×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

المحسن السبط مولود أم سقط / الصفحات: ٦١ - ٨٠

 كتاب المحسن السبط مولود أم سقط السيد محمّد مهدي السيد حسن الموسوي الخرسان (ص ٦١ - ص ٩٠)
٦١

وهذا الحديث أخرجه ابن عساكر في تاريخه(١) بسنده عن سماك بن حرب, قال: قلت لجابر: إنّ هؤلاء القوم _ يعني بني أمية _ يدعونني إلى شتم علي، قال: وما عسيت أن تشتمه به؟ قال: أكنيه بأبي تراب.

قال: فوالله ما كانت لعلي كنية أحب إليه من أبي تراب، انّ النبي(صلى الله عليه وآله) آخى بين الناس ولم يؤاخ بينه وبين أحد, فخرج حتى أتى كثيباً من رمل فنام عليه، فأتاه النبي(صلى الله عليه وآله) فقال: قم أبا تراب, وجعل ينفض التراب عن ظهره وبردته ويقول: قم أبا تراب، أغضبت إن أنا آخيت بين الناس ولم أواخ بينك وبين أحد؟ قال: نعم, فقال له: أنت أخي وأنا أخوك. وجاءت عدة أحاديث بهذا المعنى.

وإذا عرفنا أنّ المؤاخاة كانت مرّتين مرّة قبل الهجرة وأخرى بعد الهجرة بخمسة أشهر, فإنّ تكنية النبي(صلى الله عليه وآله) لعلي بأبي تراب كانت في الثانية, كما هو صريح حديث ابن عباس؛ لذكر المؤاخاة فيها بين المهاجرين فقط, وبناء على ذلك فتكون تكنية النبي(صلى الله عليه وآله) بأبي تراب قد وقعت بعد الهجرة بخمسة أشهر، وهذا التحديد الزمني يعني أنّها كانت قبل ولادة الحسن أول أبنائه بأكثر من سنتين ونصف تقريباً، لأنّ ولادة الحسن(عليه السلام) كانت في النصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة.

ولئن كانت تلك المرة هي الأولى التي كنى بها النبي(صلى الله عليه وآله) علياً بأبي تراب، فانّها لم تكن الأخيرة، فقد تكررّت أيضاً مرّة أخرى.

المرة الثانية في غزوة العُشيرة:

أخرج ابن عساكر في تاريخه(٢) بأسانيده عن عمار بن ياسر, والنسائي في

١- تاريخ ابن عساكر (ترجمة الإمام) ١: ٢٣.

٢- المصدر نفسه ٣: ٢٨٥.

٦٢

الخصائص(١) عن عمار بن ياسر واللفظ له, قال: كنت أنا وعلي بن أبي طالب رفيقين في غزوة العُشيرة من بطن ينبع, فلما نـزلها رسول الله(صلى الله عليه وآله) أقام بها شهراً, فصالح فيها بني مدلج وحلفاءهم من ضمرة فوادعهم،فقال لي علي:هل لك يا أبا اليقظان أن نأتي هؤلاء النفر من بني مدلج يعملون في عين لهم، فننظر كيف يعملون؟ قال: قلت: إن شئت، فجئناهم فنظرنا إلى أعمالهم ساعة، ثم غشينا النوم, فانطلقت أنا وعلي حتى اضطجعنا في ظل صور(٢) من النخل وفي دقعاء(٣) من التراب فنمنا، فوالله ما أهبنا إلا رسول الله(صلى الله عليه وآله) يحرّكنا برجله, وقد تربنا من تلك الدقعاء التي نمنا فيها.

فيومئذٍ قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) لعلي: مالك يا أبا تراب؟ لما يرى عليه من التراب, ثم قال: ألا أحدثكما بأشقى الناس رجلين؟ قلنا: بلى يا رسول الله, قال: أحيمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك على هذه _ ووضع يده على قرنه _ حتى يبلّ منها هذه, وأخذ بلحيته.

وهذا الحديث أخرجه أحمد في مسنده(٤)، وأخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد(٥) عن البزار, والأسفراييني في معالم الاسلام كما في تاريخ ابن الوردي(٦)، والديار بكري في تاريخ الخميس(٧)، وورد في شرح المواهب

١- الخصائص: ٣٩.

٢- الصور وصيران وأصوار: النخل الصغير.

٣- الدقعاء: التراب اللين.

٤- مسند أحمد بن حنبل ٢: ٢٦٢؛ والحاكم في المستدرك ٣: ١٤٠؛ والطحاوي في مشكل الآثار ١: ٣٥١؛ والمتقي الهندي في كنـز العمّال١٥: ١٢٣، وقال أخرجه البغوي، والطبراني، وابن مردويه، وأبو نعيم، وابن عساكر، وابن النجار.

٥- مجمع الزوائد ٩: ١٣٦.

٦- تاريخ ابن الوردي ١: ٢١٩.

٧- تاريخ الخميس ١: ٣٦٤.

٦٣

للزرقاني(١)، ودلائل النبوة لأبي نعيم، وليس فيه: (قم أبا تراب) فمن الذي حذف ذلك يا ترى؟ وأخرجه الحسكاني في شواهد التنــزيل, والحمويني في فرائد السمطين(٢) وغيرهم.

أقول: إنّ غزوة العُشيرة - بضم العين مصغراً بالشين وقيل بالسين المهملة آخرها هاء _ بخلاف العسرة فهي غزوة تبوك، أما هذه فمنسوبة لموضع بني مدلج بينبع.

وإذا رجعنا نستجوب كتب السيرة عن زمانها، فهي تعيّن زمانها بأنّه (صلى الله عليه وآله) خرج إليها في جمادى الأولى أو الآخرة على رأس ستة عشر شهراً من الهجرة, وسبب تلك الغزوات كانت وقعة بدر، وقد ذكر الحلبي(٣) حديث تكنية النبي(صلى الله عليه وآله) لعلي بأبي تراب, فعلى هذا التحديد الزمني ظهر أن التكنية كانت للمرّة الثانية, وبعد مرور ما يقرب على سنة بعد المرة الأولى، وأيضاً هي قبل ولادة الحسن(عليه السلام) أول أبناء الإمام بأكثر من سنة ونصف.

المرة الثالثة في المسجد النبوي الشريف:

أخرج ابن عساكر في تاريخه في ترجمة الإمام(٤) بأسانيده عن أبي حازم أنّ رجلاً جاء إلى سهل بن سعد فقال:

هذا فلان _ لأمير المدينة _ يدعو علياً عند المنبر، قال: فيقول ماذا؟ قال: يقول له: أبو تراب, فضحك قال: والله ما سمّاه إلاّ النبي(صلى الله عليه وآله), وما كان له اسم أحبّ إليه منه، فاستطعمت الحديث سهلاً وقلت: يا أبا عباس كيف؟ قال: دخل علي على فاطمة ثم خرج فاضطجع في المسجد, فقال النبي(صلى الله عليه وآله): أين ابنُ عمّكِ؟ قالت: في المسجد,

١- شرح المواهب ١: ٣٩٥.

٢- فرائد السمطين ١: ٣٨٤.

٣- السيرة الحلبية٢: ١٢٦؛ وسيرة زيني دحلان بهامش الحلبية ١: ٣٦١.

٤- تاريخ ابن عساكر في ترجمة الإمام ١: ٢٢.

٦٤

فخرج إليه فوجد رداءه قد سقط عن ظهره وخلص التراب إلى ظهره، فجعل يمسح التراب عن ظهره فيقول: اجلس يا أبا تراب يا أبا تراب مرّتين.

وهذا الحديث أخرجه البخاري في صحيحه في أربعة مواضع بتفاوت في ألفاظه مع انتهاء إسناده إلى راوٍ واحد, وتلكم المواضع هي:

١ _ كتاب بدء الخلق في باب مناقب علي بن أبي طالب(١).

٢ _ كتاب الصلاة في باب نوم الرجال في المسجد(٢).

٣ _ كتاب الأدب في باب التكني بأبي تراب(٣).

٤ _ كتاب الاستيذان في باب القائلة في المسجد(٤).

ورواه أيضاً في الأدب المفرد في باب من كنى رجلاً بشيء هو فيه.

ورواه الطبري في تاريخه(٥).

وأخرجه مسلم في صحيحه في مكانين:

١ _ في باب مناقب أمير المؤمنين(٦).

٢ _ كتاب الصلاة في باب نوم الرجل في المسجد(٧).

وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى(٨).

وتوجد عدة أحاديث وردت فيها تكنية النبي(صلى الله عليه وآله) لعلي(عليه السلام) بأبي تراب, ولم

١- صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق في باب مناقب علي بن أبي طالب ٥: ١٨.

٢- المصدر نفسه، كتاب الصلاة في باب نوم الرجال في المسجد ١: ٩٢.

٣- المصدر نفسه، كتاب الأدب في باب التكني بأبي تراب ٨ : ٤٥.

٤- المصدر نفسه، كتاب الاستيذان في باب القائلة في المسجد ٨ : ٦٣.

٥- تاريخ الطبري ٢: ١٢٤ _ ٣٦٣.

٦- صحيح مسلم، في باب مناقب أمير المؤمنين ٧ : ١٢٤ وفيه ذكر المغاضبة.

٧- صحيح مسلم، كتاب الصلاة في باب نوم الرجل في المسجد .

٨- السنن الكبرى للبيهقي ٢: ٤٤٦.

٦٥

يذكر فيها زمان أو مكان يمكن أن نحدد على ضوئها زمان الصدور.

١ _ فمنها حديث علي(عليه السلام) قال: طلبني رسول الله(صلى الله عليه وآله) فوجدني في جدول نائماً, فقال: ما ألوم الناس يسمونك أبا تراب، فرآني كأنّي وجدت في نفسي من ذلك, فقال: قم والله لأرضينّك, أنت أخي وأبو ولدي، تقاتل على سنتي, وتبرئ ذمتي، من مات في عهدي فهو كبّر الله, ومن مات في عهدك فقد قضى نحبه، ومن مات يحبك بعد موتك ختم الله له بالأمن والإيمان ما طلعت شمس أو غربت، ومن مات يبغضك مات ميتة جاهلية وحوسب بما عمل في الإسلام. أخرجه أبو يعلى في مسنده, والسيوطي في الجامع الكبير كما في كنــز العمّال(١), وقال البوصيري: رواته ثقات.

٢ _ ومنها حديث أبي الطفيل قال: جاء النبي(صلى الله عليه وآله) وعلي نائم في التراب, فقال: أحق اسمائك أبو تراب, أنت أبو تراب. أخرجه ابن عساكر في تاريخه في ترجمة الإمام(٢), والطبراني في معجمه الكبير والأوسط, وعنه الهيثمي في مجمع الزوائد(٣) وقال: ورجاله ثقات.

٣ _ ومنها ما رواه ابن هشام في سيرته بعد ذكره لحديث عمار المتقدم, قال ابن إسحاق: وقد حدّثني بعض أهل العلم أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) إنّما سمّى علياً أبا تراب أنّه كان إذا عتب على فاطمة في شيء لم يكلّمها ولم يقل لها شيئاً تكرهه إلا أنّه يأخذ تراباً فيضعه على رأسه، قال: فكان رسول الله(صلى الله عليه وآله) إذا رأى عليه تراباً عرف أنّه عاتب على فاطمة, فيقول: مالك يا أبا تراب؟

وعقّب ابن هشام على ذلك بقوله: فالله أعلم أيّ ذلك كان, وليس في تعقيبه ما يدعونا إلى التعليق عليه إذ يبدوا أنّه لم يجزم بواحد منهما, ولكنه لا يعدوهما.

١- كنـز العمّال ١٢: ٢٠٦.

٢- تاريخ ابن عساكر في ترجمة الإمام ١: ٢٤.

٣- مجمع الزوائد للهيثمي ٩: ١٠١.

٦٦

ولكن هلمّ الخطب فيما يقوله السهيلي في الروض الانف(١), وهو في شرح سيرة ابن هشام، قال السهيلي وقد ذكر الحديثين الأولين في تكنية علي بأبي تراب: وأصحّ من ذلك ما رواه البخاري في جامعه, وهو أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) وجده في المسجد نائماً, وقد ترب جنبه فجعل يحث _ كذا في النسخة ولعل الأصوب يحتّ بالمثناة _ التراب عن جنبه ويقول: قم أبا تراب، وكان قد خرج إلى المسجد مغاضباً لفاطمة.

وهذا معنى الحديث، وما ذكره ابن إسحاق عن حديث عمار مخالف له إلا أن يكون رسول الله(صلى الله عليه وآله) كنّاه بها مرّتين، مرّة في المسجد ومرّة في هذه الغزوة, فالله أعلم.

أقول: ونحن قد ذكرنا مواضع الحديث في صحيح البخاري, وأنّه ذكره في أربعة مواضع من جامعه، وأشرنا إلى أنّه لم تتفق صور رواياته للحديث على صورة واحدة، مع أنّها عن راوٍ واحد، وهو أبو حازم عن سهل بن سعد، مما يكشف عن عدم دقة البخاري في نقله، ومع ذلك التفاوت في روايات البخاري, فراجع وقارن بين ما حكاه السهيلي عن البخاري، وبين ما هو موجود في الجامع الصحيح, فسوف تجده لا يتفق مع أيّ صورة منها.

نعم, لقد تخلّص السهيلي بلباقة حيث قال موهماً: وهذا معنى الحديث! فهل يعني أنّ ما حكاه عن البخاري كان نقلاً بالمعنى لما رواه البخاري؟ وكان عليه أن يعيّن الرواية التي أرادها, ومهما يكن ذلك فلا يهمنا تفسيره، ونتركه له ولقومه.

ذكر الزرقاني في شرح المواهب(٢) ما قاله السهيلي, وما ذكره غيره كابن

١- الروض الأنف للسهيلي ٢: ٥٨ .

٢- شرح المواهب للزرقاني ١: ٣٩٦.

٦٧

حجر الذي أبى وأصرّ إلا أن تكون التكنية مرّة واحدة، وقال بامتناع الجمع بين ما جاء في حديث المؤاخاة في حديث عمار، وبين ما جاء في حديث سهل بن سعد, ثم قال: ولم يظهر من تعليله امتناع الجمع فإنه ممكن بمثل ما جمعوا به بين الحديثين قبله, فيكون كنّاه ثلاث مرّات:

أولها: يوم المؤاخاة في المسجد.

وثانيها: في هذه الغزوة في نخل بني مدلج.

وثالثها: بعد بدر في المسجد لما غاضب الزهراء (؟) وإنما يمتنع لو قال في رواية الصحيحين أنه أول يوم كنّاه فيه كما ادعى ابن القيّم.

أقول: أتدري لماذا يصرّ القوم على الالتزام بما جاء في صحيح البخاري في المقام؛ لأنّه ذكر في رواياته أن سبب خروج علي إلى المسجد كان مغاضبته الزهراء, وبذلك يكون علي قد أغضب فاطمة، ومن أغضب فاطمة أغضب رسول الله (صلى الله عليه وآله), ومن أغضب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقد أغضب الله, ومن أغضب الله فقد باء بغضبٍ منه وعذاب أليم؟!

فتكون النتيجة أنّ علياً ما دام مغاضباً للزهراء فهو لا يستحق الولاية, لأنّ الله سبحانه يقول في آخر سورة الممتحنة: {يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَـنُوا لا تَـتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِمْ}(١) وهذا هو بعض المطلوب لمن لا يخفى نصبه وعناده.

ولنترك البخاري وأحاديثه ومن هملج في تركاضه وراءه, فيكفي في رد فرية المغاضبة نفس حديث التسمية بأبي تراب، فإذا عرفنا أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو الذي سمّاه بأبي تراب _ كما مرّ في حديث ابن عباس وحديث عمّار _ عرفنا لماذا كان علي يعتزّ بذلك، ولم يكن أحبّ إلى علي من ذلك الاسم, كما في حديث سهل بن سعد وجابر؛ لأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) سمّاه به دون غيره, وعرفنا كذلك أيضاً لماذا كان بنو أمية ينتقصون علياً بذلك الإسم منذ حياته وحتى بعد وفاته, لأنّهم

١- الممتحنة: ١٣.

٦٨

كانوا يحسدونه وينفذون من وراء سبّه إلى سبّ رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهذا ما أدركه غير واحد من الحفاظ.

فمنهم الحاكم ابن البيع فقد قال: كان بنو أمية تنقص علياً(عليه السلام) بهذا الاسم الذي سمّاه رسول الله(صلى الله عليه وآله), ويلعنوه على المنبر بعد الخطبة مدة ولايتهم، وكانوا يستهزئون به، وانّما استهزأوا الذي سمّاه به، وقد قال الله تعالى: {قُلْ أبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمَانِكُمْ} الآية(١).

ومنهم الحافظ سبط ابن الجوزي, قال في التذكرة(٢) معقباً على قول الحاكم وقد ذكره: والذي ذكره الحاكم صحيح، فإنّهم يتحاشون من ذلك، بدليل ما روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص أنّه دخل على معاوية بن أبي سفيان فقال: ما منعك أن تسبّ أبا تراب، الحديث(٣).

ومنهم أبو رياش قال في شرحه على هاشميات الكميت(٤) كما سيأتي: فجعل ذلك بنو أمية من حسدهم ذماً له٢. انتهى.

والشواهد على ذلك كثيرة، ويكفي أنّ بني أمية كانوا إذا غضبوا على الرجل لموالاته لعلي قالوا له: ترابي. فهذا معاوية _ وهو أول من سنّ السبّ لعلي بذلك _ قال لعبد الله الحضرمي, وقد أرسله إلى البصرة فأوصاه بقوله: ودع عنك ربيعة فلن ينحرف عنك أحد سواهم لأنّهم كلهم ترابية(٥).

وجاء في تاريخ ابن الأثير(٦) في ذكر سرية أرسلها معاوية بقيادة زهير بن

١- التوبة: ٦٥ _ ٦٦.

٢- تذكرة الخواص: ٤.

٣- صحيح مسلم ٧: ١٢٠.

٤- شرح هاشميات الكميت: ٣٦.

٥- تاريخ ابن الأثير٣: ١٦٥.

٦- المصدر نفسه ٣: ١٦٥.

٦٩

مكحول العامري لتغير على أطراف السماوة, وبلغ الإمام علي(عليه السلام) فأرسل سرية بقيادة الحلاّس بن عمير لردّ عادية الغزاة، جاء في تلك الحادثة قول الغزاة لراعٍ هناك: أين أخذ هؤلاء الترابيون؟

وجاء في حديث الحجاج مع الحسن البصري, وقد سكت عن الخوض في سب الإمام: ترابي عراقي(١).

ويكفي في شيوع ذلك اللقب على الشيعة ما جاء في مختصر فتح رب الأرباب بما أهمل في لب الألباب من واجب الأنساب(٢): (الترابي) إلى أبي تراب كنية أمير المؤمنين _ كرّم الله وجهه _ وهو في أيام بني أمية من يميل إلى أبي تراب المذكور، وعلى ذلك جاء قول الكميت بن زيد الأسدي(٣):


وقالوا ترابيّ هواه ورأيهبــذلك أدعــى فيهم وألقّب
على ذلك أجرياي فيكم ضريبتيولو أجمعوا طُراً عليّ وأجلبوا

نعود فنقول: إذا عرفنا جميع ذلك فهل يبقى مجال لمجرد التوهم _ فضلاً عن الظن واليقين _ أن علياً أحبّ أن يكتني بأبي حرب، وهو الذي كانت كنيته أبا تراب، وكنّاه بها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكانت أحبّ كناه إليه؟ يا ترى ما الذي حدث لأن يحب ثانياً غير حبه الأول؟ وهل أبقى الحب الأو ل مكاناً ليحب ثانياً أن يكتني بأبي حرب؟

نعم, اللهمّ إلاّ أن يطرأ طارئ فيزيل الحب الأول عن مكانه, وهذا لم يحدث أبداً، إذن ما الذي حدث حتى ذكروا أنّه أحب حرباً وأحب أن يكتني بأبي حرب؟ إنّ كل ما حدث هو أنّ الحكام الأمويين اتخذوا بطانة سوء, تضع لهم ما

١- شواهد التنـزيل للحسكاني١: ٩٤ _ ٩٥.

٢- مختصر فتح رب الأرباب: ١٠.

٣- الهاشميات: ٣٦ _ ٣٧.

٧٠

يشاؤون من أحاديث بحسب أهوائهم، فكان حديث حبّ الاكتناء بأبي حرب من بعض تلك المفتريات.

أولاً: فهم بهذا الحديث قد رفعوا بضبع جدهم حرب إلى أن جعلوا مثل الإمام يحب أن يكتني به.

ثانياً: بهذا الحديث قد ضيّعوا فضيلة للإمام علي, وهي كنيته بأبي تراب التي كنّاه بها رسول الله (صلى الله عليه وآله), وكانت أحبّ كناه إليه.

ثالثاً: وهم بهذا الحديث قد تزيدوا وتزايدوا في انتقاص الإمام, إذ اختلقوا له سبباً هو مغاضبة الزهراء (عليها السلام)، وبذلك يكون علي ممّن أغضب فاطمة, ومن أغضبها فقد أغضب رسول الله (صلى الله عليه وآله), كما مرّت الإشارة إلى ذلك.

كل ذلك رواه لهم رواة السوء، وأثبته من جاء بعدهم في كتبهم أمثال البخاري ممّن لا يخفى نصبه وعناده.

رابعاً: جعلوا من حديث الاكتناء بأبي حرب دليل اثبات على ولادة المحسن السبط (عليه السلام) على عهد جده النبي(صلى الله عليه وآله)، وهذا هو بيت القصيد في معزوفة الأمويين، وزادوا في الطين بلّة أن تقوّلوا على الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) بأنه قال: ((أما حسن وحسين ومحسن فإنّما سمّاهم رسول الله(صلى الله عليه وآله), وعقّ عنهم, وحلق رؤوسهم, وتصدّق بوزنها، وأمر بهم فسرّوا وختنوا)).

وهذا ما أخرجه الطبراني وابن عساكر فيما نقله عنهما المتقي الهندي في كنـز العمّال(١), وبذلك يكون الستار قد أسدل على جريمة قتله سقطاً، وهو حمل لم تكتمل شهور حمله.

وهذا هو المطلوب للأمويين وأشياعهم، ولسوف نقرأ في النقطة السادسة أنّ هذا ما وراء الأكمة.

١- كنـز العمال ١٦: ٢٦٨.

٧١

وقبل أن أودّع القارئ في حديثي عن كنية الإمام بأبي تراب أحب له أن يقرأ ما قاله أمير الشعراء أحمد شوقي حين يخاطب الإمام بكنيته تلك، ويستعرض بأسى ومرارة ما لاقاه من أولئك الذئاب على حد تعبيره، فاقرأ ما يقوله في كتابه دول العرب وعظماء الإسلام(١):


مالك والناس أبا ترابليس الذئاب لك بالأتراب
هم طرّدوا الكليم كل مطردِوأتبعوا عصاه بالتمرّدِ
وزيّن العجل لهم لما ذهبوافتتنوا بالسامريّ والذهب
وبابن مريم وشوا ونمّواواحتشدوا لصلبه وهمّوا
وأخرجوا محمداً من أرضهوسرحت ألسنهم في عرضه

إلى أن قال:


وهب من لحقّك اختلسوفجعوك بالصلاة في الغلس
واشرقوا الحسين بالدماءملوّحاً بين عيون الماء
فاسم سُمُوَّ الزاهد الحواريفي درجات القرب والجوار
إن زال مُلك الأرض عنك من مَلَكيا طول مُلكٍ في السماء تم لك

١- دول العرب وعظماء الإسلام: ٥٨ .

٧٢

النقطة السادسة
ماذا وراء الأكمة ؟

النقطة السادسة: وأخيراً _ لا آخراً _ ماذا وراء الأكمة من تعتيم وظلمة لتضليل الأمة؟

لقد سبق منّا في استعراض البيانات السابقة ما انتهينا إليه من النتائج التالية, ففي البيان الأول قرأنا:

كشفاً بمصادر الحديث المزعوم في حب علي أن يكتني بأبي حرب، واستعرضنا اختلاف صوره والتفاوت تزيّداً ونقصاناً في حديث الراوي الواحد في المصادر.

وقرأنا في البيان الثاني حال رجال الاسناد, وما قاله أئمة الجرح والتعديل منهم، وانتهينا إلى زيف حالهم, وقرأنا في البيان الثالث عن متن الحديث النقاط الخمس الآتية, فكانت النتائج كما يلي:

في النقطة الأولى حول تحقيق اسم (حرب) وهل هواسم معنى أم أسم علم؟ وأنّ المطلوب لصنّاعي الحديث هو الثاني.

وفي النقطة الثانية كان التحقيق في اسم (حرب) هل كان محبوباً أو مبغوضاً، وانتهينا إلى أنّ اسم حرب من الأسماء المبغوضة.

وفي النقطة الثالثة بحثنا عن السرّ وراء إصرار الإمام على التكنية بأبي حرب مع أنّه اسم مبغوض شرعاً، وما يعني منه ذلك الإصرار المزعوم _ إن صدق رواة الأخبار _ وانتهينا إلى أنّ سماسرة الوضاعين أرادوا تشويه تاريخ الإمام باثبات مخالفاته _ كما يزعمون _ لما جاء عن النبي(صلى الله عليه وآله).

وفي النقطة الرابعة استعرضنا تاريخ حرب وآل حرب, ومواقفهم من علي وآباء علي مما لا يمكن تصديق أن يكون علي يحب أن يكتنى باسم عدو لدود

٧٣

هو وآله لعلي وآله.

وفي النقطة الخامسة بحثنا موضوع كنى الإمام، وهل كانت له كنية قبل أن يولد له ولد فيكنّى به؟ وأثبتنا أنّه كان يكنّى بأبي تراب، وهي كنيته لم يعرف بها أحد سواه، وهي كانت من أحبّ كناه إليه، لأنّ النبي(صلى الله عليه وآله) هو الذي كنّاه بها، كما أنّها كانت من أبغض كناه إلى أعدائه، فكان بنو أمية يستهزئون بها، ويعيّرون شيعته بها، ويأمرون بسبّه بها.

وما حديث سهل بن سعد الساعدي إلا في ذلك, قال أبو الفرج في مقاتل الطالبيين(١): وذكر سهل بن سعد الساعدي أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) كنّاه بأبي تراب، وكانت من أحبّ ما يكنّى به إليه، وكانت بنو أمية دعت سهل إلى أن يسبّه على المنبر, ثم ساق أبو الفرج حديث سهل في سبب الكنية، وفي آخره قال: وكنّا نمدح علياً إذا قلنا له أبو تراب.

وذكر أيضاً قول سهل: إن كان لأحب أسماء علي إليه أبو تراب، وان كان يفرح أن يدعى بها, وما سمّاه بذلك إلاّ رسول الله (صلى الله عليه وآله).

وهذا كله، وجميع ما مر من نقاط بالغة الأهمية، ليس بذي بال، إذا ما رجعنا إلى الحديث المزعوم ، ورأينا ما في غيابته وغياهبه، من مزاعم مكذوبة تثبت ولادة (المحسن) الوليد الثالث من أولاد علي الذكور على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وبهذا بدت غياهب الظُلمة من الظَلَمة, وبدأت نسائج الأفاكين تلفّ حقائق الواقع المرير عن أنظار الأمة، لتختفي معالم الجريمة، ويلفّها الغموض ولا أقل من الشك في مأساة ولادة المحسن السبط، هل هو مولود أم سقط؟

وهذه هي الغاية في تلبيس إبليس من أصحاب التدليس, لغرض التشويه والتمويه، فوضعوا حديث الإكتناء بأبي حرب، ولو لم يحصل لهم إلا الطعن في

١- مقاتل الطالبيين:٢٥، وانظر تاريخ بغداد ١: ١٣٣، مرآة الجنان١: ١٠٨؛ ومسند أحمد٤: ٢٦٣؛ وإرشاد الساري للقسطلاني٦: ١٣٨؛ وعمدة القاري٢٢: ٢١٤؛ وصفة الصفوة٤: ١٤٥.

٧٤

شخصية الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) طعناً لا هوادة فيه، إذ طعنوه في دينه، وطعنوه في سلوكه، وطعنوه في فهمه وعلمه، كل ذلك ما يوحي به حديثهم المزعوم, والذي رواه الخصوم، وتسرب إلى غيرهم ممّن أحسن ظناً بهم، دون الالتفات إلى ما يقتضيه لو التفت إليه.

ولا أود أن أستبق النتائج السيّئة لهذا التعتيم المتعمد، بل علينا أن نقرأ عن (المحسن) شيئاً نستجلي به حقائق الأمور ، وأقولها بكل صراحة ومرارة ، إنّ هذا الوليد لئن ظلم عن عمد من أعداء أبيه وأمه ، فقد ظلم عن غير عمد من شيعة أبيه وأمه أيضاً ، حيث نجد مصادرهم المعنية بذكره تمر على ذكره مروراً عابراً، ولم يخص _ ولو بشيء يسير _ كما خص أخواه الحسن والحسين٨.

ولا أعني بتآليف خاصة، لأنّه لم ير نور الحياة الدنيا حتى يكون له دور فيها، بل أسقط جنيناً ولما تكتمل مدة حمله.

ولهذا فإنّي ليس عندي من جديد عنه سوى ما أسجله مما وصلت إليه يدي من مختلف المصادر السنيّة حول موته ، عسى أن أكون قد أديت بعض حقه في نصرته مظلوماً ضاع حقه في الحياة كما ضاع قبره بعد الممات , وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

جاء في معجم الطبراني الكبير(١) ما رواه عبد الله بن عمر قال: بينما أنا مع النبي(صلى الله عليه وآله) في ظل بالمدينة وهو يطلب علياً٢، إذ انتهينا إلى حائط، فنظرنا فيه، فنظر إلى علي وهو نائم في الأرض وقد اغبرّ فقال: (لا ألوم الناس يكنونك أبا تراب) فلقد رأيت علياً تغيّر وجهه واشتد ذلك عليه فقال: (ألا أرضيك يا علي؟) قال: بلى يا رسول الله قال: (أنت أخي ووزيري تقضي ديني وتنجز موعدي وتبرئ ذمتي، فمن أحبّك في حياة مني فقد قضى نحبه، ومن أحبك في حياة

١- المعجم الكبير للطبراني ١٢: ٣٢١.

٧٥

منك بعدي ختم الله له بالأمن والإيمان، ومن أحبك بعدي ولم يرك ختم الله له بالأمن والإيمان وآمنه يوم الفزع الأكبر، ومن مات وهو يبغضك يا علي مات ميتتة جاهلية يحاسبه الله بما عمل في الإسلام).

أقول: لقد علّق السلفي محقق الكتاب فقال: قال في المجمع (٩/ ١٢١) وفيه من لم أعرفه، قلت: _ والقائل هو السلفي _ يقصد عبد الله بن محمد الطهوي، ومع هذا فيه ليث بن أبي سليم وعرفت حاله، ومحمد بن يزيد أبو هشام الرفاعي وهو ضعيف.

أقول: إنّ الخدش في اسناد هذا الحديث بضعف وجهالة بعض رجاله تهرباً مما جاء في آخر متنه مما ينطبق على السلفي وأضرابه، مع أنّهم يقولون كما قال إمامهم وشيخ حديثهم الإمام أحمد بن حنبل: فهذه الرواية ذكرت ما يجري قبل وقوعه، وقائلها النبي(صلى الله عليه وآله): { وَمَا يَـنْطِقُ عَنِ الهَوَى إنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَى}(١).

وقد صدّق الخبرُ الخَبر، وجاءت الأخبار بحدوث ما جرى يوم الاسقاط، وليس هو عند من رواه كان كشهاب برز فجأة من المجهول, وتوهج ساعته في الظلام على غير انتظار وانتظام, ثم ذاب وانتهى الأمر وضاع في غياهب الكون الفسيح, لا ليس كذلك, ولا ينبغي أن يتخيل بأنّه حدث بافتعال, نتيجة تشنّج وانفعال, لا وليس كذلك.

(فلا شيء في التاريخ يحدث على هذا النحو، لأنّ التاريخ سياق متصل، وإذا ظهرت أمامنا في سياقه فجوات، فهذه الفجوات في الحقيقة حلقات ناقصة في علمنا بما جرى ويجري)(٢).

١- النجم: ٣ _ ٥.

٢- محمد حسنين هيكل / حديث المبادرة: ٤٥.

٧٦

والآن إلى الباب الثاني فيما يخص المحسن السبط (عليه السلام).

٧٧

الباب الثاني:

المحسن السبط مولود أم سقط؟

وفيه ثلاثة فصول:

الفصل الأول :فيمن ذكر المحسن ولم يذكر شيئاً عن ولادته ولا عن سقوطه .

الفصل الثاني :فيمن ذكر المحسن السبط وانّه مات صغيراً .

الفصل الثالث :فيمن ذكر المحسن السبط وانّه سقط .

٧٨

تمهيد:

والبحث فيه عن المحسن السبط هل مولود أم سقط؟ وذلك من خلال ثلاثة فصول نستعرض فيها ما قاله المؤرخون والنسابون من أهل السنة خاصة.

الفصل الأول: فيمن ذكر المحسن السبط ولم يذكر شيئاً عن ولادته ولا عن سقوطه.

الفصل الثاني: فيمن ذكر المحسن السبط وانّه مات صغيراً.

الفصل الثالث: فيمن ذكر المحسن السبط وأنّه سقطٌ.

وفي خلال هذا الفصل قد نمرّ ببعض المصادر الشيعية، لأنّها تسلّط الضوء على ما أبهم ذكره، واستبهم _ عن عمد _ أمره.

ولابد لنا من المرور بالمصادر التاريخية التي ذكرت المحسن كحقيقة ثابتة، لها وجود خارجي وليس وجوداً ذهنياً أو خيالاً وهمياً.

وليكن البحث في المصادر السنية المعتبرة لدى الباحثين، لنرى من هم من أصحابها الذين ذكروا المحسن، سواء ذكروه مولوداً، أم قالوا عنه مات صغيراً، أم قالوا عنه مات سقطاً(١).

١- وتمادى الغي ببعضهم فقالوا: إنّ محسناً ولدته فاطمة في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) سقطاً، وقد أشار اليهم الحافظ ابن شهرآشوب السروي في مقدمة كتابه مناقب آل أبي طالب ١: ٥ . بقوله: وجماعة من السفساف_ الرديّ _ حملهم العناد على أن قالوا: كان أبو بكر أشجع من علي، وأن مرحباً قتله محمد بن مسلمة ، وأن ذا الثدية قتل بمصر ، وأن في أداء سورة براءة كان أبو بكر أميراً على علي ، وربما قالوا: قرأها أنس بن مالك، وأنّ محسناً ولدته فاطمة في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) سقطاً، وأن النبي (صلى الله عليه وآله) أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم, وان صدقة النبي كانت بيد علي والعباس فمنعها علي عبّاساً فغلبه عليها، ومن ركب الباطل زلت قدمه وزيّن لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وما كانوا مستبصرين، انتهى.

٧٩

ومن المجازفات الخطيرة إنكار وجوده بعد أن نجد ما يناهز المائة مصدر من المصادر تذكره, ولا يختص الشيعة بذكره، والإنكار ليس يغني المنكر شيئاً, ولئن قال عمر أبو النصر: (واختلف المؤرّخون في وجوده كما قدمنا، وإن كان اليعقوبي والمسعودي وغيرهما يؤكدون وجوده)(١)(٢), وقال أيضاً نحو ذلك وذكر المسعودي, وأبا الفداء(٣)، فإنّا سنذكر المصادر التي نيّفت على المائة وليس بينها المسعودي واليعقوبي, لئلاّ يقال أنّهما من الشيعة.

ثم من الطبيعي أن نقرأ أولاً كتب الأنساب؛ لأنّها تعد من المصادر التاريخية التي يرجع إليها في مثل المقام، ولأنّها تعنى بذكر الأعقاب، غير أنّا نرى بعضها أهملت ذكر المحسن، فلا نقف عندها طويلاً في الحساب، فلعلّ بعضها إنّما لم تذكره سداً لباب السؤال والجواب، فمتى ولد وكم عاش؟ وكيف انتهى أمره؟ وفي الجواب على ذلك يعني كشف ما لا يريدون البوح به، إما تقية، أو ستراً على بعض الرموز.

ومهما كان السبب فلنا في المصادر التي ذكرته كفاية، وأصحابها كلّهم من أعلام المؤرخين والنسابين، وهم من أهل السنة، وإنّما اخترناهم من بين سائر الفرق؛ لأنّهم أحرى بالقبول عند الخصم المنكر للمحسن، وأبعد عن تطرق الريب فيما يروون مما فيه إدانة السلف، وألزم للمعاند من الخلف، على أنّ المصادر الشيعية هي أوثق نقلاً في المقام، وأقوى حجة عند الخصام، ولكن لا

١- الحافظ بما أراد جعل موت المحسن سقطاً في أيام النبي (صلى الله عليه وآله) ما سيأتي تعقيباً على الفصل الأول.

٢- فاطمة بنت رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) :٤٤.

٣- المصدر نفسه: ٩٣، في الهامش.

٨٠