×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الشيعة الجذور والبذور / الصفحات: ٨١ - ١٠٠

 كتاب الشيعة الجذور والبذور محمود جابر (ص ٨١ - ص ١١٥)
٨١

الفرق .

وأمّا ابن تيمية فبعمد أراد أن يثير أكبر حملاته في الهجوم على الشيعة كفرقة ، فخلط بينها وبين السبئية ، والتي هي مترسّخة في الوعي العام للناس ، وأنّهم كفّار خارجين عن الملة ، وبذلك أراد أن يسحب هذه على تلك ، ثمّ أضاف إليهم الرفض ; لكي يشتركوا جميعاً في حكم واحد ، وهو الكفر ، وهو نفسه القائل في موضع آخر ما نصّه (وأمّا لفظ "الروافضة" فهذا أوّل ما ظهر في الإسلام لمّا خرج زيد بن علي بن الحسين ، في أوائل المائة الثانية في خلافة هشام بن عبد الملك)(١) .

ولنا أن نسأل : أنسي ما قد كتب؟!

وأين هي أمانة الكلمة؟!

وكذلك فعل صالح بن عبد المحسن دون أمانة علمية أو حيدة في البحث والتأليف ، ونسأل الله العافية .

وأمّا المصادر الباقية بقيت على ما هو الثابت والمعروف ومن أنّ الشيعة هي (الكل) ، وأنّ الرافضة هي فرقة ظهرت في مطلع أو بعد المائة الأولى حينما اختلفوا مع أميرهم وإمامهم زيد بن علي ، ولم يلتزموا بعقيدته في الشيخين أبي بكر وعمر .

وكلام البعض من أنّ الزيدية هم من الشيعة الذين اتّبعوا زيداً ، وأمّا

١- ابن تيمية ، مجموع الرسائل الكبرى ، فصل الفرقان بين الحق والباطل ، ١/٢٧ .

٨٢

الرافضة هم الذين اتّبعوا جعفر بن محمّد (الصادق) فهو بهتان عظيم . ولنعلم أنّ جند زيد لم يحاربوا معه إلاّ لأنّهم يؤمنون بفضله ، وهم لا يجدون غضاضة في الموت معه أملاً في النصر أو الشهادة متمركزون حول قضية هامة ، وهي أحقّية؟! آل البيت بالإمامة ، فهل زيد لم يعرف جنده إلاّ وقت المعركة؟! أم أنّ الجند كانوا يجهلون إمامهم ، وهو يخلفهم في مساجدهم يعظهم ويعلّمهم ولم يعلم عقيدتهم ، وأرادوا أن يعرفوا عقيدته ويطابقونها مع عقيدتهم في تلك السويعات العصيبة ، ولمّا اختلفوا عليه تولّوا جعفر محمّد بن علي (الصادق)؟!

خلاصة القول :

إنّ الشيعة فرقة قديمة لها أصولها العقائدية الثابتة في كتبهم ، والتي لا تخرج عن أصول الإسلام كما مرّ ، وأنّ السبئية فرقة غيرهم ، وسوف تمرّ دراستها في حينها من الكتاب نفسه، وأنّ (الرافضة) لا تعدوا غير فرقة من الشيعة كانت في جيش زيد بن علي حينما ناهض هشام بن عبد الملك لم تلتزم بعقيدته ، ورفضوا نصحه ، وفارقوا جماعته كما يقال ، ولمّا قتل يوسف بن عمر الثقفي زيد بن علي بأمر من هشام بن عبد الملك وصلبه ـ وهذا أمر موحش يذم فاعله ـ فأراد هشام وآخرون أن يلبسوا الأمر على الناس ، فأشاعوا أنّ الشيعة دفعوا زيد للخروج على هشام ، ثمّ تركوه في ساعة الحسم ، فهم رافضة .

نعم ، أرادت السلطة ومن تبعها أن تضيّع معالم جريمتها في حق

٨٣

الشريف بن الشريف ، ولمّا طاب لهم ما صنعوا أرادوا أن يطلقوا هذا الاسم على الشيعة كلّها لتتحمّل ما صنعوه في تاريخ الإسلام فادّعوا باطلا أنّ الشيعة الروافض هم الذين ألّبوا الناس على عثمان ، وحاصروه ثمّ قتلوه ، وهم الذين أجّجوا حرب الجمل ، وهم المسؤولون عمّا وقع في صفين ، وربما هم الذين تقرأ عنهم بعد أعوام أنّهم ضيعوا فلسطين ، وهم من سيهدموا الكعبة ، وهم من تسبب في احتلال الكويت ومحاصرة العراق ، وربما هدموا برجي التجارة العالمية في نيويورك ، وطالما ليس هناك من يوقف قائمة الاتهام ، ومادام يوجد بائعون للأقلام ، وباحثون عن الشهرة ، ورضى السلطان ، سوف تجد الكثير ممن يؤجج نار الفرقة ، ويفسد روح الوحدة ، ومن يوقف كتب ومطابع ويكتب عليها وقفاً لله في تقطيع أوصال الأمّة ، وبلادهم مستعمرة ، وأموالهم يتلاعب بها الملاحدة ، وكذلك عقولهم !! يا قومنا أليس منكم رجل رشيد .

قال الشافعي حينما أراد أن يفسد هذا الفخ اللعين :


يا راكباً قف بالمحصَّب من منى واهتف بقاعده جمعها والناهض
سحراً إذا فاض الحجيج إلى منى فيضاً كملتطم الفرات الفائـض
أعلمتم أنّ التشيع مذهبــــي إنّي أقول به ولست بناقــض

٨٤

إن كان رفضاً حب آل محمّــد فليشهد الثقلان أنّي رافضـي(١)

شـــتم الصحـــابـة :

اعلم أنّ السباب خلق قبيح ، ولا يجوز لمسلم أن يكون شتّاماً أو سبّاباً ، ويجب أن يكون له في رسول الله(صلى الله عليه وآله) أسوة حسنة ، فقد كان(صلى الله عليه وآله) خلقه القرآن ، ولم يبعث إلاّ ليتمم مكارم الأخلاق ، أنّ الذين جعلوا السباب في حق الأمّة سنة فعليهم وزره ووزر من عمل به لا ينقص منه شي إلى يوم القيامة .

واعلم أنّ الشيعة أنصار علي وآل البيت ، وليس من خلقهم السب والشتم ، وأنّ وجود جماعة شتّامين في الأزمنة المتأخرة سببه ما تعرّضت له الشيعة من التنكيل والإبادة على الظنة والتهمة ، ومحاربتهم في أرزاقهم ، ومنعهم من عطائهم ، وعزلهم سياسياً واجتماعياً .

وإنّ مثل هذا الاضطهاد يستلزم التنفيس ،وقد يكون هذا التنفيس في عمل إيجابي كالثورات ومحاربة الظلم أو بعمل سلبي كالسباب.

واعلم أنّ الذي أسس هذه البدعة هم الأمويون بشتمهم الإمام علي(عليه السلام) على منابرهم ولعنه وآل بيته بعد كل صلاة مكتوبة حتّى غلب على ظن العامة أنّ الصلاة لا تصح إلاّ بلعن (أبي تراب)(٢) . روى

١- الزبيدي ، تاج العروس ، ٥/٣٥ .

٢- خطط المقريزي ، ٤/١٥٢ .

٨٥

الواقدي أنّ معاوية لمّا عاد من العراق إلى الشام بعد بيعة الحسن عام واحد وأربعين خطب فقال : أيّها الناس إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال : إنّك ستلي الخلافة من بعدي فاختر الأرض المقدسة فإنّ فيها الأبدال وقد أخبرتكم فالعنوا أبا تراب(١) .

وفي البخاري ومسلم حدّثنا قتيبة بن سعيد حدثنا عبد العزيز عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال : استعمل على المدينة رجل من آل مروان فدعا سهل بن سعد فأمره أن يشتم علياً قال : فأبى سهل فقال له : أمّا إذا أبيت فقل لعن الله أبا تراب ، فقال سهل : ما كان لعلي اسم أحب إليه من أبي تراب ، وإن كان ليفرح إذا دعي بها(٢) .

وفي مسلم حدثنا قتيبة بن سعيد ومحمّد بن عباد قالا :

حدثنا حاتم عن بكير بن مسمار عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: "أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً فقال : ما منعك أن تسب أبا تراب...(٣)".

وكان ممن بقي من أصحاب حجر بن عدي عبد الرحمن بن حسان العنزي وكريم بن عفيف الخثعمي قالا : ابعثوا بنا إلى أمير المؤمنين ،

١- محمود أبو رية ، أضواء على السنة المحمّدية ، ص١٠٣ .

٢- البخاري ٥/٢٣ ، ومسلم ١٥/١٨١ ـ ١٨٢ . نقلا عن الوقوف على ما في صحيح مسلم من الموقوف ابن حجر .

٣- ابن حجر العسقلاني ، المصدر السابق ، ٧٦ . مسلم ١٥/١٧٥ .

٨٦

فنحن نقول في هذا الرجل مثل مقالته ، فبعثوا إلى معاوية يخبرونه بمقالتهما ، فبعث إليهم أن ائتوني بهما ، فلمّا دخلا عليه قال الخثعمي : الله الله يا معاوية فإنّك منقول من هذه الدار الزائلة إلى الدار الآخرة الدائمة ، ثمّ مسؤول عمّا أردت بقتلنا ، وفيم سفكت دماءنا ؟ فقال معاوية : ما تقول في علي؟ فقال : أقول فيه قولك . قال : أتبرأ من دين علي الذي كان يدين به ، فسكت ، وكره معاوية أن يجيبه ، فقام ابن عم له فاستوهبه من معاوية ، فحبسه شهراً ثمّ خلّى سبيله على أن لا يدخل الكوفة .

ثمّ أقبل على عبد الرحمن العنزي فقال : إيه يا أخا ربيعة ما قولك في علي؟ قال : دعني ولا تسألني فإنّه خير لك .

قال: والله لا أدعك حتّى تخبرني عنه .

قال : أشهد أنّه كان من الذاكرين الله كثيراً ، ومن الآمرين بالحق ، والقائمين بالقسط ، والعافين عن الناس .

قال : فما قولك في عثمان؟

قال : هو أوّل من فتح باب الظلم وأرتج أبواب الحق .

قال : قتلت نفسك . قال : بل إياك قتلت ، ولا ربيعة بالوادي ، فبعث به معاوية إلى زياد ، وكتب إليه : أمّا بعد فإنّ هذا العنزي شرّ من بعثت ، فعاقبه عقوبته التي هو أهلها ، واقتله شرّ قتلة(١) .

١- تاريخ الطبري ، حوادث سنة ٥١ هجرية ، ٢/١١١ ـ ١٤٣ .

٨٧

وقد نقم جماعة من المسلمين على معاوية هذه الأحداث العظيمة ، وهذا الحسن البصري يقول : أربع خصال كنّ في معاوية لو لم تكن فيه إلاّ واحدة لكانت موبقة ، انتزاؤه على هذه الأمّة بالسيف ، واستخلافه بعده ابنه يزيد سكيراً خميراً ، يلبس الحرير ، ويضرب بالطنابير ، وادّعاؤه زياداً ، وقد قال الرسول(صلى الله عليه وآله) "الولد للفراش ، وللعاهر الحجر" ، وقتله حجر بن عدي وأصحابه ، فيا ويلا له من حجر وأصحاب حجر(١) .

ولمّا حجّ معاوية جاء إلى المدينة زائراً فاستأذن على عائشة فأذنت له ، فلمّا قعد قالت له : يا معاوية أمنت أن أخبىء لك من يقتلك بأخي محمّد بن أبي بكر ؟ فقال : بيت الأمان دخلت . قالت : يا معاوية أما خشيت الله فى قتل حجر وأصحابه؟!

قال : إنّما قتلهم من شهد عليهم!!

ويقول ابن تيميّه : (قد كانت الفتنة لمّا وقعت بقتل عثمان ، وافترقت الأمّة بعده ، صار قوم ممن يحب عثمان(رضي الله عنه) ويغلو فيه ينحرف عن علي(رضي الله عنه) ، مثل كثير من أهل الشام حتّى كان إذ ذاك يسب علياً رضي الله عنه ويبغضه)(٢) .

ولا أعلم لماذا لم يذكر محرّك هذا السباب ، وهل هو غير وليها؟!

١- النهاية ، ابن الأثير ٣/١٩٣ ، محاضرات الراغب الأصفهاني ٢/٢١٣ .

٢- ابن تيمية ، الرسائل الكبرى ، ١/٣٠٤ .

٨٨

وابن تيمية يؤلف كتابه الصارم المسلول في كفر من شتم الرسول أو أحد أصحاب الرسول ، ويحشد فيه الأدلة على كفر الشاتم ، ولكن مع ذلك ومع علمه بما فعله ملوك بني أمية من شتم الإمام علي وأهله لا يقول فيهم إلاّ كل خير ، لكنّه يقول : بكفر الشيعة ، وهم الضحايا ، وكثيراً ما ينعتهم بالروافض، كما يحلو له أن يسمّيهم قاصداً أموراً(١) .

فلا ريب عنده أنّ المعتزلة خير من الرافضة ، فإنّ المعتزلة تقر بخلافة أبي بكر وعمر وعثمان(٢) .

استشهاد الحسين بن علي .. ووكلاء بني أمية

ويذهب ابن تيمية في حديثه عن الأمويين أنّهم تابوا ، وقد اطّلع هو فعلم أنّ الله قد عفا عنهم وغفر لهم . وقال عن يزيد بن معاوية : ولد يزيد ابن معاوية في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه ولم يدرك النبي(صلى الله عليه وآله) ، ولا كان من الصحابة باتّفاق العلماء ، وكان من المشهودين لهم بالدين والصلاح ، وكان من شبان المسلمين ، ولا كان كافراً ولا زنديقاً ، وتولّى بعد أبيه على كراهية بعض المسلمين ، ورضا من البعض!! وكان فيه شجاعة وكرم ، ولم يكن مظهراً للفواحش ، كما يحكي عنه خصومه .

وجرت في إمارته أمور عظيمة ، أحدها : قتل الحسين رضي الله عنه .

١- المرجع السابق، ١/٧٤.

٢- المرجع السابق، ١/٧٤.

٨٩

ولم يأمر بقتله ، ولا نكت القضيب على ثناياه رضي الله عنه ، وكان قتله رضي الله عنه ، من المصائب العظيمة ، فإنّ مقتل الحسين وقتل عثمان غيلة كان من أعظم أسباب الفتن في هذه الأمّة ، وأمّا الأمر الثاني : فإنّ أهل المدينة النبوية نقضوا بيعته ، وأخرجوا نوّابه وأهله ، فبعث إليهم جيشاً وأمره إذا لم يطيعوه ثلاث أن يدخلها بالسيف ويبيحها ثلاث(١) .

وهنا لنا أكثر من وقفة مع ابن تيمية :

أ ـ إنّ بيعة يزيد على ما صح في روايات أهل العلم حينما أعلن قائلهم (المغيرة) الإمام هذا (معاوية) فإن هلك فهذا (يزيد) ، ومن أبى فهذا (السيف) . فكما أنّ معاوية نازع أمراً لم يكن من أهله ; وذلك لأنّه ليس له سابقة في الإسلام ، بل إنّه من الطلقاء المؤلفة قلوبهم ، وفي حديث سعد تمتّعنا مع رسول الله(صلى الله عليه وآله) ومعاوية كافر بالعروش(٢) أي : قبل إسلامه(٣) .

وكذلك فعل قبل موته بحمل يزيد على رقاب الناس غصباً ، ولقد تولّى على كراهية من الناس ، فيزيد ليس من أهل الحل والعقد الذي لم يكن أبوه منهم ، وليس من الصحابة ، وحتّى لا يُحيلنا أحد على ولاية المفضول على الفاضل ، فإنّ يزيد ليس له ما يؤهّله وفي الأمّة قمم

١- المرجع السابق ١/٣٠٦ ـ ٣٠٧ .

٢- العرش : بيوت مكة . وقيل : معناها أنّه مقيم مختبىء بمكة .

٣- ابن الأثير ، النهاية ، ٤/١٨٨ .

٩٠

شامخات ، وبهذا فقد أحدث معاوية أمراً لم يكن في الأمّة وهو ولاية العهد والخروج بالبيعة من الخلافة والشورى إلى القسر والوراثة .

ورغم أنّ معاوية صالح الحسن بن علي على أن يتولّى الإمارة ما بقي بشروط ، فإن مات فالأمر للحسن ولبيعة المسلمين ، ولكنّه خالف الشروط ونصب يزيداً .

وقد أرسل يزيد إلي والى مكة والمدينة يأمره بأخذ البيعة من الحسين وبني هاشم والزبير وعبد الله بن عباس ، أو أن يضرب عنقهم عند المخالفة . فأين موضع الرضا؟! وأين يزيد وأمثاله من ابن عباس وابن الزبير والحسين بن علي؟! وهل أهل الشام كأهل مكة والمدينة؟!

ب ـ لا نعرف ماذا أراد ابن تيميّة على وجه الخصوص من أنَّه لم يكن مظهراً للفواحش ، الكعبة من الفاحشة؟! أم قتل أهل المدينة حرم الله وحرم رسوله من اللمم أم قتل الحسين أم ماذا!... ولعله يقصد الدفاع عنه ، وأنّه لم يستبيح الغناء و الخمر ، ففعل مثل الذين يسألون عن دم البراغيث ، وهم يخوضون في دماء الناس .

ج ـ هذه ريّا حاضنة يزيد تشهد عليه بقرع الثنايا ، وهو يقول شعر ابن الزبعرى ، وتقول : دنوت من رأس الحسين فنظرت إليه وبه ردخ من حنّاء ، والذي أذهب نفسي وهو قادر أن يغفر له لقد رأيته يقرع ثناياه

٩١

بقضيب في يده ، ويقول أبيات من شعر ابن الزبعرى(١) :


ليت أشياخي ببدر شهـدوا جزع الخزرج من وقع الأسل
قد قتلنا القرم من ساداتهـم وعـد لنـا ميل بدر فاعتدل

قال الشعبي وزاد فيها يزيد :


لعبت هاشم بالملك فلا خبر جـاء ولا وحي نزل
لست من خندف إن لم أنتقم من بني أحمد ما كان فعل

ولقد جابهته زينب بنت علي بجرأة محمّدية وقالت (أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء فأصبحنا نساق كما تساق الإماء ، أنّ بنا هواناً على الله او بك عليه كرامة ، وأنّ ذلك لعظم خطرك عنده فشمخت بأنفك ونظرت في عطفك جذلان . أنسيت قول الله تعالى {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لاَِنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ}؟! أمن العدل يابن الطلقاء تخديرك حرائرك وإماءك ، وسوقك بنات رسول الله سبايا؟! قد هتكت ستورهن وأبديت وجوههن تحدو بهن الأعداء من بلد إلى بلد ، ويستشرفهن أهل المناهل والمناقل ، ويتصفح وجوههن القريب والبعيد ، والدني والشريف ، ليس معهن من رجالهن من ولي ولا من حماتهن حمي ، إلى أن قالت : ثمّ تقول غير متأثم ولا مستعظم :

١- خطط المقريزي ، ٢/٢٨٩ .

٩٢

لأهلّوا واستهلّوا فرحاً ثمّ قالوا يا يزيد لا تشل

وقد نكأت القرحة واستأصلت الشأفة بإراقتك دماء ذرية محمّد(صلى الله عليه وآله) ، ونجوم الأرض من آل عبد المطلب ، وتهتف بأشياخك زعمت أنّك تناديهم فلتردن وشيكا موردهم ، فوالله يا يزيد ما فريت إلاّ جلدك ، ولا حززت إلاّ لحمك ، ولتردن على رسول الله(صلى الله عليه وآله)بما تحملت من سفك دماء ذريته ، وانتهكت من حرمته في عترته ولحمته ، فكد كيدك ، واسع سعيك ، وناصب جهدك ، فوالله لا تمحوا ذكرنا ولا تميت وحينا ، ولا تدرك أمرنا ، ولا ترحض عنك عارها ، وهل رأيك إلاّ فند وأيامك إلاّ عدد وجمعك إلاّ بدد؟ يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظالمين(١) .

د ـ ومع هذا ـ والكلام لابن تيمية ـ فطائفة من أهل السنة يجيزون لعنه ; لأنّهم يعتقدون أنّه فعل من الظلم ما يجوز لعن فاعله ، وطائفة أُخرى ترى محبّته ; لأنه مسلم تولّى على عهد الصحابة ، وبايعه الصحابة ، وكان له محاسن ، ولم يصح عنه ما نقل عنه ، وكان مجتهداً فيما فعلة(٢) .

ولنا أن نسأل هل هذه الطائفة التي لعنته من أهل السنة؟ وعلى أيّ

١- أحمد بن أبي طاهر ، بلاغات النساء ، ص٢٥ .

٢- ابن تيمية ، الوصية الكبرى ، ١/٣٨ .

٩٣

شي لعنته؟ وأرى أنّه ولولا الخجل لقال ابن تيميّه : ولقد ظلموا الرجل ; لأنّه تولّى في عهد الصحابة ، ولم يقل : وقتل الصحابة ، وحاربهم ، واستباح حرم رسول الله(صلى الله عليه وآله) واستباح المدينة وأهلها ، وقد روى أنس عن النبي(صلى الله عليه وآله) قال : (المدينة حرم من كذا إلى كذا ، لا يقطع شجرها ، ولا يحدث فيها حدث ، من أحدث حدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)(١) ، وعن جعيد عن عائشة (هي بنت سعد) قالت : اسمعت سعداً قال : سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول : (لا يكيد أهل المدينة أحد إلاّ انماع كما ينماع الملح في الماء)(٢) ، ولعل الذين تحدّثوا عن توبة يزيد يمكن أن يسوقوا لك دليل توبته بقتل الصحابة يوم الحرة ، وحريق الكعبة وقتال أهل مكة . ولعل أحاديث فضل المدينة ومكة وأصحاب النبي(صلى الله عليه وآله) نسخت في عهد ابن معاوية ، وفي عقول الذين يرون توليته ومحبته .

وفي النهاية نسوق مثالا ممن شايعوا علياً ، وقدّموه على غيره ، ممن ارتفعت أيديهم عن الدماء المحرّمة ، وألسنتهم عن السباب :

حينما قدم أبو الطفيل على معاوية بن أبي سفيان قال معاوية : أأنت أبو الطفيل عامر بن واثلة؟ قال : نعم .

١- ابن حجر العسقلاني ، فتح الباري ، ٤/٩٧ رقم ٢١٨٦٧ .

٢- المصدر السابق ، ٤/١١٢ .

٩٤

قال معاوية : أكنت ممّن قتل عثمان أمير المؤمنين؟

قال : لا ، ولكنني ممّن شهده فلم ينصره . قال : ولِمَ؟

قال : لم ينصره المهاجرون والأنصار .

فقال معاوية : أما والله إنّ نصرته كان عليهم وعليك حقاً واجباً وفرضاً لازماً ، فإن ضيّعتموه فقد فعل الله بكم ما أنتم أهله ، وأصاركم إلى ما رأيتم .

فقال أبو الطفيل : فما منعك يا أمير المؤمنين ، إذ تربّصت به ريب المنون أن تنصره ومعك أهل الشام؟! قال معاوية : أما ترى طلبي لدمه؟!

فضحك أبو الطفيل وقال : بلى ، ولكنّي وإياك ، كما قال عبيد بن الأبرص :


لا أعرفنك بعد الموت تندبني وفي حياتي مازوّدتني زادي

فدخل مروان بن الحكم ، وسعيد بن العاص ، وعبد الرحمن بن الحكم فلمّا جلسوا نظر إليهم معاوية ، ثمّ قال : أتعرفون هذا الشيخ؟ قالوا : لا ، فقال معاوية : هذا خليل علي بن أبي طالب ، وفارس صفين ، وشاعر أهل العراق ، هذا أبو الطفيل .

فقال سعيد بن العاص : قد عرفناه يا أمير المؤمنين ، فما يمنعك منه؟ وشتمه القوم ، فزجرهم معاوية ، وقال : مهلاً ، فرب يوم ارتفع عن الأسباب قد ضقتم به ذرعاً ، ثمّ قال : أتعرف هؤلاء يا أبا الطفيل ؟ قال :

٩٥

ما أنكرهم من سوء ، ولا أعرفهم بخير ، وأنشد شعراً :


فان تكن العداوة قد أكنّت فشرّ عداوة المرء السباب(١)

هذا وغيره الكثير ممّن ارتفعت أيديهم عن الدماء المحرّمة ، وألسنتهم عن السباب ، واتّهموهم جلساء الملوك وأعوانهم بالظلم .

وعلى أيّة حال فإن هذه السنّة السيئة ـ سنّة السب ـ كانت متّبعة عند الأمويين ، وهي السبب الرئيسي لثورات الشيعة على ملوك بني أمية الذين كانوا يسبّون آل البيت على المنابر ، وعقب الصلاة ، وكانت سنّة متّبعة في كل مصر من الأمصار ، وكان عمّالهم ينفّذونها بلا استثناء أمثال زياد وابنه ، وخالد القسري ، ويوسف بن عمر ، والحجاج بن يوسف الذي قال عنه عمر بن عبد العزيز : "لو جاءت كل أمّة بخبيثها وجئنا بالحجاج لغلبناهم"(٢) . وقال الأوزاعي: سمعت القاسم بن مخيمر يقول: "كان الحجاج بن يوسف ينقض عرى الإسلام عروة عروة" .

وقد علمت ممّا تقدّم أنّ لعن علي والبراءة منه كانتا سنّة متّبعة في بني أمية إلى عهد عمر بن عبد العزيز ، ولكن المقريزي يقول : إنّها استمرّت إلى أبعد من ذلك حيث دخلت مصر على يد مروان عام ٦٥ هـ

١- ابن قتيبة ، الإمامة والسياسة ، ١/١٩٢ ، ١٩٣ .

٢- ابن الأثير ، النهاية ، ٣/٢٢٣ ، ١٩٣ ، ابن عبد ربه ، العقد الفريد ، ٣/٢٥٣ .

٩٦

واستمرت إلى سنة ١٣٣ هـ(١) .

مقوّمات الهويّة عند الشيعة :

هذا موضوع تكلّم فيه القاصي والداني ، واختلط فيه الحابل بالنابل ، وأصبحت تلوكه الألسنة ، والجميع فيه لهم موقف واحد إلاّ من رحم ربي ، وهو أنّ الشيعة فارسية المنشأ والأفكار شكلاً وموضوعاً ، ولم يحاول عاقل الوقوف على هذا الأمر ودراسته ، وهو جزء لا يتجزّأ من التّهم الباطلة التي ليس لها نهاية ; وذلك لمحاصرة الشيعة ، وحشد كل الأسلحة في مواجهتهم ، وسوف نبحث هذا الموضوع ، ونسوق في هذا أدلة وبراهين ، ونسأل الله التوفيق .

إنّ التشيّع ـ كما أوردنا سالفاً ـ في اللغة معناه المناصرة والموالاة .

واصطلاحاً : هو اعتقاد بأفكار معيّنة يشكّل مجموعها مضمون التشيّع .

أقول : إذا أردنا تحديد هويّة أمّة فلابدّ من دراسة الجغرافيا السياسية (جيوبوليتيكة) لهذه الجماعة أو الأمّة ، ثمّ اللغة ، ثمّ الأصول الاعتقادية .

أوّلا : الجغرافيا السياسية :

إنّ مهد التشيّع الأوّل هو جزيرة العرب ، وهي التي شهدت حبّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لرأس هذا المذهب (علي بن أبي طالب) ، ومواقفه في حياة الرسول وبعده ، وكذلك معاركه في الجمل

١- خطط المقريزي، ٤/٣٢.

٩٧

وصفين والنهروان ، وثورات آل البيت .

إنّ الجيوبولتيكس هي دراسة البيئة الجغرافية من الناحية الطبيعية والعرقية والديمغرافية والاقتصادية ، وما يمكن أن ينتج عنها من صراعات(١) ، وشبه الجزيرة العربية المعروفة ببلاد العرب تقع في الجنوب الغربي لقارة آسيا بين البحر الأحمر غرباً ، وخليج عمان والخليج شرقاً ، وبحر العرب جنوباً، وهي عبارة عن هضبة صحراوية شديدة الجفاف عاش سكّانها بعيداً عن الصراعات الدولية المحيطة بهم ردحاً من الزمن وقامت بها حضارات ، مثل : حضارة سبأ في اليمن ، والتي انهارت بانهيار سدّ مأرب ، ونزوح أغلب سكّانها إلى وسط الجزيرة العربية ، وبعضهم استقر بيثرب (المدينة المنورة) ، تعرّضت الأطراف الشمالية والجنوبية للسيطرة الاستعمارية من الروم والفرس والأحباش ، وكانت مكة في منتصف الطريق بين اليمن جنوباً والشام شمالاً في أحد أودية جبل السراة ، وهو الوادي الذي وصفه الله في القرآن {غير ذي زرع} ولمّا كانت هذه المنطقة شديدة الجفاف عظيمة الخطر لمن يخترقها ، فقد قامت هذه البلاد بدور الوسيط التجاري بين الشمال والجنوب ، وكانت قريش هي ملتقى هذا الطريق التجاري ، ولها مكانتها لعدّة عوامل ، منها :

العامل الأوّل : التجارة والتي تعدّ أحد أهم العوامل التي جعلت لمكة

١- صلاح الدين حافظ ، صراع القوى العظمى حول القرن الأفريقي ، ص٤ .

٩٨

قدراً كبيراً بين العرب وخاصة قريش .

العامل الثاني : وجود الكعبة التي تمثّل قدس أقداس العرب قبل الإسلام ، وهي الرمز الجامع لحياتهم الروحية قبل البعثة المحمّدية ، والتي كان العرب يقصدونها للحج مرّة واحدة من كل عام ، حيث تبدأ شعائر الحج من الكعبة ، ثمّ المزارات المقدسة حولها .

العامل الثالث : في هزيمة جيش أبرهة ، والذي حاول هدم الكعبة لصرف الناس عنها حتّى يحجّوا إلى معبده الذي بناه في صنعاء ، لكن الله أرسل عليهم طيراً أبابيل ، ترميهم بحجارة من سجيل ، فجعلهم كعصف مأكول .

ومن كل هذا فقد أصبحت مكة محل تعظيم وإجلال من الناحية الروحية ، وسوق للتجارة وتبادل السلع ، وهي أعزّ بلاد العرب ، وفيها أهل السقاية والرفادة والرياسة في الحرب والتجارة ، والعربي إنسان يعتزّ بفرديته واستقلاله ، لكنّه يلتزم بالتقاليد القبلية وأحكامها التي تمثّل له الوحدة السياسية والاجتماعية والعسكرية ، وكانت القبيلة تتكوّن من عدد من الأسر ، والزعامة في القبيلة سلطة طارئة تخضع لمقتضيات الدفاع والهجوم ; لذلك فإنّ لكل مرحلة زعيمها ، والذي يتم اختياره وفق مقتضيات الصراع ، وعلى هذا فإنّ اللواء يعقد للأكبر والأكثر دراية والأحكم .

ولمّا كانت حياة الصحراء الجافّة القاسية تفرض نوعاً من الصراع

٩٩

المستمر على الماء والكلأ والزعامة، اتّفقوا على جعل أيام من السنة أيام حرام ، يحرم فيها القتال ، وتكون فرصة للمصالحة والزواج ، ويأمن فيها الناس على أنفسهم وأموالهم .

وأمّا مكة فكان الصراع فيها أكثر من الصراع على الكلأ والماء ، فإنّ الصراع الأشد كان على خدمة الحجاج من سقاية ورفادة ورياسة ، وبعد صراع طويل اصطلحوا على أن تكون السقاية والرفادة لبني عبد مناف ، والحجابة واللواء والندوة لبني عبد الدار ، وبعد فترة صارت لبني عبد مناف الرياسة ، وكان يقال لهم المجيرون ، وذلك لأنّهم أخذوا لقومهم (قريش) الأمان من ملوك الأقاليم ليدخلوا في التجارة إلى بلادهم(١) .

وبعد فترة استقرّت ألوية الشرف القيادة والسقاية والرفادة في بيت عبد مناف ، وبالتحديد في يد ولد هاشم بن عبد مناف دون بقية أخوته ، وبعد رحيل عبد شمس عن الدنيا ساورت ولده أمية أطماع في أخذ ما بيد عمّه من ألوية الشرف بالقوّة ، ووقف نوفل على الحياد ، وكادت أن تقع الحرب وتقطع صلات الرحم ، فتنافروا إلى كاهن خزاعة فقضى بنفي أمية بن عبد شمس عشر سنوات إلى منفى اختياري ، ولم يجد أمية بدّاً من الرضى بحكم ارتضاه ، فشدّ رحاله إلى الشام ليقضي بين أهلها السنوات العشرة التي كانت رصيداً لبيته الأموي من بعده ، فعلاقات

١- الحافظ ابن كثير ، البداية والنهاية ، ٢/٢٣٦ .

١٠٠