×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

زيد بن علي (عليه السلام) / الصفحات: ٢١ - ٤٠

بروايات المدح دون روايات الذمّ، فهذه أمور لا تصلح أن تكون دليلاً، بل هي بحاجة إلى دليل .

الملاحظة الثانية:

إنّه لا يكفي لإثبات وثاقة ومدح زيد، وبيان حسن فعله ومشروعيّة ثورته أن نأتي برواية أو روايتين في المدح صحيحتي السند; وذلك لأنّه توجد روايات ذمّ منها ما هو صحيح السند، فلكي يثبت مدح زيد لابدّ من إثبات مدحه أوّلاً، ثمّ الجواب والردّ على روايات الذمّ ثانياً .

إذن فالسيّد الأمين لابدّ أن يجيب عن روايات الذمّ أيضاً .

وقد ذكر السيّد أربع روايات من روايات الذمّ، نستعرضها ونرى كيف أجاب عنها:

الرواية الأُولى :

رواية الكشّي بسنده عن أبي خالد القمّاط، قال: "قال لي رجل من الزيديّة ـ أيّام زيد ـ ما منعك أن تخرج مع زيد؟

قال: قلت له: إن كان أحد في الأرض مفروض الطاعة فالخارج قبله هالك" إلى أن قال: "فمضيت من فوري إلى أبي عبداللّه(عليه السلام) فأخبرته بما قال لي الزيديّ وبما قلت له ـ وكان متّكئاً فجلس ـ ثمّ قال: أخذته من بين يديه ومن خلفه" إلى آخر الرواية.

فالإمام(عليه السلام) يقرّ كلام القمّاط، وكان كلام القمّاط: "إن كان أحد في الأرض مفروض الطاعة، فالخارج قبله هالك"، ومفروض الطاعة كان موجوداً، وهو الإمام(عليه السلام)، وزيد خرج قبله، فزيد هالك .

يستعرض السيّد الأمين هذه الرواية، ويجيب عنها كالآتي:

إنّ الخارج إنّما يكون هالكاً إذا خرج مدّعياً الإمامة لنفسه، وزيد إنّما خرج

٢١

للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر داعياً إلى الرضا من آل محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم).

أقول: ولكن هذا جواب غير تامّ; وذلك لأنّ الرواية لم تقيّد الهلاك بادّعاء الإمامة، بل الرواية أطلقت، وقالت: "الخارج قبله هالك" سواء ادّعى الإمامة أم لم يدّعها، فعلّقت الهلاك على أصل الخروج، فالرواية تامّة من حيث الدلالة على ذمّ زيد.

فالنقاش في هذه الرواية ليس في دلالتها كما فعل السيّد الأمين، بل النقاش الصحيح هو في سندها، فسند هذه الرواية ضعيف، كما سيأتي بحثها السندي في روايات الذمّ.

الرواية الثانية:

وأمّا الرواية الثانية التي استعرضها السيّد الأمين، فهي رواية الكشّي بسنده عن بكار بن أبي بكر الحضرمي، قال: "دخل أبو بكر وعلقمة على زيد بن علي، وكان علقمة أكبر من أبي، فجلس أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، وكان بلغهما أنّه قال: ليس الإمام منّا من أرخى عليه ستره، إنّما الإمام من شهر سيفه" إلى آخر الرواية.

والذمّ في متن هذه الرواية واضح جدّاً، ولم يناقشه السيّد الأمين، ولكنّه قال حوله: على فرض صحّته معارض بالأخبار الكثيرة المستفيضة المتقدّمة، الدالّة على احترام زيد لأخيه الباقر(عليه السلام)، واعترافه بإمامته وعلى احترامه لابن أخيه الصادق(عليه السلام)، واعترافه بإمامته، واحترام الصادق(عليه السلام) له وحزنه لقتله وتفريقه المال في عيال من قتل معه.

ولكن ذكرنا فيما سبق بانّه ذكر (١٦) رواية فقط، وهذا عدد لا يحلّ التعارض الذي اعترف به السيّد الأمين، وسنبيّن ـ لاحقاً ـ أنّ روايات الذمّ أكثر من عشرين رواية .

٢٢

والجواب الصحيح عن هذه الرواية هو أنّها ضعيفة السند، كما سيأتي بيانه في البحث السندي لروايات الذمّ.

ثمّ يذكر السيّد رواية ثالثة، ويجيب عليها بجواب غير مقبول أيضاً.

ثمّ يذكر رواية رابعة من روايات الذم، ويجيب عليها بجواب وإن كان صحيحاً إلاّ أنّه كماسنبيّن في بحث تلك الرواية أنّها لابدّ أن تعدّ ضمن روايات المدح فضلاً عن كونها لا تفيد الذم.

ثمّ يذكر السيّد الأمين جواباً واحداً على جميع روايات الذمّ، قائلاً: وجواب واحد على جميع هذه الأخبار (أخبار الذمّ) بعد تسليم سندها، هو: أنّ ما دلّ على مدحه أكثر وأشهر، ومعتضد بقرائن أُخرى .

وهذا الجواب يرد عليه:

أوّلاً: من قال: إنّ الأكثر يقدّم على الكثير؟! والأشهر يقدّم على المشهور؟

ثانياً: أنّ السيّد الأمين ذكر (١٦) رواية مدح فقط، في حين توجد (٢٤) رواية عدّت من روايات الذمّ، كما سنذكرها في عرض روايات الذمّ، وعليه سوف تكون روايات الذمّ أكثر، فلابدّ أن تقدّم بناءً على ما التزمه من تقديم الأكثر.

فكتاب السيّد الأمين وإن احتوى على معلومات قيّمة وملاحظات جيّدة إلاّ أنّه لا يفي بالغرض، ولا يحلّ مسألة مدح أو ذمّ زيد .

الكتاب الثاني :

كتاب زيد الشهيد للسيّد عبدالرزّاق المقرّم .

ذكرنا قبل قليل بأنّ البحث عن زيد لا يقتصر على إثبات مدحه فقط، بل لابدّ من الجواب على الروايات الذامّة، وإيجاد الحلّ المناسب والعلمي لها.

أمّا في خصوص إثبات مدح زيد وحسن حاله، يذكر السيّد المقرّم (٣٣) رواية

٢٣

مدح، وهذا عدد لا بأس به بالنظرة الأُولى، ولكن عندما نتتبّع تلك الروايات نجد أنّ كثيراً منها لا يصحّ الاستدلال به، فقد نقل (١٠) روايات من كتب غير الشيعة الإماميّة، على أنّ خمسة منها من كتب الزيديّة، والروايات كلّها تثبت ما يرتأوه من مذهبهم ومعتقدهم، وهذه روايات لا يصحّ الاستدلال بها لإثبات قضيّة تخصّ الشيعة الإماميّة الاثني عشريّة .

ولهذا سيقل عدد الروايات، ويصل إلى (٢٣) رواية فقط.

ثمّ إنّ بعضها مناقش دلالةً فضلاً عن السند، ولا تفيد المدح أصلاً، بل غريبة عنه، كرواية (تقسيم المال على عيال من أُصيب مع زيد) كما سيأتي الكلام عنها في البحث الدلالي .

وعليه فسيتراجع عدد الروايات إلى (٢٢) رواية مدح فقط، وهذا العدد يرد عليه أمران:

الأوّل: أنّه لا يحقّق التواتر، مع لحاظ روايات الذمّ الآتية.

الثاني: أنّه لا يعكس حتّى نصف عدد روايات المدح التي سنستعرضها لاحقاً.

ثمّ أشار السيّد المقرّم ـ بعد استعراضه لروايات المدح ـ إلى نتائج تلك الروايات، فأثبت خصوصيّات جميع الروايات لزيد، وهذا ما يبعث الاستغراب، فإنّه قال: "إنّ الأئمّة الهداة يتفألّون من غرّة تلك النهضة الهاشميّة أن يعود الحقّ إلى نصابه" فكأنّ ثورة زيد أمل أهل البيت(عليهم السلام) الذي سيعيد إليهم(عليهم السلام) حقّهم المغصوب!! مع أنّ السيّد المقرّم بيّن ـ عند مناقشته لبعض روايات الذمّ التي صحّ سندها ـ أنّه ضرورة حمل هذه الروايات على النهي الارشادى، وأنّها قصدت إخبار زيد بمصيره ومنتهى أمره من قتل وصلب وحرق، وعليه فأهل البيت(عليهم السلام)يعلمون نتيجة ثورة زيد، فكيف تكون أملهم؟!

٢٤

وقال أيضاً: "وهي التي أظهرت مظلوميّة الأئمّة(عليهم السلام) ومثّلت للملأ أحقّيّتهم بالخلافة من غيرهم"، ثمّ قال: "وانكشف لنا بكلّ وضوح امتثاله أمر الإمام في نقض دعائم الإلحاد وتبديد جيش الظلم والباطل"، ثمّ يستدلّ السيّد المقرّم على هذه الدعاوى بقوله: "خصوصاً إذا قرأنا قول الباقر(عليه السلام): ويل لمن سمع واعيته فلم يجبه. وقول الصادق(عليه السلام): إذا دعاكم فأجيبوه، وإذا استنصركم فانصروه. وقوله: أشركني اللّه في تلك الدماء. وقوله: بايعوه. وقوله: خرج على ما خرج عليه آباؤه".

فقد تعامل السيّد المقرّم مع هذه الأخبار على أنّها ثابتة، فاستنتج منها ما يريد، ولكن كلّ هذه الأخبار ضعيفة السند ـ كما سنثبت هذا من خلال البحث السندي لروايات المدح ـ، فكيف أثبت السيّد(رحمه الله) خصوصيّات هذه الأخبار لزيد؟! وهذا غريب منه رحمه اللّه تعالى.

إلى الآن فإنّ السيّد المقرّم يمكنه إثبات مدح زيد من خلال رواية أو روايتين فقط، وهي التي صحّ سندها، وهذا يعدّ خبر واحد .

ثمّ يستعرض السيّد المقرّم روايات الذمّ ويذكر بعض الحلول لها، وقبل عرض روايات الذمّ التي ذكرها نقف عند بعض كلمات السيّد(رحمه الله).

قال: "الأحاديث الذامّة من وضع الكذّابين، حلفاء الباطل ... ، تلك الأحاديث التي حملتها جمعيّة الضلال لتلويث ساحة رجل الحقّ".

أقول: إنّ بعض روايات الذمّ قد صحّ سندها، ورجالها كلّهم ثقات وعدول، وبعضهم من أجلاّء الطائفة ومن كبار صحابة الأئمّة(عليهم السلام)، وهذا أمر أقرّه السيّد المقرّم نفسه، بل كلّ علمائنا، فسند رواية الكليني في الكافي فيه: أحمد بن محمّد ابن عيسى، وعلي بن الحكم، وأبان، والأحول، وهؤلاء كلّهم من كبار علماء الشيعة وصحابة الأئمّة(عليهم السلام) وثقاتهم ومخزن أسرارهم.

٢٥

وهناك روايات أُخرى صحّ سندها، فيها رجال معتمدون، ثقات، أجلاّء، فكيف يصفهم السيّد(رحمه الله) بأنّهم كذّابون حلفاء الباطل؟!

نعم، وإن كان كلام السيّد المقرّم إنشائي وأدبي أكثر ممّا هو علمي، ولكن مع ذلك يجب أن نحافظ على كرامة كبار رواتنا ومحدّثينا ومن نقل إلينا أقوال الأئمّة(عليهم السلام) فإنّ لهم حقّاً كبيراً علينا، رحمهم اللّه وأعلى درجاتهم.

وفي هذا الصعيد استعرض السيّد المقرّم (١٣) رواية ذمّ وأجاب عليها باجوبة، بعضها صحيحة وفي محلّها، وهي تلك الأجوبة التي لاحظ فيها(رحمه الله) السند، فإنّ الروايات التي ضعفها كلها كذلك، وسيأتي الكلام عنها مفصّلاً في البحث السندي لروايات الذمّ.

ولكن كلّ الكلام معه في نقاشه لروايتين صحيحتي السند من روايات الذم، فنقاشه(رحمه الله) غير مقبول جدّاً وهما:

الرواية الأُولى:

وهي رواية الكافي بسنده عن أبان ، قال: أخبرني الأحول: "أنّ زيد بن علي بن الحسين بعث إليه وهو مستخف، قال: فأتيته، فقال لي: يا أبا جعفر ما تقول إن طرقك طارق منّا أتخرج معه؟

قال: فقلت له: إن كان أباك أو أخاك خرجت معه.

قال: فقال لي: فأنا أريد أن أخرج أجاهد هؤلاء القوم فاخرج معي.

قال: قلت: لا، ما أفعل جعلت فداك.

قال: فقال لي: أترغب بنفسك عني؟

قال: قلت له: إنّما هي نفس واحدة، فإن كان للّه في الأرض حجّة، فالمتخلّف عنك ناج، والخارج معك هالك، وإن لا تكن للّه حجّة في الأرض، فالمتخلّف عنك والخارج معك سواء.

٢٦

قال: فقال لي: يا أبا جعفر، كنت أجلس مع أبي على الخوان، فيلقمني البضعة السمينة، ويبرّد لي اللقمة الحارّة حتّى تبرد; شفقة عليّ، ولم يشفق عليّ من حرّ النار؟ إذاً أخبرك بالدين ولم يخبرني به!

فقلت له: جعلت فداك، من شفقته عليك، إلى أن قال الأحول: فكذا أبوك كتمك; لأنّه خاف عليك.

قال: فقال: أما واللّه لأن قلت ذلك لقد حدّثني صاحبك بالمدينة أنّي أقتل وأصلب بالكناسة، وأنّ عنده صحيفة فيها قتلي وصلبي .

فحججت فحدّثت أبا عبداللّه(عليه السلام)بمقالة زيد، وما قلت له، فقال لي: "أخذته من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، ومن فوق رأسه، ومن تحت قدميه، ولم تترك له مسلكاً يسلكه".

أجاب السيّد المقرّم عن هذه الرواية بعدّة أجوبة:

الجواب الأوّل:

قال: "ونحن إذا تأمّلنا في قول زيد: "ولقد حدّثني صاحبك بالمدينة..." تتجلّى دلالته على الإذن من الإمام الصادق(عليه السلام) في الخروج مع إيقافه على منتهى أمره".

وهذا الجواب يرد عليه، أوّلاً: أنّ كلام زيد لا يفيد أكثر من أنّ الإمام الصادق(عليه السلام) أخبره بما يؤول إليه أمره، وأ نّه يقتل ويصلب، ولا دلالة فيها على الإذن .

ثانياً: أنّ هذا الجواب لا يناسب ما قدّمه السيّد المقرّم من أنّ ثورة زيد أمل الأئمّة(عليهم السلام) وأنّهم أمروا بها !

الجواب الثاني:

قال: "وقوله... "لقد كنت أجلس مع أبي على الخوان"، يستشعر منه سابقة إذن من أبيه في الخروج".

٢٧

ويرد على هذا الجواب: أ نّه غاية ما يثبته أنّ زيداً لا يعرف الإمام الحجّة، ولا أدري كيف استشعر السيّد المقرّم من قول زيد هذا إذن الإمام(عليه السلام) بقيام زيد .

الجواب الثالث:

قال: "وأمّا قول الصادق(عليه السلام): "أخذته من بين يديه ومن خلفه..."، فلا يدلّ إلاّ على مدح الأحول، وأ نّه عارف بطرق المناظرة، وليس فيها تعريض للتنديد والذمّ والحطّ من مقام زيد".

ويرد على هذا الجواب: أنّ كلام الإمام(عليه السلام) بنفسه ليس فيه ذمّ لزيد، ولكن كلام الإمام(عليه السلام)كان تقريراً لكلام الأحول، وقبولاً له، وكلام الأحول كان: "فإن كان للّه في الأرض حجّة فالمتخلّف عنك ناج والخارج معك هالك"، وهذا كلام في غاية الذمّ لزيد وعدم مشروعيّة قيامه .

الجواب الرابع:

قال: "وامتناع الأحول من الخروج معه وقوله ما لا يليق بشأنه، ليس الغرض منه إلاّ التحفّظ على الإمام الصادق(عليه السلام)".

ويرد على هذا الجواب: أنّ هذا الجواب يصحّ إذا لم يعلّل الأحول عدم خروجه مع زيد، ولكنّه علّل عدم خروجه بأنّ الخروج هلاك وعدم الخروج نجاة إن كان في الأرض حجّة .

فأجوبة السيّد المقرّم على هذه الرواية وفقرات الذمّ التي فيها كلّها مردودة ومناقشة .

كما أنّ السيّد المقرّم لم يجب على فقرة إقرار زيد بعدم معرفته بالأئمّة المفترضة طاعتهم، الذين ينجو من تمسّك بهم ويهلك من خالفهم، وهذه القضيّة غاية في الذمّ.

٢٨

الرواية الثانية:

عن الكشّي، عن أبي الصباح الكناني، قال: "جائني سدير فقال لي: إنّ زيداً تبرّأ منك، قال: فأخذت على ثيابي، قال: وكان أبو الصباح رجلاً ضارياً، قال: فأتيته فدخلت عليه وسلّمت عليه، فقلت له: يا أبا الحسين، بلغني أ نّك قلت: الأئمّة أربعة، ثلاثة مضوا، والرابع هو القائم" إلى أن قال: "ومضيت إلى أبي عبداللّه(عليه السلام)، ودخلت عليه، وقصصت عليه ما جرى بيني وبين زيد، فقال: أرأيت لو أنّ اللّه تعالى ابتلى زيداً، فخرج منّا سيفان آخران، بأيّ شيء يعرف أيّ السيوف سيف الحقّ؟ واللّه ما هو كما قال لإن خرج ليقتلن".

أجاب السيّد المقرّم عن هذه الرواية بقوله: "الحديث (المتقدّم) لا يمكن الاعتماد عليه; لأ نّه من الآحاد، لا يمكن الاعتماد عليه; لأ نّه من الآحاد التي لا توجب علماً ولا عملاً، سيّما في الوقيعة بأعراض المسلمين والنيل منهم، وعلى الأخصّ من مثل زيد المعدود في رجالات أهل البيت وعلمائهم الذين أُمرنا بمودّتهم وإكبارهم".

ويرد على هذا الجواب أوّلاً: إن كان هذا خبر واحداً، ولا يوجب علماً، فإنّ روايات المدح أيضاً خبر واحد، ولا توجب علماً; لأنّ ما صحّ منها من التي ذكرها السيّد المقرّم من روايات المدح اثنتان فقط، فهي أخبار آحاد، وإن ادّعى السيّد أنّ أخبار المدح التي قدّمها توجب علماً; لأ نّها تفيد التواتر، فهذا يرد عليه أ نّها لا تفيد التواتر; وذلك لأنّه لو كان عدد روايات المدح المتقدّمة يوجب التواتر، وهي (٢٢) رواية فقط ـ التي تمّت دلالتها من كتب الشيعة الإماميّة ـ فإنّ روايات الذمّ بلغت (٢٤) رواية، وهذا عدد يوجب التواتر من باب أولى .

ويرد على جواب السيّد المقرّم ثانياً:

أنّه ادّعى أنّ هذه الرواية لا تصحّ; لأ نّها تذمّ زيداً الذي هو من أهل البيت

٢٩

وعلمائهم الذين أمرنا بمودّتهم وإكبارهم.

أقول: نحن بصدد بيان وإثبات أنّ زيداً هل هو من علماء أهل البيت أولا؟ أي أنّ هذه القضية لم تثبت لزيد بعد، فكيف نتمسّك بها لردّ رواية الذمّ ؟! وهذا ما يسمّى بالمصادرة على المطلوب .

وعليه فالسيّد المقرّم لم يقدّم الجواب الوافي عن روايات الذمّ، وتبقى هذه القضيّة محلاًّ للسؤال، وأ نّه كيف نجيب عن روايات الذمّ؟

الكتاب الثالث:

كتاب زيد بن علي للشيخ نوري حاتم.

فإنّه استدلّ على مدح زيد برواية أو روايتين ضعيفتي السند، وهذا استدلال باطل من الأساس كما لا يخفى، مع أ نّه كان بإمكانه أن يستدلّ على ذلك بروايات صحيحة السند على الأقلّ .

ثمّ يذكر بعض روايات الذمّ ويذكر وجوهاً ضعيفة جدّاً لردّها، لم نذكرها لقلّة عدد الروايات التي ذكرها ولضعف وجوه الردّ التي أوردها.

فكتابه لا يثبت مدح زيد لا من قريب ولا من بعيد، بل على أفضل وجه يأخذ مدح زيد أصل موضوعي بحاجة إلى إثبات في مكان آخر.

الكتاب الرابع:

كتاب ثورة زيد بن علي لناجي حسن.

فقد ذكر المزيد من التفاصيل والجزئيّات المرتبطة بثورة زيد، مع بيان أسبابها ودوافعها، ونقاط قوّتها وضعفها، وأسماء رجالاتها، ولكنّه أخذ بعد ذلك مسألة إثبات مدح زيد كأمر مسلّم وثابت، ولم يطرح هذه القضيّة على أ نّه يريد أن يثبتهاكقضية تتطلّب الاثبات، بل طرحها كقضيّة ثابتة وبيّنة .

٣٠

فهذا الكتاب ـ أيضاً ـ لا يثبت مدح زيد، ولا يناقش روايات الذمّ; لأنّه ليس بصدد ذلك أصلا .

الكتاب الخامس:

كتاب الزيديّة في موكب التاريخ للشيخ جعفر السبحاني.

وهذا الكتاب وإن لم يخصّص للحديث عن زيد فقط، إلاّ أ نّه ذكر فصولاً عن زيد وحده، وحاول أن يثبت مدحه ونزاهته وصحّة طريقه وجهاده.

يذكر الشيخ السبحاني في كتابه هذا بعض تواريخ زيد، ويعتمد فيها على بعض الروايات الضعيفة، ثمّ يذكر بعض روايات المدح، كما ذكرها السيّد المقرّم في كتابه زيد الشهيد، ثمّ ينقل كلام السيّد المقرّم ورأيه في روايات المدح، وكونها تفيد الاستفاضة وتورث الاطمئنان بمدح زيد من قبل الأئمّة(عليهم السلام) .

وقد عرفت في ما تقدّم من ملاحظات حول كتاب زيد الشهيد للمقرّم أنّ دعوته هذه يرد عليها أكثر من إشكال .

ثمّ إنّ الشيخ السبحاني لا يتطرّق إلى الجانب المهمّ في قضيّة زيد والجهة الأُخرى، فإنّه لم يذكر روايات الذم أصلاً فضلاً عن إبداء حلول لها.

فهذا الكتاب ـ أيضاً ـ لا يعطينا الجواب الوافي حول مسألة مدح أو ذمّ زيد بن علي(عليه السلام).

الكتاب السادس :

كتاب شخصيّة وقيام زيد بن علي للسيّد أبي فاضل الرضوي.

يذكر المؤلّف أكثر من (٢٥) رواية في مدح زيد، ويستنتج منها بأنّ زيداً مأذون في قيامه، ولكن هذا العدد لا يكفي في إثبات مدح زيد; وذلك لأنّ هذا العدد لا يحقّق التواتر، أو الاطمئنان بصدور المدح لزيد; وذلك لأ نّه كما سيأتيك في عرض

٣١

روايات الذمّ أنّ عددها بلغ (٢٤) رواية، فلا يمكن أن يكون هذا العدد يفيد الاطمئنان فضلاً عن التواتر.

وعليه فالدليل الأساسي لإثبات مدح زيد عنده يكون عبارة عن الروايات التي صحّ سندها، ولكن هذه الروايات لا تكفي لإثبات المدح إذا لم يبيّن حلولاً وافية لروايات الذمّ، والتي صحّ سندها أيضاً .

ثمّ يذكر السيّد الرضوي ٨ روايات ذمّ، وهي تلك الروايات التي ذكرها السيّد الخوئي في المعجم وناقشها، فينقل السيّد الرضوي كلام السيّد الخوئي نفسه من حيث مناقشته للسند والدلالة، وقد ناقشنا هذه الروايات لاحقاً في بحث الدلالة وبحث السند، فلا داعي لمناقشة السيّد الرضوي هنا .

نعم، ذكر السيّد الرضوي عدّة أجوبة كلّية لروايات الذمّ، كلّها غير مقبولة وهي:

الجواب الأوّل:

إنّ روايات الذمّ أكثرها ضعيفة السند .

أقول: أولاً: هذا جواب لا محصّل منه; لأ نّه لم يدّع أحد أنّ روايات الذمّ أكثرها صحيحة السند، ثانياً: ما هو جوابه أزاء الروايات القليلة التي صحّ سندها؟

علماً بأنّ السيّد الرضوي اعتمد على كلام السيّد الخوئي في التصحيح والتضعيف، وقد قال السيّد الخوئي عن روايات المدح: أ نّها جلّها، بل كلّها ضعيفة السند، أو مناقشة، فعلى هذا الجواب تكون روايات الذم أحسن حالاً من روايات المدح!

الجواب الثاني:

أنّه مع فرض وجود خبر واحد صحيح من أخبار الذم، إلاّ أنّ الأكثر قد أعرض عنها، ولم يعمل بها.

أقول: أوّلاً: أنّ روايات الذمّ التي صحّ سندها ليست واحدة، بل هي خمس

٣٢

روايات ـ كما سيأتي في البحث السندي لروايات الذمّ ـ نعم، اثنتان منها لم تتم دلالتها على الذمّ ، وهذا ما سنبيّنه هنا إن شاء اللّه، وكونها واحدة هو رأي السيّد الخوئي وقد ناقشناه في محلّه.

وثانياً: لا يصلح إعراض الأكثر أن يكون دليلاً لطرح (٢٤) رواية، خمس منها صحيحة السند كما سيأتي، بل هذا الإعراض نفسه بحاجة إلى دليل، على أنّ هذه المسألة محلّ خلاف، نعم، إعراض الكلّ له وجه .

الجواب الثالث:

أخبار الذمّ معارضة بأخبار المدح الكثيرة، ويمكن ادّعاء التواتر المعنوي منها.

وهذا الجواب وإن كان صحيحاً، إلاّ أ نّه بحاجة إلى إثبات، فالعدد الذي ذكره لروايات المدح لا يثبت هذا المطلب.

الجواب الرابع:

على فرض ضعف جميع أسناد روايات المدح، فعمل الأصحاب بها يجبر ضعف السند.

ويرد على هذا الوجه:

أوّلاً: أنّ انجبار ضعف السند لا يحلّ المشكلة مع عدم تواتر روايات المدح، ومع ثبوت التواتر فلا حاجة إلى انجبار السند من أجل إثبات مدح زيد.

ثانياً: أنّ مسألة انجبار السند بعمل الأصحاب مسألة خلافيّة.

على أنّ ضعف سند جميع روايات المدح رأي السيّد الخوئي، نقله السيّد الرضوي في كتابه هذا، وبيّنا في البحث السندي أنّ هذا الرأي خاطىء جزماً حتّى على ضوء مباني السيّد الخوئي الرجاليّة، فلا داعي إلى ذكره أصلاً.

الجواب الخامس:

على فرض صحّة أخبار الذمّ، فإنّ أكثرها تحمل على التقيّة.

٣٣

ويرد عليه:

أوّلاً: أنّ حمل أكثرها على التقيّة لا يحلّ المشكلة، فمع بقاء بعض الروايات تامّة الدلالة على الذمّ والتي لا يمكن حملها على التقيّة مع صحّة سندها، تبقى المشكلة قائمة ولا تنحلّ .

ثانياً: أنّ بعض روايات الذمّ لا يمكن حملها على التقيّة; لأنّ حملها على التقيّة يلزم منه أمور باطلة لا يلتزم بها أحد كما سيأتي.

الجواب السادس:

أنّ أخبار الذمّ مدسوسة من قبل بني أُميّة وبني العبّاس، ونسبوها إلى كبار أصحاب الأئمّة.

ويرد عليه:

أوّلاً: أنّ هذه دعوة بحاجة إلى إثبات وإقامة البرهان.

ثانياً: أنّ بعض الروايات صحّ سندها فكيف يمكن ادّعاء الدسّ فيها؟! وإلاّ لجاز الدسّ في كلّ رواية .

فإلى الآن لم تثبت هذه الكتب الجواب الوافي عن روايات الذمّ، وإن أثبت بعضها مدح زيد بدليل تامّ، ولكن هذا لا يكفي كما قدّمنا .

والجواب الوافي والقاطع لإثبات مدح زيد ودفع إشكال روايات الذمّ، هو ما حاولنا تسليط الضوء عليه وإثباته في كتابنا هذا.

ولا يفوتني أن أقدّم جزيل شكري للشيخ الأستاذ قيصر التميمي لتفضّله بمراجعة الكتاب وإبدائه ملاحظات قيّمة .

وكذا الشكر الجزيل للشيخ لؤي المنصوري والشيخ علاء الحسّون على ملاحظاتهما المفيدة.

رافد التميمي
١ / رمضان / ١٤٢٧




٣٤
٣٥

الفصل الأوّل

موجز عن حياة زيد بن علي(عليه السلام)

٣٦
٣٧

موجز عن حياة زيد (عليه السلام)

نذكر ـ قبل الخوض في استعراض الروايات ـ موجزاً عن حياة زيد بن علي(عليه السلام); لمعرفة بعض أحداث ثورته، وجملة من أسبابها، ولتتبلور صورة مبسّطة في أذهاننا عمّا جرى على زيد بن علي(عليه السلام).

اسمه ونسبه :

هو: زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(عليهم السلام).

ولادته:

اختلفت المصادر في تحديد ولادته، ولكنها حصرتها بين سنة ٧٥ ـ ٧٩ هـ (١).

كما وقع الخلاف في تحديد سنة استشهاده، وقد أوعز البعض الاختلاف في ولادته إلى الاختلاف في شهادته، لأ نّهم ذهبوا إلى أنّ عمر زيد(عليه السلام) ٤٢ سنة.

قال السيّد محسن الأمين في الأعيان:

ولد سنة ٧٥ كما أخطب(٢) خوارزم، أو ٧٨ كما عن رواية أبي داود، واستشهد يوم الاثنين، وفي رواية المقاتل يوم الجمعة، لليلتين خلتا من صفر سنة ١٢٠، وله ٤٢ سنة، كما في الإرشاد، والمحكي عن مصعب الزبيري، والزبير بن بكار، أو ١٢١ كما عن الواقدي ورواية المقاتل وكما في الرياض، في عمدة الطالب روى أ نّه قتل في النصف من صفر سنة ١٢١، وفيه عن ابن فرداد أ نّه قتل وهو ابن ٤٨

١- ولكن تفرّد الشيخ السبحاني في كتابه الزيديّة، قال: إنّ ولادته سنة ٦٧ أو ٦٨هـ .

٢- كذا في المصدر.

٣٨

سنة، وعن محمّد بن إسحاق بن موسى: أ نّه قتل على رأس ١٢٠ سنة وشهر و ١٥ يوماً، وقال ابن الأثير: قتل سنة ١٢١، وقيل سنة ١٢٢.

أقول: وكلّها لا تنطبق على أن يكون عمره ٤٢ أو ٤٨، بل أو ٤٤ أو ٤٥ أو ٤٦ و٤٧ إلاّ القول بأ نّه ولد سنة ٧٨، واستشهد سنة ١٢٠، فيكون عمره ٤٢ سنة(١).

أمّه(عليه السلام) :

أمّه أم ولد، اشتراها المختار الثقفي، وأهداها إلى الإمام السجّاد(عليه السلام)، واسمها حوريّة أو حوراء، وأنجبت للإمام(عليه السلام) زيداً وعمراً وعلياً وخديجة.

لقبه :

كان يلقّب ويعرف بـ"حليف القرآن"، و"زيد الأزياد". قال المقرّم في كتابه زيد الشهيد: "إشارة إلى أ نّه مقدّم على كلّ من سمّي بهذا الاسم"(٢).

كنتيه :

كان يكنّى بأبي الحسين، وهو "الحسين ذو الدمعة" ابنه الأكبر .

صفته :

كانت صفته: تامّ الخلق، طويل القامة، جميل المنظر، أبيض اللون، وسيم الوجه، واسع العينين، وصفات أُخرى ذكرت في محلّها .

نقش خاتمه :

كان نقش خاتمه: اصبر تؤجر اصدق تنجُ .

١- أعيان الشيعة ٧ : ١٠٧.

٢- زيد الشهيد : ١ .

٣٩

نشأته :

نشأ زيد بن علي(عليه السلام) وتربّى في أحضان العصمة والإمامة في أحضان أبيه السجّاد زين العباد(عليه السلام)، ومن ثمّ تعلّم وأخذ عن مدرسة أخيه الباقر(عليه السلام) باقر علوم الأوّلين والآخرين، ومن بعده أخذ وتخرّج من مدرسة ابن أخيه الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام).

ثورته :

قال الشيخ المفيد في الإرشاد:

"وكان زيد بن علي بن الحسين(رضي الله عنه) عين أخوته بعد أبي جعفر(عليه السلام) وأفضلهم، وكان عابداً ورعاً فقيهاً سخيّاً شجاعاً، وظهر بالسيف يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويطالب بثارات الحسين(عليه السلام)، ثمّ قال: وكان سبب خروج أبي الحسين زيد(رضي الله عنه) ـ بعد الذي ذكرناه من غرضه في الطلب بدم الحسين(عليه السلام) ـ أ نّه دخل على هشام بن عبدالملك، وقد جمع له هشام أهل الشام، وأمر أن يتضايقوا في المجلس; حتّى لا يتمكّن من الوصول إلى قربه، فقال له زيد: إنّه ليس من عباد اللّه أحد فوق أن يوصى بتقوى اللّه، ولا من عباده أحد دون أن يوصى بتقوى اللّه، وأنا أوصيك بتقوى اللّه يا أميرالمؤمنين فاتّقه .

فقال له هشام: أنت المؤهّل نفسك للخلافة الراجي لها؟ وما أنت وذاك ـ لا أمّ لك ـ وأنت ابن أمة.

فقال له زيد: إنّي لا أعلم أحداً أعظم منزلة عند اللّه من نبيّ بعثه، وهو ابن أمة، فلو كان ذلك يقصر عن منتهى غاية لم يبعث، وهو إسماعيل بن إبراهيم(عليه السلام) .

فالنبوّة أعظم منزلة عند اللّه أم الخلافة يا هشام؟

وبعد: فما يقصر برجل أبوه رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو ابن علي بن أبي طالب(عليه السلام).

٤٠