×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

المحسن السبط مولود أم سقط / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٣ فارغة
 كتاب المحسن السبط مولود أم سقط السيد محمّد مهدي السيد حسن الموسوي الخرسان (ص ٤ - ص ٣٠)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

مركز الأبحاث العقائدية :

إيران ـ قم المقدسة ـ صفائية ـ ممتاز ـ رقم ٣٤

ص . ب : ٣٣٣١ / ٣٧١٨٥

الهاتف : ٧٧٤٢٠٨٨ (٢٥١) (٠٠٩٨)

الفاكس : ٧٧٤٢٠٥٦ (٢٥١) (٠٠٩٨)

العراق ـ النجف الأشرف ـ شارع الرسول (صلى الله عليه وآله)

جنب مكتب آية الله العظمى السيد السيستاني دام ظله

ص . ب : ٧٢٩

الهاتف : ٣٣٢٦٧٩ (٣٣) (٠٠٩٦٤)

الموقع على الإنترنيت : www.aqaed.com

البريد الإلكتروني : [email protected]


طبع هذا الكتاب بالتعاون مع مكتبة الروضة الحيدرية
في مدينة النجف الأشرف




المحسن السبط مولود أم سقط

السيد محمّد مهدي السيد حسن الموسوي الخرسان

الطبعة الاولى لمنشورات الرافد /٢٠٠٠ نسخة

الطبعة الثانية للكتاب / ١٤٣٠هـ - ٢٠٠٩م

شابِك ( ردمك ) :٨-٧-٩٠٨٩١-٦٠٠-٩٧٨


٤

مقدّمة المركز

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين, والصلاة والسلام على خير البشر, نبيّنا ومقتدانا, أبي القاسم محمّد بن عبد الله, وعلى أهل بيته الطيّبين الطاهرين, الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا.

والحمد لله على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضى الربّ لنا الإسلام ديناً بولاية سيّدنا ومولانا أمير المؤمنين وسيّد الموحّدين وقائد الغرّ المحجّلين, علي ابن أبي طالب (عليه السلام).

وبعد, فإنّ الحديث عن سيّدنا المحسن بن علي وفاطمة (عليهم السلام), حديث شيّق وذو دلالات كثيرة, لكنّه صعب في نفس الوقت لقلّة النصوص التأريخيّة المتعلّقة به التي تصرّح بحصول إسقاطه, قياساً بالنصوص التأريخيّة الكثيرة التي تعرّضت لمواضيع أقلّ أهميّة منه بكثير, وذلك بسبب التلاعب والتحريف الذي تعرّضت له السنّة النبويّة الشريفة على أيادي وعّاظ السلاطين, الذين أغرّتهم أموال الأمويين, فجعلتهم يكتمون حقائق واضحة رووها وقرأوها وثبتت صحّتها عندهم.

والحديث عنه أيضاً ليس حديثاً عن أمر تاريخي فحسب, بل تترتّب عليه آثارعقائدية كبيرة متّصلة بما جرى من مآسٍ وويلات على آل الرسول(صلى الله عليه وآله) بعد فقد عميدها وقائدها, متمثّلة بما صاحب وأعقب السقيفة التي أزالت الحقّ عن أهله وعرّضت الأُمة لمصائب كبيرة, لا زالت تعاني منها ليومنا هذا, والتي منها إسقاط المحسن الذي يعتبر أول ضحايا تلك الأحداث المريرة.

٥

والكتاب الذي بين أيدينا يتعرّض لهذا الموضوع بأسلوب علمي هادئ وعميق, وبأدلة وحجج قويّة لا تدع لكلّ منصفٍ واعٍ يخاف يوم الحساب أيّ ذريعة بعدم الاعتقاد به, إلا إذا كان من الذين ختم الله على قلوبهم.

ونتعرّض في هذه المقدّمة الموجزة إلى المؤلَّف والمؤلِّف.

الكتاب

هو أفضل ما كتب في هذا الموضوع - حسب ما أكّده لي الكثير من الفضلاء - فقد استطاع سماحة السيّد المؤلّف من استيعاب كلّ جوانبه, والإلمام بما يتعلّق به وما يحيطه من مواضيع جانبية لها علاقة به.

فتعرّض أولاً لذكر المصادر- من أتباع مدرسة الخلفاء - التي ذكرت أبناء علي وفاطمة الثلاثة : الحسن والحسين والمحسن (عليهم السلام), وهي المصادر بعينها التي أكّدت على إصرار الإمام علي بن أبي طالب بتسمية أحد أولاده الثلاثة باسم >حرب<, إلا أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) منع من ذلك واختار لهم هذه الأسماء.

وشرع بردّ هذا الإدعاء الباطل وبيان أسبابه ودواعيه.

ثمّ دخل في صلب الموضوع, فقسّم المصادر التي ذكرت المحسن إلى ثلاثة أقسام :

الأوّل : المصادر التي ذكرته ضمن أبناء علي وفاطمة (عليهم السلام) فقط, ولم تذكر شيئاً عن ولادته أو سقوطه, وقد أحصى أربعين مصدراً - على سبيل المثال لا الحصر- لكبار حفّاظ السنّة وأعلام المؤرخين والكتّاب المحدّثين, مثل: محمد ابن إسحاق (ت ١٥١هـ ) في كتابه السير والمغازي, ومحمد بن سعد (ت ٢٣١هـ ) في الطبقات الكبرى, وأحمد بن حنبل (ت ٢٤١هـ ) في المسند, ومحمد بن إسماعيل البخاري (ت ٢٥٦ هـ) في الأدب المفرد, وغيرهم.

الثاني : المصادر التي ذكرته ضمن أبناء علي وفاطمة (عليهم السلام), وذكرت أنّه مات صغيراً, وأحصى السيّد المؤلّف ثلاثين مصدراً أيضاً لكبار أعلامهم, منهم : محمد

٦

ابن إسحاق ( ت ١٥١ هـ) في السيرة النبوية, وابن قتيبة (ت ٢٧٦ هـ ) في المعارف, والبلاذري (ت ٢٧٩ هـ ) في أنساب الأشراف, والطبري (ت٣١٠هـ ) في تاريخه, وغيرهم.

الثالث : المصادر التي ذكرته ضمن أبناء علي وفاطمة (عليهم السلام), وذكرت أنّه سقط, وقد أحصى المؤلّف أيضاً خمسة وعشرين مصدراً لكبار علماء القوم ومحدّثيهم, منهم: أبو إسحاق إبراهيم النظّام (ت ٢٣١ هـ ) - كما حكاه عنه جماعة - وابن قتيبة (ت ٢٧٦ هـ ) - كما حكاه عنه أيضاً جماعة - والنسابة الشيخ أبو الحسن العمري (ت بعد ٤٢٥ هـ ) في كتابه المجدي, والنسابة محمد ابن أسعد الحسيني الجواني (ت ٥٨٨ هـ ) في الشجرة المحمدية والنسبة الهاشمية, وغيرهم.

ثم عقد باباً خاصاً في توثيق الأعلام الذين نقل عنهم تلك المعلومات الخطيرة التي تدين بعض الصحابة.

وتعرّض أيضاً لدراسة تلك المصادر وأثبت أهميّتها وصحّة نسبتها لمؤلّفيها.

كلّ ذلك من أجل توثيق المؤلّف والكتاب وصحة نسبته إليه, حتّى لا يأتي شخص ويستشكل على بعضها بأنّها غير معتبرة, أو كون مؤلّفها غير موثّق عندهم.

ثمّ عقد باباً خاصاً لدراسة تلك النصوص الدالة على حصول الحدث المروّع المؤلم, وأنّها متفقة على مضمونه وإن اختلفت في بعض التفاصيل.

وتناول عدّة مواضيع علميّة هامة لها صلة بالموضوع.

وآخر المطاف أورد ثلاثة ملاحق :

الأوّل : إثبات نسبة كتاب الإمامة والسياسة لابن قتيبة, وأنّ أول من شكّك في نسبته إليه هم المستشرقون, ومتى أصبح المستشرق أميناً على تراثنا العربي والإسلامي حتّى نعتمد عليه في مثل هذه الأمور المهمّة ؟! وذكر جملة من كبار العلماء الذين أثبتوا نسبة هذا الكتاب لمؤلّفه ابن قتيبة.

٧

الثاني : ذكر التحريفات التي لحقت كتاب المعارف لابن قتيبة أيضاً.

الثالث : ذكر المحسن ابن الإمام الحسين(عليه السلام), صاحب المشهد المعروف في حلب, المعروف بمشهد السقط أو مشهد الطرح.

المؤلّف

هو العلامة المفضال سماحة آية الله السيّد محمّد مهدي ابن العلامة المحقّق آية الله السيّد حسن الموسوي الخرسان.

عالم فاضل, أديب شاعر, زاهد ورع, كريم جواد, متواضع, من بقية السلف الصالح. قرأت له كثيراً, وسمعت عنه أكثر, وعندما التقيتُ به - بعد سقوط النظام الجائر في العراق - وجدتُهُ أكثر ممّا قرأتُ له وسمعتُ عنه.

وجدتُ عنده صفتين, قلمّا وجدتهما عند من التقيت بهم واستفدت منهم.

الأولى : العلم, وجدت نفسي أمام مكتبة متحرّكة, وبحر لا أستطيع أن أحدّد سواحله, فما أن تطرّقنا إلى موضوعٍ ما, إلا وأسعفنا بمعلومات جديدة لم نحصل عليها ونحن نعيش في إيران التي شهدت طيلة العقود الثلاثة الأخيرة تطوراً ملحوظاً في حقل جمع المعلومات.

الثانية : جوده وكرمه المنقطع النظير بما مَنّ الله عليه من العلم والمعرفة, فإذا ذكرنا أمامه كتاباً قديماً أو مقالة منشورة في مجلةٍ قديمة, بادرنا بلهجته النجفيّة المحبوبة >عمّي هذا الكتاب عندي تريد تشوفه, >عمّي هذه المقالة موجودة عندي تريد تصورها <.

ولمّا علم بأنّي مشغول بكتابة مقالٍ عن حياة العلامة البلاغي, بادر وبدون طلب منّي, إلى تصوير بعض المقالات المنشورة في مجلات نجفيّة قديمة لها علاقة بحياة هذا العالم, وأرسلها لي مشكوراً.

أمّا تواضعه وزهده, فمن يزوره يلمسهما عن قرب ومشاهدة.

وأخلاقه, حدّث عنها ولا حرج, لا أستطيع أن أصفها بهذه الكلمات القليلة, يستقبلك ببشاشة وجهه وبابتسامة العالم الوقور الحنون, ويودّعك بأجمل منها.

٨

أغنى المكتبة الإسلامية بمجموعة كبيرة من الأبحاث العلميّة والتحقيقات الأنيقة, طبع بعضها ،والآخر تحت الطبع, وما زال بعضها قيد التأليف والتصحيح.

له شعر ولائي رائع, طبع بعضه في بعض مؤلّفاته.

أجازني وزوجي السيّدة أُم علي مشكور بإجازة شفويّة في داره يوم الثلاثاء الثاني من شهر رجب سنة ١٤٢٨ هـ.

أطال الله في عمره الشريف المبارك, وجعله ذخراً للأمّة الإسلامية, وإنّي أستميحه العذر لعدم مقدرتي أن أترجم له بما يليق به وبمكانته العلمية المرموقة, وإنّما هي كلمات قصار وقاصرة اقتضتها طبيعة أسلوب المقدّمة التي أجازني في كتابتها وطبعها في أول هذا الكتاب, والحمد لله ربّ العالمين.


محمّد الحسّون
١٢ شوال ١٤٢٩ هـ.
الصفحة على الانترنت: site.aqaed.com/Mohammad
البريد الالكتروني: [email protected]





٩

الاهداء

إلى أوّل مظلوم وأوّل من غُصب حقه

سيدي ومولاي أمير المؤمنين(عليه السلام)

إلى المطهرة النقيّة بضعة النبي المصطفى (صلى الله عليه وآله) ، الممتحنة فوجدها الله صابرة محتسبة، فهو يرضى لرضاها ويغضب لغضبها (عليها السلام).

أهدي هذه السطور عن أوّل شهداء الأسباط ، السيد السبط المحسن السقط(عليه السلام).

ياسادتي تقبلوا بلطفكم وأجيزوا بعطفكم ، فاشفعوا لي عند الله، فإنّ لكم جاهاً عظيماً ، ومقاماً كريماً ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


عبدكم وولدكم المقرّ بالرق لكم
محمّدمهدي السيد حسن الموسوي
الخرسان (عفي عنه)





١٠

{قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ عَالِمَ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أنْتَ تَحْكُمُ بَـيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ وَلَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَـلَمُوا مَا فِي الأرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ العَذَابِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّـئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ} (١)

المحسن السبط مولودٌ أم سقط؟


إنّ بني فاطمةٍ ثلاثةٌوكلُّ فردٍ سيّدٌ سبط
فالحسنان أنسلا وأعقباسو ى المحسّن إنّه السقط
فإن عرى الريبُ بإسقاطهمعانداً من شأنه الخبط
فذي سطورٌ أظهرت حقّهمن بعد ما أغفلها الغمط
فمن تعامى الحقّ في أمرهمعاندٌ بالنُصب يشتط

١- الزمر: ٤٦ _ ٤٨ .

١١

مقدّمة المؤلّف

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

اللهم اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنّك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.

اللّهم صلّ على محمّد وآل محمّد، الأوصياء الراضين المرضيين بأفضل صلواتك, وبارك عليهم بأفضل بركاتك إنّك حميد مجيد.

اللهم والعن من حادّك وحادّ رسولك، وناصبه العداوة والبغضاء في أهل بيته:.

وبعد، فهذه سطور ما كنت أحسب أنّي أكتبها لوضوح الرؤية عندي فيما تضمّنته، إلاّ أنّي وجدت وضوح الرؤية عندي لا يعني ولا يُغني عند الآخرين شيئاً, فالناس يتفاوتون إدراكاً ومشاربَ، كما يختلفون عقائدَ ومذاهبَ.

وكثير منهم يرى تقديس الموروث بحجة أو بغير حجة، فهو يعيش في كيانه على تراث موبوء، أخذه الخلف عن السلف، فضاعت عنده معالم الحقائق لتراكم المخلّفات، وبقي النشّؤ الجديد يدور في حلقة مُفْرَغة، لم يمسك بطرف يهديه الطريق، ولم يجد الملجأ الوثيق, وكلّ ما حاول _ إذا ما حاول _ فلا يجد سوى الاجترار والتكرار, ومقولة (عدالة الصحابة) التي أصبحت هي الذكر الخفي، ويجب إسدال الستار على ما حدث بينهم، فما من دخان إلاّ من وراء نار. فالسكوت عمّا حدث أولى؟!

وهكذا ضاعت معالم الاهتداء بين تركة الموروث من تاريخنا، والذي تلقيناه محاطاً بسياج من الحصانة وهالة من العنعنة، تنفي _ في نظر القاصر طبعاً _ عنه

١٢

معرّة النقد الخارجي وهو السند، كما تضفي عليه نسجاً كثيفاً يغطّي تبعة النقد الداخلي وهو المتن.

وبين هذا وذاك كادت تضيع معالم الدلالة، وبالتالي نبقى مع الحدَث نتحدّث عنه وكأنّه من أحاديث السمر.

لذلك _ ولا أكون مغالياً _ فقد وجدت صعوبة بالغة في تفهيم القارئ صورة الحدَث وملابساته, وهو يعيش عنده كموروث في الذاكرة، وشجت عليه أصوله ونمت عليه فروعه، أما أنا فأعيش معه من خلال عالم التصور عندي لطبيعة الحدَث وملابساته، ومن خلال المقروء في نصوص التاريخ المقبول عند العامة والخاصة, لذلك كان لزاماً عليّ وأنا أريد التحدث عن (المحسن السبط) أن أستعرض ما يمتّ إلى الحديث عنه بصلة، وأعني ما ينفع في الجواب عن السؤال المذكور في عنوان الرسالة، هل هو مولود أم سقط؟ وذلك لما أثير حوله في هذه الأيّام من نقض وإبرام.

ولقد كنت أحسب أنّي بالغ ما أريد في بعض صفحات قد لا تتجاوز العشر, ولكن نتيجة الترابط بين الأحداث التي كانت يوم حدث السقط للسبط بدءاً وختاماً، حرباً وسلاماً، عنفاً وانتقاماً، فقد تلاحقت في الحضور السطور والكلمات, وتتابعت في الظهور صفحات وصفحات، لذلك جاوزت القدر المظنون، فبلغت ما يراه القارئ.

ولا تزال هناك جوانب أخرى لم تبحث، وإن كان لها الدور الفاعل في تهيئة أجواء الحدَث، والحديث عن ملابسات ذلك الحدَث الخطير، لابد أن يدخلنا في متاهات من ركام التاريخ, تترتب على الخوض فيها نتائج ذات مرارة بالغة, ولكنّها شفاء لما في الصدور، فكثير من الدواء مرّ الطعم ولكن فيه الشفاء، وفي اعتقادي أنّ ما قدمته في هذه الأوراق يسدّ حاجة في نفس يعقوب، ويروي من ظمأ التساؤل كما يسدّ من لغوب السغوب، وبالتالي يقلّل من معاناة الذبذبة الفكرية التي يعيشها الشباب, من جراء انغلاقهم على جوانب ملؤها تقديس

١٣

الموروث، وقد صكّت أسماعهم تلاوة: {بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا}(١).

ومن جهة أخرى لما تفتح الوعي عندهم فانفتحوا على نوافذ في التاريخ، فأخذوا يحدقون من خلالها لينظروا إلى الأحداث على حقيقتها, فساورتهم الشكوك في أمانة التسجيل، فهم يرون الصورة ليست واقعية، بل مشوّهة ومبتورة عفّى على وجهها غبار السنين, لذلك فهم يعانون الكثير من الصعوبات, من جرّاء التذبذب بين ذلك الانغلاق الموروث وهذا الانفتاح المكتسب، وهم في دوامة البلبلة، وهم.. وهم.. وهم.. مع ذلك لا يزالون ينشدون السلامة الفكرية بنشدانهم الحقيقة الواقعية, تخلصاً من ويلات العويل الذي أصمّ أسماعهم من محيطهم، بل وحتى من داخل أنفسهم فهم يتلون:{تِلْكَ اُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْألُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}(٢)؛ وهم يقرأون قوله تعالى: {أفَمَنْ يَهْدِي إلَى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي إلاّ أنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}(٣).

فهذه الأوراق فيها إقامة الشاهد تلو الشاهد على أنّ (المحسن السبط) ليس مولوداً بل هو سقط، وبالأصح فقد أسقط.

وعلى القارئ الذي يضيق ذرعاً من مواجهة الحقيقة المُرّة، أن لا يزعج نفسه كثيراً، بل لِيَلُمْ من أوقع الحدث بكل ما فيه من تمرّد وعنفوان حتى كان ما كان.

وأخيراً أسأل الله تعالى أن ينفع الضال والمضلَّل بما سيقرأ: {وَيَزِيدُ اللّهُ

١- لقمان: ٢١.

٢- البقرة: ١٣٤.

٣- يونس: ٣٥.

١٤

الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَرَدّاً}(١).

ماذا في هذه الرسالة؟

إنّ فيها ثلاثة أبواب وخاتمة:

الباب الأول: نبحث فيه ما دلّ على صحة السلب عن حديث إكتناء الإمام بأبي حرب. وذلك في ثلاثة فصول:

الفصل الأول: في مصادر الحديث.

الفصل الثاني: في رجال الإسناد.

الفصل الثالث: في متن الحديث، ونبحث فيه النقاط التالية:

١_ التعريف بحرب، وهل هو اسم علم؟ أم اسم معنى؟ ومن المراد منهما؟

٢_ هل كان اسم حرب من الأسماء المحبوبة أم الأسماء المبغوضة؟

٣_ ماذا كان يعني إصرار الإمام _ إن صدقت الأحلام _ في تسمية أبنائه بحرب، اسم المعنى؟

٤_ ما هي الدوافع المغرية في اسم حرب, اسم العلم؟

٥_ في كُنى الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، وما هي أحبّ كُناه إليه؟

٦_ ماذا وراء الأكمة من تعتيم لتضليل الأمة؟

الباب الثاني: ونبحث فيه عن (المحسن السبط) هل هو مولود أم سقط؟

وذلك من خلال ثلاثة فصول نستعرض فيها ما قاله المؤرخون والنسّابون من أهل السنة خاصة.

١- مريم: ٧٦.

١٥

الفصل الأول: فيمن ذكر (المحسن السبط) ولم يذكر شيئاً عن ولادته ولا عن موته.

الفصل الثاني: فيمن ذكر ( المحسن السبط) وأنّه مات صغيراً.

الفصل الثالث: فيمن ذكر (المحسن السبط) وأنّه سقط.

وفي خلال هذا الفصل قد نمرُّ ببعض المصادر الشيعية لأنّها تسلّط الضوء على ما أُبهم ذكره واستُبْهِم _ عن عمد _ أمره.

الباب الثالث: ونبحث فيه عن مسيرة الأحداث التي رافقت حدَث السقط للمحسن السبط، وذلك من خلال ثلاثة فصول:

الفصل الأول: وقفة مع الأحداث، ونظرة في المصادر.

الفصل الثاني: مسيرة مع المؤرّخين جرحاً وتعديلاً.

الفصل الثالث: نصوص ثابتة في الإدانة.

الخاتمة: في نتائج البحث وأنّ المحسن السبط هو أول ضحايا العُنف في أحداث السقيفة، وقد أجهز عليه وهو حمل وأنّه المحسن السقط.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

١٥ ذي الحجة الحرام
١٤١٦ هـ



١٦

الباب الأول:

في صحة السلب عن حديث اكتناء
الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)بأبي حرب

فيه ثلاثة فصول:

الفصل الأول: في مصادر الحديث .

الفصل الثاني: في رجال الحديث .

الفصل الثالث: في متن الحديث .

١٧

تمهيد

إنّ حديث اكتناء الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) بأبي حرب، حديث حسبه بعضهم من المفاخر، فشاع ذكره في المصادر، ورواه الحاضر عن الغابر, من معاندٍ وناصرٍ.

وبين هذا وذاك ضاعت آثار الزيف, وبين أولا وهؤلاء خفيت معالم الحقيقة، وسط قرع الطبول، وتزمير الزامر، حتى صكت الأذان، وكثر حوار الطرشان.

أتدرون أيّها القرّاء الكرام ماذا يعني ذلك الحديث؟

إنّه يعكس رغبة الإمام أميرالمؤمنين أن يسمّي أحد أولاده (حرباً)!! إنّه يصوّر لنا تهافته ليكنّى بأبي حرب!!

إنّه كرّر تجربة فاشلة ثلاث مرّات فلم ينجح!!

وإن صدقت أحلام الوضّاعين فسيفصح ذلك عن مدى تعلّقه بتلك الكنية _ البغيضة _ وهيامه بذلك الاسم، لكن لم تتحقق له رغبته الملحّة, حيث كان النبي(صلى الله عليه وآله) يغيّر كلّ مرّة حاول الإمام فيها تنفيذ رغبته فيما زعم الرواة.

وتبقى بعدُ في الحديث سمات ذات دلالات, تبعث على التساؤل وتُثير الشكوك, فهذا هو الباعث لي على النظر في الحديث سنداً ومتناً ودلالة، لعلّي أستطيع أن أنفع القارئ بشيء عن ذلك, يُلقي الضوء على مخبئات الدسّ الذي جاء متراكماً في كثير من المصادر حول هذا الحديث المزعوم.

وبالتالي فـ {هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ}(١).

١- آل عمران: ١٣٨.

١٨

وقبل الخوض في الحديث سنداً ومتناً ودلالةً, أودّ تنبيه القارئ على أمرٍ هو من الخطورة بمكان, وذلك هو تسرّب الحديث على علاّته وسماته إلى المصادر الشيعية نقلاً عن المصادر السنيّة، وفي غفلة عمّا فيه من هنات، وإلى القارئ أسماء تلك المصادر:

المصادر الشيعية التي تسرّب إليها الحديث المزعوم:

١ _ صحيفة الإمام الرضا(عليه السلام), والحديث عنها مذكور في عيون أخبار الرضا(عليه السلام)(١)، وفي مستدرك الوسائل(٢) إسناده عن عليّ بن الحسين قال: حدثتني أسماء بنت عميس قالت: قبّلت جدتك فاطمة(عليها السلام) بالحسن والحسين٨, فلما ولد الحسن(عليه السلام) جاء النبي(صلى الله عليه وآله) وقال: ياأسماء هاتي ابني، فدفعته إليه في خرقة صفراء, فرمى بها النبي(صلى الله عليه وآله) وقال: يا أسماء ألم أعهد إليكم أن لا تلفّوا المولود في خرقة صفراء, فلففته في خرقة بيضاء فدفعته إليه, فأذّن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى.

ثم قال لعلي(عليه السلام): بأيّ شيء سمّيت ابني هذا؟, قال عليّ(عليه السلام): ما كنت لأسبقك باسمه يارسول الله _ وقد كنت أحب أسميه حرباً _ فقال النبي(صلى الله عليه وآله): وأنا لا أسبق باسمه ربي (عزوجل) ، فهبط جبرئيل وقال: العليّ الأعلى يقرؤك السلام ويقول: عليّ منك بمنـزلة هارون من موسى ولا نبي بعدك، فسمّ ابنك هذا باسم ابن هارون, فقال النبي(صلى الله عليه وآله): وما إسم ابن هارون يا جبرئيل؟, قال: شبّر, فقال النبي(صلى الله عليه وآله): لساني عربي، قال: سمّه الحسن.

إلى أن قالت: فلمّا كان بعد حول من مولد الحسن ولد الحسين(عليه السلام), فجاءني (صلى الله عليه وآله) فقال: يا أسماء هاتي ابني, فدفعته إليه في خرقة بيضاء, فأذّن في أذنه

١- عيون أخبار الرضا ٢: ٢٥.

٢- مستدرك الوسائل ٢: ٦٢١.

١٩

اليمنى وأقام في اليسرى ووضعه في حجره وبكى، قالت أسماء: _ وسألته عن سبب بكائه فأخبرها بمقتله إلى أن قالت: _ ثم قال لعلي(عليه السلام): بأيّ شيء سمّيت ابني هذا؟ فقال: ما كنت لاسبقك باسمه يارسول الله, وقد كنت أحب أن أسميه حرباً، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما كنت لأسبق باسمه ربي (عزوجل) , فأتاه جبرئيل فقال: الجبّار يقرؤك السلام ويقول: سمّه باسم ابن هارون، قال: وما اسم ابن هارون؟ قال: شبير، قال: لساني عربي، قال: سمّه الحسين, فسمّاه الحسين.

أقول: وأوّل ما في هذا الخبر: أنّ أسماء بنت عميس لم تكن يومئذٍ بالمدينة لتُقبّل فاطمة(عليها السلام) بابنيها الحسن والحسين، لأنّها كانت مع زوجها جعفر بن أبي طالب بالحبشة, ولم يرجع جعفر إلى المدينة إلاّ بعد فتح خيبر في السنة السابعة من الهجرة، وولادة الحسن(عليه السلام) كانت في السنة الثالثة، والحسين في السنة الرابعة, ومهما يكن فولادة الحسنين٨ كانت قبل رجوع جعفر بأكثر من ثلاث سنين، وهذا يكفي في توهين الحديث المزعوم من حبّ الإمام أن يُسمي ابنيه حرباً.

٢ _ مناقب ابن شهرآشوب(١), أخرج الحديث عن أحمد، وهو الحديث الآتي برقم (٣) كما في سُلّم المصادر السنّية فراجع للمقارنة، ستجد أن أحمد ذكر في حديثه ولادة الأبناء الثلاثة، بينما لم يذكر في المصدر المذكور إلاّ ولادة الحسنين, فلماذا لم يذكر ولادة الثالث ومَن حذفها؟ وهل أُلحقت بالمسند بعد ذلك؟ أو حذفت من المناقب؟

٣ _ فضائل الخمسة(٢), وحكاه نقلاً عن الأدب المفرد للبخاري, وسيأتي برقم (٤) في سُلّم المصادر السنيّة, وعن مستدرك الصحيحين وهو الآتي برقم (٧) في سُلّم المصادر السنيّة, ونقله في ص١٧١عن مسند الطيالسي الآتي

١- مناقب ابن شهرآشوب ٣: ١٦٦.

٢- فضائل الخمسة ٣: ١٦٩.

٢٠