخلق، وهذا الامتياز والتباين يستلزم تعطيل الله، وبالتالي، نفيه وتعطيله من الأساس، والنفي والتعطيل جحود وشرك، فالمتكلمون، إذن، مشركون..

أرأيت الى هذا التفكير وهذا المنطق؟. كيف يستخرج الشرك من التوحيد، والكفر من الاسلام، والالحاد من الايمان؟. لقد قال علماء البيان: ان الكلام يحتمل الصدق والكذب، ولكن حيث يكون كل من الصدق والكذب ممكناً، والكلام يتحملهما معاً، أما حديث لا يمكن الا الكذب، بحيث لا يتأتى الصدق بحال، مثل الموجود معدوم، والعلم جهل، والظلم عدل، والليل نهار، والحب بغض، والامانة خيانة، أما هذا الكلام، وما اليه فهو لغو وهذيان.

وايضاً قال ابن تيمية في كتاب «نقض المنطق» ص٤٦: «او يقال هم ـ أي المتكلمون ـ لما فيهم من العلم يشبهون

٦٣
عبدالله بن أبي سرح الذي كان كاتب الوحي، فارتد، ولحق بالمشركين، فاهدر النبي دمه عام الفتح». وقال في ص٨٨: «وكذلك المتكلمون المخلطون الذين يكونون تارة مع المسلمين، وان كان مبتدعين ـ يريد بالبمتدعين من لم يقولوا بقوله ـ وتارة مع الفلاسفة الصائبين، وتارة مع الكفار المشركين».

فابوا الحسن وأتباعه من المسلمين الذين يعدون بالملايين والغزالي والنوبختي ومحمد بن كرام، والباقلاني، وواصل بن عطاء، والنظام الرازي والايجي والجرجاني، كل هؤلاء واشياعهم، ومن اليهم من اقطاب المسلمين مشركون مرتدون مبتدعون صائبون، لا شيء إلا لأنهم خالفوا ابن تيمية في رأي من آرائه، وقول من أقواله.

ان علم الكلام هو المعرفة العقلية التي يبتني عليها الدين والعقيدة الاسلامية، فاذا كانت هذه المعرفة كفر وشرك، وبدعة وضلالة فماذا يكون الدين والاسلام؟. واذا كان العلماء الكبار كالاشعري والغزالي، واضرابهما مشركون، فمن هو المسلم ـ يا ترى ـ

ولا يقتصر وينحصر تكفير ابن تيمية في العلماء، فان كلامه صريح بتكفير كل من يعظم قبر الرسول ويصلي عنده، ويقصده للزيارة، وبديهة ان المسلمين جميعاً يعظمون القبر الشريف، ويصلون عنده، ويقصدونه للزيارة، قال في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أهل الجحيم ص٤٥٧:

«قد زين الشيطان لكثير من الناس سوء عملهم، واستزلهم

٦٤
عن اخلاص الدين لربهم الى أنواع من الشرك، فيقصدون بالسفر والزيارة رضى غير رضى الله، والرغبة الى غيره، ويشدون الرحال الى قبر نبي، أو صاحب، أو صالح، او من يظنون انه كذلك». فزيارة قبر الرسول عند ابن تيمية غواية من الشيطان، وضرب من الشرك، حتى ولو قصد بها مرضاة الله وثوابه.

وقال في ص٣٣٣: «ان اللات، وهي صنم، كان هبب عبادتها تعظيم قبر رجل صالح» أي ان تعظيم قبر الرسول يستتبع جعله صنماً، تماماً كاللات والعزى.

وقال في ص٣٣٤: «اما اذا قصد الرجل الصلاة عند بعض قبور الانبياء، او بعض الصالحين متبركاً بالصلاة في تلك البقعة فهذا عين المحادة لله ورسوله، والمخالفة لدينه، وابتداع دين لم يأذن الله به» فالصلاة لله عند قبر النبي بقصد التبرك بدعة ومحادة لله والرسول، وبديهة ان المسلمين اجمعين يتبركون بالصلاة في البقعة المقدسة التي فيها الجسد الشريف.

وقال في ص٤٠١: «الاحاديث المروية في قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كقوله: من زارني، وزار ابي ابراهيم الخليل في عام ضمنت له على الله الجنة. ومن زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي. ومن حج، ولم يزرني فقد جفاني، ونحو هذه الأحاديث كلها مكذوبة موضوعة».(١)

(١) روى ابو داود، وهو احد اصحاب الصحاح الستة عن النبي انه دعا الناس لزيارة قبره والسلام عليه.
٦٥

فتعظيم قبر محمد صلى الله عليه وآله وسلم يؤدي الى الشرك، والصلاة عنده للتبريك بدعة، وأحاديث زيارته مكذوبة وموضوعة.. فهل هذا من ابن تيمية تسامح ومحبة للمسلمين، او تحقيق وتدقيق، او احتياط وتورع؟. وهل في تكفيره الفرق الاسلامية دعوة انسانية، واخوة شاملة؟. ولماذا كل هذه اللهفة والتعطش للتكفير والتفسيق أحبا بغرس الاضغان والاحقاد، واثارة الفتن والإحن؟.. ان المصلح المفكر يهتم باسعاد الانسان وتخفيف آلامه وويلاته، ويهتم ابن تيمية بتكفير الناس، ورميهم بالشرك والزندقة، حتى كأنه التكفير والتفسيق مبدأه ومنهجه فيما يكتب ويحكم.. ولا ادري الى شيء يهدف من وراء هذا التعصب والتشدد؟. هل يريد ان يوجد فئة تعظمه وتقدسه عن هذا الطريق؟. الله أعلم.

٦٦

المسلم والدولة الاسلامية

الدولة الاسلامية

يتمنى كل مسلم يقول: لا اله الا الله، محمد رسول الله ان تقوم دولة اسلامية قوية في بقعة من الارض، أية بقعة، تحكم باسم الاسلام، وتأخذ بمبادئه وتعاليمه في جميع شؤونها، غير خاضعة في شيء من تصرفاتها السياسية والثقافية والاقتصادية لأية سلطة من الخارج او الداخل.

كل مسلم عربياً كان او اعجمياً يتمنى قيام هذه الدولة ويشعر من الأعماق بالحاجة اليها.. ولو استطاع ان يخلقها خلقاً، ويدفع ثمنها من دمه وأهله لفعل، وضحى بكل عزيز، لا لغاية اقتصادية، ولا للمضاهاة والمباهاة، لا لشيء إلا لاعزاز كلمة لا إله إلا الله، محمد رسول الله.

السعودية

ورب قائل: ان هذه الدولة موجودة بالفعل، وهي السعودية التي رسمت على علمها بالخط الطويل العريض كلمة لا اله إلاّ الله محمد رسول الله، واعلنت على الملأ أن دستورها

٦٧
الوحيد هو الشريعة الاسلامية، مع ان المسلمين في شرق الأرض وغربها يتجاهلون وجودها، ولا يشعرون نحوها بشيء مما ذكرت، بل ان المسلمين كلهم او جلهم يتمنون زوالها، قال الشيخ ابو زهرة في كتاب «المذاهب الاسلامية». ان اكثر المسلمين ينفرون من الوهابية اشد النفور.

الجواب

اعتقد أن هذا القائل ـ لو وجد ـ فهو غير جاد في قوله إلا أن يكون أعمى القلب والعينين، لان العبرة بالتنفيذ، والعمل بما تمليه الشعارات، لا بالشعارات ذاتها، فكثيراً ما تأتي الشعارات للتغطية والتضليل، وكلمة لا اله الا الله عظيمة وقوية، وحية نامية، فيجب ان تستعمل فيما وضعت له، أو فيما ينسجم معها انسجاماً حقيقياً، حيث التقدم والازدهار، والعدل والحرية والمساواة، واجتناب المحرمات، لا حيث البؤس المتراكم الى جانب الفسق والفجور، وضروب الإسراف والتبذير على اسرّة الذهب والسيارات الفخمة، والسهرات الحمر مع السمراوات والشقروات.

واذا نظرنا الى المملكة السعودية فلا نجد جهة الا وفيها الضعف والهزال، والتأخر والانحطاط، فاول ما يبدو للناظر في هذه المملكة التفاوت بين الناس، وتفوق بعضهم على بعض بالمال والثراء، وتحالف الاقوياء مع الرأسمالية الأجنبية، لاحتكار الخيرات والموارد، واستغلال المستضعفين، وكبت

٦٨
الحرية، والقضاء على الديمقراطية، هذا، الى الامية المتفشية والأمراض المنتشرة، والفقر الذي بلغ الغاية، مع العلم انه قد مضى على قيام دولة الوهابية اربعون سنة، وانها تسيطر على منابع البترول، ومناجم الذهب وسائر المعادن، وعلى الارباح من الحجاج وغير الحجاج.. ولو اخذت السعودية بتعاليم الاسلام حقاً، وعملت باحكامه لما وجد في أرضها مريض ولا جاهل ولا بائس، ولعمت العدالة والحرية والرفاهية، وكانت المثل الأعلى للحضارة والتقدم، وكلنا يعلم ان الله سبحانه حين قيض للاسلام حكاماً مخلصين التزموا بتعاليمه، وساروا على هديه تغير مجرى التاريخ، وخرج العالم من ظلمة الجهل والظلم إلى نور العلم والعدل، وأعطى الإسلام بفضل القائمين عليه أصدق مثال، وأبلغ حجة على أن الدين هو المصدر الأول لخير الإنسانية وسعادتها، والعلاج الناجع لويلاتها وآلامها.

وبكلمة أن الإسلام ثورة على الجمود والانحطاط، والظلم والمحباة، والطمع والجشع، فإذا ما سادت الأوضاع الفاسدة في بقعة من الأرض، ورأى حكامها أنهم أولى الناس بالمال والجاه والسلطان تأكدنا أنه لا عين ولا أثر لمعنى الإسلام، حتى ولو تستر ساداتها ومترفوها بمظاهره وشعائره، تماماً كما هي الحال في المملكة العربية السعودية، حيث تتسرب الملايين إلى جيوب المسؤولين، والشعب غارق في جهله ومرضه وفقره، ولو كان الاسلام دين الدولة حقاً، ودستورها

٦٩
الشريعة الإسلامية حقاً لكان هذا الدين وهذه الشريعة موضوع الرعاية والتطبيق على رجال الدولة قبل غيرهم. وإذا ربح السعوديون المال والسلطان فإنهم قد خسروا ثقة المسلمين بهم في شرق الأرض وغربها، ومكانتهم الأدبية بين الامم، والنتيجة الحتمية لهذه الخسارة هي نتيجة النازية والفاشية بالذات.

الوهابية والخوارج

كان الخوارج اكثر المسلمين عبادة ومحافظة على الصلاة، حتى عرفوا بأهل الجباه السود من كثرة السجود، ومع ذلك كانوا يتورعون عن سفك الدماء، ونهب الأموال، والاخلال بالامن.. سمع الصحابي عبادة بن قرط الأذان، فقصده يريد الصلاة، واذا هو بالخوارج. فقالوا: ما جاء بك يا عدو الله؟ قال: أنتم اخوتي قالوا: انت اخو الشيطان، لنقتلنك. قال: ألا ترضون مني بما رضي به رسول الله؟ قالوا: وأي شيء رضي به منك؟. قال: اتيته، وأنا كافر، فشهدت ان لا اله الا الله، وأنه رسول الله، فخلى عني. فأخذوه فقتلوه.

وقطع الخوارج الطريق على العالم المعروف واصل بن عطاء، ورفقة معه، ولما أرادوا قتلهم لا لشيء الا لأنهم مسلمون قال لهم واصل: نحن مشركون ممن قال الله فيهم: وان أحد من المشركين استجارك فأجره. فنجوا، ولكن بعد ان اعترفوا على انفسهم بالشرك، ولو قالوا للخوارج:

٧٠
نحن مسلمون، واخوتكم في الدين لقتلوهم كما قتلوا الصحابي عبادة.

ولا يختلف الوهابية عن الخوارج في هذاالصعيد، أجل، ان الوهابية لا يكفرون بعض الصحابة ويستحلون دماءهم كما هي الحال عند الخوارج، ومهما يكن، فان الاسلام في مفهوم الوهابية ضيق جداً، بخاصة فيما يتعلق بالتوحيد، فانهم يفسرونه تفسيراً ضيقاً لا ينطبق الا عليهم وحدهم، حيث يربطون به هدم القبور، وما بني عليها من المساجد، حتى قبر النبي، وتحريم الصلاة والدعاء عندها، ويحرمون زيارة قبر النبي، والتبغ والتصوير الفوتغرافي، وما الى ذاك، اما وضع الستائر على الروضة الشريفة، وقول المسلم سيدنا محمد، وحق محمد، ويا محمد فبدعة وضلالة.. هذا هو الاسلام في مفهومهم، أما العلم وانتشار المعرفة، والقضاء على الفقر والجهل، اما عمارة الأرض، وصلاح المستضعفين فيها، والنضال في مرافق الحياة للتخلص من الضعف وآثاره، والتضامن والتعاون لايجاد وسائل العيش والهناء للجميع، أماتجنب اسباب العداء والبغضاء، وشعور الانسان اتجاه أخيه الانسان، أما هذه، وما اليها فأمر ثانوي، وشيء عرضي.

وليس من شك ان الاسلام لو وقف عند فهم الوهابية وتفكيرهم، لما تقدم خطوة الى الامام، ولما كان للمسلمين هذا التاريخ الخطير الشهير الذي ارغم الأجانب والا باعد على الاعتراف بأن رسالة محمد بن عبدالله هي ام الحضارة

٧١
الحديثة، لقد استيقظ العالم كله على مثل أعلى جديد، وثار على القيود والتقاليد، وآمن بأن الانسان لا يجوز ان يكون اداة لنجاح وسعادة انسان آخر إلا في السعودية حيث يعيش حكامها في قصور اسست على الشقاء والجهل والانحطاط.

الوهابية والحشوية

الحشوية هم فرق من المسلمين" لها منهج خاص، تخالف فيه المعتزلة والاشاعرة والامامية والمرجئة، وهذا المنهج هو حصر العلم والعرفة بظواهر الكتاب والسنة بنصهما الحرفي، حتى ولو خالفت العقل، ولم تتفق مع عظمة الله وجلاله، وتنزيهه وكماله، فالله سبحانه في عقيدة الحشوية له يدان ورجلان، وعينان واذنان، ويقف ويجلس ويمشي، ويضحك ويبكي، ويصافح ويعانق، وبكلمة ان الحشوية يرون العلم والمعرفة بالنقل والرواية، لا بالعقل والدراية، وهم اشد الناس تعصباً، فكل ما يرونه صواباً هو الصواب، ومن خالفهم رموه بالكفر والزندقة.. قال الشيخ سليمان ابن عبدالوهاب اخو محمد عبدالوهاب في كتاب الصواعق الإلهية ص٢٧ طبعة ١٣٠٦هـ: «والله ما لعباد الله من ذنب الا انهم لم يتبعوكم ـ الخطاب للوهابيين ـ على تكفير من شهدت النصوص الصحيحة باسلامه، واجمع المسلمون على اسلامه».

٧٢

والوهابية هم الفرد الاكمل، والنموذج الامثل للفئة القائلة بأن الآيات والروايات تبقى على دلالتها الحرفية، وان خالفت العقل، وما تقتضيه أصول الدين.. قال الشيخ محمد عبده في كتاب «الاسلام والنصرانية» ص٩٧ الطبعة الثامنة: «ان هذه الفئة أضيق عطناً، واحرج صدراً من المقلدين.. وانها ترى وجوب الأخذ بما يفهم من اللفظ الوارد والتقيد به بدون التفات الى ما تقتضيه الأصول التي قام عليها الدين». وعلق رشيد رضا على هذا الكلام بقوله: «يعني بهذه الفئة أهل الحديث، ومن يسمونهم بالوهابية».

وفي الفصل الآتي يجد القاريء عرضا مفصلاً لعقيدة الوهابية، كما هي في الكتب المعتبرة عندهم، ومنه يعلم جمودهم على الظاهر، وقد اعتبروا التأويل كفراً، لأنه يفضي الى تكذيب الله ورسوله،

٧٣

عقيدة الوهابية

قلنا: ان الوهابية حشوية او اشبه بالحشوية الذين يتمسكون بحرفية الالفاظ، وان قام الف دليل من العقل على المجاز والتأويل، وانهم يضيقون معنى الاسلام، ويتوسعون في مفهوم الشرك، بحيث لا يصدق التوحيد الا عليهم، واليك الدليل.

التوحيد والشرك

يرى الوهابيون ان جميع المسلمين ـ غيرهم ـ قد فسروا التوحيد تفسيرا خاطئاً، وفهموه فهماً لا ينطبق على الواقع، ولا يخرجه عن حقيقة الشرك، وعملوا بما فهموا.. اذن، جميع المسلمين مشركون، من حيث لا يريدون ولا يشعرون.

فالانسان عندهم لا يصير موحداً بمجرد ان يشهد ويعتقد بلا إله الا الله محمد رسول الله «وبان الله هو الخالق الرازق وحده، لا شريك له، وانه لا يرزق الا هو، ولا يدبر الأمر إلا هو، وبان جميع السموات والارض، ومن فيهن، والارضين السبع، ومن فيها، كلهم عبيد، وتحت تصرفه.. كل ذلك لايفيد، ولا يجعل الانسان موحداً ولا مسلماً..

٧٤
وكما لا تنفع كلمة الشهادة كذلك لا تنفع كثرة العبادة، ولا الايمان بأن محمداً لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرراً، ولا قول الانسان: انا مذنب، والانبياء لهم جاه عند الله، واتوسل بهم اليه تعالى، كي يعفو ويصفح»(١)

كل ذلك، وغير ذلك لا يجعل الانسان موحداً ولا مسلماً إلا ان يترك أموراً معينة.

«ومنها»: ان لا يتوسل الى الله بأحد انبياءه واوليائه، فان فعل، وقال ـ مثلاً ـ: يا الله أتوسل اليك بنبيك محمد ان ترحمني فقد سلك مسلك المشركين، واعتقد ما اعتقدوا. (تظهير الاعتقاد ص٣٦ الطبعة الاولى، والرسائل العملية التسع ص٤٥ وما بعدها طبعة ١٩٥٧).

«ومنها»: ان لا يقصد قبر النبي للزيارة، ويشد اليه الرحال، وان لا يتمسح به، ولا يمسه، ولا يدعو الله ويصلى لله عنده، ولا يقيم عليه بناء ولا مسجداً، ولا ينذر له. (تطهير الاعتقاد ص٣٠ و٤١، ونقض المنطق لابن تيمية ص١٥ طبعة ١٩٥١، وفتح المجيد ص٢٣٩ طبعة ١٩٥٧، واقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أهل الجحيم لابن تيمية ص٣٦٨ طبعة ١٩٥٠). وفي صفحة ٤٠٤ من هذا

(١) رسالة التوحيد، ورسالة هذه اربع قواعد، ورسالة كشف الشبهات لمحمد عبدالوهاب، وفتح المجيد لحفيده، وتطهير الاعتقاد من ادران الالحاد للصنعاني وهو من اصح الكتب واوثقها عند الوهابية، وغير هذه الرسائل والمؤلفات من كتبهم المعتبرة.
٧٥
الكتاب «وان كان المصلي لا يصلي الا لله، ولا يدعو الا الله» فانه مشرك. «ومنها»: ان لا يطلب الشفاعة من النبي، لان الله، وان اعطاها لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وغيره من الانبياء، ولكنه نهى عن طلبها منهم(١) ومن طلب الشفاعة من محمد كان كمن طلبها من الأصنام سواء بسواء. (الرسائل العملية التسع ص١١٠، و١١٤). أرأيت الى هذا المنطق من يعظم الرسول لقربه من الله سبحانه كافر مشرك، ومن يساويه بالاصنام التي حطمها الرسول مؤمن موحد؟.

«ومنها»: ان لا يحلف بالنبي، ولا يناديه، ولا ينعته بسيدنا، كأن يقول: بحق محمد، ويا محمد، وسيدنامحمد، بل الحلف بالنبي وغيره من المخلوقات هو الشرك الاكبر الموجب للخلود بالنار، قال حفيد محمد عبدالوهاب في فتح المجيد شرح كتاب التوحيد ص٤١٤ طبعة ١٩٥٧: «قال ابن مسعود: «لان احلف بالله كاذباً احب إليّ من ان احلف بغيره صادقاً» لان الحلف بالله كاذباً كبيرة من الكبائر، ولكن الشرك ـ أي الحلف بغير الله ـ اكبر من الكبائر(٢) .

(١) يجوز للمسلم ان يقول يا الله شفع في محمدا، ولا يجوز ان يقول: يا محمد اشفع لي عند الله. (من منشور نشره الملك عبدالعزيز سنة ١٩٤٣).

(٢) لم يجزوا الحلف بغير الله، ومع ذلك قالوا: لو حلف الرجل بطلاق زوجته صح، وتطلق الزوجة.. اللهم الا ان يقال: ان النهي في غير العبادة لا يدل على الفساد.

٧٦
فاذا كان هذا حال الشرك الاصغر فكيف بالشرك الاكبر الموجب للخلود بالنار».

قال السيد الأمين في كتاب «كشف الارتياب» ص١٢٧ الطبعة الثانية: «جاء في خلاصة الكلام صفحة ٢٣٠: كان محمد عبدالوهاب يقول عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: انه طارش، وان بعض اتباع هذا الشيخ كان يقول: عصاي هذه خير من محمد، لانه ينتفع بها في قتل الحية، ومحمد قد مات، ولم يبق فيه نفع، وإنما هو طارش ومضى».

هذا هو الكلام الذي يهتز منه العرشن وتتفطر السموات، وتنشق الأرض، وتخر الجبال هداً.. واذا كانت العصا خيراً من محمد صلى الله عليه وآله وسلم فلماذا يجب حبه وطاعته، والايمان به؟. ولماذا نكرر الصلوات والتحيات عليه في الصلوات الخمس، ويقرن اسمه باسم الله على المأذن والمنابر، ويحتج بقوله في كل علم وفن؟. وبالتالي، فأي معنى لقوله جل وعز: (لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة واصيلا ان الذين يبايعونك انما يبايعون الله يد الله فوق ايديهم فمن نكث فانما ينكث على نفسه ومن اوفى بما عاهد الله عليه فسيؤتيه اجراً عظيماً ـ الفتح ١٠)(١) .

وايضاً أي معنى لقوله تعالى: (ان الله وملائكته يصلون

(١) تعزروا النبي أي تنصرونه، وتوقرونه أي تعظمونه، وتسبحوه بكرة واصيلا أي تذكرونه في تسبيحكم وصلواتكم بالتحيات.
٧٧
على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه) .

«ومنها»: ان لا يتطير ولا يتشاءم. (فتح المجيد ص٣٠٥ وما بعدها.

«ومنها»: ان لا يعمل عملاً للدنيا كالمدح والثناء. (فتح المجيد ص٣٧٢ وما بعدها).

ان ترك هذه الأمور، وما اليها يتصل اتصالاً وثيقاً بمفهوم التوحيد، ومن فعلها فهل مشرك يحل دمه وماله وذراريه، سواء أفعلها عن علم بتحريمها، او جهلاً واشتباهاً، لأن فعلها يفضي الى تكذيب الرسول، وان لم يتعمد الفاعل منكراً. (الرسائل العملية التسع ص٧٩). وليس من شك انك قد لاحظت ايها القارىء انهم عدوا عدم زيارة النبي وطلب الشفاعة منه شرطاً في التوحيد، ولم يعدوا قتل النفس المحترمه ولا الزنا ولا أكتناز الذهب من منافيات التوحيد والايمان.

وبعد، فان ما ذكرناه من الشواهد والارقام يعطي الصورة الوافية للفهم الوهابي للتوحيد والاسلام، والنزعة المتعصبة ضد الانسانية، وضد رسالة محمد التي تنظر الى البشرية نظرة حب ورحمة تتسع للقريب والبعيد في كل عصر وجيل.

الوهابية او السيف

ان المبدأ الاول للوهابية، وشعارهم الوحيد: «اما

٧٨
كتاب هذه هي الوهّابيّة لـ محمد جواد مغنية (ص ٧٩ - ص ١١٧)
٧٩
يملك لنفسه نفعاً ولا ضرراً، ولكن الصالحين لهم جاه عند الله، وأنا اطلب من الله بهم، فجاوبه ان الذين قاتلهم رسول الله مقرون بما ذكرت، ومقرون بأن اوثانهم لا تدبر شيئاً، وإنما أرادوا الجاه والشفاعة». أي ان من يطلب الشفاعة من محمد تماماً كمن يطلبها من الاوثان سواء بسواء.. هذا هو التحقيق الدقيق، والايمان العميق..

وايضاً قال محمد عبدالوهاب مؤسس المذهب في ص١١٧ و١١٨: «واذا قالوا: نحن نشهد ان لا اله الا الله، وان محمد رسول الله، ونصدق القرآن، ونؤمن بالبعث، ونصلي ونصوم، فكيف تجعلوننا مثل اولئك؟. فالجواب ان الرجل اذا صدّق رسول الله في شيء، وكذبه في شيء فهو كافر لم يدخل في الاسلام».

وهكذا يدخل هذا الشيخ في كفره من يشاء، ويخرج من الاسلام من يشاء، حتى كأن الله سبحانه قد جعل في يده ايمان العباد وعقيدتهم، لا في قلوبهم وعقولهم.. ولا ادري ماذا أراد بقوله: اذا صدق الرجل محمداً في شيء، وكذبه في شيء فهو كافر.. لان من صدّق رسالة محمد يصدقه في كل شيء، لا في شيء دون شيء.. وقد ادرك هذه الحقيقة مشركو قريش حين كتب النبي في صلح الحديبية: «هذا ما صالح عليه محمد رسول الله» فقال له المشركون: لئن كنت رسول الله، ثم قاتلناك، فقد ظلمناك، ادرك هذه الحقيقة المشركون، ولم يدركها محمد عبدالوهاب.. لماذا؟

٨٠