×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة من حياة المستبصرين (ج 06) / الصفحات: ٥٢١ - ٥٤٠

ذكر في المراجع القديمة، وهذا يحول أيضاً دون استفادة المؤمن المعاصر من تاريخ الأئمّة(عليهم السلام) وربط حياتهم بواقعه، فكلّ دراسة أو قراءة للتاريخ هي ناظرة إلى مرحلتها وزمانها ونمط تفكير أبنائها ومستوى وعيهم.. فلا يمكن أن نقرأ اليوم سيرة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أو سيرة الأئمّة الأطهار(عليهم السلام) كما قرأها القدامى، فقراءتهم كانت استجابة لحاجاتهم وأسئلة عصرهم...

هذه بعض العوائق التي تواجهنا في كتابة السيرة.

وحينما نريد التعاطي مع سيرة الحسن(عليه السلام) تبرز إلى جانب كلّ ذلك مشكلة جديدة ; إنّها مظلمة التحريف والتزييف، ونحن نعلم أنّ جلّ الأئمّة لم يسلموا من تشويه واتهام، فالحسين(عليه السلام) قتل بسيف جدّه؟!! والرضا(عليه السلام) بقبوله ولاية العهد أعطى الشرعية للعباسيين الظالمين! والإمام علي(عليه السلام) أمضى بيعة الخلفاء وتنازل عن حقّه الشرعي! إلى آخره من تفسيرات تتنافى مع عصمتهم، وسلامة خطهم.

ولكن سيرة الحسن(عليه السلام) تواجه ما لا تواجهه سيرة أيّ إمام آخر من التأويلات الباطلة والتشويهات المقصودة".

ويتضمن الكتاب "صلح الإمام الحسن من منظور آخر" أربعة فصول، وهي:

الفصل الأوّل: الإمام الحسن(عليه السلام) من المهد إلى اللحد.

الفصل الثاني: معاهدة الصلح البنود والسياق التاريخي.

الفصال الثالث: أبعاد الصلح وأسراره.

الفصل الرابع: شبهات حول الصلح.

وجعل في الختام الدروس المستلهمة من هذا الصلح تحت عنوان "صلح الحسن وخيارات الأمة الراهنة" حيث يقول: "وصلح الإمام الحسن(عليه السلام) بالذات يؤسّس لجملة من القواعد لابدّ للأُمة عموماً والعاملين خصوصاً الاستفادة منها..."

٥٢١

(١٢٤) حامد فرحاني

(سنّي / تونس)

ولد عام ١٣٤٦هـ (١٩٨٢م) في تونس، فأملت عليه الأجواء المحيطة به الانتماء إلى المذهب السني، لكنه بعد بلوغ مرحلة النضج الفكري والعلمي، بدأ يبحث بدقّة ليؤسس عقائده وفق الأدلّة والبراهين.

استفاد "حامد" من الانترنت كثيراً في بحثه، وراسل العديد من المراكز والمؤسسات، وأصغى إلى مختلف الآراء ليتّبع أحسنها، حتّى جذبه مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، ودفعه البحث في نهاية المطاف إلى الاستبصار.

بشارة الكتب السماوية بالإسلام ومذهب أهل البيت(عليهم السلام):

قرأ "حامد" ذات يوم موضوع حول إشارة الكتب السماوية إلى أهل البيت(عليهم السلام)، فبحث حول هذه المسألة حتّى توصّل بأنّ أحد المتخصّصين بالأديان وأهل الكتاب "عودة مهاوش الأردني" ذكر في كتابه "الكتاب المقدّس تحت المجهر" بعض الإشارات في العهدين القديم والجديد، منها:

"وإبراهيم سيكون أمّة كبيرة ومقتدرة، ويتبارك به جميع أمم الأرض، وقد علمت أنّه سيوصي بنيه وأهله من بعده بأن يحفظوا طريق الربّ ليعملوا بالبرّ

٥٢٢

والعدل حتّى ينجز لإبراهيم ما وعده"(١).

وكذلك ورد: "ويتبارك في نسلك جميع عشائر الأرض"(٢).

وبيّن هذا النسل المبارك والكثير بقوله: "وأمّا إسماعيل فقد سمعت قولك فيه، وها أنذا أباركه وأنميّه وأكثره جدّاً جدّاً، ويلد اثني عشر رئيساً، وأجعله أمّة عظيمة"(٣).

فربطها المؤلف مع نص في الإنجيل ينص على البشارة برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وبقائه مع المؤمنين إلى الأبد، فقال المسيح: "وأنا أسأل الأب فيعطيكم معزياً آخر ليقيم معكم إلى الأبد"(٤).

فبقاء رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) "المعزي" مع المؤمنين إلى الأبد يقصد منه ما نصّ عليه العهد القديم من ذرية إسماعيل المباركة، وهم أولاده الاثني عشر رئيساً.

فهؤلاء الأئمّة الاثني عشر من أهل بيت النبي هم امتداد وبقاء ذلك المعزي الخاتم من بعده وإلى يوم القيامة أو بالأحرى وحتّى نزول عيسى المسيح(عليه السلام) إلى الأرض والصلاة خلف آخرهم.

وقال ابن تيمية وتلميذه ابن كثير: بأنّ اليهود حينما يسلمون فإنّهم يصبحون شيعة اثنا عشرية ; لأجل هذه الفقرة التي تبشّر بالأئمة الاثني عشر(٥).

كما وردت بعض الإشارات في الكتب السماوية عن الإمام الحسين(عليه السلام)ومن ينتقم له من قتلته وهو الإمام المهدي(عليه السلام) والنص هو: "اعدوا المجن والترس، وتقدّموا للحرب، أسرجوا الخيل، واصعدوا أيّها الفرسان وانتضبوا بالخوذ، اصقلوا الرماح، البسوا الدروع.. الخوف حواليهم يقول الربّ، الخفيف لا ينوص والبطل لا

١-الكتاب المقدّس تحت المجهر: ١٥١، نقلاً عن تكوين ١٨: ١٨ ـ ١٩.

٢-الكتاب المقدّس تحت المجهر ١٥١، نقلاً عن أعمال الرسل ٣: ٢٥.

٣-الكتاب المقدّس تحت المجهر: ١٥٢، نقلاً عن تكوين ١٧: ٢٠.

٤-الكتاب المقدّس تحت المجهر: ١٥٠، نقلاً عن يوحنا: ١٤ ـ ١٦.

٥-البداية والنهاية ٦: ١٨٣، الإخبار عن الأئمّة الاثني عشر الذين كلّهم من قريش.

٥٢٣

ينجو، في الشمال بجانب نهر الفرات عثروا وسقطوا، من هذا الصاعد كالنيل كأنهار تتلاطم أمواجها".

ثمّ يقول: "اصعدي أيّتها الخيل وهيّجي المركبات ولتخرج الأبطال، كوش وفوط القابضان المجن واللوديون القابضون القوس، فهذا يوم للسيّد ربّ الجنود يوم نقمة للانتقام من مبغضيه فيأكلّ السيف ويشبع ويرتوي من دمه، ثمّ تذكر التوراة أنّ السبب في هذا الانتقام من الأعداء هو: "لأنّ للسيّد ربّ الجنود ذبيحة في أرض الشمال عند نهر الفرات"(١).

لا إكراه في الدين:

من الأسئلة الأخرى التي شغلت ذهن "حامد" كيفية الجمع بين قوله تعالى {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}(٢)، وما قام الإسلام من فتوحات.

فعرف بعد البحث أنّ صاحب الميزان يقول حول هذه الآية: "أن الإسلام لم يبتن على السيف والدم، ولم يفت بالإكراه والعنوة على خلاف ما زعمه عدّة من الباحثين من المنتحلين وغيرهم أنّ الإسلام دين السيف، واستدلّوا عليه بالجهاد الذي هو أحد أركان هذا الدين.

وذكرنا في موضوع سابق أنّ القتال الذي ندب إليه الإسلام ليس لغاية إحراز التقدّم وبسط الدين بالقوّة والإكراه، بل لإحياء الحقّ والدفاع عن أنفس متاع للفطرة وهو التوحيد، وأمّا بعد انبساط التوحيد بين الناس وخضوعهم لدين النبوّة ولو بالتهوّد والتنصّر فلا نزاع لمسلم مع موحّد ولا جدال فالإشكال ناش من

١-الكتاب المقدّس تحت المجهر: ١٥٥، نقلأً عن ارميا ٤٦: ٢ ـ ١١.

وقد أورد صاحب كتاب "البحث عن الحقيقة" ص٤٩ بالانجليزية هذا النص أيضاً كأحد أدلّة التوراة على خروج صاحب الزمان وقتل أعداء الله.

٢-البقرة (٢): ٢٥٦.

٥٢٤

عدم التدبّر"(١).

وقال العلاّمة الطباطبائي في موضوع آخر: "إنّ القرآن يبيّن أنّ الإسلام مبني على قضاء الفطرة الإنسانية التي لا ينبغي أن يرتاب أنّ كمال الإنسان في حياته هو ما قضت به وحكمت ودعت إليه، وهي تقضي بأنّ التوحيد هو الأساس الذي يجب بناء القوانين الفردية والاجتماعية عليه، وأنّ الدفاع عن هذا الأصل بنشره بين الناس وحفظه من الهلاك والفساد حقّ مشروع للإنسانية يجب استيفائه بأيّ وسيلة ممكنة، وقد روعي في ذلك طريق الاعتدال، فبدأ بالدعوة المجرّدة والصبر على الأذى في جنب الله، ثمّ، الدفاع عن بيضة الإسلام ونفوس المسلمين وأعراضهم وأموالهم، ثمّ القتال الابتدائي الذي هو دفاع عن حقّ الإنسانية وكلمة التوحيد، ولم يبدأ بشيء من القتال إلاّ بعد إتمام الحجّة بالدعوة الحسنة كما جرت عليه السنّة النبوية، قال تعالى: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}(٢)، والآية مطلقة.

وقال تعالى: {لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَة وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَة وَإِنَّ اللّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ}(٣).

وأمّا ما ذكروه من استلزامه الإكراه عند الغلبة فلا ضير فيه بعد توقّف إحياء الإنسانية على تحميل الحقّ المشروع على عدّة من الأفراد بعد البيان وإقامة الحجّة البالغة عليهم، وهذه طريقة دائرة بين الملل والدول، فإنّ المتمرّد المتخلّف عن القوانين المدنية يُدعى إلى تبعيتها، ثمّ يحمل عليه بأيّ وسيلة أمكنت، ولو انجرّ إلى القتال حتّى يطيع وينقاد طوعاً أو كرهاً"(٤).

١-الميزان في تفسير القرآن، العلامة الطباطبائي ٢: ٣٤٣.

٢-النحل (١٦): ١٢٥.

٣-الأنفال (٨) : ٤٢.

٤-الميزان في تفسير القرآن، العلامة الطباطبائي ٢: ٦٧.

٥٢٥
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

(١٢٥) حسن بن شقرا

(سنّي / تونس)

ولد "حسن بن شقرا" عام ١٣٥٨هـ (١٩٤٠م) في مدينة قابس، منحدراً من عائلة محافظة عريقة الجذور، ونشأ في ظروف أقل ما يقال عنها إنّها استثنائية، بالنظر إلى الاستعمار الفرنسي الذي كان جاثماً على البلاد، وتلقّى تعليمه الابتدائي والثانوي في مسقط رأسه قبل أن يتحوّل إلى تونس العاصمة، ومن ثمّ قرر السفر إلى فرنسا بعد ما أتمّ المرحلة الثانوية باللغة الفرنسية.

اشتغل "حسن" موظّفاً في إحدى شركات التأمين، ثمّ خبيراً في مجال التأمين بعد أن كسب خبرة طويلة في ذلك المجال.

مفاجأة غيّرت مصير حياتي:

يقول "حسن" متحدّثاً عن قصّة استبصاره: عندما كنت أحزم أمتعة السفر إلى باريس لم يدر بخلدي في ذلك اليوم أنّه سيكون لي طريق آخر غير الذي اخترته لنفسي ومهدّت له وعلّقت عليه آمالاً لا ترتقي إلى شيء سوى اللهث وراء الدنيا وزينتها، كجُلّ خلق الله الذين لم تنفتح بصائرهم على سرّ الوجود وحقيقته، وحتمية الانتقال بين العوالم الثلاثة "الدنيا، البرزخ، الآخرة".

ولم يكن إعدادي لرحلتي تلك من قبيل الإعداد لرحلتي القادمة، بل لعلّها لم تدخل في حساباتي، ولم يكن ذلك كلّه صادراً عن سوء نيّة منّي، ولا تطاولاً

٥٢٦

على مقام الربوبية من عبد آبق كلّ على مولاه، ولكنه كان نتيجة طبيعية لتداخل الخطوط المنتسبة للدين الإسلامي، وصورة واقعية لمجتمعات إسلامية بطم طميمها خضعت أجيالها راغبة أو راهبة لمنطق الأسلمة الذي انتهجته طوابير الأنظمة المنحرفة التي تعاقبت على رقابها، ولا فريداً في ذلك الزبد نتيجة للعوامل التي ذكرتها.

قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): "ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه، ألا وهي القلب"(١).

أيقنت أنّ المضغة التي بين أضلعي صالحة بفضل الله تعالى، وقد اختبرتها في مواضع الخوف والرجاء فوجدتها مستجيبة لأمره تعالى داخلة في ميثاق طاعته.

لم أتوقّع في يوم من الأيام وأنا أخطط لأشياء كنت أراها من الزاوية التي كان يرى بها مجتمعي الذي انتمي إليه وجيلي الذي يعاصرني ضرورة وأساسية أن أصدق عن ذلك التحقيق وأحال عنه إلى بحث آخر وتخطيط آخر وحياة أُخرى، عرّفتني المعنى الحقيقي للحياة فلسفة ووجوداً، والسبب الذي من أجله خلقنا الله تبارك وتعالى، ولعل أبلغ ما قاله سيّد البلغاء وغمام الفصحاء أمير المؤمنين(عليه السلام) في هذا الإطار ما نقل عنه من أنّه سئل: "بم عرفت ربك؟ فقال: عرفت ربي بفسخ العزائم ونقض الهمم، لما هممت حيل بيني وبين همّي، ولما عزمت خالف القضاء والقدر عزمي علمت أنّ المدبّر غيري"(٢).

وأكرم وأنعم به من صرف وتخيير وهداية وتسخير يحال فيها المرء من وجهته الدنيوية المادية إلى التجارة التي لا تبور والطريق إلى مرضاة الله تعالى.

عندما كنت أغادر وطني ومسقط رأسي ومرتع صباي ومخزون ذكرياتي،

١-بحار الأنوار ٥٨: ٢٣، معنى قوله تعالى: (نزل به الروح الأمين على قلبك)اً.

٢-التوحيد، الصدوق: ٢٨٨.

٥٢٧

كان الأمل الذي يحدوني متعلّق بخيوط واهية لا تتجاوز الزينة التي أخرج الله لعباده، لم يكن في حسابي أن أجد بعناية الله تعالى بينها خيطاً يوصلني إلى ما وراء ذلك الزائل، ليوقفني على الحقيقة التي أخذت بيدي إلى الإسلام المحمّدي الأصيل، وقيّض الله لي التمسّك بحبله المتين، وأخذني إلى عروته الوثقى، وأبدلني من ألطافه ما يعجز القلب عن أداء شكر تلك النعم والمنن، ولولاه لكنت من {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً}(١).

ولقد رأيت من خلال ما مررت به من تجربة وأنا في تأمّلاتي وبحوثي الدينية أن أعزم على كتابة هذه التجربة، وأن أضعها بين يدي كلّ باحث عن الإسلام الحق، الذي لم تدنّسه جاهلية الطغاة بأدناسها، ولا أثّرت فيه أيدي العابثين من زمر المنافقين والمشركين، من أدعياء التسلط على رقاب المسلمين، غايتي من ذلك إنارة قلوب المسلمين البعيدين عن الرياء والتعالي، المتبرّئين من الكبر والمستكبرين، الواضعين أنفسهم موضع العبودية لله تعالى وحده.

لم يكن شغفي بالمطالعة يقف عند حدّ، ولا يكتفي بصنف من الكتب، صحيح أنّ ثقافتي باللغة الفرنسية كانت تدفعني بداية إلى اقتناء المؤلّفات المكتوبة بها غالباً، ولكن ذلك لم يمنعني من قراءة بعض الكتابات العربية.

السبيل لمعرفة الحقّ:

ذات يوم جاءني أحد الأصدقاء يحمل معه كتاباً بعنوان: " la Bible Coranet la Science"، لمؤلّفه موريس بوكاي، فقرأته في وقت قياسي، لما لمست فيه من جدّية في تناول الفكر الديني وعلاقته بالعلم، فقد كان الرجل دقيقاً في تحصيل المعاني الصحيحة للمصطلحات القرآنية، وإيصالها كما هي إلى عقول قرّائه، بينما أساء عدد من المترجمين المسلمين وغيرهم ترجمة تلك المصطلحات فلم تؤدّ

١-الكهف (١٨) : ١٠٤.

٥٢٨

معناها المقصود، بل كانت بعيدة كلّ البعد عن الحقيقة العلمية، وهو ما حاول المؤلّف أن يقرن به تلك المصطلحات، فصحح ترجمة "العلق" "ودحو الأرض" التي أساء ترجمتها غيره بما يتعارض والمدلول العلمي الذي أراده الله تعالى معناً إعجازياً في عصر يفتقد أبسط أبجديات العلوم التطبيقية والنظرية.

ومن طريف القول أنّ موريس بوكاي لم يأنس لمعنى "دحى" الذي حاول البعض إقناعه به، فسافر إلى البلاد العربية سعياً منه للوقوف على بعض آثار اللغة العربية التي كادت تندثر مع هجمة الأعداء عليها، وتفريط أصحابها فيها، فوجد أنّ معنى "دحى" لا زال الليبيون يستعملونه في تسمية البيض، فيطلقون على الواحدة: "دحيّة"، وهي مشتقاة من "دحى يدحو دحواً"، أي: جعلها كالبيضة، وبمعنى آخر فإنّ الأرض ليست كروية الشكل بقدر ما هي بيضوية، فلم يسبقه في هذا الخصوص مترجم غيره.

ومن خلال ملامستي لأسلوب موريس بوكاي في البحث بكلّ تجرّد وبصيرة وأناة، أثّر ذلك بالنسبة لي في النظر إلى كلّ مسألة، وحصلت لديّ قناعة تمثلت في أنّ الحقيقة لا تدرك إلاّ بالمعرفة والعلم والتجرّد في البحث، فالرجل أعطاني المثال الذي يجب أن يحتذى في طريقة البحث وتتبع الحقيقة.

يقول بوكاي: "لقد قمت أوّلاً بدراسة القرآن الكريم، وذلك دون أيّ فكر مسبق، وبموضوعية تامّة باحثاً عن درجة إتقان القرآن ومعطيات العلم الحديث، وكنت أعرف قبل هذه الدراسة، وعن طريق الترجمات أنّ القرآن الكريم يذكر أنواعاً كثيرة من الظواهر الطبيعية، ولكن معرفتي كانت وجيزة، وبفضل الدراسة الواعية للنصّ العربي استطعت أن أحقق قائمة أدركت منها أنّ القرآن لا يحتوي على أيّة مقولة قابلة للنقد من جهة نظر العلم في العصر الحديث، وبنفس الموضوعية قمت بنفس الفحص على العهد القديم والأناجيل.

وأمّا بالنسبة للعهد القديم فلم تكن هناك حاجة للذهاب إلى أبعد من

٥٢٩

الكتاب الأوّل، أي: سفر التكوين، فقد وجدّت مقولات لا تمكن التوفيق بينها وبين أكثر معطيات العلم رسوخاً في عصرنا.

وأما بالنسبة للأناجيل فما تكاد تفتح الصفحة الأولى منها حتّى نجد أنفسنا دفعة واحدة في مواجهة مشكلة خطيرة، ونعني بها شجرة أنساب المسيح، وذلك أنّ نصّ إنجيل متى يتناقض بكلّ جلاء مع إنجيل لوقا، وأنّ هذا الأخير يقدّم لنا صراحة أمراً لا يّتفق مع المعارف الحديثة الخاصّة بقدم الإنسان على الأرض".

ودفعني حبّ الاطّلاع والتأكّد من صحّة كلام بوكاي، إلى تصفّح عدد من الأناجيل المنسوبة للنبي عيسى(عليه السلام)، وهو منها براء، فوجدّت فيها كثيراً من التناقضات، التي تؤكّد على أنّ تلك الكتب هي مختلقة من أناس لم يرثوا تعاليم الأنبياء(عليهم السلام)، ولا كانت معارفهم إلهية، سوى نزر يسير من الأخلاق التي ضمّنوها كتبهم للتمويه على الناس، واختلاف الأناجيل كان لفظاً ومعنى، فلا الواحد يشبه الآخر في شيء سوى العنوان، ولم يعد هناك ذكر للنبي الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) سوى ما ذكره برنابا في إنجيله مستبدلاً اسم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بمصطلح الفرقليط ، أي: راكب الجمل.

أهم سبب وجود الاختلاف بين الناس:

لم يكن تحريف الكتب السماوية سببه تقصير الأنبياء(عليهم السلام) في أداء عهدتهم، ولا هو نقص حاصل في تشريعاتهم، بل العلّة كامنة في انحراف أممهم عن المسار المرسوم لهم، ومخالفتهم للنهج الذي تركهم عليه أنبياؤهم(عليهم السلام)، قال تعالى: {وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ}(١).

وحصلت لديّ قناعة بأنّ منشأ اختلاف الناس سياسي، ومدار صراعه السلطة والحكم، ولم يكن الدين في ذلك إلاّ ضحيّة تلك الصراعات، وكان تحريف الأحكام وتأويلها على غير حقيقتها السلاح الذي استعمله البغاة من أجل تضليل

١-آل عمران (٣) : ١٩.

٥٣٠

أممهم.

لم تكن فترة إقامتي بفرنسا تكتسي أهمية، ولا حصل لي فيها تطوّر أو تغيير عقائدي، فالمهم بالنسبة لي حصل بعد انتقالي من فرنسا إلى سويسرا، وتحديداً أثناء فترة إقامتي بها.

هناك تطوّرت علاقاتي وتنوّعت بشكل نوعي على وجه الخصوص، فالغربة عامل مهم في صقل الوجدان، وسبب من أسباب انطلاق الروح والعقل إلى فضاءات متنوّعة من المعرفة والتأمّل.

علّمتني الغربة الاعتماد على نفسي في كلّ صغيرة وكبيرة، والصبر على كلّ حال، وبذل الجهد في الظفر بصديق يكون رفيق الدرب، وحافظ السر، ومعين النوائب.

وقد كنت محظوظاً في جميع ذلك، فقد وفّقني الله تعالى إلى الكثير من مننه وعطاياه، وخصوصاً قلباً منفتحاً على الخير وأهله، وعقلاً مرناً يقبل النقاش ويتعامل بالمنطق السليم.

وباعتبار أنّ المغترب يسعى دائماً إلى التقرّب من بني جلدته وأهل ملّته ; لأنّهم ملاذه في الشدائد، وأهل السلوى والمواساة عند المصائب، فعرفت الكثيرين في أماكن متفرقة من سويسرا.

وفكّرت في أداء مناسك العمرة استعداداً لأداء فريضة الحج على أحسن الوجوه، ولمّا عرضت عليّ فكرة السفر إلى الحجاز مع عدد من الإخوة وافقت فوراً على مرافقتهم للعمرة.

السفر إلى الحجاز:

حان موعد السفر إلى بلاد الحجاز، وكان الشوق يكاد يطير بي إلى تلك الربوع قبل أن تطير الطائرة، إنّها منّة من منن الباري تعالى في أن ألتحق بالأماكن

٥٣١
 كتاب موسوعة من حياة المستبصرين٦ مركز الأبحاث العقائدية (ص ٥٣٢ - ص ٥٦١)
٥٣٢

أردت أن أعبّر له عن ولائي المطلق الذي لا قيد له، لم أملك نفسي أن بكيت وأنا أقترب من الحجرة الشريفة، فأوقفني الحرّاس المكلّفون بالحجرة الشريفة، ونهرني أحدهم بغلظة قائلاً: "القبلة من هنا" ولمّا قلت له: إنّني أريد أن أتوّجه إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وأزوره، قال لي: ذلك شرك لا يجوز أن تتوجّه للنبي ـ قال ذلك بدون صلاة عليه ـ التوّجه إنّما يكون لله.

أحسست بالحرقة والغبن، وتملّكني حزن عميق على ذلك التصرّف الذي لا مبرر له، والذي يعتبر انتهاكاً لحرمة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، واستخفافاً بشخصه الكريم، أردت أن أدافع عن حقّي في أداء واجبي تجاه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، لكن أحد المرافقين أسرّ إليّ بأنّ أتراجع عن موقفي، خشية تطوّر الأمر إلى الايقاف والإيذاء، فقد حصل ذلك مع عدد من المسلمين الذين أصرّوا على إمضاء زيارتهم للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)كما تجب الزيارة.

قلت له: أليس هؤلاء على المذهب المالكي السني كما هي الحال بالنسبة لنا؟

فقال لي: لا، هؤلاء مختلفون عنّا في عدد من المسائل، والتي بموجبها نسبوا بقيّة المسلمين إلى الشرك بالله، واستحلوا دماءهم وأموالهم وأعراضهم.

لم يكن هناك من بدّ سوى أن أسلّم سلاماً مختصراً، ومجرّداً عمّا كنت أريده، تفادياً لتطوّر الخلاف مع أولئك الوهابية الغلاظ .

وعدّت من تلك العمرة إلى سويسرا، وعندي قناعة ثابتة بالدليل المادي تقول: إنّ الوهابية هي مذهب أسسه عميل المخابرات البريطانية ابن عبد الوهاب، ومنحدر من ضلال ابن تيمية الحنبلي، لا تمثّل في نظري إلا طريق من طرق الانحراف عن النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) ودينه الخاتم.

٥٣٣

الحيرة بين الآراء المختلفة:

في بداية صيف ١٩٨٧م وبينما كنت في قضاء شأن من الشؤون الخاصة في مدينة "منترو" السويسرية اعترضت طريقي عائلة ظهر من زيّها التقليدي أنّها عربية، فشعرت وأنا أرمقهم بالفخر والاعتزاز، عرب مسلمون يتنقلون إلى بلاد الغرب بأزياء تعبّر عن هويّتهم بلا عقد، أعجبت بالموقف، وبقيت أرقب تنقّلات تلك العائلة، وإذا هي تدخل إلى قصّاب سويسري مسيحي لا شتراء اللحم، فصدمت لذلك التصرّف، واقتربت من المحل، وانتظرت لحين خروج ربّ العائلة، وكان شيخاً في الستين من عمره، فحييته وسلّمت عليه، ثمّ ابتدرته سائلاً: لقد رأيتك تشتري لحماً؟

فقال: نعم.

فقلت له: لكنّك اشتريته من قصّاب مسيحي، ليس عنده لحم مذبوح على الطريقة الإسلامية.

فقال: ما فيه مشكلة، سنغسل اللحم بالماء وسوف يطهر.

صعقت من ذلك الجواب، وتساءلت وقتها عن صحّة ما قاله الرجل، وهل غسل الميتة بالماء يعتبر تذكية؟

وهل تصح تلك التذكية؟

ومع قلة إلمامي بالفقه وقتها، لم أصدّق شيئاً مما قاله ذلك الرجل العربي.

ودفعني الاطّلاع إلى شراء كتاب من المكتبة العربية، عنوانه فقه المذاهب الأربعة، فلم يرفع حيرتي في ما أنا فيه، ولا وجدت فتاوى تجيب عن إشكالات العصر، وتجد حلولاً لها.

وبينما أنا منهمك ذات يوم داخل البيت في مطالعة بعض المصادر الروائية، إذ رنّ جرس الهاتف، فأخذت السمّاعة، فإذا أنا بصوت رجل شرقي يكلّمني ويودّ التعرّف عليّ، فوافقت على لقائه وأعطيته عنواني على أن أنتظره أمام مقرّ سكناي،

٥٣٤

وجاء الرجل على متن سيارة، نزل منها وسلّم عليّ وعرّفني نفسه قائلاً: "عدنان" من الكويت. وبادلته بنفس التحيّة والترحيب وقدّمت له نفسي، طلب منّي الأخ "عدنان"، بعد أن ركبت معه في السيارة قائلاً: أنا أريد أن أشتري اللحم المذبوح على الطريقة الإسلامية، فهل ذلك ممكن في هذه الديار؟

فقلت له: نعم، ذلك ممكن، ولكن يحتاج إلى التنقل مسافة للحصول عليه، ولكن لماذا لا تشتري اللحم الذي يبيعه المسيحيون كما فعل ذلك الرجل؟

ورويت له قصّة الرجل.

فاستعاذ الأخ "عدنان" من ذلك السلوك وقال: أنا مختلف تماماً عن ذلك الرجل، ولست مستعداً للقيام بما قام به حتّى لو قضيت مدّة اقامتي في سويسرا بدون لحم، وسألني بعد ذلك عن تديّني ومذهبي، فقلت له: إنّني لا أعرف من الإسلام إلاّ القليل، وأنا الآن في بداية اطّلاعي وبحثي وتعرّفي، فنصحني بأنّ أقرأ وأبحث عن الحقيقة وسط هذا الركام الذي وصل إلينا من قنوات مختلفة وعلى مدى أربعة عشر قرناً مبيّناً لي بأنّ الأمّة منقسمة إلى طائفتين ومذاهب عدّة، مستدلاً بحديث النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، حول انقسام الأمّة الإسلامية إلى ثلاث وسبعين فرقة، واحدة ناجية والباقون في النار(١).

دللت الأخ "عدنان" في الأثناء على الطريق إلى إحدى الضياع لاختيار خرفان، وتكفّل أحد الإخوة المسلمين بذبحهم، وكنت قد طلبت منه مساعدتنا على ذلك، فكان من لطفه وكرمه أن أعطاه الأخ "عدنان" أجره، وأهدى إلينا خروفين، فشكرته على ذلك وودّعته.

ثمّ تعددت اللقاءات مع الأخ "عدنان" وفي كلّ مرّة اكتشف من خلاله الإسلام من نبعه الصافي، وهم أهل البيت (عليهم السلام) الذين عرفتهم عن طريق سلوكه وكلامه وشخصه، وعرّفني بعد ذلك على عائلته الكريمة، من خلال دعوة

١-المستدرك على الصحيحين ١: ١٢٨.

٥٣٥

وجّهها إليّ لزيارته في محلّ إقامته، وانبهرت بالالتزام الذي يعيشه الأخ "عدنان" في وسطه العائلي، وبالروح الإسلامية التي تتحلّى بها العائلة بكافّة أفرادها، فزاد في ذلك اندفاعي إلى اعتناق خط أهل البيت(عليهم السلام)، وتبنّي إسلام الذين أذهب الله تعالى عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.

وتعهّدني ذلك الأخ الكريم، وأحاطني إحاطة لم أعهدها من قبل أن تصدر من إنسان مسلم غيره، وكان في ذلك مقايسة بالنسبة لي بين ذلك الذي تبيح له عقيدته المنحرفة أكل لحم الميتة لمجرد غسله بالماء.

قال لي الأخ "عدنان" في أحد الأيام هل سمعت يوماً بالدكتور التيجاني السماوي التونسي؟

فقلت له: لا، لم أسمع بهذا الاسم من قبل.

فقال: هذا الرجل قد أعلن تشيّعه منذ مدّة، وقد كانت له في إطار تعرّفه على إسلام أهل البيت(عليهم السلام)، سفرات وأبحاث ولقاءات أدّت به إلى اعتناق الإسلام الشيعي الاثني عشري. وقدّم لي كتاباً قائلاً: وهذا واحد من كتبه بعنوان "ثمّ اهتديت".

أخذت من أخي وصديقي الكتاب شاكراً له اهتمامه الكبير بي، ثمّ خلوت بنفسي لمطالعة الكتاب الذي التهمته بسرعة قياسية، فكان بحق الانطلاقة الحقيقية نحو التشيّع، والإقلاع الصحيح نحو فضاءات أئمة الهدى، والوجهة التي طالما بحثت عنها للخروج من دوّامة التعبّد العشوائي بلا إمامة ولا قيادة ولا بيعة، تاركاً وراء ظهري إسلام بني أميّة الذين لا يزال الناس يتعبّدون به إلى اليوم على أساس أنّه الإسلام الصحيح، ولو خرجوا منه واطّلعوا عليه لوجده خليطاً غير متجانس من أحكام وعقائد لا يمكن أن تبنى بها أمّة الإسلام.

ومع ما كان الأخ "عدنان" يمدّني به من كتب، كان يتعهّدني كذلك بالحديث والإجابة على أسئلتي واستفساراتي، ولم يتركني إلاّ وقد ثبتت روحي على

٥٣٦

المنهاج المحمّدي الصافي الذي عليه المسلمون الشيعة الإمامية الاثني عشرية، وكانت هدايتي على يديه، مدعومة بكتاب "ثمّ اهتديت" للدكتور التيجاني السماوي، فالحمد لله على نعمة الهداية، وله الشكر على بلوغ درجة اتّباع أهل الولاية وصراطهم المستقيم.

٥٣٧

(١٢٦) حفيظ بالخيرية

(سنّي / تونس)

ولد عام ١٣٨١هـ (١٩٦٢م) في تونس، دفعته الرغبة في طلب العلم إلى إعادة النظر في معتقداته الموروثة وغربلتها ومقارنتها مع عقائد بقية المذاهب الإسلامية، وكانت النتيجة ترك مذهبه الموروث واعتناقه لمذهب أهل البيت(عليهم السلام).

واصل "حفيظ" مراسلته مع مركز الأبحاث العقائدية للعثور على الإجابات الشاملة لأسئلتة العقائدية، ومن جملة الأسئلة التي وجّهها للمركز وحصل على إجابتها ما يلي:

السؤال الأوّل: لماذا يشكل الشيعة على بعض اجتهادات عمر بن الخطاب خلال خلافته؟

الجواب: أساس النزاع في المسألة هو عدم شرعية خلافة عمر، ولكن نضيف فنقول: إنّ الوالي الشرعي ليس له أن يجتهد في مقابل النصّ، بل إنّ اجتهاده يجب أن يبقى في نطاق النص.

وما صدر عن عمر ـ فضلاً على عدم شرعية خلافته ـ لم يعتبر من الاجتهاد المسموح، بل كان تصدّياً للنصّ بصراحة وصلافة حين ما اعترف بإباحة هذا المورد في عهد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ثمّ حكم بتحريمه، وأين هذا من اجتهاد مجتهد في إطار معترف به: إمّا لتطبيق النصّ، أو لحلّ تعارض النصوص، أو حتّى لملئ الفراغ

٥٣٨

الحاصل من فقد النصّ الخاص.

السؤال الثاني: في حديث الثقلين وردت جملة "لن يفترقا" مع أنّ علوم ذريّة نبينا قد انقطعت منذ ألف سنة، مع أنّ الحديث يؤكّد على تلازمهما في الوجود إلى يوم القيامة، وما الشأن في هذا المقام للحديث الذي يقول: "يأتي على أُمّتي كلّ مائة سنة من يجدد دينها"؟

الجواب: حديث الثقلين يؤكّد تلازم الثقلين وجوداً، وأمّا انقطاع العلوم عنّا فهذا أمر آخر لا يرتبط بذلك التلازم المذكور، فالحديث يحثّ المسلمين على التمسّك بأهل البيت(عليهم السلام) حتّى يكونوا على اتّصال بهذين المصدرين في طريق الهداية.

على أنّنا لا نتّفق معك في موضوع الانقطاع حتّى بالنسبة إلينا، فهذه الأحاديث المتوفّرة لدينا يربوا عددها عن الآلاف، والتي تعطينا القطع واليقين بصدور مجموعة كبيرة منها عن المعصومين(عليهم السلام) خير دليل على استمرارية عطاء أهل البيت(عليهم السلام).

وأمّا الرواية التي ذكرتها: "يأتي على أُمّتي..." لم ترد عن طريق الخاصة، بل جاءت في مصادر العامة بسند غير نقي، وإنّما اشتهرت عند كلّ فرقة وطائفة لمصالح اقتضت عندهم في تطبيقها على من يشاؤون.

وحتّى مع قبول هذه الرواية، فإنّها بصدد التعبير عن العلماء الذين هم في القمة، وتكون لهم مميّزات فريدة تفرزهم عن الآخرين، وليس كلّ تجديد يعني التغيير في الأساس، بل معنى الرواية ـ بالشكل الذي يتلاءم مع باقي النصوص ـ هو: أنّ في كلّ عصر من يذب عن الدين والشريعة بعد ما يريد الباطل أن ينسيه أو يتناساه.

السؤال الثالث: ألا تؤدّي نظرية ولاية الفقيه إلى تعارض بين ولايته مع ولاية الإمام؟

٥٣٩

الجواب: إنّ صلاحيات الفقيه قد خوّلت إليه من قبل الإمام(عليه السلام)، أي أنّه وكيل في التصرّف، أو بمعنى أوضح هو نائب عن الحجّة(عليه السلام)، فلا مجال لتوهّم معارضة ولايته مع ولاية الإمام(عليه السلام)، فإنّ دائرة عمل الوكيل ليست بالأصالة بل بالنيابة وتكون في حالة غياب الموكّل والمنوب عنه.

٥٤٠