×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الوهّابيّون والبيوت المرفوعة / الصفحات: ٢١ - ٤٠

أنّها مختصّة بالكفّار ; جمعاً بينها وبين الادّلة.

فإنّها بين ما سيقت لذلك، ولدفع توهّم الاستقلال بالشفاعة، مع بيان عظمة الله وكبريائه، وأنّه لا يُدانيه أحد ليقدر على تغيير ما يريده شفاعة وضراعة ; فضلاً عن أن يدافعه عناداً أو مناصبة.

كما في قوله تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإذْنِهِ).

فالاية مُثبتة للشفاعة، و نظيرها الايات السابقة التي استدلّ بها المتكلّف.

وتؤكّدها الاستثناءات الكاشفة عن ثبوتها.

قال الرازي في قوله تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ): استفهام معناه الانكار والنفي، أي لا يشفع عنده أحد إلاّ بأمره، وذلك أنّ المشركين كانوا يزعمون أنّ الاصنام تشفع لهم، وقد أخبر الله عنهم: أنّهم يقولون: هؤلاء شفعاؤنا، ما نعبدهم إلاّ ليقرّبونا إلى الله زُلفى.

فأخبر الله أنّه لا شفاعة عنده لاحد إلاّ من استثناه الله بقوله: (إلاّ بإذنه).

ونظيره قوله في سورة النبأ: (يَوْمَ يُقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلاَئِكَةُ صَفّاً لاَ يَتَكَلَّمُونَ إلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقَالَ صَوَاباً) إنتهى.

وفي سورة النجم: (وَكَمْ مِنْ مَلَك فِي السَّمَواتِ لاَتُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ إلاّ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى).

وبين ما نزلت ردّاً للمشركين من عَبَدة الاصنام، ورغماً عمّا كانوا يزعمونه من الشفاعة لالهتهم.

كما في سورة بني إسرائيل (الاسراء): (قلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرّ عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً).

وكما في سورة سبأ في قوله تعالى: (قُلِ ادْعُو الذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لاَ

٢١
يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّة) إلى قوله: (وَلاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إلاَّ).

وَكَما في قوله تعالى في سورة الزمر: (أَم اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَ لَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ * قُلْ للهِِ الشَّفَاعَةُ).

والعجب من المتكلّف حيث أعجبه التمسّك بهذه الاية في منع الاستشفاعات في غير موضع من كتابه.

وهي كما ترى، والمغالطة في إسقاطهم لصدر الاية كما عرفت.

ومثلها ما في سورة يونس: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَالاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ).

وفي سورة الروم: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الُْمجْرِمُونَ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ).

وفي سورة الاعراف: (يَوْمَ يَأتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا).

وفي سورة الكهف: (وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً).

وفي سورة الانعام (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلاَئِكَةِ بَاسِطُوا أَيدِيهُمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمْ..) إلى قوله: (وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ شُرَكَاء) إلى غيرها فانها صريحة وافية للمقام.

وبين ما سيقت للردّ على مقالة اليهود ; حيث قالوا: نحن أبناء الانبياء، وآباؤنا يشفعون لنا.

فأجابهم الله بقوله تعالى في سورة البقرة: (وَاتَّقُوا يَوْماً لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْس شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ).

وقال تعالى في هذه السورة: (وَاتَّقُوا يَوْماً لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْس شَيْئاً وَلاَ

٢٢
يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ).

قال المفسّرون: إنّ حكم هذه الايات مختصّ باليهود ; حيث قالوا: نحن أبناء الانبياء وآباؤنا يشفعون لنا، فآيسهم الله من ذلك، فخرج الكلام مخرج العموم، والمراد به الخصوص.

أقول: وهب أنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوصيّة السبب، إلاّ أنّ تخصيص مثل هذا العامّ بمثل هذا السبب المخصوص، ممّا يكفي فيه أدنى دليل ; وكيف بالدلائل القطعيّة القائمة للشفاعة؟! فيخصّص بها قطعاً.

فسقط الاستدلال بالنكرة في سياق النفي تارة.

وبعدم الانتصار اُخرى.

وبعدم إجزاء نفس عن نفس ثالثة.

وهكذا الكلام في نظائرها.

وبين ما سيقت لبيان شدّة الموقف وأهواله، وأنّه ـ يومئذ ـ لا ينفع الكفّار بيعهم وخلّتهم وشفاعتهم ـ بعضهم ـ في دفع العذاب عن خليله أو مولاه:

مثل ما في سورة الدخان قوله تعالى: (يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلىً عَنْ مَوْلىً شَيْئاً إِلاَّ مَنْ رَحِمَ اللهُ).

وقوله في سورة البقرة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِن قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ).

قال الرازي: لما قال: (وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ) أوهم ذلك ـ أي ألخُلّة والشفاعة مطلقاً ـ فذكر تعالى عقيبه: (والْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) ليدلّ على أنّ ذلك النفي مختصّ بالكافرين، وعلى هذا التقدير تكون الاية دالّة على إثبات الشفاعة في حقّ الفسّاق.

وبين ما لبيان أنّ الشفاعة الثابتة مختصّة بالمرضيّين:

٢٣
كقوله تعالى في سورة طه (يَوْمَئِذ لاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً).

وقوله تعالى: (وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى) أي لمن ارتضى الله دينه، وسيأتي بيانه.

أو لبيان أنّ المجرمين غير قادرين على الشفاعة إذ لا يملكونها:

كما في سورة مريم قوله تعالى: (وَنَسُوقُ الُْمجْرِمِينَ إلَى جَهَنَّمَ وِرْداً * لاَ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ) ألا تنظر إلى قوله بعده: (إلاَّ مَنْ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً) إلى غير ذلك.

٢٤
٢٥

المقام الثاني
[ثبوت الشفاعة في العقيدة الاسلاميّة]

اعلم: أنّ الشفاعة أن يستوهب أحد لاحد شيئاً، ويطلب له حاجة، وأصلها من الشفع الذي هو ضدّ الوتر، كأنّ صاحب الحاجة كان فرداً، فصار الشفيع له شفعاً، أي صارا زوجاً.

وقد أجمع المسلمون كافّة على ثبوت الشفاعة، خلافاً للخوارج وبعض المعتزلة، حيث خصّوها بزيادة المنافع للمؤمنين ورفع درجات المثوبين والمستحقّين.

مع ضرورة حكم العقل بحسن العفو عن الكبائر وصريح الُمحْكمات من الكتاب والسُّنّة، كما سيجيء ذكرها.

مع ما عرفت من الجواب عمّا تمسّك به المانع المتكلّف من المتشابهات.

٢٦

[الاجماع على الشفاعة]

ولو لم يقم الاجماع على ثبوتها بهذا المعنى، وكانت الشفاعة بحيث يصحّ إطلاقها على مجرّد طلب الزيادة، لكنّا شافعين للرسول بقولنا: «اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد».

ضرورة أنّا لم نطلب له(صلى الله عليه وآله وسلم)إلاّ الزيادة في فضله.

وحيث بطل هذا القسم تعيّن الثاني.

لا يقال: إنّ ذلك إنّما كان لوضوح علوّ رتبة الشفيع على المشفوع له وانحطاطهم عنه، وإنّ غرض السائل من الصلوات هو التقرّب بذلك إلى المسؤول ; وإن لم يستحقّ المسؤول له بذلك السؤال منفعة زائدة.

فإنّا نقول: إنّ الرتبة غير معتبرة في الشفاعة، ويدّل عليه لفظ الشفيع المشتقّ من الشفع.

على أنّا، وإن قطعنا أنّ الله يكرّم رسوله ويعظّمه ; سواء سألت الاُمّة ذلك أو لم تسأله، ولكنّا لم نقطع بأنّه لا يجوز أن يزيد في إكرامه بسبب سؤال الاُمّة ; على وجه لولا سؤالهم لما حصلت الزيادة، ومع جواز هذا الاحتمال وجب أن يبقى جواز كوننا شافعين للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).

قال العلامة القوشجي: اتّفق المسلمون في ثبوت الشفاعة ; لقوله تعالى: (عَسَى رَبُّك أَنْ يَبْعَثَكَ مَقَاماً مَحْمُوداً)، وفُسّر بالشفاعة.

قال: ثمّ اختلفوا: فذهب المعتزلة إلى أنّها زيادة المنافع للمؤمنين المستحقّين للثواب.

وأبطله المصّنف: بأنّ الشفاعة لو كانت كذلك لكُنّا شافعين للنبيّ ; لانّا نطلب زيادة المنافع له.

٢٧
والتالي باطل ; لانّ الشفيع أعلى رتبة من المشفوع له. انتهى.

وقال العلاّمة في «البحار» في ما حكاه عن النَوَويّ في «شرح صحيح مسلم»(١): إنّه قال: قال القاضي عياض: مذهب أهل السُّنّة جواز الشفاعة عقلاً.

ووجوبها سمعاً بصريح الايات وبخبر الصادق(عليه السلام)، وجاءت الاثار التي بلغت بمجموعها التواتر بصحّة الشفاعة لمذنبي المؤمنين، وأجمع السلف ومن بعدهم من أهل السُّنّة عليها.

ومنعت الخوارج وبعض المعتزلة منها، وتعلّقوا بمذاهبهم في تخليد المذنبين في النار، واحتجّوا بقوله تعالى: (فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ) وأمثاله، وهي في الكفّار.

وأمّا تأويلهم أحاديث الشفاعة وغيرها فهي صريحة في بطلان مذهبهم وإخراج من استوجب النار. انتهى.

[العقل يدل على صحّة الشفاعة]

وأمّا العقل فقد قالت الفلاسفة في هذا المقام: إنّ واجب الوجود عامّ الفيض تامّ الجود، فحيث لا تحصل الشفاعة فإنّما هو لعدم كون القابل مستعدّاً، ومن الجائز أن لا يكون مستعداً لقبول ذلك الفيض من شىء قبله عن واجب الوجود، فيكون ذلك الشيء كالمتوسّط بين واجب الوجود وبين ذلك الشيء الاوّل.

ومثاله في المحسوس أنّ الشمس لا تضيء إلاّ للقابل المقابل، وسقف البيت لما لم

(١) شرح صحيح مسلم، للنووي ٣/٣٥ باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحّدين من النار.
٢٨
يكن مقابلاً لجِرْم الشمس، فلا جَرَمَ لم يكن فيه استعداد لقبول النور عن الشمس، إلاّ أنّه إذا وضع طشت مملوّ من الماء الصافي، ووقع عليه ضوء الشمس، انعكس ذلك الضوء من ذلك الماء إلى السقف، فيكون ذلك الماء الصافي متوسّطاً في وصول النور من قُرص الشمس إلى السقف الذي غير مقابل للشمس.

وأرواح الانبياء والاوصياء والصالحين، كالوسائط بين واجب الوجود وبين الخلق.

والتحقيق: أنّ المعصية ليست بما هي علّة للتعذيب والخلود، وإنّما هي المقتضي له لولا المانع ; من الاستشفاعات المنصوبة من الله الرؤوف المالك للشفاعة.

كما يشهد به الكتاب والسُّنّة وبداهة حكم العقل مع قرينة شدّة الرأفة والرحمة منه تعالى.

ولذلك فرّق الشارع بين نيّة الحسنة ونيّة السيّئة في الاستحقاق وعدمه، مع أنّهما في الاقتضاء سواء ; سبقت رحمته غضبه.

فقد ظهر: أنّ الحديثين إنّما سيقا لبيان الاقتضاء:

أمّا الاوّل: فبدليل قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) في النبوي: (لو لم ترسلوا عليها ناراً فتحرقوها).

أمّا الثاني: فبضرورة ما في السباق من احتمال العثرات، وصريح ما ورد في الحَبْط من الايات والعمومات، النافية لاستحقاق العقوبة على نيّة السيّئات، وأنّها لا تكتب مالم يتلبّس بها.

وبالجملة: فلو لم تكن المعاصي مقتضيات لما كان النادم عليها ماحياً لها تائباً عنها، كما صحّ: أنّ (التائب من الذنب كمن لا ذنب له).

وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): (من سرّته حسنته وسأته سيّئته فهو مؤمن).

٢٩
وذلك لوضوح أنّ من ساءته سيّئة، فهو النادم منها التائب عنها الماحي لها، ومعه فلا غَرْوَ ولا عجب أن يجعل الله الامر بالمودّة والتمسّك والتوسّل بذوي القربى من أهل بيت رسوله، مانعاً لتأثير المعصية، شافعاً فيها، توبة عنها، ماحياً لها، وإن رغم الراغمون، وخسر هنالك المبطلون.

[تذبذب بين المعتزلة والاشعرية]

وليت شعري، ولا يكاد ينقضي تعجبي، من هؤلاء الاخوان، وما أدري أنّهم - في إنكارهم للشفاعة - أشعريّة أم معتزلة، وبأيّهما اقتدوا ؟ وبأيّ ديانة دانوا فتديّنوا ؟

فإن كانوا في الاُصول أشعرية فقد عرفت أنّ مذهبهم على ثبوتها وإثباتها.

وإلاّ فيرد عليهم ما يرد على المعتزلة من المناقضة لاصلهم، فإنّ من قال بقاعدة التقبيح والتحسين، فقد التزم في المسألة موافقة الاشعريّين، فظهر أنّهم دانوا بالشفاعة من حيث لا يشعرون.

[الايات الدالة على ثبوت الشفاعة]

وأمّا الايات: فقد قال الله تعالى في سورة الاسراء: (عَسى رَبُّكَ أن يَبْعَثَكَ مَقاماً مَحْمُوداً).

وقال في سورة الضحى: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى).

وقال في سورة المؤمن: (ألَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤمِنونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْء رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الجَحِمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْن الَّتِي

٣٠
وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَآئِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهمْ إنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

وقال تعالى في سورة يوسف حاكياً مقالة الاسباط: (قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا) إلى قوله: (سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ).

وقال تعالى في سورة النساء: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُم جَاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوّاباً رَحِيماً).

وقال تعالى في حكايته عن عيسى(عليه السلام): (إنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).

وقال تعالى حكاية عن إبراهيم: (فَمَنْ تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).

فقد دلّت الايات كغيرها على ثبوت الشفاعة لنبيّنا خاصّة وللملائكة والنبيّين والاولياء والصالحين عامّة وشفاعة القرآن أيضاً.

حيث لا يجوز حمل هذه الايات على الكافر، فإنّه ليس أهلاً للمغفرة بالاجماع.

ولا يجوز حملها على صاحب الصغيرة.

ولا على صاحب الكبيرة بعد التوبة ; لانّ غفرانه لهم واجب عقلاً عند الخصم، فلا حاجة له إلى الشفاعة.

فلم يبقَ حملها إلاّ على صاحب الكبيرة قبل التوبة.

[الروايات الدالة على ثبوت الشفاعة]

ويؤيّد ذلك: ما رواه الرازي عن البيهقي: (أن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا تلا هاتين الايتين رفع يديه، وقال: إلهي أُمّتي أُمّتي، وبكى، فقال الله: يا جبرائيل اذهب إلى محمّد ـ وربّك أعلم ـ فَسَلْهُ ما يبكيك؟ فأتاه جبرائيل، وسأله فأخبره

٣١
رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بما قال، فقال الله: يا جبرائيل اذهب إلى محمد وقل له: إنّا سنُرضيك في أُمّتك)(١).

وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) في الصحيح: (ادّخرتُ شفاعتي لاهل الكبائر من أُمّتي) (٢).

وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): (واُعطيت الشفاعة) رواه البخاري(٣).

وصحّ أيضاً عنه فيما أخرجه بإسناده عن عمران بن حصين، قال: (يخرج من النار بشفاعة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)فيدخلون الجنّة، ويسمّون الجهنّمّيين)(٤) إلى غير ذلك.

وقال الرازي في قوله تعالى: (وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ) إجلالاً له حيث أكرمه بوحيه، وجعله سفيراً بينه وبين خلقه، ومن كان كذلك فإنّ الله لا يردّ شفاعته، فكانت الفائدة في العدول عن لفظ الخطاب إلى الغيبة ما ذكرناه(٥).

(١) التفسير الكبير للرازي.

(٢) مجمع الزوائد ٧/٥، مسند أحمد ٢/٣١٣ و ٣/٢٠ بلفظ أخّرت، ولاحظ سنن ابن ماجة ٢/١٤٤١، والترمذي ٤/٤٥، والحاكم في المستدرك ١/٦٩ و ٢/٣٨٢.

(٣) صحيح البخاري ١/١١٣ و ٢١١، وصحيح مسلم ٢/٦٣، وسنن النسائي ١/٢١١، والدارمي ١/٣٢٣، ومسند أحمد ٤/٤٣٤.

(٤) صحيح البخاري ٧/٢٠٢ و ٢٠٣ الرقاق، وصحيح مسلم ١/١٢٣ الايمان، والترمذي ٤/١١٤، وسنن ابن ماجة ٢/١٤٤٣ الزهد، ومسند أحمد ٤/٤٣٤، وراجع مجمع الزوائد للهيثمي ١٠/٣٧٩، وكنز العمال ١٤/٤٠٨ و ٥٠٦ و ٥١٣ و ٥٤١.

(٥) التفسير الكبير للفخر الرازي.

٣٢
أقول: ومثلها في الدلالة قوله: (الذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ) فإنّ هذه الاية نصّ صريح في المدّعى، ولا سيّما بقرينة ذكر الاستغفار الملازم لاسقاط العقاب وذكر (الذين آمنوا) و(الذين تابوا) إلى غير ذلك.

والمناقشة فيها: بأنّ قيد التوبة واتّباع السبيل مما هي قرينة على ثبوت الشفاعة بالمعنى الخاصّ وصرفها عن عموم الدعوى لانّ التائب والمتّبِع للسبيل لا يفتقران إلى الشفاعة بالمعنى العامّ.

مدفوعة: بالنقض بقيد المغفرة الظاهرة في معنى الحطّ والستر للذنب، وحلاًّ: بأنّ القيدين هنا من باب ذكر بعض أفراد العامّ وأقسامه، فلا يُخصّص العامّ بها، وهذا ثابت في علم أُصول الفقه.

ثم يدلّ أيضاً على ثبوت الشفاعة للملائكة قوله تعالى في صفتهم في سورة الانبياء: (وَلاَ يَشْفَعُونَ إلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى).

ووجه الاستدلال: أنّ صاحب الكبيرة هو المرتضى عند الله بحسب إيمانه وتوحيده، وكلّ من صدق عليه أنّه المرتضى عند الله بهذا الوصف وجب أن يكون من أهل الشفاعة، فإنّ الاستثناء من النفي إثبات.

وإذا ثبت أنّ صاحب الكبيرة داخل في شفاعة الملائكة، وجب دخوله في شفاعة الانبياء وشفاعة نبيّنا محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)بعدم القول بالفصل.

(لا يقال:) إنّ صاحب الكبيرة فاسق، والفاسق ليس بمرتضىً بحسب فسقه وعصيانه.

لانا نقول: قد تبيّن في العلوم المنطقية أنّ المهملتين لا تتناقضان، فالمرتضى بحسب إيمانه لا ينافيه عدمه بحسب فسقه.

وقال الرازي: اعلم أنّ هذه الاية أقوى الدلائل لنا في إثبات الشفاعة لاهل الكبائر.

٣٣
كتاب الوهّابيّون والبيوت المرفوعة للشيخ الهمداني السنقري (ص ٣٤ - ص ٥٨)
٣٤
بالادخال.

ثمّ قال في الجواب عن شبهة هؤلاء: والادخال لا يستدعي حصول الموعود بلا توسّط شفاعة واستغفار، وعليه مبنى من قال: إنّ فائدة الاستغفار زيادة الكرامة والثواب، والاوّل هو الاولى، لانّ الدعاء بالادخال فيه صريح، وفي الثاني ضمنيّ، انتهى كلامه.

وعن بشر بن ذريح البصري، عن محمّد بن عليّ(عليهما السلام) في قوله تعالى: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) قال: قال: (الشفاعة، والله الشفاعة، والله الشفاعة).

وقال الرازي في هذه الاية: يعني به الشفاعة تعظيماً لنبيّه.

قال: عن عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) وابن عبّاس: إنّ هذا لهو الشفاعة في الاية.

يروى أنّه لما نزلت الاية قال(صلى الله عليه وآله وسلم): (إذن لا أرضى وواحد من أُمّتي في النار).

ثمّ قال: واعلم أنّ الحمل على الشفاعة متعيّن، ويدلّ عليهوجوه ذكرها هناك(١).

وفي «النهاية» لابن الاثير قال في ترجمة «وحا» من في حديث أنس: (شفاعتي لاهل الكبائر من أمّتي حتّى حكم وحاء)(٢). قال: وهما قبيلتان جافيتان من وراء رمل يَبْرِيْنَ، ومثله قال في ترجمة «حَكَم».

وفي مرفوعة جابر عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث له أنّه قال: (أنا سيّد ولد آدم ولا فخر،

(١) التفسير الكبير للرازي.

(٢) انظر كنز العمال ١٤/٤١٢.

٣٥
وفي ظلال الرحمن يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه ولا فخر، ما بال قوم يزعمون أنّ رحمي لا ينفع، بل حتّى يبلغ حانكم أنّي لاشفع فأُشفّع) الخبر إلى قوله: (حتّى إنّ إبليس ليتطاوَل طمعاً في الشفاعة)(١).

وعن عبدالله بن عبّاس عن النبيّ أنّه قال: ما من رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً، إلاّ شفّعهم الله فيه(٢).

إلى غير ذلك من الايات والروايات في إثبات عموم الشفاعة بما ورد من أعيان علماء السُّنّة والجماعة ومفسّريهم، مالا يحتمله هذا المختصر، فليراجع المطوّلات.

[تمويه في إنكار الشفاعة]

وبعدما أسلفناه وما سيأتي في معنى الاستشفاع بالاولياء، فلا يُصغى إلى شىء ممّا تكلّف به محمد بن عبد الوهّاب في رسالته من التمويه والمغالطة تبعاً لامامَيْهِ ابن القيّم وابن تيميّة بقوله:

فإن قال: إنّ النبيّ أُعطي الشفاعة وأطلبه مما أعطاه الله.

فالجواب: إنّ الله أعطاه الشفاعة، ونهاك عن هذا ; يعني به الشرك، وقال (فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً).

إن كنت تدعو الله أن يشفّعه فيك فأطعه في قوله: (فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً).

(١) مجمع الزوائد ١٠/٣٧٦ و ٣٨٠ عن الطبراني في الاوسط.

(٢) مسلم ٣/٥٣، والترمذي ٢/٢٤٧، وابن ماجة ١/٤٧٧، والنسائي ٤/٧٥، مسند أحمد ٣/٦٦ كلهم في الجنائز، وانظر كنز العمال ١٥/٥٨١، ومجمع الزوائد ٥/٢٩٢.

٣٦
وأيضاً فإنّ الشفاعة أعطاها غير النبيّ، فصحّ أنّ الملائكة يشفعون، والاولياء يشفعون، والافراط يشفعون أتقول: إنّ الله أعطاهم الشفاعة فأطلبها منهم؟! فإن قلت هذا، رجعت إلى عبادة الصالحين.

أقول: إعلم أنّ موضع المغالطة من كلامه، هو أنّه زعم أنّ الشفاعة هي شفع الغير مع الله في المسألة والدعوة لقضاء الحوائج.

ولم يَدْرِ المسكين أنّ الشفاعة ـ كما مرّ تعريفها في صدر المقام ـ هو شفع الغير وضمّه مع المستشفع للذهاب إلى الله وتوجّههما معاً إليه سبحانه، ودعاؤنا الشفيع دعوته لذلك، لا ما توهّمه المغالط.

[ليست الشفاعة بشرك]

وبعدما ثبتت الشفاعة إجمالاً وتفصيلاً، كتاباً وسنةً، إجماعاً وعقلاً، حيّاً كان الشفيع أو ميّتاً، فقد علم بالضرورة من الشريعة:

أنّها ليست بشرك.

وأنّ الاستشفاعات والتوسّلات لا تنافي شيئاً من التوحيد ولا الاخلاص.

وأنّ دعاء الصالحين والالتماس منهم إنّما هو لكي يدعو الله للعباد بالرحمة والمغفرة، فليس من الدعاء المنهيّ عنه.

وإنّما الدعاء المنهيّ عنه في قوله تعالى: (فَلاَ تَدْعوا مَعَ اللهِ أَحَداً) هو أنّ العبد يقرن الصالحين بالله في دعائه، ويسألهما معاً في عرض واحد، وذلك بقرينة لفظ «مع»، وكما هو معنى الشرك والتشريك في العبادة، فإنّ الاشراك هنا وضع المعبوديّة في غير الله.

٣٧
كما في قوله: (يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ).

وقوله تعالى عن إبليس: (إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ).

قال الرازي: أي بإشراككم إيّاي مع الله في الطاعة.

وقوله تعالى عن موسى: (وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي).

بجعله شريكاً له معه في النبوّة.

وأمّا إذا لم يكن سؤاله حقيقة إلاّ من الله، ولم يكن له النظر مستقلاًّ إلاّ إليه تعالى دون غيره، فيدعو الله ويسأله بوجه نبيّه، فهذا ليس من الشرك في شىء.

يفصح منه لفظ الشرك المشتقّ من مادّة الاشراك بجعل الشريكين على نمط واحد.

فلو سأل العبد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يغفر له ذنبه، أو سأل النبيّ مع الله بقوله: يا ألله ويا نبيّ الله اغفرا لي ذنبي، كان ذلك شركاً منه.

وأمّا لو سأله أن يسأل الله غفران ذنبه، فهذا من غفران الذنب الموعود من الله بالشفاعة، والسؤال منه تعالى، لا من النبيّ.

وإنّما المسؤول من النبيّ التماس دعائه من الله تعالى ليسأله بوجهه.

[صور من الادعية المأثورة]

وهذه دعواتنا المأثورة عن الائمّة(عليهم السلام)، حيث نقول:

(اللّهمّ إن كانت الذنوب والخطايا قد أخلقت وجهي، فإنّي أسألك بوجه حبيبك محمّد).

وفي الدعاء عند النوافل الليليّة:

(اللّهمّ إنّي أتوجّه إليك بنبيّك نبيّ الرحمة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأُقدّمهم بين يدي حوائجي في الدنيا والاخرة، فاجعلني بهم عندك وجيهاً في الدنيا والاخرة ومن

٣٨
المقرّبين.

أللّهمّ ارحمني بهم، ولا تعذبّني بهم...) الدعاء.

فليس المراد بالاستغاثات والتوسّلات إلاّ طلب الدعاء من المستغاث، كما في قوله عزّوجلّ في القدسيّات: (يا موسى ادعُني بلسان لم تعصِني به، فقال: يا ربّ وأين ذلك؟ فقال: بلسان الغير).

وأيضاً، فإنّ بني إسرائيل قد دعوا الله بلسان نبيّهم في مواضع من القرآن ; حيث حكى الله عنهم في قوله تعالى: (لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعَام وَاحِد فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ)الايات.

فأنِصفْ وراجع.

أين هذا من دعاء الغير أو شركة الغير مع الله في الدعاء؟!

سُبحانك إنْ هذا إلاّ بهتان عظيم.

وكيف كان، فقد عرفت أنّ الايات والروايات لاتدلّ على النهي بشيء من ذلك كلّه، بل الايات على خلافه كما عرفت.

[الاستشفاع بالاموات]

ثمّ، ومن أوهن المناقشات والشفاعات والتوسّلات، هو المناقشة في جوازها بعد موت الشفيع.

وذلك لثبوت جوازها مطلقاً ; من غير فرق بين النشآت.

بعد صريح عبارته في رسالته بشفاعة الملائكة والاولياء والافراط.

وصريح الايات بحياتهم المستقرّة بعد موتهم.

ومع اتّحاد المناط في الغايات.

وحكم العقل بحسن الواسطة من غير تخصيص ولا تبعيض.

٣٩
وبالجملة: فقد أطنب الوهابيّة في شبهة العابد بالمعبود، وشبهة الزيارة بالعبادة ; حتّى صاروا بجمودهم وخضوعهم لشبهتهم هذه، كأنّهم آلة هدم الاسلام باسم الاسلام.

قد أوضحنا الجواب عن الاُولى.

[الزيارة والعبادة]

وأمّا الثانية: فأمّا قوله فيما نسجه:

«ونحن أنكرنا استغاثة العبادة التي يفعلونها عند قبور الاولياء التي لا يقدر عليها إلاّ الله...» إلى قوله: «وأمّا بعد موته ـ يعني به النبيّ ـ فحاشا إنّهم ما سألوه عند قبره، بل أنكر السلف...» إلى آخر كلماته.

فأقول:

وليت شعري ما هذا النكير؟!

وما قياس الانبياء والشهداء ـ المصرّح بحياتهم المستقرّة في القرآن ـ بسائر الموتى؟!

وما معنى إضافة الاستغاثة إلى العبادة؟!

وما المانع من الاستغاثة عند قبور الاولياء؟!

وما المراد بقوله: «لا يقدر عليها إلاّ الله»؟!

وما هذا الخبط؟!

ثمّ وما هذا التحاشي والخلط ودعوى الانكار ؟

أفعلى عمد تركوا كتاب الله ونبذوه وراء ظهورهم؟

فإن كان المانع منها هو شبهة الشرك، فقد عرفت فساده بما لا مزيد عليه.

٤٠